مقالات ثقافية

كشكول الوائلي _ 123

كشكول الوائلي _ 123

ومن الموارد التي تقطع فيها اليد حال خروجها للحرابة. والحرابة هي أن يقطع صاحبها الطريق، على الناس، فيسلب وينهب ويعتدي ويسفك الدم. قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (1).

ومن الشواهد على الحرابة ما يرويه البخاري(2) وغيره (3)، أن جماعة من عُرينة دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا له: نحن جئنا وافدين عليك، فأصابنا في المدينة اجتواء ( نوع من الأمراض ). فأمر لهم النبي صلى الله عليه وآله بلقاح (مجموعة من النياق ذات اللبن)، مع راعٍ، وقال لهم: «كلوا منها وتداووا» ـ لأن الناس ذلك الزمان كانوا يتداوون ببعض إفرازات الإبل ـ ثم أعيدوها إلينا؛ لأنها من بيت المال وليست لنا».

فأخذوا النياق، وفعلوا ما قال لهم، إلى أن برئوا. فعمدوا إلى الراعي وقتلوه، ونهبوا النياق، فأمر النبي صلى الله عليه وآله بإتباعهم، فأُتي بهم قبيل الغروب. فقال النبي صلى الله عليه وآله: « قطّعوا أيديهم وأرجلهم ».

فهؤلاء طُبّق عليهم حكم الحرابة؛ لأنهم نهبوا وسرقوا وقتلوا فقطعت أيديهم وأرجلهم. فهذه اليد لم تشكر النعمة، بل وقفت تحارب المسلمين؛ ذلك أن النياق للمصلحة العامة، وهي من أموال المسلمين. والراعي رجل بريء جاء لخدمتهم. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله كرّمهم، لكنهم كفروا بالتكريم؛ ولذا استحقّت هذه اليد أن تقطع؛ لأنها انحرفت، فلم يصبح لها قيمة محترمة.

هذه موارد انحراف اليد. أما الموارد التي إذا قطعت فيها اليد أصبحت عنوان مجد، فهي اليد التي تقطع في سبيل العقيدة، ومنها ما ذكرته الآية الكريمة.

أوّل من قطع اليد

يقول المفسرون: أول من قطّع وصلّب فرعون، وذلك عندما آمن السحرة لموسى عليه السلام ، فقد هيأ فرعون السحرة لموسى عليه السلام وتصور أنه ساحر مثلهم. فلما رأى السحرة ما عند موسى أيقنوا أن ذلك ليس سحرا، وإنما هو معجزة، وقد رأوا العصا تلقف ما يأفكون، ورأوا موسى عليه السلام ليس من سنخ السحرة، بل رأوا أنه يحمل عطاء السماء، وما أراد اللّه‏ له أن يحمله؛ ولذا سجدوا له وآمنوا به. فالتفت فرعون إليهم قائلاً: آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ (4)، ثم قال: لاَءُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَءُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (5)، فقالوا له: اصنع ما شئت(6)، فحتى لو لم تقطعها أنت فإنها تقطع يوما من الأيام شئنا أم أبينا، وستتحول إلى ذرات في القبر. إن قطعها الآن يمثل عنوان شرف، لأنه في سبيل الدفاع عن العقيدة، وهذا مورد من الموارد التي نفتخر بها. وهذا عين ما يعنيه أبو الطيب المتنبي رحمه الله في إحدى روائعه حيث يقول:

ولوَ ان الحياة تبقى لحيّ *** لعددنا أضلّنا الشجعانا

وإذا لم يكن من الموتِ بدٌّ *** فمن العارِ أن تموتَ جبانا(7)

أي لو أننا نعرف أن الحياة تبقى وتدوم، لاعتبرنا الشجاع ضالاًّ؛ لأنه يضيّع حياته. لكنها ستضيع منه ضيعها هو أم لم يضيعها. فالنتيجة إلى الموت حتما.

نعم، قالوا لفرعون: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ. هذه هي النتيجة الطبيعية الحتمية للإنسان. احتضر أعرابي فدخلت عليه بناتُه وهو في النزع، فبكين، فقال لهن: لم البكاء؟ قلن: عليك. قال: إن مت، فإلى أين أصير؟ قلن: إلى اللّه‏. قال: وهل يُحزن على ذاهب إلى اللّه‏؟ ينبغي الفرح لذلك لا الحزن؛ لأنني ذاهب إلى رب الرحمة والعطاء والكرم. إنني ذاهب إلى من غمرت رحمته السماوات والأرض.

فهؤلاء السحرة مطمئنون بالذهاب إلى ربهم؛ لأنهم واثقون به، وهذه اليد التي ستقطع لا تقطع في عار، وإنما تقطع لحظة الدفاع عن العقيدة، فهي في جوّ مشرف. وفعلاً أمر فرعون بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم.

يتبع…

_________________

(1) المائدة: 33.

(2) صحيح البخاري 7: 13، وفيه أنه صلى الله عليه وآله إضافة إلى ذلك أمر بسمر أعينهم.

(3) السنن الكبرى ( النسائي ) 7: 94، السنن الكبرى ( البيهقي )8: 62، تفسير ابن زمنين: 25، وفيها أنه صلى الله عليه وآله أمر بسمر أعينهم كذلك.

(4) الأعراف: 123.

(5) الأعراف: 124.

(6) « إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ » الأعراف: 125 ـ 126.

(7) ديوان المتنبّي 2: 474.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الحاج منصور الجشي

المتوفّى سنة ( 1360 )

نؤثر أن يكون قسم التخميس من نظم هذا الفاضل الحاج منصور في شتى المواضيع، فلنستمع إليه يقول مخمّسا لقول دعبل الخزاعي رحمه الله:

أيا ناعيا إن جئت طيبة مقبلا *** فعرّج على مكسورة الضلع معولا

وحدث بما مضّ الفؤاد مفصّلا *** ( أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا

وقد مات عطشانا بشط فراتِ )

قضى ظاميا ما ذاق للماء برده *** بحر هجير تصهر الشمس خده

فواللّه‏ لو يوما تقومين بعده *** ( إذن للطمت الخدّ فاطم عنده

وأجريت دمع العين بالوجناتِ )

ويقول مخمسا والأصل لغيره:

يا سائلي وشظايا القلب في شجنٍ *** هل جهزوا لغريب مات ممتحن

أجبته بفؤاد خافق وهنٍ *** ( ما غسلوه ولا لفوه في كفنٍ

يوم الطفوف ولا مدوا عليه ردا )

يا ميتا ترك الألباب حائرة *** تناوشته سهام البغي رامية

وأعظم الخطب في الإسلام داهية *** ( عارٍ تجول عليه الخيل عادية

حاكت له الريح ضافي مئزر ورِدا )

ويقول مخمسا والأصل لغيره :

ما خلت يا فلك العوالم والذرا *** أن تستميل لقى ويعلوك الثرى

أ اُميت جاهك أستجير لما أرى *** ( أنعم جوابا يا حسين أما ترى

شمر الخنا بالسوط كسّر أضلعي )

أو ما ترى ما نحن فيه من العنا *** لا راقب في اللّه‏ يرحم أسرنا

وبمن نؤم به ويكشف ضرنا *** ( فأجابها من فوق شاهقة القنا

قضي القضاء بما جرى فاسترجعي )

فاللّه‏ حافظكم وخير مدبّر *** وإليك مما بي بديت تعذّري

فعليك بالصبر الجميل تصبّري *** ( وتكفّلي حال اليتامى وانظري

ما كنت أصنع في حماهم فاصنعي )

يتبع…



كشكول الوائلي _ 122

كشكول الوائلي _ 122

شبهة أبي العلاء

وقد حصل لأبي العلاء المعري من هذا لبس في لحظة من اللحظات، فكان أن خطر بباله هذا السؤال: لماذا تؤخذ دية اليد خمسمئة دينار ذهب ـ وهي نصف دية الحر ـ لكنها تقطع إذا سرقت ربع دينار؟ يقول:

يد بخمسٍ مئين عسجد فديت *** ما بالها قطعت في ربع دينار

تحكّم ما لنا إلاّ السكوت له *** وأن نعوذ بمولانا من النار(1)

وأبو العلاء هذا كان قد مرّ بمرحلة من مراحل الشكّ، لكنه بعد ذلك استقام وتراجع عن جملة من آرائه. وهذه هي الصفة الغالبة عند أصحاب الاتّجاهات الفلسفية إذ يمرّون بحالات من الشك. ولو رجعنا إلى تاريخ الفلاسفة لوجدنا أن معظمهم قد مرّ بهذه المرحلة وتجاوزها؛ لأنهم يغوصون في مسائل عويصة. ومن له إلمام بالفلسفة يعرف ذلك. وقد أجاب بعضهم أبا العلاء عن إشكاله هذا بقوله:

عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها *** ذُلُّ الخيانة فافهم حكمة الباري(2)

فاليد النظيفة مشرّفة ومحترمة طالما أنها نظيفة، لكنها إذا نزلت إلى الحضيض والاعتداء على الناس أصبحت وضيعة، وتدنّت قيمتها إلى ربع الدينار.

إن اللّه‏ تعالى أعطى الإنسان أعضاء ليستخدمها في فعل الخير وطرقه، ولم يعطِه إياها ليعتدي بها على الناس ويسرق ويضرّ المجتمع، ويلمس ما لا يجوز له أن يلمسه. فلا بد له من أن يستخدم الجارحة التي منحه اللّه‏ إيّاها في الطريق الذي رسمه له. واللّه‏ هو الذي أعطى الإنسان هذه النعمة من الأعضاء، فلو أنه أصيب بالشلل مثلاً وبقي عشرات السنين وذهب إلى أمهر الأطباء فلا يستطيع أن يعيد له حركة اليد، إنها هبة من اللّه‏ ونعمة، وقد تكفّل اللّه‏ بها على صعيد الإدامة لا على صعيد الإعطاء فحسب.

ولو أن عناية اللّه تنقطع عن الإنسان لحظة من اللحظات في أي مجال لانقطع عنه كل شيء. وعليه فينبغي ألاّ يكون شكر النعمة إلاّ باستخدامها في موضعها.

كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يخرج من المسجد بعد الصلاة يمرّ بميثم التمّار أو جماعة من أصحابه، فيشتري لأهله شيئا، وغالبا ما يكون التمر، فيتسارع إليه شرطة الخميس ليحملوها عنه، فيقول لهم: «دعوها، إن أبا العيال أحق بحمله».

ويحمله بيده الشريفة، أي أنه عليه السلام يريد أن يفرح أطفاله وهم يرونه يحمل بيده شيئا لهم. وكم يفرح الطفل عندما يرى أباه يحمل بيده حاجة له. وأسأل اللّه‏ أن يهدي الآباء ويجعل دأبهم إدخال الفرح على أطفالهم، ولا ينفقوا أموالهم فيما لا يرضيه، فيرجع لأهله وهو يحمل الغضب والحقد والتصرف السيئ.

يتبع…

__________________

(1) فقه القرآن 2: 384، لسان الميزان 1: 205.

(2) بحار الأنوار 104: 9 ـ 10، الإقناع في حل ألفاظ أبي الشجاع 2: 190.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{45} الحاج منصور الجشي

المتوفّى سنة ( 1360 )

هو الحاج منصور بن محمد علي بن محمد بن يوسف بن محمد علي بن ناصر الجشي. وتنتهي هذه الاُسرة إلى أحد القبائل العربية العريقة في الحسب والنسب، لها أيادٍ وسوابق على القطيف والبحرين. والمترجم من أبرز الشخصيات التي احتلّت مكان الصدارة في القطيف، مارس تجارة اللؤلؤ، فكان أول مرموق فيها، قام من أجلها برحلات متعدّدة من الخط إلى البحرين وبالعكس، وإلى الهند أكثر من مرة. وكان شاعرا عبقريّا فذّا، بزّ أقرانه فيما اُوتي من هذه الموهبة، فجعلها في أهل البيت الطاهر ليكسب من ورائها أسنى الجوائز  ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللّه‏َ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.﴾

توفّي رحمه الله ليلة الأربعاء ( 6 / 11 / 1360 ) تاركا وراءه ديوانه القيّم، وسفره الخالد. واليك نموذجا منه فيهم عليهم السلام( صب اللّه‏ على قبره شآبيب الرضوان):

في رثاء الحسين عليه السلام

(اللّه‏ يا حامي الشريـ *** ـعة) بالحسام المنتضى

يا آية اللّه‏ التي *** في فصلها طي القضا

بحّ المنادي والقرا *** ر على الأذى لا يرتضى

علياك جذّ سنامها *** وحماك أضحى معرضا

لم لا أهاجك ما جرى *** أو ما لقلبك أمرضا

أو ما حشاك بكت دما *** أو ما لظهرك أنقضا

اللّه‏ أية فجعة *** مضّت فؤاد المرتضى

قسما بجدك لم أقل *** إن السكوت من الرضا

أفهل دهتك رزية *** كالطف فيما قد مضى

أفهل أتى الدهر المشو *** م بمثلها وتعرّضا

رزء أذاب الجامدا *** ت وفي فنائك ريضا

قم فالحسين بكربلا *** ظامٍ بغصّته قضى

تركته آل اُمية *** فوق الصعيد مرضّضا

أضحى تظلّله الطيو *** ر وجفنه لن يغمضا

قل للجبال تدكدكي *** عمد البسيطة قوضا

قل للبحار ألا انضبي *** بحر الهداية غيّضا

لا سر قلب فالمصا *** ب مطبّق رحب الفضا

يا هيكل التوحيد والـ *** ـسر المصون المغمضا

ها رأس جدك في القنا *** لا عذر ألاّ تنهضا

هاتيك أشلاه غدت *** نهب الأسنّة معرضا

اللّه‏ أكبر صيروا *** صدر الإمامة مركضا

اللّه‏ أكبر هشّموا *** منه الجوانح والعضا

قم مغضبا عزّ التصبـ *** ـر يا خليفة من مضى

كيف التصبّر والحرا *** ئر تِهن في رحب الفضا

وقد استباحوا هتكها *** في الطفّ ساعة قوضا

وا رحمتاه لحالها *** في الركب ساعة قوّضا

كل تلوذ بجنبه *** جزعا لئلاًّ تقبضا

حسرى تئن كأن من *** زفراتها جمر الغضا

ربات خدر ما تعوّ *** دت السرى فيما مضى

وبرغمكم حملت على *** أكوارها لا بالرضا

حملت سوافر لم تطق *** مما بها أن تنهضا

يا آل بيت محمد *** بمحمد والمرتضى

صلّى الإله عليكمُ *** ما نور علمكمُ أضا

يتبع…



كشكول الوائلي _ 121

كشكول الوائلي _ 121

متى تقطع اليد؟

ثم إن اليد تارة تُقطع في مكان غير مشرف، واُخرى في مكان مشرف، وهي في الخندق الثاني تشكل ظاهرة فخر ومجد واعتزاز، وفي الخندق الأوّل ظاهرة انحطاط وعيب وعار. ومما هو مورد عار السرقة، والسارق يحمل المسروق بيده، فيقال له: إن هذه اليد أصبحت ملوّثة، وتشكّل خطرا على المجتمع. والعضو المنحرف الملوث لا بدّ أن يزاح من طريق المجتمع؛ لأنه يسبب الفساد له، واللّه‏ يريد الصلاح لعباده. وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا(1).

ولكن، متى يكون القطع؟ إنه يكون بعد اكتمال شروطه، وهي أن يكون بالغا عاقلاً مريدا مختارا غير مكره.

شروط قطع اليد في حدّ السرقة

ثم إن هناك شروطاً اُخرى منصوصاً عليها هي:

1 ـ أن تكون السرقة من حرز. ولكل شيء حرزه الذي يناسبه. فمن يجد في الصحراء سيارة ويأخذها فهي ليست في حرز، لكنه إذا أخذها من «موقف السيارات» فهذا حرز.

وهناك اختلاف بين الفقهاء حول القبر، فبعضهم يعدّه حرزاً وآخر لا يعدّه كذلك. وهذا نابع من أن بعض الناس من ذوي النفوس الدنيئة ممّن تتدنى نفوسهم لسرقة حتى الموتى. أتذكر أن امرأة كانت تخدمنا في أحد البلدان الإسلامية حينما كنا في دورة دراسية، فلما أنهيناها، وأردنا الذهاب عنها بكت، فسألناها عن ذلك فقالت: اُريد منكم أن تهيّئوا لي قبرا قبل رحيلكم، فأنا امرأة كبيرة. فقلنا: ولم لا نشتري لك قبرا هنا في المكان الذي نحن فيه؟ فقالت: لا، اُريده قريبا من أهلي. قلنا: لماذا؟ قالت: أخاف أن يسرقوا كفني هنا.

وسرّاق الأكفان معروفون(4)، وهم مذكورون في كتب الفقه، ففيها عنوان مستقل هو « سارق الأكفان ». وهنا يبرز سؤال هو: هل هذا السارق يعتبر سارقا من حرز أو لا؟ الجواب الذي عليه الأغلب: أنه سارق حرز، لأن حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا(3). فكما يجب حفظ أموال الحي فكذلك يجب حفظ أموال الميت. والدليل على أن الأرض حرز قوله تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفاتاً * أَحْياءً وَأَمْواتاً (3). والكفت: الجمع والحرز، فالقبر حرز. هذا إضافة إلى الأخبار الدّالة على أنه حرز(1).

2ـ أن يبلغ المسروق نِصابا. والنصاب عند جمهور الفقهاء ما يبلغ ربع الدينار الشرعي، وهو الدينار الذهبي، ويساوي درهمين ونصف إلى ثلاثة دراهم. وتختلف تقديرات النصاب بين عشرة دراهم أو خمسة أو ثلاثة أو ربع دينار.

يتبع…

______________

(1) الأعراف: 56.

(2) كما جرى للشيخ الطبرسي، وكانت سببا في تأليفه تفسيره ( مجمع البيان )، فقد ذكر مترجمه في مقدّمة التفسير المذكور عن صاحب ( رياض العلماء ) أنه قال: « مما اشتهر بين الخاصّ والعامّ أنه رحمه الله أصابته السكتة، فظنّوا به الوفاة، فغسلوه وكفنوه ودفنوه وانصرفوا، فلمّا أفاق وجد نفسه مدفونا، فنذر إن خلّصه الله من هذه البليّة أن يوءلّف كتابا في تفسير القرآن. واتّفق أن بعض النباشين كان قد قصد قبره في تلك الحال، وأخذ في نبشه، فلما نبشه وجعل ينزع عنه الأكفان، قبض بيده عليه، فخاف النبّاش خوفا عظيما، ثم كلّمه فازداد خوف النبّاش، فقال له: لا تخف. وأخبره بقصّته، فحمله النبّاش على ظهره، وأوصله إلى بيته، فأعطاه الأكفان، ووهب له مالاً جزيلاً، وتاب النبّاش على يده. ثم وفى بنذره وألّف كتاب ( مجمع البيان )… ». مجمع البيان 1: 14 ( المقدّمة).

(3) عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: « حرمة المسلم ميّتا كحرمته حيّا سويّا ». تهذيب الأحكام 1: 419 / 1324.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: « حرمته ( المؤمن ) ميتا أعظم من حرمته وهو حي ». الاستبصار 4: 297 / 1116.

(4) المرسلات: 25 ـ 26.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الملاّ علي الزاهر العوامي

المتوفّى سنة ( 1355 )

ويقول في شأن السبايا والرؤوس:

لمن السبي علي عجف الجمالْ *** ربقوا الأعناق منها بالحبالْ

ولمن تلك النساء الحاسراتْ *** ولمن تلك البنات الصارخاتْ

ولمن تلك اليتامى النائحاتْ *** ولمن جسم ثوى فوق الرمالْ

ولمن رأس على رأس القنا *** يتهادون به أهل الخنا

وهو للقرآن يتلو علنا *** فوق عالي الرمح يرنو للعيالْ

حرّ قلبي لعليل مستظامْ *** إذ رأى فوق القنا رأس الإمامْ

نوره يجلو من الليل الظلامْ *** وله العرش يميل حيث مالْ

لست أنسى زينبا يوم الطفوفْ *** برزت من خدرها بين الاُلوفْ

فرأت جسم أخيها للسيوفْ *** طعمة صار ومرمى للنبالْ

فهوت لاثمة منه الجروحْ *** وغدت تبكي عليه وتنوحْ

يا أخي ترضى إلى الشام نروحْ *** بين أعدائك ربّات الحجالْ

أنت قد ربيت في حجر البتولْ *** ورضعت المجد من كفّ الرسولْ

كيف ألقوك العِدا فوق الرمولْ *** ظاميا قد منعوا منك الزلالْ



كشكول الوائلي _ 120

كشكول الوائلي _ 120

تقول: فسكبت لها ماء، فلبست ملابسها وذهبت إلى الحجرة، وبعد ساعة ناديت: يا بنت رسول اللّه‏، فلم تجبني. فقلت: يا بنت من صلى بملائكة السماء مثنىً مثنى، فلم تجبني. فقلت: يا بنت من حمل الركن بأطراف الردا، فلم تجبني. فدنوت إليها فكشفت الرداء عن وجهها فإذا بها ميّتة، فجلست عندها أبكي، ثم جاء الحسن عليه السلام إليها فكشف الرداء عنها، ثم صاح: «أخي حسين هلمّ إليّ، إن اُمّنا فاطمة قد فارقت روحها الدنيا»(1).

كما أوصت (سلام اللّه‏ عليها) أمير المؤمنين عليه السلام فقالت له: «في صدري وصايا تختلج، واُريد أن اُوصيك بها». قال عليه السلام : «بلى، عزّ واللّه‏ عليَّ فراقك يا بنت رسول اللّه‏». قالت: «يا أبا الحسن، إن أنا قضيت نحبي فغسّلني بثيابي ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهّرة. يا علي، لا بدّ للرجال من النساء، فإن أردت أن تتزوّج بعدي فعليك بابنة اُختي اُمامة فإنها تكون لولدي مثلي، ومع ذلك اجعل لها يوما وليلة وللحسنين يوما وليلة، ولا تصِح في وجهيهما، ولا تنهرهما فإنهما يصبحان يتيمين منكسرين، بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقدان اُمّهما». ثم قالت: «فادفني ليلاً إذا نامت العيون وهدأت الأصوات»(2).

ففعل عليه السلام كما أوصته، ولمّا أنزلها إلى قبرها، جلس عندها على شفير القبر، وراح يستعبر ويقول:

أرى علل الدنيا علي كثيرة *** وصاحبها حتى الممات عليلُ

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد *** دليل على ألاّ يدوم خليلُ(3)

يتبع…

______________

(1) قريب منه ما في بحار الأنوار 43: 174 ـ 180 / 15، عن فضّة خادمة الزهراء عليها السلام.

(2) معاني الأخبار: 356 / 1، السقيفة وفدك: 147، شرح الأخبار 2: 160 / 492.

(3) ديوان الإمام علي عليه السلام : 87.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الملاّ علي الزاهر العوامي

المتوفّى سنة ( 1355 )

ويقول راثيا للعباس عليه السلام عن لسان حال الحسين عليه السلام:

أنست رزيتك الأطفال لهفتها *** بعد الرجاء لأن تأتي لترويها

أراك يابن أبي في الترب منجدلاً *** عليك عين العلا تهمي أماقيها

أراك أعرضت عن حمل اللوا وبه *** قبلاً تصول على الأعداء تفنيها

هذا حسامك يشكو فقد حامله *** إذ كنت فيه الردى للقوم تسقيها

وذا جوادك ينعى في الخيام وقد *** أبكى بنات الهدى من ذا يسلّيها

شلت يمين برت يمناك يا عضدي *** وذي يسارك شلّ اللّه‏ باريها

نامت عيون بني سفيان وافتقدت *** طيب الكرى أعين كانت تراعيها

ويقول راثيا للحسين عليه السلام:

(امرر على جدث الحسيـ *** ـن) وشمّ تربته الزكيه

الثم ثراه فلثمه *** ينفي المآثم في البريه

قتل الحسين بكربلا *** ء وإن مقتله رزيه

يا مصرعا أبكى الهدى *** وله تزلزلت البَنيّه

وبيومه مطرت دما *** وبكى الملائكة العليه

والأرض حزنا أعولت *** والأنبيا تبكي شجيه

يا للرجال تذلّ سا *** دات الورى لابن الدعيه

تسبى النساء حواسرا *** من غير ستر في اُميّه

أخذت عقيلة هاشم *** حسرى على كور المطيه

يتبع…



كشكول الوائلي _ 119

كشكول الوائلي _ 119

لو لا علي عليه السلام لم يكن لفاطمة عليها السلام كف‏ء

ومن باب أن (الشيء بالشيء يذكر) أجد أن من المناسب هنا ذكر حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: « لولا علي لم يكن لفاطمة كف‏ء»(1).

وهي رواية تستحق التوقف عندها، إذ ربما يقول قائل: إن كانت الكفاءة من جهة الإسلام فالمسلم كف‏ء المسلم كما هو المعروف، فما هي هذه الكفاءة إذن؟

وهل يراد بها جانب آخر؟ نعم، يراد بالكفاءة هنا جانب آخر غير الإسلام، فالزهراء عليها السلام قد اعتبرت سيدة نساء العالمين على لسان رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وبقوله: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها»(2)، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام الذي خاطبه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بقوله: «أنت مني وأنا منك»(3)، وقوله صلى الله عليه وآله ـ كما ترويه عائشة ـ حيث كان صلى الله عليه وآله قد مر بأمير المؤمنين والزهراء والحسنين عليهم السلام فقال لهم: «أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم»(4).

فإذا كانت الزهراء عليها السلام جزءاً من الرسول صلى الله عليه وآله، وكان علي عليه السلام نفسَه الشريفة بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(5)، ومن رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله كما مرّ، فلا بد إذن أن يأخذ التكافؤ معنى آخر مبتنياً على كون أن النبي صلى الله عليه وآله سيّد الموجودات، وهذان العظيمان كلاهما ينتميان إلى هذه الحقيقة نفسها، ومن كانا كذلك فلا بدّ من أن تؤخذ في أمر الكفاءة حيالهما جوانب اُخرى غير تلك المعروفة لعامّة الناس.

هذا فضلاً عن النواحي الاُخرى التي عرفا (صلوات اللّه‏ وسلامه على رسوله وعليهما وآلهما) بها ممّا تفيض به الصحف، وتستوفى به الموازين؛ فهما عليهما السلام راهبا الليل، فالزهراء عليها السلام كانت تظلّ في مخدعها قائمة وقاعدة، وراكعة وساجدة طيلة الليل حتى الصباح، وعلي بن أبي طالب عليه السلام هو السيف والساعد المجاهدان في سبيل اللّه‏ تعالى، والذابّان دون رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله، فهو عليه السلام المجاهد في ساحتي الحرب والمجتمع، وهي عليها السلام المجاهدة في ساحة المجتمع، فهي التي حملت أخلاق أبيها صلى الله عليه وآله وأشبهته في كل شيء. يروي شرحبيل عن اُمّ سلمة ( رضوان اللّه‏ تعالى عليها ) كما نقله صاحب (كشف الغمّة)(6) وغيره(7) من أنه لما كان صبيحة عرس الزهراء عليها السلام جاء النبي صلى الله عليه وآله بعسّ فيه لبن، فقال لفاطمة: « اشربي فداك أبوك ». وقال لعلي: « اشرب فداك ابن عمّك ».

ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وآله هو أشرف الموجودات وأعلاها، وهذا من خلقه الكريم ونبله العظيم وتواضعه الكبير، لكنه في المقابل يريد أن يعطي هاتين النسمتين الإلهيّتين ما تستحقّانه من تكريم. ومثل هذا ما ترويه اُم المؤمنين اُمّ سلمة حيث قال لها: « يا اُم سلمة، هلمّي فاطمة ». فأتت بها، فلما وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها حتى رآها علي عليه السلام ، ثم أخذ يدها فوضعها في يد علي عليه السلام وقال: « بارك الله لك في ابنة رسول اللّه. يا علي، نعم الزوجة فاطمة، ويا فاطمة، نعم البعل علي. انطلقا إلى منزلكما ولا تحدثا أمرا حتى آتيكما ».

ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل وأجلس فاطمة عليها السلام من جانبه وعليّا عليه السلام من جانبه، ثم قال: « يا فاطمة، ائتيني بماء ». فقامت إلى قعب في البيت، فملأته ماء، ثم أتته به، فأخذ منه جرعة فتمضمض بها، ثم مجّها في القعب، ثم صبّ منها على رأسها، ثم قال: « أقبلي ». فلما أقبلت نضح منه بين صدرها ونحرها، ثم قال: « ادبري ». فلما أدبرت نضح منه بين كتفيها، وفعل مثل ذلك بأمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال: « اللهم هذه ابنتي وأحبّ الخلق إلي، اللهم وهذا أخي وأحبّ الخلق إليّ، اللهم لك وليّا وبك حفيّا، وبارك في أهله، وبارك في ذرّيتهما، واجعل عليهما منك حافظا، وإني اُعيذهما بك وذرّيتهما من الشيطان الرجيم. اللهم إنك باركت على آل عمران، فبارك على آل محمّد »، ثم خرج (8).

فيا رسول اللّه‏ (صلى اللّه‏ عليك وعلى آلك وسلم)، ليتك ترى هذه النسمة الطاهرة يوم جلست على قبرك الشريف يعتصرها الألم ويضمّخها الشجا والأسى، وهي تستعبر باكية وتتمثّل بأبيات هند بنت أثاثة قائلة:

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختلّ قومك فاشهدهم فقد شغبوا

قد كنت بدرا ونورا يستضاء به ***  عليك تنزل من ذي العزّة الكتبُ

وكان جبريل بالآيات يحضرنا *** فغاب عنا وكل الغيب محتجبُ

فقد رزئت أبا سهلاً خليقته *** محض الضريبة والأعراق والنسبُ (9)

ولنا أن نتساءل: ماالذي تشتكيه فاطمة الزهراء عليها السلام؟ لقد وقفت أمام القبر لتريه جوانب من جسدها الطاهرممّا فعله بها حقد القوم. يقول الباقر عليه السلام: «ما روءيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قبضت» (10).

تقول أسماء: قالت لي الزهراء عليها السلام ليلة حضرتها الوفاة وقد اشتدّت عليها العلّة: «يا أسماء، أنا ذاهبة إلى حجرتي أضطجع، وبعد ساعة ناديني، فإن أجبتك وإلاّ فاعلمي أني لحقت بأبي رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله. يا أسماء، إذا جاء الحسنان فضعي لهما الطعام، وإن سألا عني فقولي: إن اُمّكما نائمة بالحجرة. وتعالي إلى هنا فاسكبي لي الماء».

يتبع…

______________________

(1) كشف الغمّة 2: 100، بحار الأنوار 43: 141 / 37، 43: 145 / 49.

(2) الشفا (القاضي عياض) 2: 230، أمالي أبي نعيم: 45، ينابيع المودّة 2: 478 / 340.

(3) مسند أحمد 1: 108، 4: 164 ـ 165، 5: 356، الجامع الصحيح ( سنن الترمذي ) 5: 296 ـ 297، المستدرك على الصحيحين 3: 133. وبقوله صلى الله عليه وآله كما روت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « ادعوا لي سيّد العرب ». فقلت: يا رسول اللّه، ألست سيّد العرب؟ فقال: « أنا سيّد ولد آدم، وعلي سيّد العرب». المستدرك على الصحيحين 3: 124، مطالب السوءول في مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله ( محمد بن طلحة الشافعي ): 26.

(4) المعجم الأوسط 3: 179، المعجم الصغير 2: 3، اُسد الغابة 3: 11، سير أعلام النبلاء 2: 122 ـ 123، 3: 257 ـ 258 5: 99.

(5) آل عمران: 61.

(6) كشف الغمّة 1: 378، 2: 101.

(7) مناقب آل أبي طالب 3: 132.

(8) الأمالي ( الطوسي ): 43 ـ 42، مناقب آل أبي طالب 3: 131.

(9) شرح الأخبار 3: 39، الطبقات الكبرى 2: 332، شرح نهج البلاغة 16: 251.

(10) السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ( محمد بيومي ): 132.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{44} الملاّ علي الزاهر العوامي

المتوفّى سنة ( 1355 )

هو الخطيب الماهر علي بن حسن بن محمد بن أحمد بن محسن الزاهر، المتولّد سنة ( 1298 )، والمتوفّى سنة ( 1355 ). سبعة وخمسون عاما قضاها فيما يهم العقلاء من خدمة الدين والصالح العام مما هو الخير كله، وله فيه ما هو باقٍ إلى يومنا هذا، كالحسينية الجنوبية في بلاده العوامية المعروفة باسمه. وقد كان أديبا شاعرا واعظا وخطيبا مفوّها، ومن آثاره القيمة ديوان شعره باللغتين، الذي خدم فيه أهل البيت عليهم السلام ؛ مما أبقى له ذكرا خالدا، وحياة ثانية جديدة، مضافا إلى ما يترتب على ذلك مما يلقاه أمامه من الثواب العظيم والأجر الجسيم  ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللّه‏َ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [1] ﴾، (تغمده اللّه‏ بالرحمة، وصب على قبره شآبيب الرضوان). وإليك نموذجا من ديوانه مما قاله في رثاء الحسين عليه السلام:

يا ليوث الحروب من آل طاها *** أسرجوا الخيل يا ليوث وغاها

وامتطوا قبّ ظهرها وابعثوها *** واشحذوا من‏سيوفكم أمضاها

يا بني هاشم ويا آل فهر *** أنتُمُ في النزال قطب رحاها

يا بني هاشم دهيتم برزء *** طبق الأرض نعيه وسماها

أعلمتم جذّت اُنوف رجالا *** تكمُ الغرّ عدوة طلقاها

ليس يشفي جوى القلوب اعتذار *** ما سوى أخذ ثارها من عداها

أنتُمُ شدتُمُ إلى المجد بيتا *** وشرعتم إلى الاُباة إباها

رجّت الأرض بالنياحة رجّا *** لرزايا دهاكمُ أدهاها

والسماوات كدن أن يتزلزلـ *** ـن فمنهن هدّ طود علاها

أسبلت دمعها دما باكيات *** حيث آل الرسول سال دماها

وعلا الشمس ظلمة بعدما كا *** ن على العالمين عمّ ضياها

ذبح السبط من قفاه لهيفا *** ليت عين المياه قد غاض ماها

أيموت الحسين نجل علي *** ظامئ القلب عاريا بعراها

بأبي ثاويا على الترب ظلماً *** فوقه تنسج الرياح رداها

بأبي ثاويا طريحا معرّا *** رضّضته الخيول رضّت قواها

عاريا بالعرا تريب المحيا *** بعد حجر الرسول أحمد طاها

ليت عين البتول ترنوه شلوا *** وترى رأسه بعالي قناها

يعظ القوم فوق رمح طويل *** آية بعد آية قد تلاها

وبنفسي حرائرا أبرزوها *** آل سفيان حسّرا من خباها

برزت كالقطا تطايرن ليلاً *** بل وأين القطا لما قد عراها

خرجت بالعويل مما اُريعت *** نحو مثوى الحسين حامي حماها

لهف نفسي لهن قد عاينوه *** جثّة بالتراب رضّ قراها

فتكابين فوقه باكيات *** نادبات وهل يفيد بكاها

هذه باليدين تشبك عشرا *** ثم اُخرى تظلّه برداها

وإذا بالندا ألا قمن أسرى *** فتصارخن مذ وعت لنداها

فأتتها العِدا بنضو عجاف *** فسرت فوقها بأيدي عداها

فتجاوبن فوقها بعويل *** وانتحاب لعظم ما أشجاها

ما لها ساتر سوى الصون منها *** وغطاء الوجوه منها يداها

ليس لي يا بني النبي سواكم *** من حبيب للنفس أنتم مناها

وعليكم من الإله صلاة *** ما بدا الصبح وادلهمّ دجاها

يتبع…

________________

[1] الشعراء: 88 ـ 89.



Real Time Web Analytics