مقالات ثقافية

شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ علي الجشي

المتوفّى سنة ( 1376 )

في رثاء الكاظم عليه السلام

إذا أنفحت من جانب الكرخ ريّاهُ *** هدتنا إليه في الدجى فنحوناهُ

فلا خير في شدّ المطي وقطعها *** وُعُور الفلا والسهل إلاّ لمغناهُ

فإن بجنب الكرخ قبرا لسيد *** ينال به الراجي من السؤل أقصاهُ

إمام هدى فيه اهتدى كلّ مهتدٍ *** وكان به بدء الوجود وإبقاهُ

له المنصب العالي من اللّه‏ حيث لا *** سماء ولا أرض ولا شيء أنشاهُ

وإذ أنشأ الأشياء أوجب حقه *** على كل شيء من قديم وولاّهُ

وأعطاه سلطان النبي محمد *** على الخلق في خم بما كان أوحاهُ

ولكنهم إذ أخرجوه ضلالة *** عن المرتضى كلّ هناك تمنّاهُ

فما زال من قوم لقوم ومن له *** مقام رسول اللّه‏ خانت رعاياهُ

فشرّد هذا كالحسين وآخر *** كموسى أسيراً سار ما بين أعداهُ

وغيّب في تلك الطوامير شخصه *** ونور هداه عمّت الكون أضواهُ

فلم يبلغوا ما أمّلوه فحاولوا *** بإزهاقهم نفس الهداية إطفاهُ

إلى أن قضى باب الحوائج نازحاً *** وما حضرته ولده وأحبّاهُ

فراح وحمّالون تحمل نعشه *** وقد أدرك الأعداء ما تتمنّاهُ

فلم نرَ نعشاً كان سجناً فقد سرى *** وأقياده ما بارحتهن رجلاهُ

ألم يكفِهم في السجن اُفني عمره *** وإزهاق تلك النفس ظلماً وإيذاهُ

فقد عاش دهرا في السجون وبعدها *** أدافوا له سمّاً فقطع أحشاهُ

كأنهُمُ آلوا ولو كان ميّتاً *** من السجن لا ينفك حتى بمثواهُ

وسارت وراء النعش بشراً ولم تسر *** لتشييعه والكون زلزل أرجاهُ

فلهفي له والشمس تصهر جسمه *** على الجسر مطروحاً به حفّ أعداهُ

بنفسي إمام الكائنات لفقده *** أسى أصبحت تلك العوالم تنعاهُ



كشكول الوائلي _ 154

كشكول الوائلي _ 154

المبحث الثالث: فرى القوم على الشيعة

وقد كان هذا المنهج من شتم علي عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام هو السائد عند الاُمويّين. وليس هذا فحسب، وإنما عمدوا على أيدي صنائعهم ووعّاظهم إلى تزييف وتكذيب كلّ منقبة له، ومحوها من الوجود. وإلى الآن لم تنتهِ آثار هذه المسألة، فعندما تدخل إلى مكتبة لتقرأ التفسير أو التاريخ أو الحديث، فستجد ركاما هائلاً من الشتائم في قواميس الكثيرين الذين لا يتركون كلمة نابية أو جارحة أو فيها سباب إلاّ ويقذفون بها من يوالي عليا عليه السلام .

فرى ابن تيمية

الاُولى: أن كتب الصحاح لم تنقل عن راوٍ منهم

وكمثال على هذا أنقل لك ما ينقله ابن تيمية عنا حيث يقول: «ليس في فرق الاُمة فرقة أكثر كذبا واختلافا من الرافضة، فهم أكذب الناس؛ ولذا لم تروِ كتب الصحاح عنهم رواية واحدة»(1).

هذا مع ملاحظة أن الكذب عندنا يفطر الصائم إذا كان كذبا على اللّه‏ تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله، لكن لنرَ من من هو الكاذب منّا، وهل صحيح أن كتب الصحاح لم تروِ عن الشيعة؟ كلا، إن العشرات من روات هذه الكتب من الشيعة.

ومن أراد المزيد فليرجع إلى (الفصول المهمّة) لعبد الحسين شرف الدين، والجزء الثالث من (الغدير).

والذي تحت يدي الآن منهم ( 91 ) راويا، أما المصادر الاُخرى فتروي أنهم أكثر من هذا. فهل تبيّن من الكاذب الآن؟

الثانية: تمثيل عائشة بالشاة

وكمثال آخر على الكذب على الآخرين ما يدّعيه ابن تيمية أيضا حيث يقول: «إن الرافضة يمسكون نعجة ويطعنونها، ويقولون عنها: هذه اُمّ المؤمنين عائشة»(2).

إننا ـ الشيعة ـ والحمد للّه‏ نعرف أنفسنا، فهل رأى أحدكم هذا المنظر يوما من الأيام؟ وأين يوجد هذا الكلام؟ إنه موجود في كتب شيخ الإسلام ومخيّلته.

الثالثة: كراهة الرقم عشرة

ويقول أيضا: «إن الشيعة يكرهون العدد عشرة، ولا يذكرون رواية فيها هذا العدد؛ لأنهم يكرهون العشرة المبشّرة إلاّ علي بن أبي طالب »(3). ورحم اللّه‏ الشيخ الأميني الذي تتبّع عشرات الروايات فيها العدد عشرة(4).

فرى اُخرى

وليس هذا فحسب، فلو نظرنا في كتاب (الفصل في الملل والنحل) لابن حزم لرأيت الغرائب، وكذلك الشهرستاني في مؤلفاته، والقصيمي في (الصراع بين الوثنية والإسلام)، وابن عبد ربّه الأندلسي في العقد الفريد، وغيرهم(5)، فإن القارئ لا يجد فيها إلاّ الافتراءات والكذب على الشيعة، ثم يقولون بعد ذلك: إن الصحاح لم تروِ عن الشيعة؛ لأنهم يكذبون.

إن هؤلاء يروون في صحاحهم عن خالد بن مسلم المخزومي الكوفي الذي كان من المرجئة، وكان يتقرب إلى اللّه‏ بشتم علي بن أبي طالب عليه السلام . ويروون عن عمران بن حطّان الذي يقول في عبد الرحمن بن ملجم:

يا ضربة من تقي ما أراد بها *** إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه *** أوفى البرية عند اللّه‏ ميزانا(6)

باللّه‏ عليك، لو كان عمران بن حطان يمدح أبا لؤلؤة قاتل الخليفة عمر، فهل كان البخاري يروي عنه(7)؟ فلم هذا اللون من التعامل مع أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو على أقل التقادير خليفة من خلفاء المسلمين؟

إن من الضروري أن نقوم بتسليط الأضوء الكاشفة على هذا الركام في تأريخنا وعلى ما يلفّه من زيف، وإلاّ فإلى متى نبقى هكذا؛ الآباء يأكلون الحصرم، والأبناء يضرسون؟ ولمصلحة من هذه التركة السوداء الثقيلة والعب‏ء القاتل في تأريخنا؟ وما ذنب من ينشأ على كلمة «لا إله إلاّ اللّه‏» ليلغم فكره بمثل هذا؟ فإن أردنا أن نصفّي أفكارنا ونغربلها، فعلينا أن نزيح هذا الركام من الفرى والاختلاق، وأن يعاد النظر في هذه الكتب التي تقف عقبة في طريق المسلمين، وهو أمر ضروري جدّا ولا بدّ منه.

يروي الإمام الحسين عن جده رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله قوله: «الزموا مودّتنا أهل البيت؛ فإنه من لقي الله عزّ وجلّ وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا. والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقّنا»(8).

وهذا الرواية مروية في كتب السنة أيضا، وبإمكان القارئ أن يراها في كتاب (الصواعق المحرقة)، وغيره(9) من الكتب.

ويقول النبي صلى الله عليه وآله في أمير المؤمنين عليه السلام: «لا يجوز أحد على الصراط إلاّ من كتب له علي الجواز»(10).

وإن كان الأمر كذلك، فهل يسعنا إلاّ أن نفضّل من تنزل فيه هذه الروايات والأخبار والآيات؟ وكيف لا نرتّب على قول النبي صلى الله عليه وآله آثارا؟

إذن فالذي يشتم غيرنا، وإلى الآن ما يزال الشتم يصيبنا منهم، وكلّ من ألّف كتابا منهم لا يسعه أحيانا إلاّ أن يفتتحه بشتمنا والافتراء علينا، ولا يقدر إلاّ أن يبهتنا، فلم كلّ هذا؟

وعليه فإن الحكم في الآية الكريمة ترتّب على قيد هو الإيمان، فيكون الوصف علّة له. فالصحابة المتّصفون بهذا الوصف هم موضع احترامنا وتقديرنا وتقديسنا، وأما إذا كان الأمر على غير ذلك، فإن النبي يقول: «لو عصيت لهويت»(11).

يتبع…

_____________

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 35: 184.

(2) منهاج السنّة النبويّة 4: 176 ـ 177.

(3) منهاج السنّة النبويّة 4: 176.

(4) الغدير 3: 148 ـ 150، وانظر الخصال: 425 ـ 454 / باب العشرة.

(5) انظر كل ذلك مفصّلاً في المجلّد الثالث من الغدير.

(6) تاريخ الإسلام 1: 710، الاستيعاب 1: 348، الإصابة 5: 303، تاريخ مدينة دمشق 7: 380، 43: 495، المواقف 3: 698، الحور العين: 201.

(7) فقد روى عن عمران هذا، انظر صحيح البخاري 7: 45. وهو إنما يسبّ رجلاً يقول فيه رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله: «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق». مسند أحمد 1: 95، 128، الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 5: 306، كنز العمّال 11: 598 / 32878. ويقول فيه: «حربك حربي، وسلمك سلمي». شرح نهج البلاغة 18: 24، المناقب (الخوارزمي): 199، وأحاديث كثيرة غيرها بهذا المعنى، انظر الحاوي للفتاوي 2: 44، ويقول أيضا: «من أحبّك ختم اللّه له بالأمن والإيمان، ومن أبغضك فليس له نصيب من الإسلام». مسند أبي يعلى 1: 403 / 528، المعجم الكبير 12: 321، كنز العمال 11: 611 / 32955، 13: 159 / 36491، وقد نقل عن البوصيري قوله: رواته ثقات.

(8) الأمالي (المفيد): 139 ـ 140 / 4.

(9) المعجم الأوسط 2: 360.

(10) جواهر المطالب 1: 18، 101، ينابيع المودّة 2: 163، 404.

(11) الإرشاد 1: 187، شرح نهج البلاغة 10: 184.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ علي الجشي

المتوفّى سنة ( 1376 )

في رثاء الصادق عليه السلام

بأبي عترة النبي ورهط *** من كهول وصبية وشبابِ

قد خلت منهُمُ الربوع فأمسوا *** في بطون الثرى وبين الشعابِ

ولقد أسهر العيون وأروى *** في قلوب الأنام نار المصابِ

رزء خير الأنام صادق أهل الـ *** ـبيت بل خير ناطق بالصوابِ

تلك آل العباس آلت بألاّ *** يبقى من آل أحمد ذو انتدابِ

ويل منصورهم وما الويل مجدٍ *** في شفا قلب من رمي بالمصابِ

أوقف الصادق الأمين ذليلاً *** موقف الخائنين للأربابِ

يا له موقفا عظيما على الديـ *** ـن وطه والعترة الأطيابِ

ويله ما رعى المشيب وضعفا *** في القوى إذ أقامه لعتابِ

أمن الوغد سطوة الليث فازدا *** د عتوّاً وقد طغى في الخطابِ

ليته فضّ فوه هل كان يدري *** من دعاه بالمفتري الكذّابِ

يا أبا عبد اللّه‏ تفديك نفسي *** من شهيد وصابر أوّابِ

بأبي جعفرا فكم سيم ضيما *** من اُميّ يُشيب رأس الشبابِ

ثم من بعدهم توالت عليهم *** محن زعزعت رواسي الهضابِ

وقضى حينما قضى وهو للسـ *** ـم يقاسي وقلبه في التهابِ

مَن معزٍّ خليفة اللّه‏ موسى *** بأبيه فيا له من مصابِ

مات بالسمّ جعفر ليت نفسي *** آذنت قبل نفسه بالذهابِ

فلتنُح بعده الشريعة حزنا *** درست بعده رسوم الكتابِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 153

كشكول الوائلي _ 153

المبحث الثاني: مناسبة الحكم والموضوع

تقول الآية الكريمة: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمؤمنينَ، ولدينا هنا ما يسمى: الحكم والموضوع، فلكلّ موضوع حكم يرتبط به. وهذا الارتباط تارة يكون على أساس أن الموضوع صفة له، واُخرى لا يكون كذلك. ولتقريب المعنى سنعوم في أجواء هذا المقطع من الآية الكريمة، فالرضا في قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمؤمنينَ حكم موضوعه المؤمنون. والمؤمن هو عبارة عن إنسان مضافا إليه الإيمان. وهذا مثله مثل النجّار الذي هو عبارة عن إنسان مضافا إليه مهنة النجارة أومهارة النجارة.

وهنا نلاحظ أن الرجل موصوف، وأن الإيمان صفة زائدة عنه. وعليه فإن اللّه‏ تعالى عندما يقول: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمؤمنينَ أي رضي عمّن بايعك من الصحابة المتّصفين بصفة الإيمان والاعتقاد، والتفاني في طاعة اللّه‏. وهذا اللون من الصحابة ـ بلا شك ـ منارة هدى لنا، وطريقنا إلى القرآن والسنّة النبوية الشريفة، وهم مجدنا، ونحن بهذا اللحاظ نقدّسهم ونحترمهم.

لكن عندما يُنزل القرآن سورة كاملة باسم سورة (المنافقون)، وعندما ينزل في القرآن: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ(1)، كما يعطي صفات متعدّدة في القرآن تحدّد جماعة خاصّة، منها أنهم لم يتّصفوا بصفات الصحبة ولو أنهم عاصروا النبي الكريم صلى الله عليه وآله، فكيف يمكن أن يكون الموقف من الصحبة والصحابة؟

إننا نقرأ في (صحيح البخاري)(2) و(صحيح مسلم)(3) والصحاح الاُخرى(4) أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يقول: «ألا وإنه يجاء برجال من اُمّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ، اُصيحابي. فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: كما قال العبد الصالح: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ(5). فيقال: إن هوءلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم».

وهذا كما يرى القارئليس من كتب الشيعة، بل هو من كتب السنة، ومن أراد المزيد فليرجع فقط إلى روايات الحوض في الصحيحين، وأنا على استعداد لأن أعطيه عشرات المصادر حول هذا الموضوع. فهو موضوع حسّاس جدا، لكني لا اُريد أن أضع يدي على جراحنا فتؤلمنا، غير أني آمل أن يكون المسلم واعيا، وأن نفكّر جميعا بعقولنا لا بآذاننا.

إن القرآن ينزل آيات فيمن اتّصف بصفة الصحبة، ومفهوم الصحبة عند إخواننا السنّة ينطبق على كل من يرى النبي صلى الله عليه وآله ولو لساعة واحدة، فمن رأى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كذلك أصبح ممّن لا يمكن أن يتطرّق إليه الريب أو النقد. وهذا كلام بعيد عن دائرة المسؤوليّة، ولا يمكن أن نعيره اهتماما؛ لأنه ليس كلام من يحترم عقله. فاللّه‏ تعالى أعطانا المقاييس وأمرنا أن نتّبعها. والنبي صلى الله عليه وآله نفسه أشار إلى أن الناس فيهم الصالح وفيهم الطالح، وليست هناك ميزة استثنائيّة اّلاّ للمعصوم، أمّا غيره فيمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب. وكل ما في الأمر أننا إذا مررنا بأحدهم فالواجب يقتضي حينئذٍ أن نقيّمه أولاً، لا أن نشتمه أو نسبّه حتى يتبين أنه أهل لذلك.

والتقييم الذي نعنيه هنا هو التقييم الموضوعي، وهو أن يُذكر للصحابي ما له وما عليه من الفضائل والإنجازات والمقام المحترم، أو الأخطاء التي ارتكبها والانحراف الذي أصابه، أمّا الشتم فلا، فهو غير وارد في قاموس النقد الموضوعي. وليس الشتم من شأننا، والذي يشتم غيرنا لا نحن، لأن السباب والشتم يؤذيان مشاعر كلّ مسلم. ونحن نتقرب إلى اللّه‏ بحبّ الصحابي الذي تنطبق عليه صفات الصحبة، وهذه كتبنا بين أيدي الجميع. أما إذا قيّمنا فإننا إذا رأينا في البين انحرافا، فحتما سنقول: إن هناك انحرافا يترتب عليه جزاء.

وهذا ليس بعيدا عن القرآن الكريم؛ ذلك أنه مدح أقواما بقوله: وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُوءْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(6) وذمّ آخرين بقوله: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرا وَنِفَاقَا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(7) وهذا هو منهج القرآن: فـ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(8)، و لا يَسْتَوِي أصْحَابُ النَّارِ وَأصْحَابُ الجَنَّةِ(9).

وهذه هي المقاييس التي يجب أن نتّبعها، أمّا الشتم فقد جاء من غيرنا، ومن هذا مثلاً ما يرويه المؤرّخون من أنه كان في أيام هشام بن عبد الملك رجل يدعى جنيد بن عبد الرحمن من أهل حرّان، وهو من الرجال المحترمين المرموقين، والرؤساء المعروفين، وكان الاُمويّون يحترمونه، وكانت له حصّة من العطاء من بيت المال يأخذها كلّ سنة. يروي جنيد نفسه فيقول: كنت في طريقي إلى الشام يوما لأستلم عطائي، وكان دخولي يوم جمعة، فدخلت إلى مسجد احتشد فيه الناس ليصلّوا الجمعة، فلمّا فرغت من الصلاة صعد الخطيب المنبر، ووعظ فاتّعظنا، وذكّر فتذكّرنا، ونصح فانتصحنا. ثم لمّا أراد الختام قال: دعونا نختم صلاتنا وموعظتنا بشتم أبي تراب.

فراحوا يشتمون عليا شتما ذريعا، فلما فرغوا سألت أحدهم: من أبو تراب هذا؟ فقال: إنه علي بن أبي طالب. قلت: زوج فاطمة بنت رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم. قلت: أبو الحسن والحسين عليهما السلام؟ قال: نعم. قلت: أول القوم إسلاما؟ قال: نعم. قلت: أهو صاحب السيف المقاتل الذي ذبّ عن الإسلام، ثم استشهد في سبيل مبدئه؟ قال: نعم. قلت: فما المبرّر لشتمه إذن؟

ثم قمت إلى الخطيب فأمسكته من وفرة شعره، وجعلت أضرب برأسه الجدار حتى أدميته، فصاح: خذوني إلى الخليفة. فأخذنا الجلاوزة، فلما وقع بصر هشام عليّ قال: مرحبا بك أبا عبد الرحمن، متى قدمت؟ قلت: أمس. قال: ما الخبر؟ فأخبرته الخبر وقلت: لو أنني سمعت من يشتم صهرك وابن عمّك وأبا سبطيك لما تركته، وهذا يشتم صهر رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله. فقال هشام: صدقت يا أبا عبد الرحمن، وعليك ألاّ تتأخّر، خذ عطاءك واذهب إلى أهلك.

لقد أحسّ هشام أن هذا الرجل يشكّل عنصر خطر عليه، وهذا هو شأن الكثير من الدول الآن، إذ أنها تعتبر الإنسان الواعي خطرا عليها.

وقد جعل الاُمويّون هذا الأمر سنّة شاب الصغير وهرم الكبير عليها، حتى إنها وصلت إلى الصلاة، وكان معاوية يقنت في الصلاة ويشتم أمير المؤمنين عليه السلام ، ويتقرّب إليه البعض فيقول: وأزيدكم حسنا وحسينا، ثم يأتي عمرو بن العاص فيقول: وأزيدكم اُمّهما فاطمة. والمسألة معروفة، فالأمد الذي شتم فيه علي عليه السلام على المنبر ثمانون عاما. بل إن البعض كان يشتمه وهو في حياته، وكان بوسع الإمام عليه السلام أن ينتقم منه، لكنه على العكس من ذلك كان لا يبخسه في عطائه. يقول أحد الاُدباء:

سيّدي كلّما تلبّد اُفق *** وتمادى بعسفه الديجورُ

وتمادت صحائف خطّ منها *** قلم الحقد والهوى والزورُ

لاح بالاُفق من رؤاك جبين *** بعض أوصافه السنا والعبيرُ

الجبين الذي أحاطوه شتما *** وإلى الآن بالجيوب الكثيرُ

فحباهم طيبا وعفوا كما يفـ *** ـعل إن زجّ في اللهيب البخورُ

وتمهل أبا تراب فدون الـ *** ـشتم من حولك الفضائل سورُ

إن أشادت بك السما وأفاضت *** أي ضير لو سبّك المسعورُ

ويقول آخر:

وما مِدحتي تُوليك فخرا وإنما *** أردّ بإطرائي عليك الطَّواريا

إذا الملأ الأعلى تحدّرَ بالثَّنا *** عليك فما شأني وشأن ثنائيا(10)

يتبع…

_______________

(1) التوبة: 101.

(2) صحيح البخاري 5: 191 ـ 192، 240 ـ 241، 7: 195، 206، 207، 208، 8: 87.

(3) صحيح مسلم 1: 150، 7: 67، 68، 8: 157.

(4) انظر: مسند أحمد 1: 384 وغيرها كثير، سنن ابن ماجة 2: 1016 / 3057، الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 4: 38 – 39 / 2539، 5: 4 / 3215، المصنّف (ابن أبي شيبة) 7: 415 / 35، المصنّف (الصنعاني) 11: 407 / 20855.

(5) المائدة: 117.

(6) التوبة: 99.

(7) التوبة: 97، وقال: «وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمَا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» التوبة: 98.

(8) الشورى: 7.

(9) الحشر: 20.

(10) الأبيات للشيخ حميد السماوي. علي في الكتاب والسنّة والأدب 5: 149. وقد عوتب المتنبي في ترك ذكر المناقب فقال:

وتركت مدحي للوصي تعمدا *** إذ كان نورا مستطيلاً شاملا

وإذا استطال الشيء قام بذاته *** وكذا صفات الشمس تذهب باطلا

نهج الإيمان: 669.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ علي الجشي

المتوفّى سنة ( 1376 )

في رثاء الامام الباقر عليه السلام

ممّ العوالم نُكست أعلامها *** واسودّ من صبغ الاّسى أيامُها

ما راعني إلاّ انقلاب حقائق الـ *** أكوان إذ ملأ الفضا إلمامُها

قد أعجم النطق الفصيح لهوله *** وبندبه قد أفصحت أعجامُها

وإذا العوالم عن لسان واحد *** تدعو أسى اليوم مات إمامُها

اليوم باقر علم آل محمد *** منه شفت غلّ القلوب طغامُها

ولطالما قاسى الأذى بحياته *** لما تحكم في الكرام لئامُها

آلت اُميّة أن تبيد عداوة *** آل النبي سمامها وحسامُها

لم يبدُ بدر هدى لآل محمد *** إلاّ وحجّبه هناك غمامُها

حتى إذا أنوار باقر علمهم *** كست الوجود ضيا وزال ظلامُها

كادوه من حسد لإطفا نوره *** ومن المدينة أزعجته سوامُها

اللّه‏ أكبر كم له من حرمة *** في الشام قد هتك الغويّ هشامُها

أمسى بها في السحر طورا ليتها *** ساخت وعوجل بالبلا أقوامُها

واُقيم طورا في مقام الذلّ ما *** بين الحفاة وقد ترفّع هامُها

أخليفة الجبّار يوقف صاغرا *** بالشتم تقرع سمعه أنعامُها

ما راقبت فيه لأحمد ذمّة *** إذ أمست الدنيا وهم حكامُها

سهرت لها الويلات في تدبيرها *** إهلاكه كيما يطيب منامُها

أهدت له في السرج سمّا قاتلاً *** غدرا وهل يخفى عليه مرامُها

لكنما سبق القضا وله ارتضى *** فهو العليم بما جرت أقلامُها

بأبي وبي أفديه إذ بلغ العِدا *** فيه المنى وبه اُحز سمامُها

فغدا على فرش السقام يجاذب الـ *** أنفاس إذ أوهت قواه سقامُها

فقضى وأشجى عالم الدنيا ومن *** في العالم العلويْ علاه قتامُها

كبر المصاب فلا عزاء ولم يزل *** متجدّداً لم تبـءلِه أعوامُها

اليوم باقر علم آل محمد *** كفّ المنية قد رمته سهامُها

اليوم نجم الدين خرّ وشمسه *** أفلت عن الدنيا فعم ظلامُها

يتبع…



كشكول الوائلي _ 152

كشكول الوائلي _ 152

عدالة الصحابة بين العقل والعاطفة

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمؤمنينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَا قَرِيبا(1).

مباحث الآية الكريمة

المبحث الأول: منهجنا العلمي في تقييم الصحابة

هذه الآية الكريمة فيها مضامين عدّة، وهي ترتبط بموضوع مهمّ من مواضيع الساحة الإسلاميّة، وهو موضوع يرتبط بمشاعر كل مسلم؛ لأنه يتعلّق بالواسطة بيننا وبين المصدر الثاني من مصادر التشريع، بل بين المصدرين المهمين: الكتاب والسنّة. وأعني به موضوع عدالة الصحابة، الذي يحتاج إلى كثير من التجلية؛ لكثرة ما قيل فيه ووضع من التقوّلات والادّعاءات التي لا نصيب لها من الصحة. ومن يحرص على أن ينظّف الساحة الإسلامية ويكتسح ما بها من ألغام، فعليه أن يعطي هذا الموضوع حقّه من البحث؛ ليزيل عنه الكثير من الغبار والشبهات العالقة به، والمتغلغلة في أدمغة الناس.

وقبل كل شيء لا بدّ من أن ننوّه إلى أننا لن نأنف من أن نتبرك بتراب أقدام الصحابة الطاهرين الأبرار الأوفياء الذين حملوا الكتاب والسنّة، وامتلأت قلوبهم إيمانا ورحمة(2). وإذا كان هناك تخبّط حاصل حول نِقاط معيّنة ساخنة، أو حول شراذم معيّنة، فإننا نتّبع معهم اُسلوب القرآن الكريم في تحديد مفهومي التزكية والعدالة. ومن يملك أدنى مقدار من الإدراك والسعة والاطّلاع على العلوم الإسلامية وطلب الحقيقة فإنه سيجد أن علماء الدراية عندنا وحتى كتّابنا لا يخرجون في هذا الموضوع عن إطار منهج القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة. وهذا ما نجده واضحا بيّنا في الكتب المعتبرة الموثوقة عندنا في تقييم الصحابة، وسوف نمر بهذا المعنى في هذا المبحث، وما يليه من مباحث إن شاء اللّه‏ تعالى.

في سبب نزول الآية الكريمة

نزلت هذه الآية الكريمة في واقعة الحديبية، وكانت هذه الواقعة سنة ست من الهجرة المشرّفة؛ إذ خرج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ومعه ( 1400 ) صحابي، فلما وصل إلى الحديبية ظنّت قريش أنه صلى الله عليه وآله خرج لقتالهم، في حين أن الأمر لم يكن كذلك، فالنبي صلى الله عليه وآله أرسل يخبرهم بأنه لم يجئ مقاتلاً، وإنما جاء معتمرا وأصحابه، وليجدّد العهد بالبيت ويعظّموه، ولينحروا الهدي عنده ويرجعوا. لكن قريشا صدّوه، وقالوا له: لا تبرح المكان الذي نزلت فيه. ثم حشدوا جيشهم، وجعلوا خالد بن الوليد قائدا عليه، ورابطوا هناك استعدادا لما يطرأ.

وتوالت بينهم الرسل، فهناك من عزّ عليه أن تُسفك الدماء، فقام بدور الوسيط لحسم الأمر، وكان أحد الوسطاء بين الطرفين عروة بن مسعود الثقفي جدّ علي الأكبر لاُمّه. وكان آنذاك لم يُسلم بعدُ، فهو قد أسلم سنة ( 9 ) ه. وكان في تلك الأيام مع قريش، لكنه كان من العقلاء الناضجين ذوي المكانة في قريش. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال له: علام هذا الجمع؟ فبيّن له النبي صلى الله عليه وآله أنهم لم يأتوا لحرب ولا لقتال، وإنما جاؤوا زائرين لهذا البيت الحرام، ولينحروا الهدي ويرجعوا.

فعاد عروة إلى قريش وأخبرهم بقول النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا له: ماذا رأيت هناك؟ قال: والله لقد وفدت إلى الملوك ووفدت إلى كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه كما يعظّم أصحاب محمد محمدا. ووالله إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ اقتتلوا على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر؛ تعظيما له. وإنه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها وأجمعوا أمركم(3).

ولأن عثمان بن عفّان كان قريبا لأبي سفيان، فقد بعث به رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله إلى قريش ليرى رأيهم فيما قاله لعروة، فاحتبسته قريش وانقطع خبره، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين بلغه ذلك: « لا نبرح حتى نناجز القوم ». ودعا صلى الله عليه وآله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فنزل قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمؤمنينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَا قَرِيبا، فسميت «بيعة الرضوان»؛ لما حصل فيها من رضا اللّه‏ تعالى على المؤمنين، و«بيعة الشجرة »؛ لوقوعها تحت الشجرة(4).

فلما رأت قريش إصراره على هذا الأمر خضعوا له وقالوا: نصالحك على أن ترجع هذه السنة، وتعود في السنة الآتية وتدخل إلى مكّة، ولك فيها ثلاثة أيام، تسعى وتطوف وتعتمر ثم ترجع. فقال النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين: « هلم اكتب بيننا هذا ». فأتى بورقة وكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقالوا له: لا تكتب هذا، بل اكتب: باسمك اللهم. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: « اكتبها كما يريدون ». ثم كتب عليه السلام : «هذا ما تعاهد عليه رسول اللّه محمد بن عبد اللّه… ». فقاطعه سهيل قائلاً: مهلاً، لو كنّا نعرف أنك رسول اللّه‏ لأطعناك ولما خرجنا لقتالك، اكتب: « محمد بن عبد اللّه ».

فطلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من أمير المؤمنين عليه السلام أن يكتب ذلك فتلكّأ عليه السلام في ذلك؛ حيث إنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) لم تطاوعه نفسه الشريفة أن يمحو صفة الرسالة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ويكتب اسمه فقط، يقول عليه السلام : «فقلت(5): هو والله رسول الله وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحوها. فقال صلى الله عليه وآله لي: أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطرّ»(6).

وفعلاً مرّ أمير المؤمنين عليه السلام بهذه التجربة نفسها، وذلك في واقعة الحكمين في صفّين، فقد أجبره عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وأشباههم على‏ذلك (7). والتاريخ يحدّثنا أن معاوية قد حاول الفرار وتهيّأ له، فجاء إليه من أمسك ركابه قائلاً: إلى أين، وقد قتل عشرات الآلاف من أجلك؟ يقول معاوية: فتذكّرت عند ذاك أبيات ابن الإطنابة:

أبت لي عفّتي وأبى بلائي *** وأخذي الحمدَ بالثمن الربيحِ

وإقدامي على المكروه نفسي *** وضربي هامةَ البطل المشيحِ

وقولي كلّما جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي(8)

ثم قال معاوية لعمرو بن العاص: ما في مخبأتك؟ قال: مرهم فليرفعوا المصاحف. فلمّا رفعوها تغيّر الأمر.

فكان النبي صلى الله عليه وآله يذكّر الإمام عليه السلام في الحديبية بقوله: « أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطرّ».

وهكذا وقّع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على الوثيقة، وحلّ وأصحابه من إحرامهم، ونحروا وحلقوا ورجعوا. ثم انتظروا إلى السنة القابلة، فذهبوا إلى مكّة، وبقوا فيها ثلاثة أيام، ودخلوا الكعبة وهم يهلّلون ويكبّرون. وهذا هو السبب في نزول هذه الآية.

والمهم في القصّة أن النبي صلى الله عليه وآله لما أصرّ على القتال رضخ المشركون، وطلبوا الهدنة، وقال الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله: نبايعك على القتال والموت. وكان النبي تحت شجرة فبايعوه فنزلت الآية. فكان الناس يقولون: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على الموت.

____________________

(1) الفتح: 18.

(2) كسلمان المحمّدي وأبي ذرّ والمقداد وحبر الاُمّة وغيرهم من أمثالهم.

(3) صحيح ابن حبّان 11: 219 ـ 222.

(4) تفسير القرآن العظيم 4: 200، صحيح ابن حبّان 11: 219 ـ 222.

(5) مخاطبا سهيل بن عمرو.

(6) انظر: مناقب آل أبي طالب 2: 365 ـ 366، سنن النسائي 5: 167 / 8576، تفسير القرآن العظيم 4: 200، صحيح ابن حبّان 11: 219 ـ 222. وقد مرّ في ج2 ص210 ـ 211 / الهامش: 2 من موسوعة محاضرات الوائلي تفسير ابن حجر رفض أمير المؤمنين عليه السلام محو كلمة رسول الله مع أمر الرسول صلى الله عليه وآله إيّاه بذلك بقوله: وكأن عليا فهم أن أمره له بذلك ليس متحتّما، فلذلك امتنع من امتثاله.

 وكذلك فسّر قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «أما إن لك مثلها، ستأتيها وأنت مضطرّ»، بقوله: يشير صلى الله عليه وآله إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين، فكان كذلك. فتح الباري 7: 386.

(7) انظر ذلك مفصّلاً في ج2 ص210 ـ 211 / الهامش: 2 من موسوعة محاضرات الوائلي.

(8) شرح نهج البلاغة 2: 223، 8: 59، 18: 203، تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات: 359، تفسير الثعلبي 4: 52.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ علي الجشي

المتوفّى سنة ( 1376 )

في رثاء الحسن عليه السلام:

للّه‏ يوم قد قضت *** فيه بنو مضر وغالبْ

يوم به الحسن الزكـ *** ـي قضى بسم في المشاربْ

يا من بنور هداه عن *** دين الهدى غابت غياهبْ

ما لي أراك مسالما *** من كان للباري محاربْ

يابن الاُلى عشقوا المنيـ *** ـة قبل عرفان المحالبْ

حاشاك أن تخشى الردى *** لكن أمر اللّه‏ غالبْ

وصبرت نفسك في تحمـ *** ـل ما تُهدّ به الرواسبْ

للّه‏ قلبك ما لقيـ *** ـت من ٔلأذى من كل ناصبْ

لم أنسَ ساباطا وفيـ *** ـه خانك القوم النواصبْ

وطعنت فيه بخنجر *** من كف ضلّيل وناكبْ

وأغار جندك فاستبا *** ح جميع مالك في المضاربْ

وبقيت فيهم ما لأمـ *** ـرك من مطيع أو مراقبْ

قسما بجدك لو إن تشأ *** لم تبقِ من حرب محاربْ

حتى سئمت جوارهم *** ورغبت في أسنى المراتبْ

سمتك جعدة صائما *** أفديك من ظامٍ وساغبْ

فتقطعت منك الحشا *** قطعا وعاد اللون شاحبْ

للّه‏ زينب ما رأتـ *** ـه زينب اُمّ المصائبْ

لما تقيّأ مهجة *** تفدى بما بين المغاربْ

للّه‏ يوم قد قضى *** فيه ابن فاطم ذو المناصبْ

يوم به الإسلام يبـ *** ـكي هاتفا شجوا ونادبْ

يوم به اُفق الهدى *** عادت كواكبه غواربْ

للّه‏ يومك عاد فيـ *** ـه الدين منهدّ الجوانبْ

وبه الملائك أعولت *** والجنّ تنعاه نوادبْ

فمن المعزّي فاطما *** بسليلهم جمّ المناقبْ

ومن المعزّي حيدرا *** بعزيزه ربّ المقانبْ

ومن المخبّر أحمدا *** حلّت بعترته النوائبْ

فلبئسما خلفوك قو *** مك في بنيك اُولي المراتبْ

منعوا أحبّتك الجوا *** ر وقد رضوه للأجانبْ

هذا حبيبك مبعد *** ولقربه لك لم تراقبْ

وترته عن قوس الضغا *** ئن أسهم من كل جانبْ

حتى اغتدى غرض السها *** م لكل ضلّيل وناكبْ

اللّه‏ أكبر هل جنا *** زة ميّت ثأر لطالبْ

شلّت أكف قد رمت *** جسد النبوّة بالمعاطبْ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 151

كشكول الوائلي _ 151

كيف نتفاعل مع المحرّم؟

فما الذي ينبغي أن يكون لدينا في هذا الشهر من التفاعل والتأثّر؟ إن هذا الشهر يرفع لنا شيئين يجب اغتنامهما:

أولاً: أنه يرفع دماء أبي الأحرار عليه السلام

فهذا الشهر يرفع لنا دماء الإمام الحسين عليه السلام. تقول الرواية: «إذا هلَّ هلال المحرم نشرت الملائكة قميص الحسين عليه السلام وهو مخضّب بالدم»، يقول الإمام: «نحن وشيعتنا نراه بالبصيرة لا بالبصر، فتجري لذلك دموعنا ». حيث إننا نسمع من وراء ذلك الدم، «واللّه‏ لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد»(1).

فهذا الشهر يوحي إلينا التسليم بقضاء اللّه‏ وقدره، لأننا نرى ببصائرنا الإمام الحسين عليه السلام يقول: «لك العتبى ياربّ، صبرا على قضائك، ياغياث المستغيثين، لا معبود سواك، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى»(2). ولذا فإن علينا ألاّ نضيع دمه الشريف الذي أراقه من أجل الإسلام وأجلنا.

ثانيا: أنه يجسّد لنا المثل

فإذا مرّ بنا هذا الشهر تجسّد لنا الإمام الحسين عليه السلام ، بما جسّد من المثل والصبر والبطولة، يقول عبد اللّه‏ بن عمّار: واللّه لقد رأيت الحسين عليه السلام يوم العاشر، فما رأيت مكثورا قطّ أربط جأشا منه، وقد كانت الخيل والرجال تشدّ عليه فيشدّ عليها، فينهزمون بين يديه انهزام المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ويرجع إلى مركزه فيتّكئ على قائم سيفه ويكثر من قول: « لا حول ولا قوة إلاّ بالله»(3).

ثالثا: أنه يجسّد الارتباط برسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله

وكذلك معاني الارتباط برسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله والوفاء له؛ حيث إننا نواسي رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله بأبنائه وبواقعة الطفّ.

كما أن المحرم يحمل لنا الحزن واللوعة والألم، ويظلّ الطفّ ماثلاً أمام أعيننا، وتبقى كربلاء تعيش في نفوسنا وتشدّنا إلى الإمام الحسين عليه السلام شدّا. كلّ ذلك يعكسه لنا المحرم، فينبغي علينا ألاّ نهدره، وكان هذا المعنى ينعكس على أهل بيته، وبالخصوص اُخته زينب، فكلّ أوّل يوم من المحرّم كانت تعيش الآلام والأحزان، وتدور من بيت إلى بيت، ومن اُسرة إلى اُسرة:

يابه ما بعيني دمع واسجيك *** بنفسي يبو السجّاد اداويك

يتبع…

____________________

(1) شرح الأخبار 144: 144، مثير الأحزان: 27، تاريخ الطبري 4: 253، شرح نهج البلاغة 3: 348، تاريخ مدينة دمشق 14: 204.

(2) انظر: شجرة طوبى 2: 409، مقتل الإمام الحسين عليه السلام (المقرّم): 357، ينابيع المودّة 3: 83.

(13) مثير الأحزان: 54، البداية والنهاية 8: 204.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ علي الجشي

المتوفّى سنة ( 1376 )

في رثاء أمير المؤمنين عليه السلام:

من لركن الدين بغيا هدّما *** ولأبناء الهدى قد أيتما

أي خطب حلّ في شهر الصيامْ *** لم يدع للدين ركنا ودعامْ

حزنه باقٍ إلى يوم القيامْ *** وبه الأعياد صارت مأتما

هو خطب أثكل الروح الأمينْ *** فاغتدى ينعاه من قلب حزينْ

فشجا بالنعي من في الأرضين *** وبكت من أجله أهل السما

هاتفا أردى المرادي اللعينْ *** بشبا السيف اْمير المؤمنينْ

خرّ في المحراب مشقوق الجبينْ *** خضبت شيبته منه الدما

خرّ في المحراب والعرش اضطربْ *** خرّ في المحراب والكون انقلبْ

وعليه كل ذي روح ندبْ *** والجمادات بكت حزنا دما

صبغت من دمه أثوابُهُ *** وبكى حزنا له محرابُهُ

واستهانت بعده أصحابُهُ *** فإليها كان ركنا أعظما

ليت أن اللّه‏ حد السيف فلْ *** ويد الطاغي لها الجبار شلْ

ويله ظلما دم الهادي أطلْ *** أدرى ركن الهدى قد هدما

بشباه العروة الوثقى فصمْ *** ولأعلام الهدى بغيا هدمْ

فاغتدى منطمسا كل علمْ *** فهو للإسلام عزّ وحمى

ليت شعري هل درى ماذا صنعْ *** وبماضي سيفه ماذا قطعْ

خرّ عرش الدين لما أن وقعْ *** وبنيه منه ظلما أيتما

بأبي من كان للهادي خليلْ *** بأبي خير مصلٍّ للجليلْ

قد علاه الرجس بالسيف الصقيلْ *** وبه أشجى النبي الأعظما

يا بنفسي أفتدي خير صريعٔ *** خرّ واهي الركن من فيض النجيعْ

فغدا من ضعفه لا يستطيعْ *** بأبي الماشي عليلاً مسقما

علت الرنة في كل الجهاتْ *** وغدت تبكي وحوش الفلواتْ

عن شجا تندب مولى الكائناتْ *** فلكل كان ركنا أعظما

وبكى الشهر عليه والصيامْ *** وليالٍ كان يحيي بالقيامْ

والردى عاجله قبل التمامْ *** ليته للصوم أفدي تمّما

يتبع…



كشكول الوائلي _ 150

كشكول الوائلي _ 150

عالم الأنساب

ثم قالت الآية الكريمة: فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ. إن عندنا عالمين، هنا: عالم الدنيا وعالم الآخرة، والأنساب تلعب دورا هامّا وكبيرا في حياة الإنسان الدنيوية وعالمه الأرضي؛ حيث إنه يحتاج لمعرفة الأنساب حتّى يعرف الخواصّ البشرية؛ فالذي يريد أن يتزوّج من أحد أو يزوّجه فلا بد له وعليه أن يعرف الكثير عن أصهاره الجدد، وهذا لا يكون إلاّ بمعرفة علم الأنساب. وهذا ما عليه أوروپّا الآن؛ حيث إنه توجد فيها مكاتب مختصّة بالزواج تقوم بدراسة الأعراق مثلاً؛ فهذا من العرق الفلاني وهذا أصله هندي أو أوروپّي… فيدرسون خواصّ وخصائص هذا الأمر عند التزويج.. يدرسون خواصّ وخصائص‏ المرأة وخواصّ وخصائص الرجل، ونسبة النجاح الممكنة والكائنة في زيجاتهم.

ونحن عندنا في تاريخنا النسّابون الذين يعرفون الأعراق، يقول نبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله: «تخيّروا لنطفكم فإن العرق دسّاس»(1). وقال صلى الله عليه وآله لرجل أراد أن يرشده للزواج من امرأة: «اظفر بذات الدين تربت يداك»(2). أي اختر التي عندها دين وعفّة؛ لأنها تتوفّر على جانبي الاستقامة ومراعاة زوجها. فالأموال إلى نفاد، والجمال إلى اُفول وذهاب، وحتّى لو أنها ماتت جميلة فإنها ستصبح بعد فترة وجيزة تحت التراب شيئا لا يطاق النظر إليه، يقول الشريف الرضي:

ومسنَّدين على الجُنوب كأنهم *** شِرب تخاذل بالطلا أَعضاؤهُ

وجه كوجه البرق غاب وميضه *** صدرٌ كصدر العضب قل نضاؤهُ

حكم البلا فيه فلو نظرت له *** أعداؤه لرثت له أعداؤهُ(3)

فحتى أعداؤه لو رأته لرثت لحاله؛ حيث يأكل الدود عينيه، والرمل خدّيه، ويتحول الجسد إلى ذرّات. فالجمال سريع الزوال، وكذلك المال، أمّا الحسب والنسب فإذا كان الاعتناء بهما لهدف أخلاقي معقول فلا بأس، أما إذا كانا طلبهما لأجل الكبرياء والعزّة فلا؛ لأنه حينئذٍ يصبح هدفا حقيرا.

لقد تخلّت بعض الفتيات في مجتمعاتنا الآن عن قيمهن الدينيّة والاجتماعيّة الأصيلة، فرحن يتجمّلن ويخرجن شبه عاريات، وهذا ينمّ عن عقليّة ضحلة لا تقيم وزنا واعتبارا للأخلاق والقيم. إن مجتمعاتنا كانت عالية الخلق، لكننا أضعنا هذا، ومع ذلك تظل فرصة الرجوع إلى منابع تربيتنا قائمة وموجودة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعا وَلاَ تَفَرَّقُوا(4)؛ فكتاب اللّه‏ هو الذي يهذّبنا ويهدينا، وها هو تعالى يقول لنا: إن الأنساب إنما تراعى في الدنيا حيث يكون الهدف من مراعاتها معرفةَ ماهيّة الأنساب أوّلاً، ومعرفة النفقات وكيفيّة صلة الأرحام ثانيا. فعندنا مثلاً خلاف بين فقهاء المسلمين فيمن تجب نفقته؛ فالأحناف يقولون: إن من يحرم الزواج منه تجب نفقته إذا كان صاحب النفقة غنيا ومحلّها معسرا، مثل ابنة الاُخت وابنة الأخ والجدّ وإن علا والابن وإن نزل. فالقرابة التي تنشر الحرمة عند الأحناف هي الموجب للنفقة بشرط كون المنفق موسرا والمنفق عليه معسرا كما ذكرنا.

في حين أن بعض المذاهب الاُخرى يرون أنها واجبة فقط في العمودين، وعند البعض الآخر أن واجب النفقة هو الأبوان المباشران والأبناء المباشرون، وعند بعض آخر أنه الوسط بين من يحرم الزواج منه وغيره. أمّا عند الإمامية، فهم الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، إضافة إلى أفراد آخرين ينصوّن عليهم في باب النفقات من كتبهم الفقهيّة. إذن لا بدّ من التعرّف على الأنساب.

وكذلك نعرف عن طريق الأنساب الرحم الذي ذكره الله تعالى في قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ(5)، وهل إنهم الذين يتّصلون بالمرء عن طريق الأبوين، أو عن طريق أكثر من هذا؟ وأيضا نعرف من الأنساب حرمة الزواج من المحارم (الاُمّهات والبنات والخالات والعمّات وبنات الأخ وبنات الاُخت)، فهؤلاء يحرم على الإنسان أن يتزوّج منهن.

وفي مسألة البنت مجال للمناقشة عند بعض الفقهاء؛ فالقانون مثلاً يعطي لبعض حالات البنات مشروعية، فهو حينما يعتبر هذه المتولّدة بنتا فهل يقصد بها تلك التي جاءت من عقد شرعي، أو أنها تشمل حتى تلك التي جاءت عن طريق معاشرة غير شرعية؟ وبعبارة اُخرى: إن البنت المتولّدة من معاشرة غير شرعية (الزنا) بين رجل وامرأة؛ هل تعتبر ابنة هذا الرجل، أم لا؟(6) كل ذلك يعرف بالنسب، فهو ضروري حتّى يُبتعد عن المحارم.

وهناك ضرورة لمعرفة الأنساب تقتضيها الحالة الاجتماعية، يقول الإمام أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن عليهما السلام: «أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي بهم تطير، وأصلك الذي إليه تصير»(7). فالعشيرة التي ينتمي لها المرء وإليها ينتهي إنما تُعرف عن طريق النسب. فالإنسان يحتاج لعشيرته؛ فهم من يقف معه في فرحه وألمه؛ وفي الحالات الاجتماعية التي تعتوِر عليه. وهذ الأمر يأخذ عند قبائل العرب بعدا أكبر؛ فإنها عامل أساسي في جميع متطلّبات حياة العربي. وهذا الحكم يستند طبعا إلى الوضع القبلي؛ فهناك إلى الآن من لا زال ولاؤه لقبيلته، وإن كان عنده لون ولاء للقانون، فولاؤه لقبيلته يكون قبل ولائه له، ويظلّ قائما بشكل أكبر لها.

لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** بالنائبات على ماقال برهانا

فإذا صاح: يا آل فلان. اجتمعوا إليه من كل فجّ. وقد ذكرت سابقا أن القسم الفكري من الحضارة ليس من السهل تغييره، أما القسم المادّي فيمكن تغييره بسهولة؛ فمن السهل استخدام الغاز وقودا بدلاً من الحطب، في حين أن العادة التي تورث من الآباء والأجداد يتعذّر تركها، ويبرّر ذلك بأن الآباء والأجداد لم يكونوا على باطل أبدا. فالميراث الاجتماعي ليس من السهل تغييره؛ لأنه متأصّل في النفوس.

فالأنساب تلعب دورا كبيرا في كلّ هذه المجالات؛ لأن أبناء النسب الواحد يجمعهم دم واحد، وعرف واحد، وانتماء واحد. وحال الدنيا أنها لا يمكن أن يستغني فيها الإنسان عن الأنساب، أمّا في الآخرة فهذا الأمر لا حاجة له؛ لأن الأنساب تسقط هناك، تقول الرواية: «إذا بعث اللّه‏ الخلائق يلتفت إليهم ويقول لهم: اليوم أضع أنسابكم وأرفع نسبي»(8). ومعنى «أضع أنسابكم»: أنه إذا كان جدّكم رئيس قبيلة أو من قبيلة متميّزة، فإنه لا قيمة له اليوم، فهذه الألقاب كلّها تُلغى، ومعنى «نسبي»: التقوى، فنسبه تعالى هم الذين يتّقونه ويطيعونه. فأنسابكم تتلاشى إلاّ النسب عند اللّه‏:

 كفاك أنك من عِقْدٍ فرائده  عاشوا كراما وماتوا سادة نجبا
 أبوهُمُ الدين والتقوى قبيلتهم  ما أنتجو عجما يوما ولا عُرُبا(9)

فالانتماء إلى اللّه‏ تعالى هو انتماء التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(10). فعنصر الكفاءة هنا قائم على أساس عادل هو التقوى؛ فالمؤمن أخو المؤمن.

فإذا عرفنا أن النسب الحقيقي هو نسب التقوى لزم أن نعرف بقناعة تامّة أن كثيرا من أسباب العجرفة والكبرياء والعنصرية يجب أن تتلاشى. وممّا يناسب المقام ذكره ما نقله المؤرّخون من أن المقداد رضي الله عنه خطب اُخت عبد الرحمن بن عوف، فانزعج عبد الرحمن من هذا، ولمّا سئل عن السبب أجاب بأنه لا يصح أن يخطب إليه المقداد اُخته؛ لأنه بهذا يتجرّأ عليه، وليس نسب المقداد كنسبه. فتألّم المقداد وجاء إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وهو متأثّر من كلامه: قال له النبي صلى الله عليه وآله: «مابالك؟». فأخبره بالأمر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: «أنا اُزوّجك». فزوجه من ضباعة بنت عمّته، وقال له: «أعطاك اللّه‏ خيرا منها»(11).

وخطب سلمان المحمدي رضي الله عنه بنت عمر بن الخطاب فتأثّر ابنه عبد اللّه‏ بن عمر، فقال له المغيرة: أنا أحتال لك في هذا الأمر. فقال عبد اللّه‏: وكيف؟ قال: سترى. ثم جاء المغيرة إلى سلمان رضي الله عنه وقال له: هنيئا لك. فقال سلمان رضي الله عنه: على ماذا؟ قال المغيرة: هنيئا لك بما حدث. قال: ما الذي حدث؟ قال: لقد تواضع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقبل أن يزوّجك ابنته. فقال سلمان: وأنا أعرضت عن أمر هذا الزواج مادام عمر قد تواضع فيه. أي يريد أن يقول له: أنا لا اُريد الزواج الذي تكرمونني به وترفعونني لأجله(12).

فهذا اللون من التفكير قائم على الفكر المتطرّف؛ فالإنسان بشكل عامّ تتحكّم به مواريثه الاجتماعية، يقول الحديث الشريف: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي»(13).

والسبب هو الزواج والمصاهرة، أمّا النسب فما ينتهي إليه الإنسان. وقد استشهد الخليفة الثاني بهذه الرواية عندما جاء يخطب اُم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . وكان الموقف حسّاسا جدّا. إن على المرء أن يقرأ في وقت فراغه، ومثل هذا الموضوع الحسّاس قد تناولته عدّة بحوث منها ما كتب في مجلة (تراثنا) الصادرة عن مؤسّسة أهل البيت عليهم السلام في أعدادها التاسع والعشرين والثلاثين والحادي والثلاثين؛ فقد تناولت هذه الأعداد الثلاثة قضيّة زواج عمر ابن الخطاب من اُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام )، وهل إنه صحيح أم لا، وهل فيه نقاش أم لا.

وفي هذا المقام أردت فقط أن اُلفت النظر إلى رواية: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي».

وانطلاقا من المحافظة على الأنساب في الدنيا كلّف الإمام علي عليه السلام أخاه عقيل بن أبي طالب ـ وكان نسابة ـ بأن يختار له زوجة بما عنده من قابلية وقدرة في علم الأنساب، وقال له: «انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب؛ لأتزوّجها فتلد لي غلاما فارسا، يكون ناصرا وعضدا لولدي الحسين بطفّ كربلاء». وهو عليه السلام بهذا إنما يمشي مع العرف الاجتماعي، فقال له عقيل بعد تأمّل: عليك بفاطمة بنت حزام الكلابيّة؛ فليس في العرب من هو أفرس وأفتى من أهلها(14).

وأهلها هم الذين افتخر بهم لبيد الشاعر في مجلس النعمان بقوله:

نحن بنو اُمّ البنينَ الأربعهْ *** ونحن خيرُ عامرِ بنِ صعصعهْ

الضاربون الهامَ وسطَ الخيضعهْ *** والمطعمون الجفنةَ المدعدعهْ(15)

ولم يجرؤ أحد أن يردّ عليه.

وقد تزوّج الإمام علي عليه السلام هذه المرأة، فوجدها على درجة كبيرة من الأخلاق والتهذيب، وقد ولدت له أولادا أربعة هم: العباس وجعفر وعثمان وعون، وقد استشهدوا جميعهم في الطفّ مع الإمام الحسين عليه السلام . وكانت فاطمة (رضي اللّه تعالى عنها) في غاية الرعاية للحسنين عليهما السلام، وكان موقفها يوم الطفّ يبرهن على هذا المعنى. والذي استأثر بمكانة كبيرة عندها من بين أولادها هوالعباس عليه السلام ، وكان عمره ( 34 ) سنة يوم الطفّ، وكان متزوّجا من لبابة بنت عبد اللّه‏ بن العباس، فولدت له عبيد اللّه‏ والفضل الذي كانت اُم البنين (رضي الله تعالى عنها) تخرجه معها إلى البقيع لتندب أبناءها تلك الندبة التي تفطر القلب وتفجّر الدموع:

لا تدعونّي ويكَ اُمّ البنينْ *** تذكّريني بليوثِ العرينْ

كانت بنون ليَ اُدعى بهم *** واليوم أصبحت ولا من بنينْ

أربعة مثل نسور الربى *** قد عالجوا الموت بقطع الوتينْ

يا ليت شعري أكما أخبروا *** بأن عباسا قطيع اليمنْ(16)

فتجلس عند قبور أولادها وتندبهم، وكان من جملة من يستمع إلى ندبها مروان بن الحكم، فكان يبكي على بكائها. ثم بعد ذلك تقوم لتدور حول محاريب أولادها، فتراها وهي خالية.

يتبع…

_______________________

(1) دعائم الإسلام 2: 199، سنن ابن ماجة 1: 633 / 1968.

(2) الكافي 5: 332 / 1، مسند أحمد 2: 428.

(3) ديوان الشريف الرضي 1: 22.

(4) آل عمران: 102.

(5) النساء: 1.

(6) قد مرّ أن الشافعي لا يعطيها صفة البنت، فيجيز الزواج منها. انظر في هذه المسألة: المجموع شرح المهذب 16: 219، 222، المبسوط (السرخسي) 4: 206، المغني (ابن قدامة) 7: 485، الشرح الكبير (ابن قدامة) 7: 483، وقد نسبه في كتابيه هذين إلى مالك أيضا، مواهب الجليل 5: 109، الجامع لأحكام القرآن 13: 60.

(7) نهج البلاغة / الوصية: 31.

(8) الفتوحات المكيّة 2: 587، 3: 531، 4: 69، 237، 415، شرح فصوص الحكم ( القيصري ): 738.

(9) ديوان المحاضر 1: 84.

(10) الحجرات: 13.

(11) انظر: الطبقات الكبرى 3: 162، الإصابة 6: 160 / 8201.

(12) أحكام القرآن: 161، الجامع لأحكام القرآن 16: 347، وليس فيهما ذكر للمغيرة، بل فيهما أن عمر نفسه ردّه ثم عاد، فأبى سلمان.

(13) الخصال: 559، السنن الكبرى ( البيهقي ) 7: 64.

(14) عمدة الطالب: 357، بطل العلقمي 1: 97، وليس فيه: « يكون ناصرا… ».

(15) ديوان لبيد بن ربيعة ( ضمن ديوان الفروسيّة ): 168.

(16) شرح الأخبار 3: 187، مقتل الإمام الحسين عليه السلام (أبو مخنف): 181.



Real Time Web Analytics