مقالات ثقافية

شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{96} الخطيب الملاّ راضي الراضي

المتولّد سنة (1350) ه

هو الخطيب الملاّ راضي ابن المرحوم الحاج علي آل راضي، المتولّد بالتاريخ المذكور في بلاد آبائه وأجداده «اُم الحمام»، بالحاء المهملة. وقد تكرر ذكرها في كتابنا بمناسبة ذكر شعرائها الأماثل، ومن بينهم الملاّ راضي المشار إليه؛ فقد كان على جانب كبير من الهمّة والإقدام، والذكاء والفطنة، وجودة الحفظ. تلقّى قراءته وكتابته وخطابته على أيدي أماثل معلّمي أهل بلاده، وفي سن مبكر استقلّ بنفسه، فكان معلّماً للقرآن والكتابة، خطيباً على أحسن ما يرام، وشاعراً باللغة الشعبيّة أكثر منه باللغة العربيّة. وقد أرسل إليّ بثلاث قصائد انتخبت منها هذه، فإليكها بعد إصلاحها في المولد العلوي. وقبل أن اُقدمها أعتذر إليه من وضعها في غير محلّها اشتباهاً:

المولد العلوي

صوت العدالة بالبشرى يحيّينا *** من داخل الكعبة الغرّا ينادينا

نادت جميع الورى والناس في فرح *** يغرّدون لقد تمّت أمانينا

بمولد المرتضى الكراّر سيد من *** في الكائنات وحامي الحقّ والينا

ياليلة قد سمت عزّاً ومفخرة *** على الليالي بها طابت ليالينا

ياليلة فضلها عمّ الوجود فلا *** يخفى على أحد حتّى المعادينا

في بيت خالقنا قد كان مولده *** بالفضل قد خصّه بين الملايينا

في ليلة ظهرت آياتها علناً *** لحامل الراية العظمى تحيينا

واسترّ للدين ثغر يوم مولده *** هبّ النسيم فما أحلى الرياحينا

في ليلة عبقت من طيب مولده *** وبشّر الروح فيه اليوم ياسينا

والدين قد عقد الآمال مبتهجاً *** والشرك خاب وأهلوه المعادونا

صدقت آماله في نصره أبداً *** بنصرك المصطفى من شيد الدينا

أنت الإمام أمير المؤمنين ومن *** أردى العساكر في اُحد وصفينا

وقبلها يوم بدر كنت فارسها *** من جدّل الشوس فيها والفراعينا

ويوم خيبر من أردى لمرحبها *** قد حاولوا خوف سيف اللّه تحصينا

لكن أبى اللّه إلاّ أن يفرّقهم *** على يدي خير من خاض الميادينا

أبا الميامين كشّاف الكروب ومن *** عاد العداة لما يأتيه باكينا

اضرب بصارمك البتّار غارب من *** أضحوا لدين نبي الله قالينا

متى نرى نجلك المهدي يفعل ما *** قد كنت تعمله في عصر ماضينا

عساه يحيي من الإسلام شرعته *** ويمحق الباطل الملعون لينينا

لتنشر العدل في الأرض التي ملئت *** جوراً طغى شرّه قد عمّت الصينا



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الأديب محمّد علي الناصرِ

المولود عام (1362)

ويقول في الغدير:

دع عنك ذكر الغادة الحسناءِ *** واترك هيامك في هوى أسماءِ

ودع الثناء على الغواني وادّخر *** ما كان عندك من جميل ثناءِ

وامدح به من قال فيه محمّد *** يوم الغدير ولاؤه كولائي

يوم الغدير وإنني لم أستطع *** إحصاء ما فيه من النعماءِ

يوم به خطب النبي محمّد *** في مجمع في تلكم الصحراءِ

وقفت ركائبهم بهم في قفرة *** نزلوا ولا مرعى ولا من ماءِ

والشمس في وقت الظهيرة فاغتدى *** كلّ يقي أقدامه برداءِ

وهنالك المختار أبدى خطبة *** غرّاء تخرس منطق البلغاءِ

وأقام حيدرة إماماً بعده *** يهديهُمُ للشرعة السمحاءِ

يدعوهُمُ من كنت مولاه فذا *** مولاه فارضوا معشر الشهداءِ

يا منكراً يوم الغدير وفضله *** مهلاً ففي التحقيق خير أداءِ

انظر إلى الكتب الصحيحة كي ترى *** إيضاح ما قلنا بغير مراءِ

وإليك (مسند أحمد) [1] فانظر تجد *** ذكرى الغدير ويومه الوضّاءِ

سل مسلماً وسل (الصواعق) عنه واسـ *** ـأل أكثر الحفّاظ والعلماءِ

قال الإماميون في ثبت نصّه *** وحديثه بصحيفة بيضاءِ

فسل الغدير عن الغدير ولا ترد *** بدلاً به فيه شفاء الداءِ

إيهٍ أمينيّ العلوم وكنزها *** وأمينها من أعظم الاُمناءِ

يا كوكب النجف الأغرّ ومن غدا *** كالدرة البيضا بعين الرائي

إني ولست مبالغاً في مدحكم *** حتّى ولو أسهبت في الإطراءِ

أقسمت باللّه الكريم وبالنبـ *** ـيّ المصطفى والآل والزهراءِ

كان الغدير على تلألؤ نوره *** مستخفياً بالنكر والبغضاءِ

فأبنتَه كالصبح لاح لناظر *** وجلوته للناس مثل ذُكاءِ

أوضحت للخصم الألدّ دليلنا *** ورفعت أرؤسنا إلى الجوزاءِ

_________________

[1] مسند أحمد 1: 84، 119، 152، 331، 4: 281، 370، 372، 5: 347، 366، 370، 419.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{95} الأديب محمّد علي الناصرِ

المولود عام (1362)

هو الأديب الفاضل محمّد علي بن حسن بن مكي بن محمّد آل ناصر القديحي القطيفي. أديب شاعر، وكاتب لوذعي، وخطيب ذاكر، أحد الشباب المرموقين بالنبوغ وقوة العارضة والذكاء والفطنة وجودة الحفظ وغير ذلك من الصفات التي تقتضي لصاحبها الرقي إلى الاُوج. وفي سن مبكر أنتج نتاجاً من المؤلفات القيّمة، فله كتاب (تاريخ القديح) على وشك الانتهاء، وكتاب (اللّه الخالق القدير) طبع قبل أعوام، وغيرهما. كما أن له من الشعر مالا يستهان به مما قاله بالمناسبات في أهل البيت عليهم السلام، فمنه قوله:

في رثاء الحسين عليه السلام

بتّ أبكي أسى بدمع غزيرِ *** لقتيل الطفوف في عاشورِ

قد بكاه النبي والآل طرّاً *** وبكته ابنة البشير النذيرِ

كيف لم تذرف العيون دموعاً *** لشهيد معفّر منحورِ

ونعته الأملاك واسترسل المن *** بر يتلو صحائفاً من نورِ

وأشاد التاريخ يصرخ في العا *** لم شتّان بين عدل وجورِ

ورأى الناس أن عالمهم قسـ *** ـمان قسم في جنّة وحبورِ

ثم قسم يميل للّهو والبا *** طل والظلم والفساد الكثيرِ

ولكلٍّ مؤيّد ونظام الـ *** ـخلق بالحقّ لا بكذب وزورِ

فاستمدّ الضياء من بيت علم *** لم يزل مشرقا جميع الدهورِ

وهنا نقطة التعمّق والبحـ *** ـث فمن يا ترى يفوز بخيرِ

سل لماذا الحسين سار حثيثاً *** من ربا يثرب بحال مثيرِ

تاركاً أرض طيبة خير أرض *** قاصداً كربلا بذاك المسيرِ

فلأمرٍ خروجه ولحكم *** إن للّه محكمات الاُمورِ

شاء أن يملأ الوجود علوماً *** ليس تبلى على امتداد العصورِ

نهض النهضة الكريمة في الحـ *** ـقّ فيا للفخار والتكبيرِ

هكذا هكذا مثال البطولا *** ت فمرحى بالثائر المأجورِ

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الأديب سعيد البريكي

المولود عام (1361) ه

ويقول أيضاً في رثاء الحسين عليه السلام:

هو المجد في يومك الواحدِ *** ومن نورك المشرق الصاعدِ

هو الحق يهتف عبر القرون *** مشيداً بموقفك الخالدِ

فيومك باقٍ يهزّ الكريم *** ويعصف بالوكل الراقدِ

فيبعث في القلب روح الفدا *** ويوري العزيمة في ساعدي

غداة تساءلَ فيها الهدى *** فلم يرَ غيرك من قائدِ

وصاح بك الدين مستصرخاً *** لتحميه من نزق الجاحدِ

رأيت الكرامة مهدورة *** فصحت بنفسك أن جالدي

دعاك إلى اللّه داعي الضمير *** فثرت على وضعها الفاسدِ

مشيت إلى الموت مستبشراً *** كمشي محبّ إلى ناهدِ

وسرت إلى ساحة المكرمات *** مشوقاً إلى عزّها الخالدِ

وقفت بها تتحدّى المنون *** وثرت بها ثورة الماردِ

وما روّعت قلبك المرهفات *** ولا فتّ في عزمك الصامدِ

ولا زحزحتك سيول النبال *** ولا ثورة اللهب الحاقدِ

وقلت لنفسك بيعي الحياة *** فلا خير في عيشها الراكدِ

إذا لم أعش في الورى سيّداً *** أسير على منهج الرائدِ

وأحمي شريعة خير الورى *** برغم المناوئ والحاسدِ

فعنديَ كأس الردى مترعاً *** ألذّ من العسل الباردِ

واُغضي صغاراً لنيل الحياة *** وأطمع في عيشها البائدِ

أأغضي يميني مستسلماً *** إلى بيعة النزق الجاحدِ

وفي صارمي تتلاشى الشكوك *** وفي خافقي عزمة الرائدِ

فما موتة بين سمر القنا *** سوى موتة البطل الماجدِ

ولما قضيت حقوق العلا *** وأديت نذرك للواحدِ

قضيت بنفسي ظامي الحشا *** تحنّ إلى وردها الباردِ

وسيقت نساؤك سوق الإما *** إلى فاسق للهوى عابدِ

تنوح فيقرعها سائق *** وتفزعها قسوة القائدِ



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{94} الأديب سعيد البريكي

المولود عام (1361) ه

هو الأديب سعيد نجل الفاضل الشيخ الميرزا حسين الحاج حسن البريكي، المولود سنة (1361) من أبوين كريمين قاما بتربيته أحسن قيام، فشبّ وترعرع محبّاً للعلم وذويه. تلقى مبادئ علومه على يد أبيه، ثم التحق بالمدارس المدنية حتّى فاز بشهادتها العالية، ثم حمله طموحه إلى أكثر من ذلك، فهاجر إلى الخارج ليتخصّص فيما يلائمه (وفّقه اللّه لما فيه الصالح العام). وقبل هجرته كان ينظم الشعر في المناسبات، ومنه قوله:

في رثاء الحسين عليه السلام

جدّدت للوجدان عهدا *** وبعثت للإسلام مجدا   

سطّرت في التاريخ أر *** وع صفحة للحق تبدى   

وهتفت فانتفضت لك الــ *** ـدنيا بها سهلاً ونجدا   

وصرخت في الأجيال تبـ *** ـعث في الورى هدياً ورشدا

وحملت مشعل نهضة *** وقدحت للأحرار زندا    

وأردت إيقاظ الضما *** ئر منهُمُ فأروك صدّا 

فوجدت أن إقامة الـ *** ـمعوجّ بالبتار أجدى  

وأثرتها حمراء دا *** مية تفيض لظى ورعدا    

ورأيت موتك في سبيـ *** ـل الحقّ والعلياء سعدا  

فحثثت نحو مراتب الـ *** ـعلياء سابحك العلندا   

ظمآن للمجد المؤثّـ *** ـل تبتغي في الموت خلدا

ومضيت في طرق الكفا *** ح مصاحباً كرماً وزهدا 

وسررت حين رأيت نفـ *** ـسك في سبيل الحق تردى  

عاهدت نفسك أن تمو *** ت مجاهداً فصدقت وعدا   

علمتنا أن المبا *** دئ بالنفوس الطهر تفدى  

حسبت اُميّة أن تذ *** لّ لدى الصراع وأن تردّا

زحفوا إليك ليخضعو *** ك فكنت في الهيجاء جلدا

وصمدت كالطود الأشـ *** ـمّ وكان أمر الحرب جدّا

ومضيت تهزأ بالرما *** ح ولم تهب زرداً وقدّا 

جذلان تبسم للسيو *** ف كاْنما أدركت قصدا  

مستلئماً بيض الظبا *** خلعتْ عليك النبل بُردا  

قد كنت فرداً في الكفا *** ح فكان يومك فيه فردا   

غضب الفرات ودمدمت *** جنباته حنقاً وحقدا    

أيسيل دافقه وقد *** أذنوا لوحش البر وردا   

ورضيعك المذبوح أفـ *** ـعم قلبك المشبوب وجدا 

لكن ما صدع القلو *** ب وأورث الأجفان سهدا   

يوم بقيت على الصعيـ *** ـد تخذْت وجه الأرض مهدا

شلواً تزملك الدما *** ء بها وما بُوّئت لحدا 

وبنات أحمد في الوثا *** ق إلى لئيم الأصل تهدى

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ إبراهيم الغراش

المتولّد سنة (1 / 1 / 1361)

ويقول أيضاً في رثائه عليه السلام:

هجرت الكرى بعد الأحبّة والودِّ *** على أربع كانت مراحاً إلى الوفدِ

فعهدي بها للوافدين مثابة *** تغصّ بها الأضياف من كلّ ذي ودّ

وقفت اُدير الطرف فيها فلم أرَ *** أنيساً بها غير المهيّج للوجدِ

فقلت بدور التمّ أين ترحّلوا *** فقالت تعزَّ والعزا ليس بالمجدي

لقد رحلوا عنّي وقد صرت بعدهم *** اُقاسي هموماً لا تقاس بلا عدِّ

فأرسلت دمعي في ثراها تلهّفاً *** على كلّ غطريف بها صادق الوعدِ

تذكرت لمّا أن وقفت بصحنها *** منازل سادات الأنام اُولي الرشدِ

شموس نبيّ الحقّ عترته التي *** بها الحقّ يعلو بالهداية والرفدِ

لقد شُرّدوا من غير ذنب فيا لها *** مصائب كبرى ناسفات إلى الطودِ

وأصبحت الأوطان من بعد فقدهم *** تحنّ حنين الثكل من شدّة البعدِ

تناديهُمُ ردّوا ولكنّ دهرهم *** أبى ينصف المظلوم والدهر ذو كيدِ

فتبّاً لدهر قد أصاب بأسهمٍ *** دعائم دين اللّه والحق والمجدِ

فكم حاولوا إطفاء نور محمّد *** ولم يحفظوا من بعده صفوة الحمدِ

وراموا بأن يمحوهُمُ عن جديدها *** ولكنّ نور اللّه يشرق بالضدِّ

وهم علل الإيجاد قدماً وآخراً *** وغوث البرايا في الحياة وفي العودِ

فمن حاد عنهم آب بالذلّ صاغراً *** ومن سار في منهاجهم فاز بالرشدِ

فيا آل طه إنني بولائكم *** رضعت مقرّاً بالولاية في المهدِ



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ إبراهيم الغراش

المتولّد سنة (1 / 1 / 1361)

ويقول في رثائه عليه السلام أيضاً:

في كربلا قد حطّ رحل السرى *** سبط نبي الحقّ سبط الورى

في فتية من آله أصبحت *** تعلو على كلّ الملا مفخرا

اُسد لها الحقّ شعار وما *** تقفو سوى الحق ولن تقسرا

لكنها لم تبتغِ منهجاً *** غير رضا اللّه وفيه ترى

فأثبتت عزّاً لها لم يزل *** عبيره يساير الأدهرا

واستخدمت كلّ زمان لها *** يثني عليها حامداً شاكرا

ببذلها الأنفس في معرك *** عجاجه وسط السما غبّرا

وأسعرت ناراً لحرب العدا *** فاسأل بيوم الطفّ ماذا جرى

يوم به أنصار دين الهدى *** صيّرت الأرض دماً أحمرا

تحسب في الحرب المنى والذي *** يصيب من أسيافها عنبرا

كلاّ تراه في الوغى باسماً *** كالبدر في اُفق السما أسفرا

لولا قضاء اللّه في خلقه *** لم يتركوا من العدى فاجرا

لكن أمر اللّه في أرضه *** لكل من فيها غدا قاهرا

فلم يزالوا في قراع إلى *** أن جُدّلوا صرعى بحرّ الثرى

وظلّ فرداً يا بنفسي له *** ليس له من الورى ناصرا

هناك سلّ البيض من غمدها *** في حدّه الموت بدا مخبرا

وأقحم الخيل بجيش العدى *** وهو وحيد بينهم حائرا

فعاينت منه العدى موقفاً *** يشبه فيه المرتضى القسورا

كم بطل أرداه كم فارس *** كم أصيد جدّله بالثرى

كم أروع أذاقه حتفه *** كم مدّرعْ من بأسه أدبرا

كم قسور سقاه كأس الردى *** وكم جرت من دمهم أبحرا

كم حطّم الجيش وضاق الفضا *** بآل حرب كم رأت عافرا

أقسم بالخالق لولا القضا *** عليه من رب السما سطّرا

لما استطاعوا أن يحيطوا به *** لكن أمر اللّه قد قدرا

فخرّ للموت فخرّ الهدى *** إذ خرّ من كان له مفخرا

وأصبح الدين له ناعياً *** بحسرة أبكت جميع الورى

والشمس من فقدانه أصبحت *** كاسفة والنور لن يبصرا

والخلق قد ضجّت له حسرة *** فيا له كسر ولن يجبرا

والدين قد حلت به نكبة *** فانفصمت منه وثيق العرا

فيا له من فادح مؤلم *** دهى العلا وللهدى أسهرا

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{93} الشيخ إبراهيم الغراش

المتولّد سنة (1 / 1 / 1361)

هو الأديب الشيخ إبراهيم بن عبد اللّه بن محمّد بن إبراهيم الغراش. و«الغراش» جمع «غرشة» معروفة بالجرار ـ بكسر الجيم ـ أو الأكواز؛ إذ كان مع أبيه يعملانها من الطين. ثم التحق ببعض المعلّمين للقرآن والكتابة، فألمّ ببعض القرآن حفظاً؛ إذ كان ضعيف البصر لا يستطيع أن يقرأ الكتابة، ثم رقى به التوفيق فامتهن الخدمة الحسينية، وما برح حتّى أصبح خطيباً مفوّهاً. وفي نفس الوقت اشتغل بطلب العلم، فكان حريصاً على تلقّي دروسه مهما كلّف الحال. ولا زال حتّى اشرأبت نفسه طموحاً إلى الهجرة لجامعة العلم النجف الأشرف؛ لينهل من نميرها الفيّاض، فهاجر إليها مرافقاً لأخيه وشقيقه الشيخ مبارك في اليوم الثالث عشر من ربيع الأول سنة (1385)، فأقام بمدرسة البغدادي مكبّاً على الدرس، طالباً لضالّته المنشودة بمساعدة أخيه المذكور (وفقهما اللّه للعلم)؛ لينفعا وينتفعا. وكان المترجم يقول الشعر، ومنه قوله:

في رثاء الحسين عليه السلام

بكيت على نفسي ومازلت باكيا *** اُذكرها بالأمس ما كنت جانيا

جنيت على نفسي هموماً عظيمة *** تهدّ الجبال الراسخات الرواسيا

أصابت فؤادي بالسهام وناظري *** فأصبحت منهوكاً وقد كنت ساليا

وبالمائسات الغيد قد كنت لاهياً *** بهنّ وإني في سروري لاهيا

قضيت زماناً هادئ البال مترفاً *** وقلبي سالٍ من جميع الدواهيا

ولكن دهري خانني بعدما وفى *** بتشتيت شملي من قريب ودانيا

فأصبحت كالثكلى لفقد أحبّتي *** وعيشي مرّ بعدما كان حاليا

ألا فاحذر الدهر الخؤون فإنه *** يخون بمن ألقى إليه الأمانيا

لقد غدر الدهر الخؤون بمن به اسـ *** ـتقام الهدى والدين أصبح عاليا

حسين رئيس الحقّ وافاه معضل *** يشيب له الطفل الذي لن يباليا

فجاء لقبر المصطفى شاكياً وفي *** حشاه لظى من جمرة الحزن واريا

وأبدى نحيباً زلزل العرش والسما *** وظلّت عيون المكرمات دواميا

ونادى بقلب مسعر من شجونه *** ومدمعه يجري كسحب الغواديا

أيا جدّ قلبي قد تكدّر عيشه *** وأبدت لي الأقدار ما كان خافيا

أيا جدّ دهري قد تنكر حاله *** فغيّر من لأوائه اليوم حاليا

وحاربني إذ لم اُبايع لمن غدا *** يهدّم ديناً كان بالحقّ عاليا

فناح له المختار من عظم حزنه *** على سبطه عزّ الهدى والمعاليا

ونادى حبيبي ياحسين كأنني *** أراك عفيراً في دمائك ثاويا

وشمر لحاه اللّه منك قد ارتقى *** بنعل على صدر المعظم جاثيا

ولم يكتفِ حتّى يمكن سيفه *** بنحرك يشفي ضغنه المتواريا

ولهفي لتلك الطاهرات حواسراً *** ثواكل تنعى قد عدمن المحاميا

فناح عميد الحق حزناً لآله *** وما هو سخط للذي كان جاريا

ولما أتى أهليه أنباهُمُ بما *** تكلّم خير الرسل والحزن باديا

فأظلمت الآفاق في وجه أهله *** فضجّوا عليه بين ثكلى وناعيا

وناحت عليه الجن شجواً وحسرة *** ودين نبي الحق أصبح واهيا

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{92} الملاّ راضي المرهون[1]

المولود عام (1345)ه

هو ابن عمّتي وأحد إخواني الملاّ راضي بن علي بن قاسم بن محمّد بن حسين آل مرهون. ولد بالتاريخ المذكور من أبوين كريمين من آل مرهون، فقاما بتربيته أحسن قيام، فنشأ ذا نفس وثّابة لطلب العلم والخطابة، رافعاً لنفسه عن سائر المهن التي لا تمتّ إليهما بصلة، اللهم إلاّ من طريق غير مباشر كامتهان طالب العلم لعمل ما؛ ليصون نفسه عن سؤال الناس كما جاء في أدب المتعلّمين. وما من شيء أحسن لطالب العلم من امتهان الخطابة ليصل من طريقها إلى خير الدارين.

لم يكن المترجم شاعراً باللغة الفصحى، وإنّما كان شاعراً باللغة الدارجة الشعبية، فقد كوّن له ديواناً لا يستهان به سيمثل للنشر إن شاء اللّه عن قريب في سلسلة مرهونياتنا. أما الشعر العربي فلم نعرف له منه شيئاً إلاّ هذه القصيدة قالها بعد الإلحاح عليه بمناسبة ميلاد مولانا الإمام المنتظر عليه السلام، ولعلّها باكورة لقصائد نراها له في المستقبل تعطر الندى بأريجها، وما يدرينا؟ (كثر اللّه في شبابنا أمثاله، ومد له في عمره طويلاً،
وزاد في توفيقه كثيراً).

ميلاد الإمام المنتظر عليه السلام

صوت من الملأ الأعلى ينادينا *** إن الملائك قد حفت بنادينا

يستغفرون لنا يدعون خالقنا *** يا ربّ فاغفر لنا في حفل هادينا

أرجوكمُ أن تقوموا في ولادته *** مكبّرين على الهادي مصلّينا

قد جاء تاريخه (نور) فحيِّ هلا *** نستقبل النور نوراً جاء يهدينا

بشراكمُ حين وفّقتم بحفلكمُ *** قد اجتمعتم إلى الهادي تهنّونا

بمولد الحجّة المرجوّ طلعته *** لينشر الهدْي تفصيلاً وتبيينا

ويملأ الأرض قسطاً بعدما ملئت *** ظلماً وجوراً طغامات مضلينا

يضللون عقولاً عن عقائدها *** وينكرون نبوّات النبيّينا

ويزعمون بأن اللّه ليس سوى *** طاقات خام تخبّت في مطاوينا

وما الصلاة وما الشهر الصيام سوى *** عاداتِ رجعيةٍ قد اُنشئت فينا

فلا صلاة ولا حجاً ولا خمساً *** ولا زكاة ولا هدياً ولا دينا

لهؤلا ينهض المهدي منتدباً *** فيشربون حميماً ثم غسيلنا

قد ادّعت اُمّة وهماً عقيدتنا *** لسنا على الوهم بل أنتم معادونا

إنّا نصدق ما جاء الرسول به *** إنا نصدق أقوال النبيّينا

فقد رووا في صحيح القول من طرق *** أن ابن مريم يأتي في فلسطينا

يؤازر القائم المهدي في بلد *** مقدس قامعا حقاً شياطينا

أرض مقدسة راحت مضيعة *** بأيد صهيون لا بوركت صهيونا

أتضربين على أرض العروبة أر *** ض اللّه دولة ظلم لا تبالينا

أتأكلين لذيذ العيش في رغد *** وتشربين زلالاً أو تنامينا

وتتركين لنا أهلاً بلا سكن *** هم نحو مليون هل نرضى يضيعونا

لا تحسبينا رضينا عن ظلامتكم *** فليس إلاّ رجوع الحقّ يرضينا

واللّهَ نسأل بالمختارِ منقذنا *** وآله الطهر عوداً يا فلسطينا

قولوا معي أيها الحفل الكريم بحـ *** ـق المصطفى وبنيه الطهر آمينا

________________________

[1] توفي رحمه الله في 25 / 11 / 1427 ه. طبع له ديوان: (كسب الثواب).



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{91} السيّد عدنان العوامي

المولود ( 3 / 5 / 1354 )

هو الأديب السيّد عدنان ابن السيد محمد ابن السيّد محفوظ العوّامي التوبي القطيفي. أحد الشباب النابغين في الأدب، ونباهة الفكر، وحصافة الرأي، والتفكير الحرّ. له ديوان كبير يشتمل على كثير من الفنون الشعرية، نقتطف منه ممّا يخصّ أهل البيت عليهم السلام قصيدته الغديرية في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام تحت عنوان:

يوم الغدير

يوم الغدير على المدى متألقُ *** وشذاه من أرج المسرّة يعبقُ

فيه الحياة بدت تلالأ بهجة *** أنِس الحجيج لها فكاد يصفّقُ

وتبسّمت آفاقها مزهوّة *** وأظلّ أهليها الصفاء المشرقُ

وزهت بمنتظم البهاء وأزهرت *** حتّى غدت لجمالها تتعشّقُ

وغدا يضوّئها جلال أشعّة *** علوية بسنا الهدى تتألّقُ

ولقد تبدّت في مجالي جنة *** زهراء يغمرها الجمال المشرقُ

فيما الخلائق تشرئبّ وكلّها *** اُذن تصيخ ومهجة تتشوّقُ

وإذا بصوت محمّد يعلو بها *** وإذا القلوب بصوته تتعلّق

هذا خليفتكم وسيّد أمركم *** وإمامكم بعدي فلا تتفرّقوا

هذا موجهكم لمدرجة العلا *** فتمسّكوا بذيوله كي ترتقوا

هذا علي والعدالة نهجه *** وذوو الجلالة بالعدالة أليقُ

فاقفوا خطاه على الطريق فإنه *** عن غير حكمة ربّه لا ينطقُ

اللّه أية دعوة لما تزل *** قبساً يشعّ على الوجود ويشرقُ

وعلى مدى الأزمان نبع هداية *** سيظل يجري بالمياه ويغدقُ

هذي مناهله يمد وجودها *** بدم الحياة نميرها المتدفّقُ

سيظلّ والتأريخ يشهد أنه *** روح الحياة وإن أبى متزندقُ

سيظلّ ينبئنا بأن حياتنا *** في المجد إذ نسمو به ونحلّقُ

وبأن قيمتنا بقدر جهادنا *** في الدين حيث بركنه نتعلّقُ

في الدين عزّتنا ورمز وجودنا *** لا في الهراء نصوغه ونلفّقُ

فهو السعادة في الحياة ومن يرد *** غير السعادة في الحياة سيمحقُ

وهو الدعامة للوجود وهذه *** أجلى حقائقه الوفاء وأصدقُ

فمتى تفيق نهى الشباب وينجلي *** عن فكره هذا الضباب المطبقُ

ليرى الحقيقة كالنهار جلية *** في ناظريه فيجتلى ويحقّقُ

هذي العروبة يستبيح ذمامها *** ويدوس حرمتها جبان أحمقُ

متفسّخ خلع المجون صوابه *** وأضلّه سفهٌ وعقلٌ مغلقُ

فسعى يبثّ لدى الشباب سمومه *** وفقاً لما رسم المعلّم عفلقُ

فالدين في لغة التحزّب بدعة *** ممجوجة وسخافة وتحذلقُ

أما التقدم في الحياة فإنه *** وقف على من يستبيح ويسرقُ

ولمن أراد خيانة وتنكراً *** لبلاده فمضى يعيث ويفسقُ

ولكل مرتزق وكل مصانع *** ولمن يداجي أو لمن يتشدّقُ

ولكل مبتذل يبيع ضميره *** ويبيع موطنه بفلس يبرقُ

الدين وهم والعروبة سلعة *** تشرى بسوق المغريات وتنفقُ

والعدل سجن والعدالة ساحة *** فيها رؤوس الأبرياء تعلّقُ

والأمن رعب والتحرّر مذبح *** ومجازر فيها الكرامة تهرقُ

وأصابع بدم الشباب روية *** بغياً وفي وحل الجرائم تغرقُ

هذي شريعته وهذا نهجه *** جثث تهرّأ أو رقاب تشنقُ

يابن العروبة والحياة على الأذى *** ذل وذاتك بالكرامة أخلقُ

إني اُعيذك أن تصير تبيعة *** تنساق خلف مُتاجر يسترزقُ

ولديك في هدي السماء مشاعل *** ولواء مجد للعروبة يخفقُ



Real Time Web Analytics