مقالات ثقافية

شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{73} علي الشيخ منصور آل مرهون

المتولّد (5/4/1334) ه

ويقول في رثاء الإمام الرضا عليه السلام:

للّه خطب على الإسلام قد وقعا *** فأحزن المصطفى من للهدى شرعا

وأصبحت فاطم الزهراء ثاكلة *** عبرى تحنّ ومنها الدمع قد همعا

والمرتضى وبنوه في شجا وأسى *** يبكون حيث الرضا للسم قد جرعا

وا فجعة الدين من بعد ابن فاطمة *** لا زال يبكي عليه مذ قضى جزعا

رزء به عرصات العلم نادبة *** للّه من حادث للدين قد صدعا

لم أنسَ يوم دعاه الرجس منتدباً *** أنت الخليفة يابن السادة الشفعا

أقدم فأنت الذي أولاك خالقنا *** بالعلم والحلم والتقوى فما سمعا

قد أظهر الودّ والأضغان مكمنة *** فمذ أتاه به الملعون قد خدعا

فصيروه ولي العهد حين أبى *** عن الخلافة عذراً منهُمُ اخترعا

وكان أقصى مناهم حط منزلة *** من قدره فسما قدرا ومرتفعا

ويل لهم غدروا بابن النبي وما *** رعوا له حقّه بل بالأذى تبعا

دسوا له السم في الرمان في العنب الـ *** ـمسموم حتّى غدت أحشاؤه قطعا

لهفي على ابن رسول اللّه مضطهداً *** بين اللئام وعن حق له منعا

قضى غريباً فيا لله من خطر *** على الهدى حل والعليا اكتست هلعا

والكائنات غدت تنعى وندبتها *** يا عروة فصمت للدين فانصدعا

هدّت مصيبته الأكوان قاطبة *** وعطل الشرع والإيمان قد فجعا

فضج من في السما والأرض يوم قضى *** مقطّع القلب من سم له نقعا

يتبع…



كشكول الوائلي _ 196

كشكول الوائلي _ 196

يزيد بن معاوية ودعوى عدم جواز لعنه

وهنا أودّ أن اطرح سؤالاً، وهو: إنّ يزيد بن معاوية قتل سبعمئة صحابي من حملة القرآن في واقعة الحرّة، وعشرات الآلاف من الناس غيرهم فيها، وأباح المدينة ثلاثة أيام حتى اُبيحت أعراض المسلمين(1)، وأحرق الكعبة بالمنجنيقات(2)، وسلّط البلاء على المسلمين في كل مكان، فهل يصحّ أن يقال عنه: إنّه مسلم؟ يقول الغزالي: أنا لا أستطيع أن أشتم يزيد؛ لأ نّه مسلم(3).

ياللّه ! يزيد ما زال يعدّ مسلما وإلى الآن، ومن يشتمه كافر، وأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شُتم ثمانين سنة على المنابر، وسبّ عليه السلام في صلاتهم. ومع ذلك يعدّ هو ومن كان على شاكلته مسلمين بنظر البعض(4)! وهذا البعض الذي يرى إسلام من سبّ خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وابن عمه على المنابر، يرى كفر من أخطأ نتيجة ردّ فعل تحدث عنده، وشتم من يشتم أمير المؤمنين عليه السلام، أليس هذا تهافتا؟ فهل يراد للمجتمع الإسلامي أن يتحوّل إلى أنعام سائمة لا تعقل ولا تعي ما يدور حولها؟

على أية حال فبعد أن قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله لاُسامة: «هلاّ شققت عن قلبه»، حزن وقال: سوف لن اُشهر سيفي بوجه مسلم. ولمّا تولى أميرالمؤمنين عليه السلام الأمر، وقاتل القاسطين والمارقين بأمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله(5) رفض مبايعته والقتال معه، وكان يقول له: أعطنا سيفا يفرق بين الحقّ والباطل حتى نبايعك(6). ويقول له: أنا لا اُبايعك؛ لأنك تقتل المسلمين والكافرين على حدّ سواء(7). ولما سئل عن السبب قال: أخشى أن أقتل مسلما. سبحان اللّه ! من يخرج مع «إمام المتقين»، ومع رجل يقول فيه رسول اللّه صلى الله عليه وآله ـ كما عن اُم سلمة (رضي الله عنها) وقد رئيت باكية وهي تذكر الإمام عليا عليه السلام ـ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «علي مع الحق والحق مع علي، ولن يتفرّقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة»(8).

ويقول صلى الله عليه وآله له: «ويلٌ لمن سل سيفَه عليك، وسللت سيفَك عليه»(9).

يتبع…

____________________________

(1) تاريخ مدينة دمشق 54: 181 ـ 182.

(2) سنن ابن ماجة 1: 623 / 1936، الأخبار الطوال: 314، تاريخ اليعقوبي 2: 251 – 252، 266، تاريخ الطبري 5: 30، تهذيب التهذيب 2: 184 / 388، 187 / 338، 10: 141 / 297، 11: 316 / 600، الكامل في التاريخ 2: 135 / 3، البداية والنهاية 8: 363، سبل الهدى والرشاد (الشامي) 6: 214، تاريخ مدينة دمشق 41: 385، تهذيب الكمال 6: 548 / 1376، سير أعلام النبلاء 3: 374، فتح الباري 8: 245، ينابيع المودّة 3: 36. وأليس هو المتمثّل:

 لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزلْ

 انظر: تاريخ الطبري 8: 193، شرح نهج البلاغة 15: 178، البداية والنهاية 8: 209، الأخبار الطوال: 267.

(3) مع أنه نفسه يكفّر من يسبّ أحد المسلمين، لكنه يعود فيتغاضى عن أن يزيد نفسه كان يعلن السبّ والشتم لأمير المؤمنين عليه السلام. انظر: إحياء علوم الدين 1: 193، حياة الحيوان 2: 176

(4) كما عن ابن العربي. انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 265 ـ 266، 5: 313. وكابن تيمية الذي يرى أن يزيد لم يقتل الإمام الحسين عليه السلام، انظر: اجتماع الجيوش الإسلاميّة 1: 105، منهاج السنّة 4: 559، مجموع الفتاوى 3: 410 ـ 411، 4: 506 ـ 507، 27: 470، 479 ـ 480، 493.

(5) فقد قال عليه السلام : « أمرني رسول اللّه صلى الله عليه وآله أن اُقاتل بعده الناكثين والقاسطين والمارقين ».المستدرك على الصحيحين 3: 139، 140، مسند أبي يعلى 1: 397 / 519، المعجم الكبير 4: 172.

(6) الثقات (ابن حبّان) 2: 270.

(7) المصدر نفسه.

(8) الخصال: 496، تاريخ مدينة دمشق 24: 449، الإمامة والسياسة 1: 73، وقال صلى الله عليه وآله: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». الجامع الصغير 2: 176 ـ 178.

(9) ورد في الزيارة الشريفة: « فعلى أبي العادية لعنة الله ولعنة ملائكته ورسله أجمعين، وعلى من سلّ سيفه عليك وسللت عليه سيفك يا أمير المؤمنين ». المزار ( المشهدي ): 278، المزار ( الشهيد الأوّل ): 83، بحار الأنوار 97: 366.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{73} علي الشيخ منصور آل مرهون[1]

المتولّد (5/4/1334) ه

هو الفقير إلى اللّه تعالى مؤلف هذا الكتاب، علي ابن العلاّمة المرحوم الشيخ منصور بن علي بن حسين بن محمّد بن مرهون، المتولّد في التاريخ المذكور. تلقى مبادئ علومه على أساتذة أهل بلاده تحت رعاية والده إلى أواسط عام (54)، ثم رحّله أبوه إلى النجف الأشرف لطلب العلم، فأقام هناك إلى أواخر عام (60)، ثم قفل راجعاً ليتزوج آملاً العودة لإكمال دراسته، غير أن الأقدار أبت عليه ذلك، وتقدمته عراقيل شاقّة أهمها وفاة والده في (30 /6/ 62)، فأصبح لا يملك حولاً ولا قوة، معتقلاً أو شبهه.

وفي هذا الفترة ألف كتابه (لقمان الحكيم)، و(أعمال الحرمين)، ونظم ديوانه (المرهونيات)، وروضته العلية، و(مغني القراء). ولم يتأتَّ له الرجوع إلى النجف الأشرف إلاّ بعد اثنتي عشرة سنة أي في (6/ 5 سنة 1374)، وقد أخذ على نفسه أن يسافر في كل سنة إلى النجف ليحضر أهم شهور الدراسة من كل عام، ثم ينحدر إلى بلاده أوائل رجب. وفي النجف الأشرف ألف كتابه (قصص القرآن)، وهناك تولدت فكرة تأليف
(شعراء القطيف)، وفقه اللّه لمراضيه، وجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه. ومن أدبه الفصيح في أهل البيت عليهم السلام قوله:

في رثاء الإمام الصادق عليه السلام:

بنفسي من للدين شيّد أركانا *** وأظهر شرع المصطفى بعد أن بانا

وبيّنه حقاً وأظهر سره *** فأضحى جلي الأمر سراً وإعلانا

إمام هدى أهدى به اللّه اُمّة *** إليه انتمت بالجعفرية إذعانا

وشاعت له بين الأنام فضائل *** بها كان أولى بالخلافة أزمانا

ولكنما الأيام بالغدر عاملت *** بني أحمد قبلاً وبعداً وأحيانا

فويل لمنصور الدوانيق في غدٍ *** من النار إن المرء قيد لما دانا

لقد غصب ابن المصطفى حقه وما *** كفاه فأبدى حقداً وأضغانا[2]

وأوقفه بغياً إليه مخاطباً *** أما تستحي والموت منك لقد حانا

فكم أشخصوه لا رعى اللّه دارهم *** وقد زعزعوا فيه إلى الرشد أركانا

يعزّ على خير البرايا محمّد *** يرى الصادق المغوار بالذلّ قد كانا

فلهفي على خير الأنام تنوبه *** رزايا عظام لو أصابت صفاً لانا

فكابدها بالصبر حتّى فؤاده *** تراه من الصبر المبرح بركانا

ولم يكتفِ منه العدوّ بما جرى *** فدسّ إليه السم ظلماً وعدوانا

سقوه عناداً ذلك السم غيلة *** فأورث في قلب الهداية أحزانا

فقطع ذاك السم قلب محمد *** وقلب علي والبتول وعدنانا

فأضحى ضجيع الفرش ملتهب الحشا *** يقاسي من السم المبرّح أشجانا

سرى السم في جسم الهدى بعد أن سرى *** بجسم إمام الحق فالجسم ألوانا

قضى علة الإيجاد نجل محمد *** فأحزن كل العالمين وما كانا

فضجّت عليه بالكآبة ضجة *** لقد غاب من للدين شيد أركانا

لقد غاب عن دين النبي مقيمه *** وأدرج والهفا على الحقّ أكفانا

اُقيمت عليه يوم غيّب شخصه *** نوائح أجرت أدمع العين غدرانا

يتبع…

______________

[1] توفي رحمه الله ونحن نعمل في إعداد هذه الطبعة التي بين يديك في مؤسسة المصطفى صلى ‏الله ‏عليه‏ و‏آله قم المقدسة 27 / 1 / 1431 ه. تغمده اللّه‏ برحمته وأسكنه الفسيح من جنته.

[2] العجز غير موزون إلاّ على جعله: « فأبدى له » مع ما فيه من زحاف، أو « فأبدى فيه ».



كشكول الوائلي _ 195

كشكول الوائلي _ 195

الثاني: النشاط الأخلاقي

لقد دأب الإمام عليه السلام أن يعلّمنا كيف يكون الانتصار على النفس، فمثلاً اُسامة بن زيد كان ممّن تخلّف عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وسرّ تخلّفه عنه عليه السلام أنه حدثت معه حادثة عنّفه رسول اللّه صلى الله عليه وآله على أثرها، فقال: سوف لن أشهر سيفي على مسلم. وهذه الحادثة هي أن المسلمين وجدوا يوما وهم في سرية ومعهم اُسامة بن زيد رجلاً على رأس جبل ومعه غنماته، فلما رآهم نزل وقال: «أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه، وأشهد أن محمدا رسول اللّه».

وفرح بالمسلمين، فقال له اُسامة بن زيد: إنك لم تسلم، إنما رأيتنا فخفت منا، واستعذت بهذه الكلمة. ثم جرد سيفه وقتله. فلما رجعوا وأخبروا النبي صلى الله عليه وآله حزن حزنا شديدا، فقال اُسامة: إنه استعاذ، وأراد أن يتستّر بالإسلام، ولم يسلم صادقا. فقال النبي صلى الله عليه وآله: «هلا شققت عن قلبه»(1).

على خلفية شتم الصحابة

فماذا يراد من الإنسان إذا أسلم؟ إنّه ليس أكثر من إشهاره نطقه بالشهادتين، وعدم إنكاره ضرورة من ضرورات الدين. وهنا لابدّ من أن أشير إلى أنّ البعض يعتبر شتم الصحابة كفرا وفاعله كافرا؛ لأ ن عدم المسّ بصحابة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يعدّ ضرورة من ضرورات الدين، وشتم الصحابي إنكار لهذه الضرورة.

من مظاهر الخلاف بين الصحابة

ونقول: لا شكّ في أن إنكار ضرورة من ضرورات الدين يعدّ كفرا، لكن من قال: إنّ من أخطأ وشتم أحد الصحابة فقد أنكر إحدى هذه الضرورات؟ أليس الصحابة أنفسهم كانوا يشتم بعضهم بعضا؟ ألم تقل اُم المؤمنين عائشة: اقتلوا نعثلاً؛ فقد كفر(2). تعني عثمان بن عفّان؟ ألم تقع مشادّات كثيرة بين الصحابة (3)؟ فما هو الدليل على كفر من يشتم أحدهم؟ إنّ الإنسان تارة يشتم معاندةً للدليل ووقوفا بوجه القرآن، وهذا كفر صريح، لكن من يخطئ فهل يجوز تكفيره؟.

يتبع…

_____________________

(1) مسند أحمد 5: 207، صحيح مسلم 1: 67، ومثله في مسند أحمد 4: 139، غير أنه لم يسمّ اُسامة.

(2) تاريخ الطبري 3: 476، الإمامة والسياسة 1: 51.

(3) لإثبات المقام نذكر أن عمر بن الخطّاب رفع الدرة مرّة على أبي هريرة وضربه بها على رأسه وقال له: قد أكثرت الكذب. انظر شرح نهج البلاغة 4: 67.

 وحينما وقع نزاع بين الخليفة الثالث واُم المؤمنين عائشة وحفصة أيّام بوادر الثورة؛ حيث دخلتا عليه تطالبانه بميراث النبي صلى الله عليه وآله. ومنعهما ذلك بقوله: والنبي صلى الله عليه وآله يورّث؟ إذا كان يورّث فلمَ مُنعت الزهراء الميراث؟ وإذا كان لا يورّث فأي حقّ تطالبان به؟ أولستِ أنت (يعني عائشة) وهذه الجالسة جئتما معكما بأعرابي يتطهّر ببوله، وشهدتم عند أبيك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»؟ قالت: بلى. قال: فأي ميراث تطالبين به؟ فخرجت ورفعت قميص النبي صلى الله عليه وآله وهي تقول: هذا قميص النبي لم يبلَ وقد أبلى عثمان سنته. الإيضاح: 257 ـ 258، المسترشد في الإمامة: 508، بحار الأنوار 31: 295.

كما أن علي بن أبي طالب عليه السلام شُتم (80) سنة على المنابر، بل حتى في الصلاة. تاريخ الطبري 8: 182 ـ 193.

 ونقل عن ابن عباس في تفسير الجبت والطاغوت أنه قال: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. انظر: تاريخ المدينة 2: 452، زاد المسير 2: 138، الجامع لأحكام القرآن 5: 248، تفسير القرآن العظيم 1: 525، فتح القدير 1: 479.

 وفوق كل هذا أن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله يخبرنا عن نكوص بعض الصحابة، وذلك في روايات لعلّ أبرزها وضوحا في هذا المقام هو قوله صلى الله عليه وآله مخبرا أن جماعة من أصحابه يحشرون يوم القيامة يختلجون دونه ـ يعني تأخذهم الملائكة ـ فيقول: « أصحابي ». فيقال له صلى الله عليه وآله: « إنك لا تدري ما أحدثوا من بعدك ». انظر: مسند أحمد 1: 384 وغيرها كثير، فتح الباري 11: 333 وغيرها، المصنّف (ابن أبي شيبة) 7: 415 / 35، المصنّف (الصنعاني) 11: 407 / 20855، الجامع الصحيح ( سنن الترمذي ) 5: 4 / 3215.

 وحينما وقعت غزوة تبوك بين المسلمين والروم، ندب النبي صلى الله عليه وآله المسلمين إلى قتالهم فتثاقلوا؛ فنزل قوله تعالى: يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ التوبة: 38. انظر: مجمع البيان 5: 65 جامع البيان، المجلّد: 6 ج10: 173 / 12991.

 وكذا في قوله تعالى: ألا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ الذي يعني مجموعة من المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله. فهؤلاء صحابة لكن الله تعالى ذمّهم.

 كما أن عثمان أمر بضرب عمار، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه. الإمامة والسياسة 1: 35.

 ويروي عبد الله بن عباس رواية يبيّن لنا كيف أن الخليفة الثاني كان يعيب على بعض الصحابة أخلاقهم ويذكرهم بسوء فيسترسل حتى يقول: فقلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من طلحة بن عبيد الله؟ قال: الأكتع؟ ما كان الله ليعطيها إياه، ما زلت أعرف فيه بأوا مذ اُصيبت يده، مع هَناة كانت له على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من الزبير؟ قال: وعقة لقس؟ قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من عثمان؟ قال: أوّه، ووضع يده على رأسه وقال: والله لئن وليها ليحملنّ بني أبي معيط على رقاب الناس. تاريخ المدينة 3: 882، أنساب الأشراف 5: 16، منتخب كنز العمّال 5: 189، وليس فيها: مع هَناة كانت له على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.

والهَناة هي الذنب، والذنب الذي أشار إليه عمر بن الخطاب هو أنه لمّا نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ ِلأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمؤمنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُوءْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورا رَحِيما أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نساءه ألاّ يكلّمن الناس إلاّ من وراء حجاب، فقال طلحة هذا: أيحجبنا محمد عن بنات عمّنا ويتزوّج نساءنا؟ لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده. الدرّ المنثور 5: 214، فتح القدير 4: 299.

 وتناجى عمر بن الخطاب وعثمان بن حنيف في المسجد، فأغضب عثمان عمر، فقبض عمر من حصى المسجد قبضة فحصب بها وجه عثمان فشجه بالحصى في وجهه وترك بها آثارا من شجاج. فلما رأى عمر كثرة تسرّب الدم على لحيته، قال: أمسك عنك الدم. تاريخ المدينة 2: 691.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

السيّد جعفر الماجد

المتولّد (24/6/1333)

ويقول في رثاء الحسين عليه السلام:

ياصاحب المجد الأصيلْ *** يا راكب الوجنا الذلولْ

عرج إذا جئت الطفو *** ف على حمى حامي الدخيلْ

واحبس مطايا العزم في *** أكنافها عند النزولْ

بلّغ تحية مدنفٍ *** ما نام بالليل الطويلْ

والثم ثرى عرصاتها *** فيها شفاء للعليلْ

واهمِ الدموع الهاملا *** ت من المحاجر كالسيولْ

فبها كماة من قريـ *** ـش تسنموا ظهر الخيولْ

طلبوا بها رفع العلا *** ء وعزه بعد الذبولْ

صالوا على أعدائهم *** مذ طلّقوا سنن القفولْ

أسد كماة ما لهم *** في الخلق طراً من مثيلْ

ما بينهم بدر الدجى *** يعدوكما الليث الصؤولْ

يلقى الكماة بعزمه *** وبسيفه الماضي الصقيلْ

قد كاد يفني الجمع لو *** لا اللّه آذن بالرحيلْ

فرماه سهم منية *** بفؤاده السامي النبيلْ

وهوى على وجه البسيـ *** ـطة ساجداً لرضا الجليلْ

فهوت له السبع العلى *** والشمس غابت في اُفولْ

وتدكدكت شم الجبا *** ل لفقدها سبط الرسولْ

ومضى إلى نحو الخيا *** م جواده عالي الصهيلْ

يدعو بنات محمّد *** بصهيله العالي المهولْ

فبدت خفائر أحمد *** كالورق تعدو في ذهولْ

طوراً تقوم وتارة *** تكبو على حرّ الرمولْ

حسرى حفاة مالها *** حامٍ سوى الخلف العليلْ

فرأت حسيناً بالصعيـ *** ـد معفّر الخد الأسيلْ

والشمر جاثٍ فوقه *** لم يخشَ من شرف الرسولْ

يا شمر هذا ابن النبـ *** ـي وفرخ فاطمة البتولْ

هذا حسين خير من *** وطئ الحصى من كل جيلْ

فأجابها لكن بقو *** ل فتّ أحشاء الثكولْ

لابدّ لي من قتله *** والثار يطلب بالمثيلْ

وغدا يحزّ كريمه *** بمهند ماضٍ صقيلْ

فبكته أملاك السما *** والجنّ ضجّت بالعويلْ

وبكت عليه المكرما *** ت دماً عن الدمع الهمولْ

والطير معْ وحش الفلا *** والجامدات مَعَ السيولْ



كشكول الوائلي _ 194

كشكول الوائلي _ 194

خطأ نظرية عدم الزواج من زوجة الربيب

وهذا العرف الجاهلي كان سائدا وهو تصوّر مخطوء من وجهين:

الأوّل: أن من الممكن أن تبقى هذه المرأة معطّلة، وربما انحرفت سيّما إن كانت لا تزال شابة.

الثاني: أنه يشمّ منه رائحة التمييز. فالمعتِق يظل على نظرته إلى هذا الربيب على أنه رقّ ليس بمستواه، وأن زوجته مثله، أو أن الزواج من زوجته ولو كانت حرّة يهبط به عن مستواه إلى مستوى الربيب، وهذا ما لا ينبغي أن يكون من حرّ على رأيهم ووجهة نظرهم.

إنّ هذا المولى لم يخلقه اللّه تعالى كذلك، بل إنّه أصبح كذلك لظرف طارئ مرّ به، وقد انتهى هذا الظرف وعاد إلى حريته، فما معنى هذا اللون من التميّز، وهذا التصرّف؟ إن المفروض أننا مجتمع القرآن وأننا نتبع أخلاق القرآن وتعاليمه،وهو يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1) فهذا هو الشعار الذي رفعه القرآن، والذي يجب أن يكون شعار المجتمع القرآني.

فرسول اللّه صلى الله عليه وآله أراد أن يكسر هذا العرف الجاهلي، وإلاّ فإنّه صلى الله عليه وآله كان بإمكانه ومقدوره أن يتزوّج منها قبل أن يزوّجها من زيد. ثم إنّ المطلّقة ليست دائما مخدوشة، فقد تطلّق المرأة لأ نّها لم تنسجم مع زوجها في حياتها الزوجية، وليس بالضرورة أن تكون سيئة أو مخدوشة، ومجرّد عدم التناغم والانسجام في بيت الزوجية لا يخرجها عن كونها امرأة ذات أدب أو عفّة، وهذا ما يجعل الزواج منها ثانية أمرا ممكنا لا عيب فيه. بل ربما يكون الزوج نفسه سيّئ الأخلاق والسيرة، أو أنه لا ينفق عليها؛ مما يلجئ الزوجة إلى طلب الطلاق منه.

ورسول اللّه صلى الله عليه وآله كان بوسعه أن يتزوّج من أي فتاة من أشراف العرب يشاء، ويخطب إلى أي بيت من بيوتاتهم، لكن جلّ نسائه صلى الله عليه وآله كنّ إما أرامل أو مطلّقات، ولذا فهو صلى الله عليه وآله لجأ إلى مثل هذا اللون من الزواج لأ نّه صلى الله عليه وآله يريد أن يضرب هذه القاعدة الجاهلية، ويكسر هذا العرف الجاهلي الذي كان من ضمن موروثات جاهلية تنخر في جسد المجتمع، وأن يقضي عليها. إنّه صلى الله عليه وآله إنما جاء ليرفع مستوى الأخلاق عند الناس، وليس من الخلق أن تترك المرأة تتعذب لمجرد وجود مثل هذا الوهم الجاهلي الذي يعشعش في أذهان الناس، وهذا الوهم هو أ نّها مطلقة، مع أنها ربما طلقت لسبب معقول ووجيه كما ذكرنا. ومن كانت قد طلقت لمثل هذا السبب هل من الخلق الإسلامي أن تبقى رهينة البيت وسجينة ضمن نطاق العادات والتقاليد الجاهلية، والتمثّلات الجمعيّة؟

فالإمام السجاد عليه السلام أجابهم بأن هدف الرسول صلى الله عليه وآله هو كسر هذا العرف المقيت الذي ليس له أي موجب أبدا؛ ولذا فإنه أقدم على الزواج من زينب ابنة جحش.

الثالث: حول مسألة الجمع بين الصلاتين

وهي من المسائل المعاصرة أيضا؛ إذ أنّ زمانها يمتد مع امتداد وجودها ووجوبها. دخل عليه رجل يوما فسأله: لماذا تأمر الصبيان بأن يجمعوا بين صلاتي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؟ فقال عليه السلام : «ما داموا على وضوء قبل أن يشتغلوا ». ويقول عليه السلام: «هو خير من أن يناموا عنها»(2).

فهذه رخصة، واللّه تعالى يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه، والرسول صلى الله عليه وآله كان يجمع بين الصلاتين من غير عذر وفي غير السفر والمطر. ومن أحب أن يرى ذلك فليرجع إلى (المنتخب) لابن تيمية، و(المبسوط)(3) للسرخسي وكتب اُخرى(4) في هذا المجال(5) مؤلّفة خصّيصا لهذا الغرض (الجمع بين الصلاتين). فالإمام عليه السلام حينما أصّل الجمع؛ فلأ نّه عليه السلام كان يرى أن يخفّف عن المسلمين ويهوّن الأمر عليهم(6) ويقربهم إلى الطاعة أكثر، فالإنسان قد يصيبه الفتور أيام المطر أو الحرّ أو غير ذلك عن التوجّه إلى المسجد خمس مرّات في اليوم. إضافة إلى ذلك أن هذا الجمع كما قلنا ليس ببدعة وإنّما هو رخصة من الله الذي أباح لنا ذلك. وقد صرّح القرآن الكريم بذلك حينما قال: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِن قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (7).

فالقرآن الكريم في هذه الآية ينصّ على ثلاثة أوقات، وكذلك السنة النبويّة المطهّرة، وقد جمع النبي صلى الله عليه وآله كذلك، وهذه سنّة عملية. ومع كل هذا نجد الآن من ينبز بقوله: لماذا يجمع هؤلاء؟ وأحيانا يتعدّى الأمرُ النبز إلى الألفاظ الجارحة. وهذا التصرّف لايعدّ مزاجا فقهيا أو نمطا علميّا، بل هو نمط بعيد عنهما ومزاج مجافٍ لهما تماما؛ لأ نّه يحمل روح التحامل والمكابرة أمام الدليل. يقول السرخسي في (المبسوط): إنّ أحمد بن حنبل نفسه كان يجمع، وكذلك حال جماعة من الفقهاء على مرّ العصور، وغاية ما في الأمر أن التفريق أفضل. ونحن ليس عندنا جمع حقيقي وإنما هو جمع صوري، بمعنى أنّ هناك فترة فاصلة بين الصلاتين تتخلّلهما، تفرّق بين فرض وآخر، وهذه الفترة يقع فيها الدعاء والتسبيح والذكر، ثم بعد ذلك يقوم المصلّي إلى فرضه الثاني.

فكان الإمام عليه السلام بجلوسه في مسجد جدّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يتصدّى لغرس العلم في نفوس الناس.

يتبع…

________________

(1) الحجرات: 13.

(2) الكافي 3: 409 / 2، قرب الأسناد: 23 / 77، المصنّف (ابن أبي شيبة) 1: 303 / 14، أحكام القرآن 3: 430.

(3) المبسوط 1: 149 – 150.

(4) المغني 2: 120 ـ 121.

(5) قد مرّ كل ذلك في ج5 ص 199 / المبحث الثالث من موسوعة محاضرات الوائلي.

(6) قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله: «جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء». الانتصار 9: 407، ذخيرة المعاد 1: 97 ( حجري ).

(7) الإسراء: 78.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

السيّد جعفر الماجد

المتولّد (24/6/1333)

ويقول في رثاء أمير المؤمنين عليه السلام:

كفاك فخراً عظيماً يا أبا الشهدا *** أن جدت بالنفس من دون النبي فدا

بذلتها في سبيل اللّه خالصة *** لم تخشَ موتاً ولم ترضَ الهوان رِدا

فكم بها جدت في هيجاء معركة *** ظلّ الشجاع بها حيران منكمدا

كم قمت بالسيف كشافاً لكربتها *** مشمّراً وبحول اللّه معتضدا

لولاك ما عرف المعبود عابده *** لولا حسامك فالمعبود ما عبدا

لولاك ما رفعت للدين رايته *** لولا حسامك فالإسلام ما وجدا

لولاك نال اُولو الأحقاد قصدهُمُ *** لولا حسامك نال البغي ما قصدا

لولاك أمسى عرا الإسلام منفصما *** لولا حسامك أمسى الحق مضطهدا

إذن فأركان هذا الدين مابنيت *** إلاّ بكفك يا من خلتها رشدا

كم آية لك أبهرت العقول بها *** أجلى من الشمس لا إخفا لها أبدا

كم حاولت سترها الأقوام واجتهدوا *** فعاد كل حسيراً لن يصيب هدى

ومعجزاتك ما بين الورى ظهرت *** لن يستطيع لها كتابها عددا

لكن أقول وقلبي ملؤه عجب *** كيف استطاع المرادي فيك ما قصدا

كيف استطاع بأن يعلو بصارمه *** منك الجبين فتقضي يا أبا الشهدا

يتبع…



كشكول الوائلي _ 193

كشكول الوائلي _ 193

نشاطات الإمام السجاد عليه السلام قبل واقعة الطف

واستمرّ الحال هذا إلى أن لحق الإمام الحسن عليه السلام بالرفيق الأعلى، وكانت الأحداث بين رحيله عليه السلام وواقعة الطف متتالية حافلة بالكثير من الممارسات والأعمال غير المشروعة على الرغم من أ نّها كانت عشر سنين فقط. لقد كانت فترة مشحونة، غير أني أودّ أن اُشير إلى نقطة هامّة هي أن كل من كتب وألّف حول الإمام السّجاد عليه السلام لم يسلّط الأضواء كافية على الفترة التي عاشها قبل واقعة الطف، والتي تبلغ اثنين وعشرين عاما. وهنا اُمور عدّة حول نشاطاته عليه السلام، أرغب في أن اُشير إليها في هذ المجال؛ حيث إنّه عليه السلام بعد بلوغه الثانية عشرة من عمره اُنيطت به مهامّ عدّة في أداء رسالته، وهذه المهام تتوزّع بين عدّة أعمال:

الأوّل: النشاط العلمي

فبعد أن ترعرع الإمام عليه السلام عقد له مجلسا في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، فكان يجلس هناك للفتوى. ويلاحظ أنّ هذا الأمر لم يقتصر على فترة ما قبل الطف، بل إن هذا النشاط استمرّ مع الإمام عليه السلام حتى انتقاله إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر. فالذي نريد إثباته هنا أنّ بدايته كانت في تلك السنّ المبكّرة، وهذا الدور الذي اُنيط به عليه السلام لم يتوقف عند هذه الفترة، بل استمرّ معه حتى بعد أن ازدحمت الأحداث عليه سيّما إبّان فترة إمامته، فلم ينقطع عن مجلسه في مسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ولا عن نقاشاته العلمية ومحاجّاته وإفتاءاته.

نماذج من محاجّاته عليه السلام

وسأنقل هنا بعض احتجاجاته على من اعترض عليه في أمور كثيرة، ومنها:

الأوّل: حول قول أمير المؤمنين عليه السلام : «إخواننا بغوا علينا»

دخل رجل على زين العابدين عليه السلام فقال: هل تستطيع أن تخبرني كيف قتل أبوك المؤمنين الذين هم إخوانه في الله؟ فبكى علي بن الحسين ثم مسح عينيه وقال: «ويلك، كيف قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟». قال: لما سألوه عن أهل الجمل: هل نقول عنهم إنهم كفرة؟ فقال: «معاذ الله إنهم قوم يصلّون». فقيل: فماذا نقول؟ قال: «إخواننا قد بغوا علينا، فقاتلناهم على بغيهم». فهو نفسه يعترف بأنهم إخوانه، فكيف قاتلهم؟

وهنا يجد الإمام عليه السلام نفسه أمام واقع منحرف يجب تصحيحه، وأمام مغرّر به ينبغي أن يصحّح له فكره هذا؛ لأن البعض يتعامل مع الاُمور بشكل حرفي، فيأخذ جانبا واحدا من جوانب المسألة فقط دون أن يستوعبها كاملة، فقال عليه السلام له: «ويلك أما تقرأ القرآن؟». قال: بلى. قال: «فقد قال اللّه: وَإلَى مَدْيَنَ أخَاهُمْ شُعَيْبا، وإلى ثمود أخاهم صالحاً، فكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم؟». أي أنه عليه السلام يريد أن يقول له: إن أهل مدين كفرة وشعيبا نبيٌّ، وكذلك ثمود، فكيف عبّر عنهم بأنهم إخوة مع ما هم عليه من ضلال؟ فقال له الرجل: لا بل في عشيرتهم؟ فقال عليه السلام : «فهوءلاء إخوانهم في عشيرتهم، وليسوا إخوانهم في دينهم».

واُلفت نظرك إلى أن القرآن الكريم يعبّر دائما عن الأنبياء عليهم السلام بأنهم إخوان قومهم. فقال له ذلك الرجل: فرّجت عني فرجّ اللّه عنك (1).

الثاني: حول زواج النبي صلى الله عليه وآله من زينب ابنة جحش

وكمثال آخر على نشاطاته العلميّة سأله أحد المسلمين قائلاً: لماذا أقدم جدّك رسول اللّه صلى الله عليه وآله على الزواج من زينب بنت جحش؟ هل كان يعشقها، وكان يخفي ذلك في نفسه؟ فأجابه الإمام عليه السلام : «إن الذي أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيداً سيطلّقها. فلمّا جاء زيد وقال له: اُريد أن اُطلّق زينب. قال له صلى الله عليه وآله: أمسك عليك زوجك. فقال سبحانه: لم قلت: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا: حاجة بحيث ملّها ولم يبقَ له فيها حاجة وطلّقها، وانقضت عدّتها زَوَّجْنَاكَهَا»(2).

فهو عليه السلام يقول له: إن هذه ابنة عمّته وهو يعرفها، ولو أراد أن يتزوّجها لفعل، ولكن الرسول أراد أن يكسر بها عرفا جاهليّا وهو مسألة التبنّي، إذ كان العرب إذا تبنّى أحدهم أحدا فإنه يورّثه، وهذا المتبنّى لو تزوّج فإن متبنّيه لا يتزوّج من زوجته فيما لو توفّي.

إنّ زينب ابنة عمة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وكانت تعيش معه في البيت، ولو أنّ هناك أمراً خلاف ما أراده القرآن كان قد حصل لما زوّجها رسول اللّه من متبنّاه زيد. وهذا المعنى هو الذي حاول المستشرقون أن يصوروا عبره قصة غرام بين رسول اللّه صلى الله عليه وآله وزينب ابنة جحش، وهؤلاء طبعا لهم هدف واضح وسيّئ هو الطعن بالرسالة والنبوّة وبشخص النبيّ صلى الله عليه وآله نفسه، وإخضاعه إلى مستوى الناس العاديّين. في حين أنّ حقيقة الأمر غير ذلك، فالعرب كانوا لا يرون الزواج من زوجة الربيب أو المتبنّى ويأنفون منه؛ فكانوا إذا أعتق أحدهم عبدا فإن الولاء عندهم يبقى للمعتِق؛ ولذا فهم يأنفون من زواج المعتِق من مطلقة المعتَق أو أرملته، ويعدّونه عارا.

يتبع…

_______________

(1) تفسير العياشي 2: 20 / 53.

(2) التفسير الصافي 4: 191.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{72} السيّد جعفر الماجد[1]

المتولّد (24/6/1333)

هو السيّد جعفر السيّد أحمد السيّد ماجد السيّد حسين السيّد هاشم بن علوي، المتولّد يوم الثلاثاء بالتاريخ المذكور من أبوين كريمين قاما بتربيته خير قيام، عاقدين عليه أكبر الآمال؛ إذ لم يكن لهما غيره سوى بنت أكبر منه بكثير. شب مترجمنا محباً للعلم وذويه؛ لذا فقد تحصل منه على ما عُدّ به من طلبة العلم، حيث تلمذ على جماعة من أهل الفضل كوالدنا المغفور له، والشيخ علي السويكت وأمثالهما. ومما يؤسِف أن ظروفه المادية لم تساعده على مواصلة الدراسة، فامتهن التجارة مدة، ثم التحق بالوظائف الحكومية ابتداء من عام (1364)، ولا يزال بها حتّى الآن. وكان يقول الشعر باللغتين الفصحى والدارجة، وله فيهما آثار جميلة. ومن أدبه الفصيح في أهل البيت عليهم السلام قوله:

في مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

هنيئاً لأرضك يا مكة *** فقد حل نجمك برج السعَدْ

علوت فخاراً ونلت السرور *** فلا مثلك اليوم يدعى أحدْ

ولا مثل أحمد وافى الوجود *** ولا مثل مكة كانت بلدْ

لها قصب السبق من ربنا *** بها البيت صيره مقتصدْ

تحثّ الحجيج له ظعنها *** ويأتيه من كل فج مددْ

وأنت نشأت ببحبوحها *** صبياً وربيت فيها ولدْ

وهاجرت منها إلى طيبة *** غداة أبانت قريش الحسدْ

بعثت نبياً لهذا الورى *** فكل الورى نال فيك الرشدْ

فقمت بعزمك تدعو الأنام *** إلى الدين حتّى استقام الإودْ

أضاء بطلعتك النيّران *** وزهرة والمشتري والأسدْ

تجلببت درعاً من الصبر لا *** يرام وضيقت منه الزردْ

وجاهدت في اللّه لا جازعاً *** ولا خائفاً سيدي من أحدْ

فدتك نفوس تودّ البقا *** لأن بقاءك فيه الأودْ

عذرت حسودك مذ عاينت *** صفاتك عيناي يا معتمدْ

فإن يحسدوك فلا بدعة *** ذوو الفضل حسادهم لا تعدْ

نُصرت بخير الورى المرتضى *** أبي حسن فضله لا يعدْ

أبا حسن يا مثير العجاج *** إذا شمِل الفرقتين العددْ

أعنت النبي وساعدته *** وعن وجهه كم فككت العقدْ

إلى أن أقمت لدين الإله *** بماضيك أركانه والعمدْ

فكم لك من معجزات عظام *** ملأت الفجاج بها لا تعدْ

أ لست الهزبر بيوم الجلادِ *** أما أنت قاتل عمرو بن ودْ

وزلزلت من خيبر حصنها *** وجدّلت مرحبها في الوهدْ

يتبع…

_________________

[1] توفي رحمه الله في 22 / 9 / 1411 ه.



كشكول الوائلي _ 192

كشكول الوائلي _ 192

المبحث السادس: زهده عليه السلام في الدنيا

لقد كان كل رصيده من الدنيا التي كانت تتكدّس بين يديه حين وفاته عليه السلام سبعمئة درهم أراد أن يشتري بها خادما لأهله؛ لتعينهم على اُمور الطحن وأعمال البيت، فعاجلته الشهادة(1).

فلم تصرعه البيضاء والصفراء، وكان ينظر إليها نظرةَ من يعافها ويزدريها، وكل ما كان يشغله فم جائع يحسّه قريبا منه وإن كان يسير على البعد منه، فهو يحسّه يخاطبه بقوله: إنك مسؤول عن جوعي. لقد سمعناه يصغي لأنّات المظلومين في شرق الأرض وغربها، ويقول: «اللهم اشهد على علي بن أبي طالب فقد أدّى إلى عبادك حقوقهم». وكان يتمثّل دائما بقوله:

 هذا جناي وخياره فيه *** إذ كل جانٍ يده إلى فيه(2)

فكان عليه السلام يذود عنه الذهب والفضة، ويتحاشاهما:

 ما سرّه أن يرى الدنيا له ذهبا *** وفي البلاد قلوب شفّها السغبُ(3)

وكان عليه السلام يقول: «يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم»(4) وكان عليه السلام يأكل العجوة والخل ويلبس لباس المساكين، فكان رصيده من الدنيا أن سجدت هي على أبوابه وأعتابه:

إن بيتا أضلاعُه من جريد النـ *** ـخل والسقفُ والفراشُ حصيرُ

سجد النجم فوق رملته السمـ *** ـراءِ واستشرفت مداه العصورُ

المبحث السابع: جزاؤه عليه السلام في الدنيا

فحسبك أبا تراب أنك أخذت قلوبا من الناس فسكنتها، وحللت بمشاعرهم،وما يقدم الذهب والفضة وما يؤخران؛ سواء كانا لك أم لغيرك؟

لقد كان رصيده من العواطف لا حدود له، فقد امتلك قلوب المؤمنين كما ذكرنا، وهذا ما يشهد له قول النبي صلى الله عليه وآله: «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(5)، وقوله صلى الله عليه وآله له كذلك: «إن الله عزّ وجلّ رسّخ حبي في قلوب المؤمنين وكذلك رسّخ حبّك يا علي في قلوب المؤمنين، ورسّخ بغضي وبغضك في قلوب المنافقين؛ فلا يحبّك إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضك إلاّ منافق كافر»(6).

فيامن سكنت إليك قلوب المؤمنين، إنّ القلوب لتتقرّح عليك أسىً وهي تحسّ بأنك في مثل هذه الليلة قد اشتدّت بك العلّة، وسرى السم في بدنك، وعلت الصفرة وجهك الشريف، وهدأ الصوت الهادر، وخلا المحراب من فارسه المصلّي ليله ونهاره، وإن العيون لتدمع لعينيك وقد غارتا، تلكما العينان اللتان كانتا تبكيان من خشية اللّه تعالى وتقرّحتا وسهرتا في سبيله حتى ذبلتا. يقول سويد بن غفلة: دخلت ومعي نفر من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ومنهم الأصبغ إلى داره بعد إصابته، فسمعنا البكاء والنحيب من داخل الدار، فما استطعنا أن نسكت، وعلا نحيبنا، فخرج الإمام الحسن عليه السلام إلينا وقال: «إن أمير المؤمنين يقول لكم: انصرفوا وارجعوا».

يقول الأصبغ: فرجع الناس إلاّ أنا لم تطاوعني قدماي، فرجع الإمام الحسن عليه السلام وقال: «ألم أقل لكم: ارجعوا؟». فقلت: سيدي، واللّه لا تطاوعني قدماي. قال: «ادخل». فدخلت، ولمّا وقع بصري على أمير المؤمنين عليه السلام رأيت رأسه وقد عُصب بعصابة صفراء، واللّه ما أدري أوجهه أشدّ اصفرارا أم العصابة، فبكيت عند ذلك فالتفت إليَّ أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «يا أصبغ لا تبكِ، إنها واللّه الجنّة». قلت: سيدي، أنا أعلم أنها الجنّة ولكني أبكي لفراقك. ثم دخل عمرو بن الحمق الخزاعي فقال له: إن هذه الضربة مخدشة، وليست أعظم من ضربة عمرو بن ودّ العامري. فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «إني مفارقكم وراحل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله». عند ذلك سمعت النساء، وعلت أصواتهن بالبكاء واشتدّ ضجيجهن(7).

يتبع…

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1: 162، الفتوح (ابن أعثم) 4: 146، الاستيعاب (هامش الإصابة) 3: 48، تاريخ الإسلام 2: 207. وقد أمر عليه السلام بردّه إلى بيت المال بعد وفاته كما في الفتوح 4: 146.

(2) الأمالي (الصدوق): 257 / 440، الفائق في غريب الحديث 3: 175.

(3) البيت للشيخ عبد المهدي مطر. من مواليد النجف الأشرف سنة (1900) م، وكان عضوا عاملاً في جمعية منتدى النشر في النجف منذ إنشائها. تولّى تدريس النحو في كلّيّة الفقه. أعيان الشيعة 1: 558، مستدركات أعيان الشيعة 1: 112 – 113.

(4) نهج البلاغة / الحكمة: 241.

(5) مسند أحمد 1: 95، 128، الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 5: 306، كنز العمّال 11: 598 / 32878.

(6) الخصال: 577.

(7) الأنوار العلوية: 382.



Real Time Web Analytics