الظلم _ 1

img
عام 0 ----

مصطفى آل مرهون

﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ([1]).

إن مثال الظلم يتمثل في بني أمية وبني العباس، فقد كان الحكم الأموي حكماً جائراً؛ إذ ابتعد عن أحكام الإسلام فكانت نهايته مثل بدايته مصبوغة بالدم. قد قامت دولة بني العباس وهي تلبس لباس الدين وترفع شعار الدعوة لمناصرة آل محمد والانتقام من أعدائهم، وهي تحاول أن تكسب ودّ المسلمين، وبعد أن كشفوا وزال القناع عنهم اعتبر الناس عهدهم امتداداً لحكم بني أمية الجائر،فلجأت الأمة إلى ملاذها في كل وقت وحفّت به، وجعلت تستقي من نبضه كما تعودوا من هذا البيت الطاهر، فهو منذ النشأة الأولى ميزان العدل الذي هو أحد الثقلين، من تمسك بها نجا، كتاب الله وعترة رسوله، وهما متلازمان متكاتفات لن يفترقا في واجبهما لإرشاد الأمة وهدايتها. والقرآن ينهى عن الركون إلى الظالمين «وَلاَ تَرْكَنُواْ»، ومن الواضح أن مبدأ العدالة وهو من أعظم مبادئ الشريعة الإسلامية أصبح في عهد أولئك أولاة لا يعلم به، فهم لا يصلون لمركز الولاية على المسلمين، وليس لهم الكفاءة على التحلي بصفاة الخلافة ولا قدرة لهم على تنفيذ أحكام الإسلام، فهم لا يصلحون للولاية ولا تجب طاعتهم بحال، وإن في مؤازرتهم والمعاونة معهم خروجاً عن أمر الله ومخالفة لكتابه، وبذلك لا تكون ملازمة بين العترة وبين الكتاب إن داهنوا الظلمة أو ركنوا إليهم.

وقد صح الإمام الصادق× يقول لأصحابه: «ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وإن لي ما بين لابتيها لا ولا مدة بقلم. إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرداق من نار حتى يحكم الله بين العباد»([2]).

وكان ينهى عن المرافعة إليهم، ولا يرى لزوم ما يقضون به؛ لأن حكمهم غير نافد، كما كان يشتد على العلماء الذين يسيرون في ركاب الدولة ويأمر بالابتعاد عنهم، حيث يقول: «الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم»([3]).

وقد حاول المنصور أن يستميل الصادق في عدة مرات، ولكنه لم يفلح، فلم يزل يبتعد عنه ويعلن غضبه عليه، ولا تأخذه في الحق لومة لائم، كما أعلن مقاطعته له، فكتب المنصور إليه: لم لا تغشانا كما تغشانا سائر الناس؟ فأجابه الإمام: «ما عندنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك عليها، ولا نعدها نقمة فنعزيك بها، فلم نغشاك؟!».فكتب إليه المنصور ثانية: تصحبنا لتنصحنا؟ فأجابه الإمام: «من أراد الدنيا فلا يصحبك، ومن أراد الآخرة فلا ينصحك»([4]).

وبهذا يتجلى موقف الإمام الصادق من المنصور وأمثاله وابتعاده عنهم، وهو النهج الذي أمر أتباعه أن ينهجوه ليحد من نشاطهم في هضم حقوق الناس واستيلائهم على مقدراتهم واستبدادهم وجورهم في الحكم.

الهوامش:

([1]) هود: 113.

([2])  الكافي 5: 107 / 7. وسائل الشيعة 17: 179 / 22294.

([3]) انظر: الكافي 1: 46 / 5. مستدرك الوسائل 13: 124 / 14961.

([4]) مستدرك الوسائل 12: 307 / 14161.

يتبع…

الكاتب ----

----

مواضيع متعلقة