مقالات ثقافية

كشكول الوائلي _ 142

كشكول الوائلي _ 142

المبحث الثاني: إفرازات الهجرة الشريفة

وهكذا استدعى النبي صلى الله عليه وآله الإمام عليا عليه السلام فأضجعه مكانه، وخرج. ولنا أن نسأل: ما هي الخطوات التي خطاها رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله؟ وهل كان فيها إيحائية وتدريب الناس؟ نعم كان كلّ ذلك ممّا يمكن إجماله بالآتي:

أولاً: وضع قاعدة إنسانية على مستوى الممارسة الفعلية

فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بهجرته الشريفة يكون قد وضع لنا قاعدة إنسانية ربما احتجنا أن نمارسها في حياتنا العملية. فنحن عندما نزرع أرضا ولا تنبت يحب أن ننتقل لأرض اُخرى نزرعها، وهذا عين ما فعله النبي الأعظم صلى الله عليه وآله؛ حيث إنه بقي في مكة ثلاث عشرة سنة ولم يجنِ إلاّ الحجارة، ولم يتّبعه إلاّ قليل، فرأى أن التربة غير صالحة لبذر الرسالة ونموّها، وأن المناخ غير صالح، فلا بدّ أن ينتقل إلى مناخ آخر. ذلك أن الناس معادن؛ فبعضهم خسيس كالأرض البور، يقول القرآن الكريم: وَكَانُوا قَوْما بُورا(1).

أي أنهم أرضية ليس فيها خير ولا تعطي أي نتيجة. فهؤلاء تذهب معهم كلّ الحلول سدى وإن تكرّرت عدّة مرّات. وفي مثل هذا الحال يجب تركهم: إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَـبْتَ(2)؛ ولذا اضطرّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أن ينقل الدعوة من بيئة إلى اُخرى. وهذا سلوك إنساني يفعله المصلحون حينما يرون أنهم لم يفلحوا في مكان فيعمدوا إلى أن ينقلوا حركتهم إلى مكان آخر.

فنبينا صلى الله عليه وآله أراد أن يؤصّل هذا المعنى في نفوسنا، فقنّن لنا فكرة أن الناس كالأرض ليس لبعضهم القابلية على الإنبات، فانتقل بحركته الشريفة إلى دار اُخرى.

وهذا ـ ببالغ الأسف ـ ما حصل مع إمامنا علي بن أبي طالب عليه السلام ، فلم تعطِه التربة حقّها، وكان مظلوما، (نسأل اللّه‏ أن يجعلنا ممّن يبجّل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأصحابه، لأنهم الواسطة بيننا وبين رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله للوصول إلى عقائدنا)، لكن ينبغي ألاّ نتعدّى القرآن الكريم حيث وضع لنا منهجا في ذلك فقال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * اُوْلَئِكَ المُـقَـرَّبُونَ(3). فمن أصحاب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله من يعبّر عنهم القرآن الكريم بقوله: خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحا وَآخَرَ سَيِّـئا(4) وعبّر عن جماعة اُخرى بقوله: وَمِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ(5). وبهذا فإن منهجنا منهج القرآن لا يعدوه، وهو قد ذكر أ نّه: لا يَسْتَوِي أصْحَابُ النَّارِ وَأصْحَابُ الجَنَّةِ(6) و هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ(7).

فهذه أول خطوة للرسول صلى الله عليه وآله، وهي نقل الدعوة، وقد أثمرت في البيئة الجديدة ثمرا رائعا؛ حيث إن الأنصار احتضنوها وقاموا بها.

يتبع…

_________________

(1) الفرقان: 18، وقال تعالى: « وَكُنْتُمْ قَوْما بُورًا » الفتح: 12.

(2) القصص: 56.

(3) الواقعة: 10 ـ 11.

(4) التوبة: 102.

(5) التوبة: 101.

(6) الحشر: 20.

(7) الزمر: 9.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الخطيب الملاّ حسين الشبيب

المتوفّى سنة ( 1369 )

ويقول أيضاً في رثاء الإمام العسكري عليه السلام:

يا نفس ذوبي يا حشاي تفطّري *** حزناً على الحسن الإمام العسكري

واجري المدامع يا عيوني حسرة *** وعلى الخدود من المحاجر فامطري

وابكي لمن بكت السماء لفقده *** شجواً وناح له سماك الأزهرِ

وبكت له الأملاك في ملكوتها *** والدين أصبح وهو دامي المحجرِ

اللّه‏ أكبر كيف غادره الردى *** واصطاده شبك الظلوم المفتري

واغتاله غدراً ودسّ له ضحى *** سمّاً فغادر شبل ساقي الكوثرِ

وأذاب قلب الدين وانكسر الهدى *** وانهدّ شامخ عاليات المفخرِ

والعرش ماد وأظلمت شمس الضحى *** والخسف حلّ على الهلال النيّرِ

والكائنات تزلزلت لمصابه *** وبكاه كل مهلل ومكبّرِ

والخلق عجت بالنياحة والبكا *** اللّه‏ أكبر يا جبال تفطّري

وأقامت الدنيا عليه مآتما *** لا تنقضي أبدا ليوم المحشرِ

والجن ناحت والجبال تدكدكت *** والوحش ناح له دوام الأدهرِ

وغدا له جبريل في اُفق السما *** ينعى ومدمعه كموج الأبحرِ

جهرا ينادي بعد نجم المصطفى *** يا شهب غيبي يا شموس تكوّري

اللّه‏ أكبر يا ليوم قد غدا *** فيه ابن حيدرة فريسة مفترِ

يوم بسامرّا أطلّ على الهدى *** ورماه بالخطب العظيم المذعرِ

وأطاح من دين النبي دعامة *** ورمى البرية بالمصاب الأكبرِ

وأفاض من عين النبي مدامعا *** لمصابه تحكي سحاب الأمطرِ

وأفاض من عين البتولة دمعها *** حزنا كما فاضت مدامع حيدرِ

وبكت له العليا شجا وله بكى الـ *** ـبيت الحرام ومن بوادي المشعرِ

وبكى له من في المدينة ثاويا *** حزنا وناح له أسى من في الغري

يتبع…



كشكول الوائلي _ 141

كشكول الوائلي _ 141

عمليّة الهجرة اشترك فيها أكثر من صحابي

وعملية الهجرة اشترك فيها عدّة أشخاص؛ فأبو بكر خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وعلي نام في فراشه، وقسم من الصحابيّات هيأن طعاما للنبي صلى الله عليه وآله، وآخرون هيّؤوا الراحلة. فهذا إسهام في العملية، فلا بدّ من ذكر أي فضل أو إسهام لأي أحد في هذه العملية. وهذا هو التاريخ السليم، حيث تسلط فيه الأضواء على الأشخاص كافّة، وأما التسليط على جزء دون آخر فهذا عيب ونقص، وهذا ما نجده عند بعض المؤرّخين، وهو شيء يؤسف له. فالنبي صلى الله عليه وآله خرج بهذه العملية الجماعيّة في حين أن الضوء لم يسلط على علي بن أبي طالب عليه السلام.

ولتقريب المعنى بحدث آخر نذكر أن ابن كثير حينما يمرّ بحادثة الدار يذكر أنه عندما نزل قوله تعالى: وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ(1)، أرسل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله خلف أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: «اصنع طعاما لأربعين رجلاً».

فصنع لهم علي عليه السلام طعاما، وكان فخذ جزور وعسّا من اللبن، وكان عددهم أربعين فأصدرهم شباعا، ولم ينقص من الطعام شيء، ثم قال لهم رسول اللّه‏: «لو قلت لكم وراء هذا الجبل قوم يريدون غزوكم، هل كنتم تصدقونني؟». قالوا: بلى، لأننا ما عرفنا منك كذبة وأنت الصادق الأمين. قال: «واللّه‏ لقد جئتكم بخير ما جاء به وافد إلى قومه، قولوا: لا إله إلاّ اللّه‏ تفلحوا».

فقام إليه عمّه أبو لهب وقال له: ألهذا جمعتنا؟ تبّا لك. فهبط القرآن الكريم ليقول: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(2).

ولم تؤثّر تلك الواقعة في نفس النبي صلى الله عليه وآله أبدا، فكرّر الدعوة وأمر عليا عليه السلام بصنع الطعام ففعل، ووقف رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله ليقول لهم: «من منكم يتبعني على هذا ليكون أخي ووزيري وخليفتي من بعدي؟». فلم يقم إلاّ علي عليه السلام ، وهو أصغر القوم سنّا، يقول عليه السلام : «قلت: أنا يا رسول اللّه‏. فقال: اجلس. وفي الثانية قمت فقلت: أنا يا رسول اللّه‏. فقال: اجلس». وفي الثالثة أمسكه من رقبته فقال: «هذا أخي ووزيري وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا».

فخرج القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: إنه يأمرك بطاعة ولدك(3).

لكننا نجده يقول: لقد أمسكه من عنقه وقال كذا وكذا، فهل يظن أنه بقوله يهدمه؟ الحقيقة أنه إنما يسيء لنفسه ولتاريخه. إن عندنا نجوما مضيئة تعطي تاريخنا روحا، فعليّ عليه السلام رجل صنعته السماء ولا يمكن أن تقضي عليه الأرض، فهذا عبد العزيز بن مروان يقول: ما بنت الدنيا شيئا إلاّ وهدمه الدين، وما بنى الدين شيئا واستطاعت الدنيا أن تهدمه(4). يقول أحد الاُدباء:

سيدي كلما تلبّد اُفق *** وتجنّى بعصفه الديجورُ

وتمادت صحائف خطّ منها *** قلم الحقد والهوى والزورُ

فحباهم عطفا وطيبا كما يفـ *** ـعل إن زج باللهيب البخورُ

وتمهّل أبا تراب فدون الـ *** ـشتم من حولك الفضائل سورُ

إن أشادت بك السما وأفاضت *** أيّ ضير لو سبّك المأجورُ

يتبع…

______________________

(1) الشعراء: 214.

(2) المسد: 1، انظر مناقب آل أبي طالب 1: 43.

(3) شرح الأخبار 1: 107.

(4) اختلف المؤرّخون في نسبتها لقائلها؛ ففي بحار الأنوار 42: 19، أنه الوليد بن عبد الملك، وفي شرح نهج البلاغة 9: 64، المحاسن والمساوئ (البيهقي): 77، البيان والتبيين 2: 173، أنه لعبد اللّه‏ بن عروة بن الزبير.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الخطيب الملاّ حسين الشبيب

المتوفّى سنة ( 1369 )

ويقول في رثاء أبي الفضل العباس عليه السلام:

هِزبر كميّ من بني هاشم العلا *** حمى حوزة الإسلام في يوم كربلا

هِزبز كميّ فارس شاع ذكره *** به تكشف الضرا ويستدفع البلا

غيور تقي عابد متهجّد *** بمدحته نشر المدائح قد حلا

شجاع مطاع واسع الباع أروع *** على هامة العلياء مفخره علا

سموح سخي بالمكارم ضيغم *** يعدّ ورود الموت شهداً معسّلا

حمى حوزة الإسلام والدين والهدى *** وجاهد دون ابن النبيْ فسما علا

غداة عليه عصبة البغي ألّبت *** جموعاً وأجناداً يضيق بها الفلا

وساقت عليهم آل حرب كتائباً *** كسيل تراه قد تحدّر من علا

فكرّ عليهم شبل حيدر كرّة *** بها القوم قد خفّوا من الرعب ذهّلا

وصال عليهم صولة حيدرية *** بها الكون بالرجف المريع تزلزلا

سطا وانتضى عزماً وحزماً وصارما *** وكبّر في وسط العجاج وهلّلا

وأقبل يلقى الدارعين بهمة وأر *** وى فجاج الأرض من سافح الطلا

كأنْ كل عضو منه جمع مدرع *** من اللّه‏ بالنصر العزيز تجلّلا

فعادت اُلوف القوم آحاد في الورى *** ولم ترَ إلاّ عافراً أومجدّلا

وعارٍ على الغبرا تسيل دماؤه *** تراه عفيراً في التراب مرملا

يصول بعزم ثابت ومهند *** فيسقيهُمُ مراً مدافاً وحنظلا

يخوض غمار الموت فرداً مجرحاً *** ويصدم أجناد الضلالة مقبلا

يكرّ فتلقى الخيل حين يروعها *** حمائم فيها الصقر حلّق مذ علا

فليت عليا حين يرنوه في الوغى *** وينظره لما على الجمع صوّلا

يكشّ كشيش الفاع يرفل باللوا *** ركيناً وأهل الخيل كلّ ترجّلا

إلى أن هوى فوق البسيطة عافرا *** ينادي حسيناً خير من وطئ الفلا

فجاء إليه السبط يدعو بعولة *** يناديه يا غوثي إذا عظم البلا

يتبع…



كشكول الوائلي _ 140

كشكول الوائلي _ 140

دروس من الهجرة

وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ(1).

مباحث الآية الكريمة

المبحث الأوّل: في تحديد مفهوم الهجرة وأقسامها

ترتبط الآية الكريمة بموضوع الهجرة النبوية الشريفة، والهجرة فيها دروس كثيرة وعبر ضخمة. وقد حدثت الهجرة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله بثلاث عشرة سنة، حيث إن جبرئيل عليه السلام هبط على النبي صلى الله عليه وآله وأمره بها. وكان عمره الشريف عندما هاجر ثلاثا وخمسين سنة. وقد سبقت هجرته الشريفة بعض القضايا، كما أن بعضا منها وقع بعدها؛ فهنا مرحلتان: الاُولى ـ أي مرحلة ما قبل الهجرة ـ وكانت مرحلة تأصيل العقائد، أمّا المرحلة الثانية ـ أي مرحلة ما بعد هجرته صلى الله عليه وآله ـ فكانت مرحلة تأسيس الدولة.

وقد سارع النبي صلى الله عليه وآله إلى الهجرة؛ لأن المشركين قد ألجؤوه إلى ذلك، حيث إنهم عقدوا اجتماعا لهم في دار الندوة ـ وهو ما يعبّر عنه باصطلاح اليوم «البرلمان» ـ لتدارس فكرة اغتيال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.

ولم تكن دار الندوة حينذاك تقتصر على الرجال فقط، بل اشترك فيها حتى النساء؛ حيث كانت اُخت أبي سفيان (عمّة معاوية) وزوجة أبي لهب عضوا فيها، وكانوا يتبادلون الآراء، فأجمع رأيهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله؛ لأنه يشكّل خطرا عليهم. فهؤلاء أرادوا أن يحصّنوا أنفسهم منه بأحد طرق ثلاثة: فجماعة طرحت فكرة الحبس، وجماعة اُخرى قالت: نبعده عنّا، وجماعة ثالثة قالت: نقتله. وطريقة القتل أن يقتلوه جميعا بسيوفهم دفعة واحدة فيضيع دمه بين القبائل، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو الفضل أن يطالبوا بدمه صلى الله عليه وآله.

فاستقرّ الرأي على الأخير وصار القرار أن ينفّذوه في الليلة التي هاجر فيها صلى الله عليه وآله، فهبط جبرئيل عليه السلام فأنزل الآية: وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ. والمكر من الإنسان: الحيلة والتصرّف الغادر، لكنه من اللّه‏: إبطال الحيلة. وهو من باب المقابلة، فنحن نقرأ في القرآن: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا(2)، فهذه سيّئة من باب التقابل؛ جريا على قاعدة العرب؛ حيث يقول شاعرهم:

ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا *** فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا(3)

فيسمون التقابل باسم الفعل. فهنا المكر من اللّه‏ ردّ لمكرهم إلى أعناقهم. ثم بيّن له جبرئيل عليه السلام أنه لابدّ أن يخرج ويبقي أحدا مكانه؛ حتى يوهمهم أنه ما يزال نائما في فراشه، وقال له: « إن اللّه‏ يأمرك أن تضجع عليا مكانك ». فاستدعى النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام ، وقال له: «ياعلي، إن اللّه‏ أمرني أن اُضجعك مكاني هذه الليلة وأن تعتجر بردائي وتنام مكاني». فقال له الإمام عليه السلام : «يا رسول اللّه‏، إذا نمت مكانك أو تسلم؟». قال: «بلى». قال: «روحي لروحك الفدا، ونفسي لنفسك الوقا»(1). ثم أخذ سيفه واضطجع مكانه.

يتبع…

__________________

(1) الأنفال: 30.

(2) الشورى: 40.

(3) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته. الأمالي ( المرتضى ) 1: 42، 2: 8، شرح نهج البلاغة 16: 101، 19: 221، الجامع لأحكام القرآن 1: 207، 2: 356.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{52} الخطيب الملاّ حسين الشبيب

المتوفّى سنة ( 1369 )

هو الخطيب الفاضل، حسين بن شبيب بن محمد بن علي آل شبيب، أحد العشائر العربية العريقة المرموقين بالاحترام والتقدير. وقد عرفت هذه العشيرة في بلادهم « اُم الحمام »، بل  في القطيف بالذكاء والفطنة، وجودة الحفظ بصورة عامة، والناظم المشار اءليه بصورة خاصّة، وبلغ به ذكاؤه وفطنته ونظره البعيد إلى أبعد مدى ممّا يتصور ؛ فلذلك طار صيته واشتهر ذكره. فكان رحمه الله رجلاً اجتماعياً دينياً وطنياً، قد انغمس في حب أهل البيت عليهم السلام، فأخذ على عاتقه خدمتهم طيلة حياته، فعقد في داره مجلساً للعزاء عليهم في كل ليلة على الدوام والاستمرار بصورة عامّة، وفي الوفيات وعشرة المحرم بصورة خاصة. وقد نظم فيهم المدائح والمراثي، فجاء من ذلك ديوان بين جزأين: الأول باللغة الفصحى، والثاني باللغة الدارجة، طبعا في النجف الأشرف سنة (1374).

وقد عد فقده خسارة لا عوض لها؛ إذ فاجأه المنون في أواخر صفر سنة (1369)  في مستشفى الظهران على إثر داء عضال استعصى على الأطباء، وخلف وراءه ديوانه المذكور الذي خلف له الذكر الخالد الجميل. وإليك نبذة منه لتذكره بالترحّم عليه :

هلال المحرم

إذا بان للرائي هلال المحرم *** فلبس الأسى حقّ على كل مسلمِ

وحق على كل الأنام وواجب *** بأن يمزجوا دمع المحاجر بالدمِ

وأن يندبوا ندب الثواكل في العزا *** وأن يلطموا الهامات في كلّ مأتمِ

على فتية في الغاضرية قتلوا *** عطاشى بلا جرم بأسياف مجرمِ

وباتوا عطاشى كالضحايا على الثرى *** تغسّلهم بيض الصوارم بالدمِ

أماجيد غلب من ذؤبة هاشم *** وأقمار تمّ من علي وفاطمِ

قضوا عطشاً والماء طامٍ بقربهم *** ولم تروَ منهم غلّة من متيّمِ

وإن أنسَ لا أنسَ حبيب محمد *** غداة بسهم في الحشاشة قد رمي

وناحت عليه الكائنات وأعولت *** عليه البرايا من فصيح وأعجمِ

وناح له جبريل في اُفق السما *** وناحت له أملاكها بترنّمِ

وناح له موسى ونوح وآدم *** وعج له بالنوح عيسى بن مريمِ

وإن انس لا أنسَ عقائل حيدر *** عشية فرت كالقطاء المهيّمِ

مروعة لم تلق عوناً ولا حمى *** سوى ذي بهذي تستجير وتحتمي

تحشّم من عليا قريش أراقما *** ومن آل فهر كل شهم وضيغمِ

فلم لا يجيبوها وهم نصب عينها *** رقود حواليها بجنب المخيّمِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 139

كشكول الوائلي _ 139

الدعوة إلى مراجعة تراثنا العلمي

وعليه فإن أي معنى يحقّق عنوان التخريب فهو حرام في الشريعة الإسلامية؛ والمفروض بنا ألاّ ننسب كل شيء يدعو إلى الخير وسعادة الناس والحفاظ على بيئتهم لأوروپا. وأنا من هذا المنبر أدعو كتّابنا كافّة إلى مدارسة القرآن وكتبنا الفقهية والتفسيرية لاكتشاف هذا الأمر، لا أن يجرّدوا أنفسهم وتراث المسلمين من كل وسيلة لتغطية هذا المجال الحيوي.

إن الإسلام يواكب الإنسان في كل مجالات حياته، ويدخل معه إلى أدقّ تفاصيل هذه الحياة، فهو معه حتى في الحمّام وفي الفراش، وهل يسوغ له ذكر اللّه‏ في تلك المواضع أم لا، وإن ساغ فكيف يكون. وهكذا فإن الإسلام يعالج حتى أبسط القضايا الإنسانية ولا يتركها، وأقلامنا مدعوّة إلى الكتابة في عطاء الإسلام وإنجازاته الحضارية.

إذن الأرض هي الاُم التي تحنو على الإنسان بعد موته، وهي الجانب الرؤوم الذي لا يأنف من أن يستر الإنسان بعد موته وتحوّله إلى قذر تعافه النفس حتى وإن كانت من أقرب أقربائه. فالأرض لا تأنف منه ولا تعافه، بل إنّها تستره وتغطيه وتمنع انتشار الروائح النتنة التي تنبعث من جسمه. والجسم هذا لا يمثل شيئا من الإنسان، بل إن الإنسان إنسان بروحه وفكره وعقله وعلمه وأخلاقه.

ثم إنّ الأرض تضم في رحمها جنودا هائلة تعمل على خدمتها، تلك هي البكتريا التي تفترس الجثث ذات الأمراض الموجودة داخلها فتقضي على كل وباء يمكن أن تسببه لو أنّها تركت دون أن تدفن، ولعادت الأرض بؤرة من بؤر المرض والوباء. وهذا جانب بسيط من جوانب عناية الأرض الاُم بأبنائها.

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الخطيب الملاّ حسين الشبيب

المتوفّى سنة ( 1369 )

وفي رثاء الإمام علي الهادي عليه السلام يقول:

شف قلبي الأسى وذاب فؤادي *** ودموعي جرت كسحب الغوادي   

لمصاب الإمام كنز العطايا *** معدن الجود كعبة الوفّادِ    

مظهر المعجزات شمس المعالي *** مفزع الخلق علّة الإيجادِ    

ركن دين الإله بدر الدياجي *** بضعة المصطفى نجاة العبادِ   

سيد الكائنات غوث البرايا *** شبل حامي الحمى علي الهادي

مات في سرّ من رأى مستظاما *** نازح الدار لم يجد من مفادِ  

فبروحي أفديه لو كان يجدي *** وبأهلي وجملة الأولادِ       

قتلوه بالسم ظلما فأضحى *** لهف نفسي شماتة الحسّادِ    

نال فيه الطغاة أقصى الأماني *** وشفوا منه كامن الأحقادِ     

جرّعوه السموم روحي فداه *** واشتفت منه عصبة الإلحادِ    

وقضى نحبه شهيداً غريباً *** نازح الدار بين أهل العنادِ  

فبكته السماء والأرض حزنا *** وله ذاب قلب صمّ الجمادِ     

وبكى العرش والنجوم تهاوت *** وخبا نور بدرها الوقّادِ     

وأقامت له الملائك طرّاً *** مأتم الحزن فوق سبع شدادِ    

وله الخلق بالكآبة ضجّت *** واستشاط النياح من كلّ وادِ  

والنبيّون في الجنان عليه *** لبسوا للعزا ثياب سوادِ      

وعليه البتول ناحت بدمع *** يجري كالسيل من صميم الفؤادِ

وبكت عين حيدر وبكاه الـ *** ـحسن المجتبى حليف الرشادِ   

وبكاه الغيور ليث السرايا *** سبط طه الحسين صعب القيادِ   

وبكاه بقية اللّه‏ في الخلـ *** ـق اِذ له مال شامخ الأطوادِ

وبكته الأنام شرقا وغربا *** وله جبرئيل أضحى ينادي      

قوّض الدين والهدى والمعالي *** لبست للشجون ثوب الحدادِ     

طاح ركن الإسلام وانهدم الديـ *** ـن وطالت رئاسة الأوغادِ     

مات خير الأنام أزكى البرايا *** خير داعٍ إلى الإله وهادِ   

قبض اليوم سيد الخلق طرّاً *** رحمة اللّه‏ عينه في العبادِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 138

كشكول الوائلي _ 138

تشيّع المتنبي

إن مما يجدر ذكره هنا أنّ المتنبي تلوح عليه سيما التشيّع والميل إلى الجانب العلوي، ومن ذلك ما نقرؤه له:

فوءاد ما تسلّيه المدامُ *** وعمر مثل ما تهب اللئامُ

ودهر ناسه ناس صغار *** وإن كانت لهم جثث ضخامُ

وما أنا منهُمُ بالعيش فيهم *** ولكن معدن الذهب الرغامُ

فشبه الشيء منجذب إليه *** وأشبهنا بدنيانا الطغامُ

ولو لم يعل إلاّ ذو محلّ *** تعالى الجيش وانحطّ القتامُ(1)

ويقول:

أنا في اُمّة تداركها اللـ *** ـه غريب كصالح في ثمودِ

ما مقامي بأرض نحلة اّلاّ *** كمقام المسيح بين اليهودِ(2)

وكان حينما يدخل مصر يلبس العمّة الخضراء، وهي لباس السادة، لكنه نشأ في مكان اضطر إلى أن يخفي مذهبه ويتستّر بعقيدته.

الإسلام يؤسّس لحماية البيئة

إذن فقوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا يؤسّس لقواعد حماية الأرض والبيئة، فلنرَ كيف أنّ هذا الجزء من الآية الشريفة يؤسّس لهذه القضية الحيويّة الهامّة:

أوّلاً: خطر التلوّث البصري

إن آراء المفسّرين حول هذا المقطع الكريم واضحة في أنّ الإسلام هو أوّل من وضع الأسس لحماية اُمّنا الطيبة (الأرض) من كل ما له أثر سلبي وسيّئ على سير الحياة فيها وعليها؛ والشيخ الطبرسي مثلاً يقول في تفسيره لهذا الجزء الشريف: «أمركم بعمارتها بالبناء وغرس الأشجار وعدم الإضرار بها». وهناك الكثير من الأحكام الإسلامية الخاصّة بالمحافظة على البيئة وعدم الإضرار بها، وهي تتناول حتى الضوضاء والضجيج: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ(3). يروى أن رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله كان في غزاة، فأشرفوا على وادٍ، فجعل الناس يهلّلون ويكبّرون ويرفعون أصواتهم، فقال صلى الله عليه وآله: « أيها الناس أربعوا على أنفسكم، أما إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، وإنما تدعون سميعا قريبا معكم»(4).

فلا حاجة لرفع الصوت في مثل هذه المواطن بل اتجه إلى اللّه‏ تعالى بهدوء وادعُه كما تحبّ وبأي شيء تحبّ، كما أنّ الكلام مع الجليس يجب أن يكون بمقدار ما يسمع الجليس.

ثانياٌ: خطر تلويث المياه

ومن أحكام المحافظة على الأرض وعدم إلحاق الضرر بها قوله صلى الله عليه وآله: «ولا يبولن أحد في ماء؛ فإن للماء أهلاً»(5)؛ إذ أن الواجب يقضي بأن على الإنسان أن يراعي مسألة أن غيره سيستعمل هذا الماء للشرب، أو غيره من الاستعمالات التي يجب أن يكون الماء فيها نقيّا طاهرا، وصحيّا؛ لأجل الحفاظ على صحة الإنسان. فهذا النهي وغيره من موارد النهي عن تلويث الأنهر أدلّة واضحة على حثّ الإسلام على عدم تلويث البيئة ووضع القوانين والاُسس لهذا.

ثالثاٌ: خطر تلويث التربة

ومن هذه الاُسس أيضا ما شرعه الإسلام ـ وكان سبّاقا فيه ـ حول إماطة الأذى عن طريق المسلمين، يروى أن السجّاد عليه السلام كان لا يرى حجرا في الطريق إلاّ أماطه.

ولو نظرنا إلى جملة من الأحكام المختصّة بهذا المجال لوجدناها كافّة تنصبّ على حرص المشرّع الإسلامي المقدّس على الحفاظ على البيئة طيبة سليمة نقية من كل ما يدنّسها، وخصوصا اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فإن الإنسان مأمور بإعمار الأرض وإسعاد من فيها لا خرابها وتعاستهم.

يتبع…

_____________________

(1) ديوان المتنبي 2: 101.

(2) ديوان المتنبي 1: 19، معجم البلدان 5: 275، وفيه: نحلة قرية تبعد عن بعلبك ثلاثة أميال.

(3) لقمان: 19.

(4) بحار الأنوار 9: 343، مسند أحمد 4: 394، 403، 407، 418، صحيح البخاري 4: 16، 75، 126، 7: 162، 169، 213، 8: 168.

(5) قريب منه في الخصال: 613، الاستبصار 1: 13 ـ 14 / 25، تهذيب الأحكام 1: 34 / 90، تحف العقول: 102.

 



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{51} الملاّ حسن الفرج العوامي

المتوفّى سنة ( 1364 )

هو الخطيب المفوّه الملاّ حسن بن علي بن عبد اللّه‏ آل فرج العوّامي، أحد أفراد هذه الاُسرة وأعيانها، الذي تفوق بما اُوتي من مواهب على كثير من أمثاله. اتّصل بكثير من العلماء، فاكتسب منهم ماجعله مشاراً إليه، وكان مضيافاً معواناً، ذا أخلاق فاضلة ومزايا كريمة، على جانب من الورع والتقى والصلاح. ضم إلى ذلك كونه طبيباً مصقعاً، وواعظاً مرشداً ماهراً، قوي اللهجة، شديد العارضة، مندمجاً مع جميع الطبقات، محبوباً لدى الجميع.

وكان يقول الشعر باللغتين الفصحى ـ وذلك منه قليل جداً ـ والدارجة، وهو كثير ؛ ولذا لم نتحصل إلاّ على هذه القصيدة.

توفّي رحمه الله بالتاريخ المذكور تاركاً وراءه ذكراً جميلاً، وثناء عاطرا، وأنجالاً صالحين، ( تغمده اللّه‏ بالرحمة، وصب على قبره شآبيب الرحمة والرضوان ). فلنستمع اءليه يقول :

في رثاء الامام علي الهادي عليه السلام

يا تقي العباد يابن الجوادِ *** رزؤك اليوم قد أذاب فؤادي

ودعى مقلتي تصب دموعاً *** بالتهاب وزفرة واتّقادِ

إن همّاً أذاب قلبيَ وجداً *** ليس يقضي وما له من نفادِ

كيف يقضي وفادحات الليالي *** ما لهن انتهاء بل في ازديادِ

اورثت عينيَ الدموع وقلبي *** أورثته الخشوع والأنكالِ

حسبك اللّه‏ يا صروف الليالي *** قد تركتِ جفني حليف السهادِ

وتركتِ قلبي يشبّ ضراما *** للذي ناله علي الهادي

أخرجوه من أرض طيبة كرها *** أحرموه الجوار للأجدادِ

بعد ذا أنزلوه خان الصعاليـ *** ـك ونالوه بالأذى والعنادِ

صيّروه في السجن كرها يريدو *** ن لإطفاء نوره الوقّادِ

جرّعوه سمّا فلهفي عليه *** أفتديه بالأهل والأولادِ

فقضى نحبه علي فأضحى *** بعده الدين فاقداً للعمادِ

وله الكون كاسف اللون حزنا *** وله المجد لابس للسوادِ

وله العسكري أصبح يدعو *** آهِ وا والدي ووا إسنادي



Real Time Web Analytics