مقالات ثقافية

شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{61} الملاّ علي الربيع

المولود عام (1316) ه

وقال يرثي الحسين عليه السلام:

أيا مدلجاً حرّة لن تزالا *** تجوب الفيافي وتعلو الجبالا

ألا اقصد بسيرك نحو الغري *** توافِ من الطور نوراً تلالا

فصلِّ وسلم إذا شمته *** وأجرِ الدموعَ سحاباً سجالا

وبثّ الشكاية للمرتضى *** مزيل الكروب إذا الدهر مالا

اتغضي وفي الطف رزء الحسين *** أذاب القلوب وهلَّ الجبالا

تغضّ وفي الطفّ جسم الحسين *** تجول الخيول عليه مجالا

وقد رفعوا الرأس منه على *** قناة وأنواره تتلالا

وزينب ترنو ومنها الفؤاد *** مذاب ونار الحشا تتوالى

يتبع…



كشكول الوائلي _ 167

كشكول الوائلي _ 167

من مسائل الفقه الدولي

«القانون الدولي الإسلامي»

هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مؤمنونَ وَنِسَاءٌ مؤمناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابا أَلِيما (1).

مباحث الآية الكريمة

المبحث الأوّل: في سبب نزول الآية الكريمة

هناك مجموعة من الاُمور التي ترتّبت على صلح الحديبية شكّلت بجملتها سبب نزول هذه الآية الكريمة، وهي بهذا ترتبط بمنظومة الفقه الدولي في الإسلام. وسبب النزول هو أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله خرج معتمرا في السنة السادسة للهجرة الشريفة، وكان معه من الصحابة (1400) صحابي، خرجوا يسوقون معهم (700) ناقة لينحروها في الهدي. ولمّا دخلوا الحديبية وصل الخبر إلى أبي سفيان الذي جمع قريشا وقال لهم: لا بدّ من منع محمّد من دخول مكّة. مبيّنا لهم أنه صلى الله عليه وآله إنما يتحدّاهم بهذا، ثم جمع الخيّالة، وكان عليهم يومئذٍ خالد بن الوليد، فأقبلوا حتى وصلوا الحديبية، وبدأت الرسل بينهم، فبعثت قريش سفراءها، وفيهم عروة بن مسعود ـ وهو جدّ علي الأكبر لاُمّه، وجدّ المختار بن أبي عبيد ـ ومعه آخر، فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله: لا سبيل إلى دخولك مكّة.

فأخبرهم رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله أنه لم يأتِ للحرب، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظّما لحرمته، وأنه صلى الله عليه وآله يريد أن ينحر الهدي ويرجع. ثم أرسل صلى الله عليه وآله عثمان بن عفّان إلى مكّة فاحتبسته قريش وانقطع خبره، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين بلغه ذلك: « لا نبرح حتى نناجز القوم ». ودعا صلى الله عليه وآله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على الموت. فنزل قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمؤمنينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَا قَرِيبا (2)، فسميت «بيعة الرضوان» و«بيعة الشجرة »(3).

وكان عروة بن مسعود ممّن وفد إلى الرسول صلى الله عليه وآله في هذا الصلح، ولمّا رجع لأصحابه قال مخاطبا إياهم: أي قوم؟ والله لقد وفدت إلى الملوك ووفدت إلى كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا. ووالله إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ اقتتلوا على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر؛ تعظيما له. وإنه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها وأجمعوا أمركم (4).

فهو يؤكّد لهم أن هؤلاء كانوا بمجرّد أن يتوجّه صلى الله عليه وآله إلى وضوئه يتهالكون على تناول وضوئه، وإذا أراد شيئا أسرعوا بأجمعهم إلى قضائه له، وأنه رأى من الالتفاف حوله ما لا نظير له، وأنهم مستميتون دونه، فعليهم أن يحسبوا لهذا حسابا، وأن يقرّروا فيه رأيهم.

وبهذا تغيّر وضع قريش، وقرّروا الصلح مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، فأعادوا عروة والوفد الذي كان معه إليه صلى الله عليه وآله، فتمّ الاتفاق بينهم على أن يرجع رسول اللّه صلى الله عليه وآله عامه هذا، وله أن يأتي بمن معه في السنة التالية للحجّ. ورأى النبي صلى الله عليه وآله في هذا الأمر حقنا للدماء وتحقيقا لأهداف معينة، فوافق على الصلح، ونحر الإبل (هدي التحليل )، ورجع بأصحابه، ورجعت قريش إلى مكّة. فالآية إذن نزلت لتشرح بعض المواقف لهذا الصلح.

يتبع…

______________________

(1) الفتح: 25.

(2) الفتح: 18.

(3) تفسير القرآن العظيم 4: 200، صحيح ابن حبّان 11: 219 ـ 222.

(4) صحيح ابن حبّان 11: 219 ـ 222.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{61} الملاّ علي الربيع

المولود عام (1316) ه

الخطيب الفاضل الملاّ علي ابن الملاّ حسن الربيع. ولد بالتاريخ المذكور من أبوين كريمين تقيين، نشأ بينهما محباً للخير وأهله وذويه وبغاته. تلقى مبادئ العلوم من قرأته وكتّابه، وبعض مبادئ العربية متجهاً لأن يكون أحد طلاّب العلم الديني، فعاقته المشاغل التي اضطرته لأن يمتهن الكثير منها صوناً لوجهه عن سؤال الناس شأن كل عاقل. وأخيراً امتهن الخطابة والإرشاد، وكان يقول الشعر بقلة، ولديه منه جملة اقتطفنا منها مما هو مطبوع في ديوان أبيه السابق الذكر، فلنستمع إليه يقول:

في الموعظة والإرشاد

طال ليلي بحسرة واكتئابِ *** وجرى مدمعي كقطر السحابِ

بتّ أرعى النجوم في غسق اللي *** ل لتذكار فرقة الأحبابِ

رحلوا عن سواد عيني وغابوا *** فأنا بعدهم اُكابد ما بي

لم أزل أسأل الطلول بشجو *** يا طلول الأحباب هل من إيابِ

فيجيب الصدى بما يحرق القل *** ب وتجري الدموع بالاِنسكابِ

خلِّ عنك الأحباب وابك على ما *** سترى ما عليك يوم الحسابِ

ليس هذي الديار دار قرار *** فاحتسب ما فعلته في الشبابِ

وتمسك بالمرتضى وبنيه *** هم نجاة الورى بنصّ الكتابِ

وابك شجواً على الحسين شهيد ال *** حقّ والبس له سواد الثيابِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 166

كشكول الوائلي _ 166

حرمة الأشهر الحرم عند المسلمين

إذن فاللّه‏ تعالى أكّد على حرمة هذه الأشهر فلا يسفك فيها دم ولايعتدى فيها على أحد، وكان العرب يحترمونها كذلك وإن كانت هناك بعض الخروقات المعلّلة بالنسيء الذي حرّمه اللّه‏ تعالى، ولكننا مع ذلك نجد أنه قد اعتدي في أحدها على قدسيّة حامل الرسالة صلى الله عليه وآله، وعلى عائلته.

وهذا الأمر غير متوقّع في تاريخ الإسلام، فالفترة بين بعثة النبي صلى الله عليه وآله وبين واقعة الطفّ كانت قليلة، فهي بحدود ( 60 ) سنة، أي أن من أبنائها الجيل عينه الذي عايش النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فقد كان مع الإمام الحسين عليه السلام قسم من صحابة رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله، ومع هذا فقد فُعل به ما فُعل، مع أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله جاء منقذا؛ فقد كانت الجزيرة عند نقطة الصفر من الناحية الفكريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وهذا المقطع من خطبة الزهراء عليها السلام يوضّح حياتهم خير توضيح، تقول عليها السلام: « وكنتم على شفا حفرة من النار، أذلّة خاسئين، تقتاتون القِدّ وتشربون الطَّرْق فأنقذكم اللّه بأبي محمد صلى الله عليه وآله منها »(1). فقد كانوا يأخذون دم الذبيحة ويشربونه، ويشربون الطرق، وهو الماء الآسن الذي تبول فيه الإبل، ويزدحمون على البئر الواحدة؛ فتسفك الدماء وتسقط في البئر، فيضطرون لشرب مائه، ولمّا جاء الإسلام بدّل ذلك الخباء الممزّق الذي عبّرت عنه ميسون بقولها:

لبيتٌ تخفق الأرواحُ فيه *** أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيفِ(2)

فالبيت تلعب الريح فيه، ولمّا جاء الإسلام استبدله بعروش كسرى وقيصر، فأوطأهم إيّاها، وجعل الأنهار تجري من بين أيديهم، وفتحوا الدنيا بأكملها، ووضعت بين أيديهم أنواع الأطعمة، ونالوا الكنوز العظيمة. هذا من الناحية المادّيّة أمّا من ناحية اُخرى فقد استطاع أن يجعل منهم عباقرة ينظر إليهم التاريخ بإعجاب. فهل جزاء ذلك كلّه الاعتداءُ على أبناء رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله بعد أن رحل عنهم؟ إننا نعرف مدى حرمة الدم في الإسلام، فكيف إذا كان دم النبي صلى الله عليه وآله نفسه؟ حينما جاؤوا بالرؤوس إلى الشام اختفى خالد بن معدان ـ وهو من الفقهاء ـ فكان يجلس في بيته ويردّد:

جاؤوا برأسك يابن بنت محمد *** متزمّلاً بدمائه تزميلا

ويهلّلون بأن قتلت وإنما *** قتلوا بك التكبير والتهليلا(3)

فهو يعجب كيف أنهم قتلوه فأراقوا به دم النبي صلى الله عليه وآله. وكان الشافعي يقول:

تأوّه قلبي والفوءادُ كئيبُ *** واُرّق نومي فالسهاد عجيبُ

ذبيح بلا جرم كأن قميصه *** صبيغ بماء الأرجوان خضيبُ

فمن مبلغ عني الحسين رسالة *** وإن كرهتها أنفس وقلوبُ (4)

فكان يندب الإمام الحسين عليه السلام ويبكيه أشدّ البكاء. وكان الحسن البصري يقول: «أذلّ اللّه‏ اُمّةً قتلت ابن بنت نبيها» (5).

فهؤلاء كان عندهم ضمير يقدّر الواقعة، في حين أن البعض يقول: إن الحسين خرج على إمامه وقتل، بل أكثر من هذا نجد أن ابن العربي يقول: «إن الحسين قتل بسيف جدّه؛ حيث إن جدّه صلى الله عليه وآله حمل القرآن، والقران يقول: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي (6)… »(7). وهذا كلام غريب؛ فهل إن الإمام الحسين عليه السلام باغٍ؟ إنه الحسين الذي عبّر عنه رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله بأنه « سيّد شباب أهل الجنّة »(8).

ثم إنه صلى الله عليه وآله ألم يكن يعرف أنه سيقاتل حينما قال فيه ما قال؟ فهل يريد هذا المعترض أن يصحّح لرسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله رأيه؟ إن هذا الأمر من الثغرات العجيبة في تاريخنا، ولابدّ من ملئها، ومن عودة المسلمين جميعا لاُسس الإسلام.

وكما قلنا فإن من المفارقات الغريبة في تاريخنا أن هذا الشهر الحرام تنتهك حرمته، وبمن؟ بدماء أبناء رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله (9)؛ ولذلك فإن شهر المحرم إذا مرّ أخذ من قلوب أهل البيت عليهم السلام، كان الإمام الباقر عليه السلام يدخل عليه الشعراء والخطباء فيردّدون واقعة الطف بقصيدة أو كلمة، وكان الإمام الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام كذلك، وحذا شيعتهم حذوهم في هذا، وكانوا عليهم السلام يؤكّدون على هذا، ويأمرون به: «أحيوا أمرنا؛ رحم اللّه‏ من أحيا أمرنا»(10). فما هو الهدف من ذلك؟ ولماذا يصرّ الإمام الصادق عليه السلام على أن يستعيد واقعة الطفّ؟ إن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن دمعة فقط، وإنما كان سيفا، ولا يصحّ أن يُحوّل السيف إلى دمعة؟ يقول الأديب:

أبا الثورة الكبرى صليلُ سيوفها *** نشيدٌ بأبعاد الخلود مُرجَّعُ

تُشير وإيماضُ القواضب مشعلٌ *** وتحدو بركب الثائرين فيتبعُ

أبا الطف ما جئنا لنبني بلفظنا *** لمعناك صَرحا إن معناك أرفعُ

متى بنت الألفاظُ صرحا وإنما الـ *** ـصروح بمقدود الجماجم تُرفعُ

ألا إن بُردا من جراحٍ لبسته *** بنى لك مجدا من جراحك يُصنعُ

وضعناك في الأعناق حِرزا وإنما *** خُلقت لكي تُنضى حساما فتُشرعُ

وصُغناك من دمعٍ وتلك نفوسنا *** نصوِّرها لا أنت إنّك أرفعُ(11)

إن الإمام عليه السلام ليس بحاجة لأن تحشد كلّ تلك الناس لأجل دمعة، فالدمع إفراز طبيعي عند تأجّج العاطفة، كما أن «أحيوا أمرنا » لا يكون بالبكاء، لقد كان الإمام يودّ أن يجعل من الحسين عليه السلام اُنشودة ومثلاً؛ لأنه رفع مبادئ الإسلام، ووقف يصارع مبادئ الجاهليّة، ليُخرج المسلم من قوقعته وليقف ثائرا بوجه الظلم، وليرفع كلمة « لا إله إلاّ الله »، ومن أجل حرّيّته. فوقعة الحرّة بيّنت الموقف الحقيقي والشائن للاُمويين من المسلمين، حيث فرضوا عليهم أن يبايعوا كعبيد أقنان ليزيد(12)، أي أن يزيد يتحكّم بدمائهم وأموالهم وأعراضهم. وهذا ما لا يرتضيه الإسلام للإنسان، فهو مكرّم عنده وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (13).

كان عمر بن عبد العزيز يأخذ الأموال من بني اُميّة ويرجعها الى الناس، فتقول له عمّته: ألا تخشى منهم؟ قال لها: «كل يوم دون يوم القيامة لا أخشاه » (14). فهؤلاء نهبوا أموال المسلمين وساُرجعها إلى أهلها.

فالأموال سرقت، والأعراض والدماء انتهكت، فقد قتل بسر بن أرطاة ( 30 ) ألفا في يوم واحد، كما ذكرنا أول المحاضرة، حتى قام عقيبة الأسدي وقال:

معاويَ إننا بشرٌ فأسجِحْ *** فلسنا بالجبالِ ولا الحديدِ

أكلتم أرضَنا فجردتموها *** فهل من قائمٍ أو من حصيدِ

ذروا جورَ الإمارةِ واستقيموا *** وتأميرا على الناس العبيدِ

فهبنا اُمّةً ذهبت ضياعا *** يزيدُ أميرُها وأبو يزيدِ

أتطمعُ في الخلافةِ إذ هلكنا *** وليس لنا ولا لك من خلودِ

وأعطونا السويّةَ لا تزرْكم *** جنودٌ مردفاتٌ بالجنودِ(15)

فالإمام الحسين عليه السلام خرج ليقارع الظلم، وليصارع قيم الجاهلية؛ فهو أكبر من أن يعامل بالدموع، لكن يبقى الدمع يفرز عندما تمرّ الواقعة شئنا أم أبينا، فنحن حينما ندرس الواقعة وننتهي إلى نتيجة هي أن واقعة الطفّ جعلت بيوت النبي صلى الله عليه وآله خالية، فإن الإنسان حينئذٍ لا يمكن أن يتمالك دمعه دون أن يتركه يسيل من عينيه، ورحم الله سليمان بن قتّة إذ مرّ بديار الحسين عليه السلام ورآها خالية فأنشد:

مررت على أبياتِ آلِ محمدٍ *** فلم أرَها أمثالَها يومَ حلّتِ

ألم ترَ أن الشمسَ أضحت مريضةً *** لفقدِ حسينٍ والبلادَ اقشعرّتِ

وكانوا رجاء ثم صاروا رزيةً *** لقد عظمت تلك الرزايا وجلّتِ

وإن قتيلَ الطفِّ من آلِ هاشمٍ *** أذلّ رقابَ المسلمين فذلّتِ(16)

يتبع…

__________________

(1) شرح الأخبار 3: 35.

(2) تاريخ مدينة دمشق 70: 133 ـ 134.

(3) مناقب آل أبي طالب 3: 263 تهذيب الكمال 6: 448.

(4) مناقب آل أبي طالب 3: 269، بحار الأنوار 45: 253 / 12، 273 – 274، معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول عليهم السلام ( الزرندي الشافعي ): 101، ينابيع المودّة 3: 48 – 49. انظر محاضرة ( السبط المخلّد عليه السلام ) ج 8 من موسوعة محاضرات الوائلي.

(5) ينابيع المودَّة 2: 398.

(6) الحجرات: 9.

(7) فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 265 ـ 266، 5: 313.

(8) انظر: فضائل الصحابة (أحمد بن حنبل): 20، 58، 76، مسند أحمد 3: 3، 62، 64، 82، 5: 391، 392، سنن ابن ماجة 1: 44، الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 5: 321، 326، المستدرك على الصحيحين 3: 167، 167، 167، 381، شرح النووي على صحيح مسلم 16: 41، وغيرها كثير.

(9) قال الشاعر:

قتلوا الحرامَ من الأيمّـ *** ـة في الحرامِ من الشهورِ

مثير الأحزان: 61.

(10) الخصال: 22 / 77، الأمالي ( الطوسي ): 135 / 218.

(11) ديوان المحاضر 1: 32.

(12) تاريخ مدينة دمشق 54: 181 ـ 182.

(13) الإسراء: 70.

(14) انظر الطبقات الكبرى 5: 398.

(15) تاريخ مدينة دمشق 26: 47.

(16) اُسد الغابة 2: 21، تهذيب الكمال 6: 447، سير أعلام النبلاء 3: 318.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الملاّ علي الرمضان

المولود ( 5 / 8 / 1314 )

وفيه عليه السلام يقول:

خذ دروس الرشاد والإرشادِ *** من حياة الأبطال والأمجادِ

واقفُ منهاجهم فذاك صراط *** مستقيم إلى السعادة هادِ

وادرس النهضة التي لشهيد الـ *** ـطف رمزا الإبا أبي السجادِ

نهضة زعزعت عروش اُميّ *** وأقضّت مضاجع الإلحادِ

حيث أبقت ذكرى ترن بسمع ال *** دهر مل‏ء الأعوام والآبادِ

هي ذكرى الحسين سبط رسول ال *** لّه من كان قدوة للعبادِ

من به اللّه أنقذ الدين من أيـ *** ـدي الطغاة البغاة أهل العنادِ

من فدى الشرعة المطهرة السمـ *** ـحاء بالنفس حين عز الفادي

وأبى العيش بالمذلة أويذ *** هب طعم الظبا وسمر الصعادِ

قدّم الوُلْد والأحبّة للقتـ *** ـل ضحايا حتّى رضيع المهادِ

قدم النفس للمهيمن قربا *** ناً لإحياء دينه في البلادِ

خطّ في صفحة الزمان سطوراً *** من دماء تتلى ليوم المعادِ

ولتبقى على اُميّة عاراً *** أبد الدهر ماله من نفادِ

يا حسين الإبا أبا الشهداء الـ *** ـغر مولى الورى سليل الهادي

يا سفين النجاة يارحمة البا *** ري على الخلق يا عظيم الأيادي

يا أبا عبد اللّه تفديك نفسي *** ونفيسي وطارفي وتلادي

وسفيراي لاتّصالي بلطف *** منك حزني ودمع عيني البادي

ورجائي وحسن ظني منوطا *** ن بقصدي ياغاية القصّادِ

أنا مولاكمُ فتى رمضان *** وإليكم يا سادتي إنشادي

وعليكم من الإله سلام *** ما دعاه داعٍ ونادى المنادي



كشكول الوائلي _ 165

كشكول الوائلي _ 165

موقف الإمام السجّاد عليه السلام من مروان

وهناك في تاريخنا أمثلة سامية في عدم مقابلة الإساءة بمثلها، فمثلاً مروان بن الحكم الذي لم يُسئ أحد من المسلمين إلى الإسلام بقدر ما أساء إليه هو، فقد خلق ألف مشكلة للإسلام، كما أنه هو الذي سبّب مشكلة للخليفة الثالث مع الناس ممّا أدّى إلى مصرعه، وخلق حالة من الشقاق بين المسلمين(1). وهو الذي كان يضرب رأس الإمام الحسين عليه السلام بالعصا ومع ذلك فإنه حينما حدثت الثورة على الاُمويّين في المدينة وقف الإمام زين العابدين يحمي عائلته وعوائل الاُمويّين. فأين يمكن أن نجد مثل هذا الخلق العالي؟ لقد كان الإمام عليه السلام يصلهم بالطعام، ويوفّر لهم الحماية ويأمر أبناءه بذلك(2).

فهذه مشاعر آل محمد صلى الله عليه وآله التي تترفّع على الحقد. وكان بعض الجماعة يسيئون للإمام علي عليه السلام، فيشتمونه تحت منبره، وقد قال لهم مرّة وهو على المنبر: «أما إني أعلم الذي تريدون ويقيم إوَدكم، ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي»(3). فيسكت عنهم ويسامحهم، ولكن الجاهل لا يعي أن العفو عفو، وإنما يسميه ضعفاً، مع أن على الإنسان أن يصنع الفضيلة للفضيلة.

ثم إن الاعتداء يجب ان يأخذ صفة المماثلة، فلا تجمح العاطفة بالإنسان فيتعدّى الحدود المشروعة في الاقتصاص، قتل ولد لأحد من بني تميم، فلما جاءه أهل القاتل ليدفعوا له الدية، قال: أنا اُخيّركم إحدى ثلاث: أن تعيدوا لي ولدي حيّا. فقالوا: إن هذا غير ممكن. فقال: إذن عليكم أن تُنزلوا لي نجما من السماء. فقالوا: وهذا غير ممكن كذلك. فقال: إذن أبيدكم عن آخركم، فإن قطرة واحدة من دمه تعدل دماءكم كلّها. فعاطفة هذا الأب جامحة، وهو في حالة غضب كذلك؛ ولذا طلب منهم ما طلب، لكنه يتعارض مع ضوابط الإسلام والإنسانيّة.

فالقرآن الكريم يريد أن يقيّد هذه العواطف الجامحة، فأمر بأن تراعى المثليّة في القصاص، فلا ينتقل إلى حكم آخر إلاّ إذا لم يكن بالإمكان إحراز المماثلة، كالضرب مثلاً؛ فإنه إذا خيف أن يفقد المقتصّ منه سمعه أو بصره مثلاً عند الاقتصاص منه، فليس من المعلوم أن يسلما له إن هو ضُرب، فحينها ينتقل إلى حكم آخر كما قلنا. فالمماثلة اُوجدت لحفظ النظام وكيلا تكون حياة المجتمع غابة يأكل أبناؤها بعضهم بعضاً.

يتبع…

___________________

(1) انظر: تاريخ الطبري 3: 397، الإمامة والسياسة 1: 35، شرح نهج البلاغة2: 146 ـ 148، 9: 26.

(2) الكامل في التاريخ 3: 456.

(3) الكافي 8: 361 / 551.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الملاّ علي الرمضان

المولود ( 5 / 8 / 1314 )

ويقول ايضاً في مولده عليه السلام:

ماس الهدى في حلة الأفراحِ *** ولقد تضوّع بالشذا الفوّاحِ

والكون أسفر عن محيا زاهر *** بالنور ضحّاك الثنايا ضاحِ

والليل أهدى للنهار تحية الـ *** ـمشتاق نجماً لاح كالمصباحِ

ولقد غدا القُمْري يصدح بالهنا *** أخلق بنغمة ذلك الصدّاحِ

والحور أبدت في الجنان تهانياً *** فرحاً بمولد خامس الأشباحِ

خلعت ذكا ثوب البها لشقيقها *** بدر الدجى علم الهدى اللماحِ

قد بوركت من ليلة فيها بدا *** قمراً منيراً بالسنا والوضاحِ

هذا الحسين المنقذ الثاني ومن *** ضحّى لدين اللّه بالأرواحِ

هذا أبي الضيم من لم يتّشح *** إلاّ ببُردَي عزّة وسماحِ

من ضمه والمصطفى شرف الكسا *** فسما السماك عُلا بغير جناحِ

جعل الإله أئمة من صلبه *** للخلق سادوا قادة الإصلاحِ

أهلاً بمن هو للكتاب عديله *** حتّى تلاه على ذرا الأرماحِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 164

كشكول الوائلي _ 164

هل ترفع الحدود في الدنيا عذاب الآخرة؟

إن هناك خلافا بين الفقهاء حول من يُقتصّ منه في الدنيا؛ هل إنه يعاقب على جريمته في الآخرة، أم لا؟ وللإجابة على هذا السؤال لابدّ من معرفة أن هناك حقوقا خاصّة وحقوقا عامّة، فالسارق حينما يردّ المبلغ الذي سرقه يسقط الحقّ الخاصّ، لكن هذا لا يعني أن الأمر قد انتهى عند هذا الحدّ؛ إذ أنه يتبقّى في ذمّته الحقّ العامّ، وهو حقّ الهيئة الإنسانية. فالسارق عمل على الاستهانة بحقوق الآخرين والاعتداء على الناس وعلى حقّهم العام، وهذا ما يعبّر عنه الفقهاء بحقّ اللّه‏ عزّ وجلّ. فالذي يعتدي على حقّ غيره، ويردّه إليه في الدنيا يجب أن يعلم أن وراءه رقابة إلهيّة وملاحقة يتبنّاها اللّه‏ عزّ وجل.

إن الإنسان ضخم بعقله، فلا يستهِن بحقوق الناس، وعلى قدر عقله يكون تكليفه وحسابه، فـ: لاَ يُكَلِّفُ اللّه‏ُ نَفْسَا إِلاَّ وُسْعَهَا (1)، فالجاهل غير العالم، أي أن العالم الذي يعتدي على غيره يكون عقابه مضاعفا (2)؛ ولذا فقد ورد في الأثر أن «ذنب العالِم كالعالَم» (3)؛ لأن المفترض بالعالم أنه هو الذي يهذّب الجاهل ويعلّمه. ولكننا الآن لا نجد من هذا شيئا؛ ذلك أن هناك علماء ذوي ثقافة وإدراك لكنهم أسرع من غيرهم إلى ارتكاب الجريمة.

إذا لم يزد علمُ الفتى قلبَه *** وسيرتُه عدلاً وأخلاقُه حسنا

فبشّره أن اللّه‏ أولاه فتنة *** تغشّيه حرمانا وتوسعه حزنا (4)

وهذا مايعبّر عنه القرآن الكريم بقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (5). فمثل هذا سواء كان عنده علم أو لم يكن عنده علم، فهو على حدّ سواء؛ لأنه لم يستفد من علمه، مع أن المفروض أن يأخذ العلم أثره من السلوك في العمل، وأن يأخذ بيده إلى الصواب.

العفو عند المقدرة والمثليّة في القصاص

ثم قالت الآية الكريمة: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، هناك قاعدة اُصولية تقول: «إن المورد لايخصّص الوارد» (6)، أي أنه إذا اُنزلت آية في موضوع خاصّ فإنها لا يقصر حكمها على ذلك الموضوع، بل لنا أن نعدّيَه إلى كلّ ما يتوفّر فيه وحدة الملاك، فمثلا قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (7)، نزل بسبب سارق بعينه، لكن ليس معناه أن هذا السارق فقط تقطع يده، بل إن كلّ من يسرق تقطع يده، فالآية الكريمة حكمها عام. وكذا آية المقام: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فإن فيها عموما، فليس الاعتداء في الشهر الحرام فقط هو المسوّغ للردّ عليه، بل إنها شاملة لكلّ اعتداء حتى لو كان في غير الشهر الحرام.

وربما يقول قائل: ألا يتناقض هذا مع قوله تعالى: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (8)؟

ويجاب بأن هذا لا ينفي حقّ المعتدى عليه في الردّ، فهو يملك حق ردّ الاعتداء لكن لا يجب عليه تنفيذه، أي أنه يجوز له أن يترك هذا الحقّ، ويجوز له أن يردّ الاعتداء. فترك الاعتداء من حسن الخلق لكن ينبغي ألاّ يتحوّل إلى حالة من الضعف، كما أنه أمر يتبع المزاج، فهناك من يطغى عليه مزاج الردّ:

ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا *** فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا(9)

في حين أننا نجد مقابله مزاجا يذوب رقّة ورحمة، فيقول صاحبه:

إني شكرت لظالمي ظلمي *** وغفرت ذاك له على علمي

ورأيته أسدى إليَ يداً *** لما أبان بجهله حلمي

رجعت إساءته إليه وإحـ *** ـسـاني فعاد مضاعف الجرمِ

ورجعت ذا أجرٍ ومحمدةٍ *** وغدا بكسب الوزر والإثمِ

مازال يظلمني فأرحمه *** حتى بكيت له من الظلمِ(10)

إذن فالأمر في الآية الكريمة: فَاعْتَدُوا عَلَيْه هو للإباحة لا للوجوب، أي أن المعتدى عليه يملك الحقّ في ردّ الاعتداء، فهو بالخَيار إن شاء اقتصّ وإن شاء عفا وقابل بالإحسان.

يتبع…

______________________

(1) البقرة: 286.

(2) انظر شرح اُصول الكافي ( المازندراني ) 2: 165 ـ 166.

(3) وقال الصادق عليه السلام : « يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ». الكافي 1: 47 / 1: وأرسله في فيض القدير شرح الجامع الصغير 6: 480 / 9657 عن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله.

(4) شرح رسالة الحقوق: 509.

(5) الأعراف: 176.

(6) جواهر الكلام 1: 215، حقائق الاُصول 2: 412.

(7) المائدة: 38.

(8) فصلت: 34.

(9) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته. آمالي السيد المرتضى 1: 42، 2: 8، شرح نهج البلاغة 16: 101، 19: 221، الجامع لأحكام القرآن 1: 207، 2: 356.

(10) الأبيات لمحمود الورّاق. شرح نهج البلاغة 18: 378.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الملاّ علي الرمضان

المولود ( 5 / 8 / 1314 )

صفّق المجد ( ميلاد الحسين عليه السلام )

صفّق المجد هاتفاً أبديّا *** في نديٍّ أكرم بذاك نديّا

يسمع الكون ما يذيع من البشـ *** ـرى ملاء الأجوا هتافاً دويّا

باسم الثغر ذاكراً سؤدداً محـ *** ـضاً وفذاً وسيداً علويّا

الحسين الكريم من هو قد سا *** د شباب الجنان خلقاً وريّا

الذي سن للاُباة إباها *** فاغتدى نهجه الصراط السويّا

بوركت ليلة بها كان ميلا *** د زعيم الاُباة طهراً نقيّا

ليلة قد أطلّ فيها على الدن *** يا الغلام الميمون كنزاً جليّا

وبها يثرب أضاءت فذا النو *** ر الحسينيّ قد تبدّى مضيّا

مولد للجمال تقرأ فيه الـ *** ـحسن آياً برنامجاً يوسفيّاً

مولد سر أحمداً وعلياً *** سيد الأوصيا وسر الزكيّا

وغدت فاطم قريرة عين *** حيث جاءت به إماماً رضيّا

غرد الطير في السماء وأهدى الـ *** ـفرح العام بسمة للثريّا

أبدت الحور في الجنان التهاني *** بينها وانتشقن ورداً شذيّا

وله جملة الملائك في السبـ *** ـع السماوات قد أقامت نديّا

سجدوا إذ بدا الحسين وخرّوا *** عند رؤياه سجداً وبكيّا

جبرئيل لك الهنا إذ تناغيـ *** ـه لدى مهده غلاماً زكيّا

يا بني الخط جددوا كل عام *** محفلاً سامياً يسر النبيّا

فيه ذكرى محمّد وبنيه *** من أشادوا للدين صرحاً عليّا

أتمنى لكم من اللّه في الدا *** رين عزّاً ورفعة ورقيّا

يتبع…



كشكول الوائلي _ 163

كشكول الوائلي _ 163

من يحمل الكتاب ولا يعمل به

إن الهدف من التمثيل هو تقريب المعنى لذهن السامع، فالمسألة إذا كان فيها خفاء يضرب لها مثل محسوس حتى تقرّب إلى ذهن السامع. فوظيفة المثل تبيانية، ومن الأمثلة التي جاء بها القرآن الكريم قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمَا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ(1)، فإنه يريد أن يبيّن أن هؤلاء الذين يجمعون أموالهم من السحت والحرام هي أموال أشبه شيء بالنبات اليابس الذي يقع عليه المطر ويحطمه، وتأتي الريح القوية فتأخذه وترميه في الفضاء، فيتبدّد يمينا وشمالاً. فالثروة التي يكون مصدرها الحرام فإنّ مصيرها التبدّد. فالله تعالى يضرب لنا مثلاً حسيا ليقرّبه إلى أذهان الناس.

فالآية الكريمة موضوع المقام نزلت في اليهود الذين حملوا التوراة، أي كلّفوا بحملها، فحمّل الشيء: كلّف به. فاللّه‏ تعالى حينما حمّلهم التوراة كلّفهم أن يعملوا بمضمونها، فقال لهم: إن التوراة هي دستور الحياة، فيجب عليكم أن تطبّقوا المفاهيم الواردة فيها على ساحة الواقع، فتطبّقوا الحدود والوصايا والنظم التي احتوتها.

فلمّا نزلت التوراة وقرأها الأحبار، رأوا فيها أشياء لا تروقهم، فمثلاً جاء فيها تبشير بالنبي محمد صلى الله عليه وآله، وليس من مصلحتهم أن يدعوا لنبوّته، بل إن عندهم مؤسسات قائمة على اليهودية، تدرّ عليهم أموالاً، وهي مرتبطة بالدولة. وعليه فإنّ مصالحهم ستذهب إذا أخبروا أتباعهم بالأحكام التي تلتقي مع الإسلام، وهم يريدون كيانا متميّزا. وهنا جاء القرآن الكريم مخبرا عنهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا.

إن هذه المسألة لا تخص اليهود فقط، فليسوا هم وحدهم من لم يحملوا مضامين كتابهم، فهناك الكثير ممّن نزل عليهم القرآن ولم يعملوا به، وكأن القرآن نزل للقراءة صباحا فقط أو لتحلّى به الأعناق للبركة. إن القرآن فيه مضامين عالية علينا أن نطبّقها، فنحن حُمّلنا القرآن للتكليف، وحكمنا عندما نترك القرآن كحكم اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة، وسيلحقنا الذمّ. فعلينا أن نعرف مضامين القرآن ولا نقع ضمن دائرة قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَا(2). والعلاقة بين الإعراض عن ذكر اللّه‏ وبين ضيق المعيشة أن تطبيق مبادئ غير مبادئ القرآن كالرأسمالية والاشتراكية وتطبيق المذاهب ومجموعة النظم الاقتصادية الدخيلة ـ وكلها لا تحلّ أي مشكلة ـ هو الذي يؤدّى إلى حصول هذا الضنك في المعيشة. فلماذا لا نجرب الاقتصاد الإسلامي وننزله إلى الساحة، فنعالج نظريات التوزيع، ونظريات الإنتاج، ونظريات البيع والتبادل، على ضوء النظام الإسلامي، ولنرَ حياتنا هل ستصبح مرفّهة أم لا؟

فنحن نجد الآن في أرقى الدول اُناسا لا يملكون مأوى أو طعاما، فنجد إنسانا يفترش الأرض ويلتحف السماء، ونجد الجوع منتشرا، ونسمع بالمشاكل الاقتصادية تنتشر في كل مكان في حين أنهم ينفقون الأموال لأجل إطعام كلب وتنظيفه. يحدّثنا التاريخ أن الناس في أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز كانوا مكتفين اقتصاديا، فكانت السلطات تأخذ الزكاة من الأغنياء فلا تعثر على مستحقّ لها في بعض المناطق لعدم احتياجهم لذلك.

فهل قمنا بدراسة العلاقة بين الإعراض عن ذكر اللّه‏ تعالى وبين ضنك العيش في الآية: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَا دراسة جدية وواقعية؟ بل أكثر من هذا نجد أن جامعاتنا لا تدرّس الاقتصاد حسب رأي الإمام الصادق عليه السلام أو رأي أبي حنيفة أو مالك، فلماذا لا نأخذ رأي محمد بن عبد اللّه‏ صلى الله عليه وآله، وهو رأي الإسلام؟ إن الواجب علينا أن ننظر إلى ما كتبه فقهاء المسلمين حول المسائل التي لها علاقة بالاقتصاد، وأن نضع لنا منهجا في دراستها.

إذن يوجد عندنا اُناس يحملون القرآن ولا يعرفون مضمونه، بل يوجد اُناس لا يعرفون ماذا يوجد في القرآن، كالبعير يحمل الأثقال ولا يعرف ماهي، فهو يحمل القرآن ولا يعرف نسبته إلى المذاهب الاجتماعية الاُخرى. إن في القرآن أكثر من ( 70 ) آية نزلت في حقّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهذا الأمر تذكره حتى المذاهب الإسلامية الاُخرى(3)، ومع كل هذا نجد من يقول: إن علي بن أبي طالب بدري، وحاطب بن أبي بلتعة بدري أيضا، أي كلاهما سواء. فصحيح أنهما بدريان، لكن من يقول: إنهما سواء؟ إن من يقول: « سلوني سلوني، فوالله لا تسألونني عن آية من كتاب الله إلاّ حدثتكم عنها بمن نزلت بليل أو بنهار، أو في مقام أو في سهل أو في جبل، وفيمن نزلت؛ أفي مؤمن أو منافق »(4)، هل يمكن أن نضعه في مصافّ من لا يعرف أبسط الأحكام؟

وصحيح أن حاطبا له صحبة لكنه ارتكب خطأ كبيرا حينما أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يفتح مكّة، فقد كانت عائلة حاطب بن أبي بلتعة في مكّة، فعرف أن النبي صلى الله عليه وآله سيفتح مكّة فأراد أن يفعل جميلاً لقريش، فيخبرهم أن النبي صلى الله عليه وآله استعدّ لغزوهم؛ حتى يحفظوا له الجميل، ولا يؤذوا عائلته.

فكتب رسالة وأعطاها لسارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام، وكتب فيها: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكّة، إن رسول الله يريدكم، فخذوا حذركم.

فأخذت الرسالة ووضعتها في عقيصتها (شعر رأسها) وخرجت، فهبط جبرائيل عليه السلام ، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بما فعل حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله لها من يأتي بالكتاب منها، فأخبرتهم بأن لا كتاب معها، وحلفت على ذلك. فعادوا إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبروه أن ليس معها كتاب، وأنها قد حلفت على ذلك، فأرسل إليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وعمارا والمقداد بن الأسود وأبا مرثد، وعمر والزبير وطلحة، وكانوا كلّهم فرسانا، وقال لهم: « انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ(5)، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فخذوه منها ».

فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فنحّوها وفتشوا متاعها، فلم يجدوا معها كتابا، فهمّوا بالرجوع، فقال الإمام علي عليه السلام : « والله ما كَذبنا، ولا كُذبنا ». ثم سلّ سيفه في وجهها وقال لها: « أخرجي الكتاب وإلاّ والله لأضربن عنقك ». فلما رأت الجدّ عند أمير المؤمنين عليه السلام ، أخرجته من ذوءابتها وأعطته إيّاه، فرجعوا به إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله.

فأرسل صلى الله عليه وآله إلى حاطب فأتاه، فقال له: « هل تعرف الكتاب؟ ». قال: نعم. قال: « فما حملك على ما صنعت؟ ». قال: يا رسول اللّه، والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحت لك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلاّ وله بمكّة من يمنعه، وهم عشيرته، وكنت عريرا فيهم ـ أي غريبا(6) ـ وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتّخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا. فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وآله وعذره، وقال له: « قم، فقد وكلتك إلى ظاهر إسلامك »(7).

فهذا يخاف من أن تتعرّض عائلته إلى سوء، فأين هذا من الذي يصبح عليه الصباح وقد شهر سيفه بوجه الكفر وأخذ يضربهم يمينا وشمالاً حينما بات في فراش رسول اللّه‏؟ وهو يعرف ما الذي ستتعرّض له عائلته، لقد تعرضت عائلة علي بن أبي طالب عليه السلام للإبادة، فكان الاُمويون يواجهون قبر النبي صلى الله عليه وآله ويقولون: يا محمّد، ثار بثارات بدر.. بدر التي قتل فيها الإمام علي عليه السلام ( 35 ) بسيفه، والجيش الإسلامي والملائكة قتلوا ( 35 )، فهل كلاهما سواء؟

يجب أن يكون عندنا مقاييس علمية وموضوعيّة، ونحن بهذا الشكل لا نعمل بمضامين القرآن. كان مروان بن أبي حفصة يقول:

زوامل للأسفار لا علم عندهم *** بجيّدها إلا كعلم الأباعرِ

لعمرك ما يدري المطي إذا غدا *** بأسفاره إذ راح ما في الغرائرِ(8)

فالبعير لا يدري بالغرائر، لكن أنت يا مروان إذ تنتقد هؤلاء، هل أنت أفضل منهم؟ وهل أنت تحسن أن تحمل القرآن وتعمل بمضمونه؟ إنك تعرف ظلم العباسيّين وجورهم، فكيف تخاطب الرشيد بقولك:

خليفةَ اللّه‏ إنَّ الجودَ أوديةٌ *** أَحلَّك اللهُ منها حيث تجتمعُ

إن أخلفَ الغيثُ لم تخلف مخائلُه *** أو ضاق شيءٌ ذكرناه فيتسعُ

من لم يكن ببني العباس مُعتصما *** فليس بالصلوات الخمس ينتفعُ(9)

فأين علمك الذي حملته بصدرك؟ إن هذه هي مصيبتنا، وهذه ظاهرة عامة، يرى أحدنا القذى في عين غيره ولا يرى الجذعة في عينه.

فالمسألة لا تقتصر على التوراة، بل تشمل حتى حامل القرآن، فهو معرّض لمؤاخذة عند عدم العمل به، فالقرآن إمامنا ومرشدنا ومصدر حضارتنا، فعلينا أن نأخذ من مضامين القرآن الذي ملأ كل أركان الحياة.

فالقرآن حياة المجتمع، وعندما نزل فإنه نزل على اُناس أموات؛ فلا علم ولا أخلاق ولا استقامة، فبعثهم وأحياهم من جديد. فعلينا الآن أن نتعلم ونحيي المجتمع بأن نأخذ من تعاليمه وآدابه وأخلاقه.

يتبع…

__________________________

(1) الكهف: 45.

(2) طه: 124.

(3) قال ابن عباس رضي الله عنه: « نزل في علي ثلاثمئة آية ». الصواعق المحرقة: 125، كفاية الطالب: 231، تاريخ الخلفاء ( السيوطي ): 172، نور الأبصار: 73، إسعاف الراغبين: 160.

(4) سعد السعود: 109، وهو عليه السلام القائل: « أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض ». نهج البلاغة / الكلام: 189.

(5) خاخ: موضع بين الحرمين، ويقال له روضة خاخ، بقرب حمراء الأسد من المدينة. وذكر في أحماء المدينة، والأحماء: جمع حمي، وهي التي حماها النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء بعده. معجم البلدان 2: 335 ـ خاخ.

(6) لسان العرب 2: 744 ـ عرر.

(7) مجمع البيان 9: 445، الجامع لأحكام القرآن 18: 50.

(8) مجمع البيان 10: 8، تفسير الثعلبي 9: 307، الجامع لأحكام القرآن 18: 95.

(9) لم نعثر عليها لمروان، بل لمنصور النمري. انظر تاريخ بغداد 4: 272، 13: 69.



Real Time Web Analytics