مقالات ثقافية

شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ إبراهيم الغراش

المتولّد سنة (1 / 1 / 1361)

ويقول في رثائه عليه السلام أيضاً:

في كربلا قد حطّ رحل السرى *** سبط نبي الحقّ سبط الورى

في فتية من آله أصبحت *** تعلو على كلّ الملا مفخرا

اُسد لها الحقّ شعار وما *** تقفو سوى الحق ولن تقسرا

لكنها لم تبتغِ منهجاً *** غير رضا اللّه وفيه ترى

فأثبتت عزّاً لها لم يزل *** عبيره يساير الأدهرا

واستخدمت كلّ زمان لها *** يثني عليها حامداً شاكرا

ببذلها الأنفس في معرك *** عجاجه وسط السما غبّرا

وأسعرت ناراً لحرب العدا *** فاسأل بيوم الطفّ ماذا جرى

يوم به أنصار دين الهدى *** صيّرت الأرض دماً أحمرا

تحسب في الحرب المنى والذي *** يصيب من أسيافها عنبرا

كلاّ تراه في الوغى باسماً *** كالبدر في اُفق السما أسفرا

لولا قضاء اللّه في خلقه *** لم يتركوا من العدى فاجرا

لكن أمر اللّه في أرضه *** لكل من فيها غدا قاهرا

فلم يزالوا في قراع إلى *** أن جُدّلوا صرعى بحرّ الثرى

وظلّ فرداً يا بنفسي له *** ليس له من الورى ناصرا

هناك سلّ البيض من غمدها *** في حدّه الموت بدا مخبرا

وأقحم الخيل بجيش العدى *** وهو وحيد بينهم حائرا

فعاينت منه العدى موقفاً *** يشبه فيه المرتضى القسورا

كم بطل أرداه كم فارس *** كم أصيد جدّله بالثرى

كم أروع أذاقه حتفه *** كم مدّرعْ من بأسه أدبرا

كم قسور سقاه كأس الردى *** وكم جرت من دمهم أبحرا

كم حطّم الجيش وضاق الفضا *** بآل حرب كم رأت عافرا

أقسم بالخالق لولا القضا *** عليه من رب السما سطّرا

لما استطاعوا أن يحيطوا به *** لكن أمر اللّه قد قدرا

فخرّ للموت فخرّ الهدى *** إذ خرّ من كان له مفخرا

وأصبح الدين له ناعياً *** بحسرة أبكت جميع الورى

والشمس من فقدانه أصبحت *** كاسفة والنور لن يبصرا

والخلق قد ضجّت له حسرة *** فيا له كسر ولن يجبرا

والدين قد حلت به نكبة *** فانفصمت منه وثيق العرا

فيا له من فادح مؤلم *** دهى العلا وللهدى أسهرا

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{93} الشيخ إبراهيم الغراش

المتولّد سنة (1 / 1 / 1361)

هو الأديب الشيخ إبراهيم بن عبد اللّه بن محمّد بن إبراهيم الغراش. و«الغراش» جمع «غرشة» معروفة بالجرار ـ بكسر الجيم ـ أو الأكواز؛ إذ كان مع أبيه يعملانها من الطين. ثم التحق ببعض المعلّمين للقرآن والكتابة، فألمّ ببعض القرآن حفظاً؛ إذ كان ضعيف البصر لا يستطيع أن يقرأ الكتابة، ثم رقى به التوفيق فامتهن الخدمة الحسينية، وما برح حتّى أصبح خطيباً مفوّهاً. وفي نفس الوقت اشتغل بطلب العلم، فكان حريصاً على تلقّي دروسه مهما كلّف الحال. ولا زال حتّى اشرأبت نفسه طموحاً إلى الهجرة لجامعة العلم النجف الأشرف؛ لينهل من نميرها الفيّاض، فهاجر إليها مرافقاً لأخيه وشقيقه الشيخ مبارك في اليوم الثالث عشر من ربيع الأول سنة (1385)، فأقام بمدرسة البغدادي مكبّاً على الدرس، طالباً لضالّته المنشودة بمساعدة أخيه المذكور (وفقهما اللّه للعلم)؛ لينفعا وينتفعا. وكان المترجم يقول الشعر، ومنه قوله:

في رثاء الحسين عليه السلام

بكيت على نفسي ومازلت باكيا *** اُذكرها بالأمس ما كنت جانيا

جنيت على نفسي هموماً عظيمة *** تهدّ الجبال الراسخات الرواسيا

أصابت فؤادي بالسهام وناظري *** فأصبحت منهوكاً وقد كنت ساليا

وبالمائسات الغيد قد كنت لاهياً *** بهنّ وإني في سروري لاهيا

قضيت زماناً هادئ البال مترفاً *** وقلبي سالٍ من جميع الدواهيا

ولكن دهري خانني بعدما وفى *** بتشتيت شملي من قريب ودانيا

فأصبحت كالثكلى لفقد أحبّتي *** وعيشي مرّ بعدما كان حاليا

ألا فاحذر الدهر الخؤون فإنه *** يخون بمن ألقى إليه الأمانيا

لقد غدر الدهر الخؤون بمن به اسـ *** ـتقام الهدى والدين أصبح عاليا

حسين رئيس الحقّ وافاه معضل *** يشيب له الطفل الذي لن يباليا

فجاء لقبر المصطفى شاكياً وفي *** حشاه لظى من جمرة الحزن واريا

وأبدى نحيباً زلزل العرش والسما *** وظلّت عيون المكرمات دواميا

ونادى بقلب مسعر من شجونه *** ومدمعه يجري كسحب الغواديا

أيا جدّ قلبي قد تكدّر عيشه *** وأبدت لي الأقدار ما كان خافيا

أيا جدّ دهري قد تنكر حاله *** فغيّر من لأوائه اليوم حاليا

وحاربني إذ لم اُبايع لمن غدا *** يهدّم ديناً كان بالحقّ عاليا

فناح له المختار من عظم حزنه *** على سبطه عزّ الهدى والمعاليا

ونادى حبيبي ياحسين كأنني *** أراك عفيراً في دمائك ثاويا

وشمر لحاه اللّه منك قد ارتقى *** بنعل على صدر المعظم جاثيا

ولم يكتفِ حتّى يمكن سيفه *** بنحرك يشفي ضغنه المتواريا

ولهفي لتلك الطاهرات حواسراً *** ثواكل تنعى قد عدمن المحاميا

فناح عميد الحق حزناً لآله *** وما هو سخط للذي كان جاريا

ولما أتى أهليه أنباهُمُ بما *** تكلّم خير الرسل والحزن باديا

فأظلمت الآفاق في وجه أهله *** فضجّوا عليه بين ثكلى وناعيا

وناحت عليه الجن شجواً وحسرة *** ودين نبي الحق أصبح واهيا

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{92} الملاّ راضي المرهون[1]

المولود عام (1345)ه

هو ابن عمّتي وأحد إخواني الملاّ راضي بن علي بن قاسم بن محمّد بن حسين آل مرهون. ولد بالتاريخ المذكور من أبوين كريمين من آل مرهون، فقاما بتربيته أحسن قيام، فنشأ ذا نفس وثّابة لطلب العلم والخطابة، رافعاً لنفسه عن سائر المهن التي لا تمتّ إليهما بصلة، اللهم إلاّ من طريق غير مباشر كامتهان طالب العلم لعمل ما؛ ليصون نفسه عن سؤال الناس كما جاء في أدب المتعلّمين. وما من شيء أحسن لطالب العلم من امتهان الخطابة ليصل من طريقها إلى خير الدارين.

لم يكن المترجم شاعراً باللغة الفصحى، وإنّما كان شاعراً باللغة الدارجة الشعبية، فقد كوّن له ديواناً لا يستهان به سيمثل للنشر إن شاء اللّه عن قريب في سلسلة مرهونياتنا. أما الشعر العربي فلم نعرف له منه شيئاً إلاّ هذه القصيدة قالها بعد الإلحاح عليه بمناسبة ميلاد مولانا الإمام المنتظر عليه السلام، ولعلّها باكورة لقصائد نراها له في المستقبل تعطر الندى بأريجها، وما يدرينا؟ (كثر اللّه في شبابنا أمثاله، ومد له في عمره طويلاً،
وزاد في توفيقه كثيراً).

ميلاد الإمام المنتظر عليه السلام

صوت من الملأ الأعلى ينادينا *** إن الملائك قد حفت بنادينا

يستغفرون لنا يدعون خالقنا *** يا ربّ فاغفر لنا في حفل هادينا

أرجوكمُ أن تقوموا في ولادته *** مكبّرين على الهادي مصلّينا

قد جاء تاريخه (نور) فحيِّ هلا *** نستقبل النور نوراً جاء يهدينا

بشراكمُ حين وفّقتم بحفلكمُ *** قد اجتمعتم إلى الهادي تهنّونا

بمولد الحجّة المرجوّ طلعته *** لينشر الهدْي تفصيلاً وتبيينا

ويملأ الأرض قسطاً بعدما ملئت *** ظلماً وجوراً طغامات مضلينا

يضللون عقولاً عن عقائدها *** وينكرون نبوّات النبيّينا

ويزعمون بأن اللّه ليس سوى *** طاقات خام تخبّت في مطاوينا

وما الصلاة وما الشهر الصيام سوى *** عاداتِ رجعيةٍ قد اُنشئت فينا

فلا صلاة ولا حجاً ولا خمساً *** ولا زكاة ولا هدياً ولا دينا

لهؤلا ينهض المهدي منتدباً *** فيشربون حميماً ثم غسيلنا

قد ادّعت اُمّة وهماً عقيدتنا *** لسنا على الوهم بل أنتم معادونا

إنّا نصدق ما جاء الرسول به *** إنا نصدق أقوال النبيّينا

فقد رووا في صحيح القول من طرق *** أن ابن مريم يأتي في فلسطينا

يؤازر القائم المهدي في بلد *** مقدس قامعا حقاً شياطينا

أرض مقدسة راحت مضيعة *** بأيد صهيون لا بوركت صهيونا

أتضربين على أرض العروبة أر *** ض اللّه دولة ظلم لا تبالينا

أتأكلين لذيذ العيش في رغد *** وتشربين زلالاً أو تنامينا

وتتركين لنا أهلاً بلا سكن *** هم نحو مليون هل نرضى يضيعونا

لا تحسبينا رضينا عن ظلامتكم *** فليس إلاّ رجوع الحقّ يرضينا

واللّهَ نسأل بالمختارِ منقذنا *** وآله الطهر عوداً يا فلسطينا

قولوا معي أيها الحفل الكريم بحـ *** ـق المصطفى وبنيه الطهر آمينا

________________________

[1] توفي رحمه الله في 25 / 11 / 1427 ه. طبع له ديوان: (كسب الثواب).



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{91} السيّد عدنان العوامي

المولود ( 3 / 5 / 1354 )

هو الأديب السيّد عدنان ابن السيد محمد ابن السيّد محفوظ العوّامي التوبي القطيفي. أحد الشباب النابغين في الأدب، ونباهة الفكر، وحصافة الرأي، والتفكير الحرّ. له ديوان كبير يشتمل على كثير من الفنون الشعرية، نقتطف منه ممّا يخصّ أهل البيت عليهم السلام قصيدته الغديرية في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام تحت عنوان:

يوم الغدير

يوم الغدير على المدى متألقُ *** وشذاه من أرج المسرّة يعبقُ

فيه الحياة بدت تلالأ بهجة *** أنِس الحجيج لها فكاد يصفّقُ

وتبسّمت آفاقها مزهوّة *** وأظلّ أهليها الصفاء المشرقُ

وزهت بمنتظم البهاء وأزهرت *** حتّى غدت لجمالها تتعشّقُ

وغدا يضوّئها جلال أشعّة *** علوية بسنا الهدى تتألّقُ

ولقد تبدّت في مجالي جنة *** زهراء يغمرها الجمال المشرقُ

فيما الخلائق تشرئبّ وكلّها *** اُذن تصيخ ومهجة تتشوّقُ

وإذا بصوت محمّد يعلو بها *** وإذا القلوب بصوته تتعلّق

هذا خليفتكم وسيّد أمركم *** وإمامكم بعدي فلا تتفرّقوا

هذا موجهكم لمدرجة العلا *** فتمسّكوا بذيوله كي ترتقوا

هذا علي والعدالة نهجه *** وذوو الجلالة بالعدالة أليقُ

فاقفوا خطاه على الطريق فإنه *** عن غير حكمة ربّه لا ينطقُ

اللّه أية دعوة لما تزل *** قبساً يشعّ على الوجود ويشرقُ

وعلى مدى الأزمان نبع هداية *** سيظل يجري بالمياه ويغدقُ

هذي مناهله يمد وجودها *** بدم الحياة نميرها المتدفّقُ

سيظلّ والتأريخ يشهد أنه *** روح الحياة وإن أبى متزندقُ

سيظلّ ينبئنا بأن حياتنا *** في المجد إذ نسمو به ونحلّقُ

وبأن قيمتنا بقدر جهادنا *** في الدين حيث بركنه نتعلّقُ

في الدين عزّتنا ورمز وجودنا *** لا في الهراء نصوغه ونلفّقُ

فهو السعادة في الحياة ومن يرد *** غير السعادة في الحياة سيمحقُ

وهو الدعامة للوجود وهذه *** أجلى حقائقه الوفاء وأصدقُ

فمتى تفيق نهى الشباب وينجلي *** عن فكره هذا الضباب المطبقُ

ليرى الحقيقة كالنهار جلية *** في ناظريه فيجتلى ويحقّقُ

هذي العروبة يستبيح ذمامها *** ويدوس حرمتها جبان أحمقُ

متفسّخ خلع المجون صوابه *** وأضلّه سفهٌ وعقلٌ مغلقُ

فسعى يبثّ لدى الشباب سمومه *** وفقاً لما رسم المعلّم عفلقُ

فالدين في لغة التحزّب بدعة *** ممجوجة وسخافة وتحذلقُ

أما التقدم في الحياة فإنه *** وقف على من يستبيح ويسرقُ

ولمن أراد خيانة وتنكراً *** لبلاده فمضى يعيث ويفسقُ

ولكل مرتزق وكل مصانع *** ولمن يداجي أو لمن يتشدّقُ

ولكل مبتذل يبيع ضميره *** ويبيع موطنه بفلس يبرقُ

الدين وهم والعروبة سلعة *** تشرى بسوق المغريات وتنفقُ

والعدل سجن والعدالة ساحة *** فيها رؤوس الأبرياء تعلّقُ

والأمن رعب والتحرّر مذبح *** ومجازر فيها الكرامة تهرقُ

وأصابع بدم الشباب روية *** بغياً وفي وحل الجرائم تغرقُ

هذي شريعته وهذا نهجه *** جثث تهرّأ أو رقاب تشنقُ

يابن العروبة والحياة على الأذى *** ذل وذاتك بالكرامة أخلقُ

إني اُعيذك أن تصير تبيعة *** تنساق خلف مُتاجر يسترزقُ

ولديك في هدي السماء مشاعل *** ولواء مجد للعروبة يخفقُ



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{90} محمّد سعيد الخنيزي

المولود سنة (1353) ه

الأديب الفذّ، محمّد سعيد نجل العلاّمة الشيخ علي أبي الحسن الخنيزي. شاعر عبقري ومفكر حر، ذو أراء كثيراً ما يصيب بها أهدافه، بل أهداف غيره؛ إذ يمتهن المحاماة حالياً. وكان دمث الأخلاق، خفيف الروح، له مكانته الهامّة في مجتمعه، وشخصية بارزة في وطنه. ولم اتحصّل من شعره وأدبه إلاّ على هذه القصيدة، وإليكها كنموذج منه معتذراً إليه، وإلى كل شاعر من شعراء القطيف من كلّ تقصير:

الإمام الحسين عليه السلام

ذكرى تردّد في فم الأزمانِ *** كالشمس مشرقة على الأكوانِ

ذكرى البطولة وهي أسمى فكرة *** للنصر والتوحيد والإيمانِ

فيها الشجاعة والصراحة والإبا *** مخطوطة بأشعّة العرفانِ

شعّت على اُفق الطفوف شموسها *** من حدّ سيف صارم وسِنانِ

يوم أراق به الحسين دماءه *** ليشيد ما هدمت يد الطغيانِ

فخططت يوم الطف يابن محمّد *** مجداً من الدمّ الأبيّ القاني

أيقظت أفكاراً بظلّ غباوة *** أطلقتها من ذلّة وهوانِ

وهدمت ملكاً شيد فوق جماجم الـ *** أحرار والشهداء من عدنانِ

ورفعت للأحرار أعظم راية *** خفّاقة كالنجم في اللمعانِ

ظنت اُمية أن تنال بقتله *** فوزاً وملكاً شامخ البنيانِ

لكنها باءت بأخسر صفقة *** وتلفّعت بالعار والخذلانِ

يا منقذ الدين الحنيف من الأذى *** ومعيد زهرته إلى الريعانِ

الدين لولا أنت يابن محمّد *** كرة تقاذفها يد الصبيانِ

فنزلت يوم الطفّ في ظلّ القنا *** تحميه من عدوان طاغٍ جانِ

وصرخت في سمع الفضاء مجلجلاً *** حتّى استحال الكون صوتاً ثاني

يوم الطفوف وإنه لصحائف *** حمراء خطّت من دم الشبّانِ

اُغرودة الأجيال والوتر الذي *** غنّت به أحرار كلّ زمانِ



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{89} الملاّ أحمد آل خميس

المولود ـ سنة 1352

ويقول في الوعظ والإرشاد:

بكيت الشباب فلم يرجعِ *** وجاء المشيب ولمّا أعِ

ذكرت الشباب وأيّامه *** ومثلت نفسيَ في مرتعِ

فلاح البياض بوسط القذال *** كلوح الكواكب في الأرفعِ

سموت بعيني لعلّي أرى *** مثالاً لنا في الفضا الأوسعِ

فكنت أرى في السما غبرة *** لكلّ سميع لبيب يعي

نظرت الهلال بدا بازغاً *** ضعيفاً كأطفالنا الرّضعِ

وبعد ليالٍ يرى مشرقا *** كمثل شباب فتى ألمعي

فما المرء إلاّ سريع النوى *** كنجم هوى ثُم لم يطلعِ

لأن الحياة مطايا لنا *** تنوء بنا عن فضا المشرعِ

وآمالنا كسراب الفلا *** تراءى لظمآن في بلقعِ

كذاك الأمانيّ غرّت بنا *** فكانت كأضغاثِ للهجّعِ

وذا الدهر يسرع في أخذنا *** ونحن نسير مع المسرعِ

فكنّا أرقّاء في قيده *** وأمّا لصالحنا لم نعِ

فيا نفسُ لا تجزعي واصبري *** ومن نُوَب الدهر لا تخشعي

ولا تأسفي لشباب مضى *** وكوني على حذر فاسمعي

فليس الحياة حياة لك *** ولا دارها لك بالمربعِ

ففيها الهوان وفيها العلا *** فيا نفسُ للذلّ لا تخضعي

فإن المذلّة ثوب الجبان *** وثوب المعزّة للأورعِ



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{89} الملاّ أحمد آل خميس

المولود ـ سنة 1352

ويقول في الأنصار:

بكيت على طلل خاليه *** وربع لأحبابنا النائيه

وجلت إلى نحوها ناظراً *** فلم أرَ من سكنها باقيه

ربوع اُصيبت بمحل البِلا *** فأضحت وحيطانها باليه

وعهدي بها كثريّا السما *** ولكنها بقيت خاليه

ومن قبلُ كانت كشمس الضحى *** بصيد مفاخرها ساميه

فأمست وفيها غراب النوى *** يردّد بالصوت كالناعيه

غداة مشى أهلها للعلا *** فباعوا الدنيئة بالراقيه

مشوا خاطبين العلا بالقنا *** ومَهر العلا أنفسٌ غاليه

ودون العلا خوض بحر القنا *** وإخماد نار الوغى الحاميه

فخاضوا بحار الظبا والقنا *** بجرد سوابح كالجاريه

وسلّوا السيوف بوجه العدى *** فيا ليتها كانت القاضيه

فلولا القضاء ولفح الظما *** لما تركوا للعدى باقيه

ولكن قضى اللّه أن يرحلوا *** كراماً وأرواحهم راضيه

بعزّ قضوا لا بذلّ مضوا *** وقد تركوا الذلّ للطاغيه

تفرّت دياجيرها عنهُمُ *** ضحايا وأوداجهم داميه

بنفسيَ أفديهُمُ صرّعاً *** عرايا وأحشاؤهم ظاميه

وأجسادهم بقيت في الربا *** قد اختضبت بالدما القانيه

ضحايا على الترب أجسادهم *** وأكفانها كانت السافيه

هنيئاً لهم عانقوا للظبا *** وباعوا نفوسهُمُ الزاكيه

فيا لهف نفسي على فتية *** تكسّر أضلاعَها العاديه

وأعظم خطب أصاب الهدى *** بأرزا عظيماتِ كالداهيه

بنات الرسول على هزّل *** سبايا بأيدي بني الزانيه

نصبن المآتم فوق المطا *** كأن المطا غرف عاليه

تحنّ على أنجم قد هوت *** على صفصف تركت ثاويه

فتسقط دمعاً كجمر الغضا *** له حمرة كالدما القانيه

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{89} الملاّ أحمد آل خميس

المولود ـ سنة 1352

هو الخطيب الأديب الملاّ أحمد بن منصور بن علي بن كاظم آل خميس السيهاتي القطيفي، المتولّد سنة (1352) من أبوين كريمين قاما بتربيته أحسن قيام، وعقدا عليه أملهما الكبير جرياً على عادة الآباء والاُمّهات بالنسبة إلى الأبناء، فما برحا يرعيانه بعين العناية حتّى بلغ، فبلغت معه مؤهّلاته للتقدّم، فجاء عبقرياً فذّاً في كل ما اُوتي من مواهب ممّا يكون عليه أماثل الرجال. فحقّق اللّه آمال أبويه فيه، بل آمال أهل بلاده سيهات؛ إذ وجدت منه شخصية لها أهميتها في المجتمع، ومكانتها في دنيا الخطابة والأدب، فلنستمع إليه يقول:

في مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

كعبة النور بالقداسة سودي *** بعلي علوت كعب السعودِ

كنت للشمس مطلعاً ولاُمّ الـ *** ـشمس ملجا وقبلة المولودِ

حين لاذت بسترك اللبوة الغرّ *** اء اُمّ الأشبال بنت الاُسودِ

دعت الله فاطم يا رجائي *** أنت ربّي يا اُنس كلّ وحيدِ

أولِني منك نسمة من شفائي *** وتكرّم عليّ ياذا الجودِ

فإذا رجّة من البيت دوّت *** بانشقاق من الجدار الوطيدِ

ضمّت الكعبة النجود انضمام الـ *** ـزهر في برعمات الورودِ

ثم أرخت ستارها وعليها *** مسحة من جلالة المعبودِ

نعست برهة من الوقت حتّى *** سمعت صوت معلن التوحيدِ

قال اَللّه‏ أكبر بكر لفظ *** قاله وهو محرم للسجودِ

شعّ نور قدسيُّ والتقط النو *** ر مثالاً لكل من في الوجودِ

فإذا المروتان زادا جمالاً *** وإذا البيت في زهاء العيدِ

وإذا بالحمام يسجع بالتطـ *** ـريب لحناً كشبه لحن العودِ

والهزار الغريد غرد بالبشـ *** ـرى وطاف الآفاق بالتغريدِ

فاستضاءت اُم القرى وأثارت *** هضبات الحجاز بل كلّ بيدِ

وترى القفر عاد روضاً بزهر *** فنرى الأقحوان أسنان غيدِ

وتغنى خليجنا العربي الـ *** ـسمح والخط أزهرت بالبنودِ

يا لواء الإسلام أنت لواء *** رفرف النصر فوقه بسعودِ

عشقت نفسك المكارم حتّى *** حلقت في سما الإبا والصعودِ

نلت نفساً أبيه وثباتاً *** حينما الحرب تصطلي بالجنودِ

يا علي الحياة حيّيت مجداً *** ونفوساً حرّرتها من قيودِ

لم تزل ناصحاً وفيصل عدل *** وعماداً ورشد كلّ رشيدِ

وإماماً للمصلحين ونهجاً *** وعذاباً لكلّ رجس عنيدِ

يا وليداً ببطن كعبة بيت الـ *** ـلّه يا خير ناشئ ووليدِ

كعبة القدس فافخري بعلي *** فبه قد علوت هام السعودِ

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{88} كاظم المرهون

المولود سنة (1351) تقريباً

ويقول في رثائه عليه السلام تحت عنوان:

حقائق لا أماني

ودّع زمان الصبا واترك تماديه *** لا خير في رجل طالت أمانيه

ودع حديث التمنّي لا تمرَّ به *** فخير ما في المنى تحقيق ما فيه

يا سارياً لطريق الجهل متّجهاً *** خفّض عليك فهذا شارع التيه

خفّف خطاك فبحر الجهل متّسع *** فكم وكم غارق من جهله فيه

أين الذين لظلم الناس قد شرعوا *** وسنّ ظلماً نظام الجور بانيه

ما أسعد العمر في ظلّ السلام على *** نهج الهدى ونظام الحقّ داعيه

وخالد الذكر في التاريخ مفخرة *** يحيا فخيراته في الناس تبقيه

شمّر لنيل العلا وارفع مشاعله *** وانشر شعائره وابسط أياديه

حيِّ الاُلى بذلوا للمجد أنفسهم *** وسالموا أهله عادَوا أعاديه

وحيِ خير بني الدنيا وسيّدهم *** ومرجع المنهج الأعلى ومفتيه

ضحّى بخير نفوس العالمين لكي *** يبقي الهدى موضحاً أرقى معانيه

حتّى قضى بسيوف الجور وا أسفاً *** عليه ملقى فليت الروح تفديه

في جسمه نشبت نصل الرماح وفي *** فؤاده أمل للدين يحكيه

قضى فخلّد ذكراً لا يبارحه *** فكان أوضح شخص في معانيه

قضى وخلف أسفاراً بسيرته *** مملوءة للملا الأعلى تباهيه

قضى وخلف أطفالاً على سغب *** ونسوة دمعها بالخدّ تجريه

آه على خفرات المصطفى برزت *** بين العدا وجهها بالكفّ تخفيه

فعاينت جسمه في الترب منعفراً *** مسلّباً وثرى الغبرا يكسّيه



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{88} كاظم المرهون

المولود سنة (1351) تقريباً

ويقول في رثائه عليه السلام تحت عنوان:

لن يعود

سل الزمان عن الماضين هل وصلوا *** كيف ارتضوا فرقة الأحباب وارتحلوا

ساروا وما بعثوا عن حالهم نبأً *** لنا وما جاءنا من عندهم رسلُ

يا صاحِ هل خبر منهم أتيت به *** مؤكداً يقنع الأحيا إذا سألوا

هيهات لا ذاهب منا يعود لنا *** هذا الطريق فلا عن خطّه حَوَل

هل بالاُلى اعتبر الباقون وانتبهوا *** من غفلة ولأمر الخالق امتثلوا

شمر لنيل العلا يا صاحِ مجتهداً *** لطاعة اللّه لا يهوِ بك الكسلُ

وانظر لمصلحة الأوطان في علن *** ومنطق الصدق فيه العلم والعملُ

وخلد النفس في عزّ ومكرمة *** وأحسن الذكر في الدارين يا رجلُ

ودع حياة ذوي الإرهاق في تعب *** واقنع فلا ناقة فيها ولا جملُ

وارغب لنيل رضا المولى ودع طمع الـ *** ـدنيا فإن لها في أهلها دول

واسأل بني المصطفى ماذا جنت بهُمُ الـ *** ـدنيا ونالتهُمُ الأمراض والعللُ

للّه واقعة في كربلاء جنت *** على الهدى فهو ذاك الحادث الجللُ

حيث الحسين على البوغاء لا كفن *** سوى السوافي على الرمضاء لا غسلُ

وزينب الطهر تدعوه ومهجتها *** حرّى ومن مقلتيها الدمع ينهملُ

اُخيّ يا أملي يا منتهى سُؤُلي *** ما لي سواك منى كلاّ ولا أملُ

يا مهجتي أو ترضى بالذي صنعت *** أيدي العدو وتدري ما الذي فعلوا

نساءنا سلّبوا أطفالنا ضربوا *** خيامنا حرقوا من بعدما دخلوا

يتبع…



Real Time Web Analytics