الحكمة _ 4
مصطفى آل مرهون
3 ـ الحقائق التشريعية: ونلاحظ في النواهي:
أ ـ النهي عن الزنا: يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 32]. وقد وصفه بالفاحشة وأنه الطريق السيء، وإن ابتدائها ب ـ (لا) الناهية ثم إتباعها في معرض التعليل بوصفين مشينين، فيه زجر للنفوس وردع شديد عن الاقتراب من هذه الفاحشة فضلاً عن الوقوع فيها.
كما قرن الزنا بالشرك بالله وقتل النفس وأوعد عليه بالعذاب الشديد، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68 ـ 69].
ب ـ النهي عن شرب الخمر: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
وهكذا يحرّم الإسلام مجموعة من المآكل والمشارب
وفي الأوامر نلاحظ الأمر بمجموعة من الأوامر التي تحثّ على العبادة والأخلاق الحميدة، ومن ذلك الصيام يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. وغيرها
الأمر الثالث: الوصول إلى الحق عن طريق القول والعمل
ويعجبني خير شاهد على ذلك ما قام به عمر بن عبد العزيز من التزام الحق في رفع السب عن أمير المؤمنين (عليه السلام). [وما فعل إبراهيم (عليه السلام) في تحطيم الأصنام].
قالوا وكان سبب ذلك ما روي عنه أنه قال: كنت وأنا غلام أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود، فمر بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان ونحن نلعن علياً، فكره ذلك ودخل المسجد، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام يصلي، وأطال في الصلاة شبه المعرض عني، حتى أحسست منه ذلك، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي فقلت له: ما بال الشيخ؟ فقال: أنت اللاعن علياً منذ اليوم؟ قلت: نعم. قال: فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ فقلت: وهل كان علي من أهل بدر؟ فقال: وهل كانت بدر كلها إلا له؟ فقلت: لا أعود. فقال: والله إنك لا تعود؟ فقلت: نعم. فلم ألعنه بعدها([1]).
ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة ـ وهو يومئذٍ أمير المدينة ـ فكنت أسمعه في خطبته حتى تهدر شقاشقه، فإذا جاء إلى لعن علي جمجم، ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله أعلم به، فكنت أعجب من ذلك، فسألته يوماً: مالي أراك أفصح خطيب، فإذا مررت بلعن هذا الرجل أصابك ما أصابك؟ فقال: يا بني لو علم من تحت منبري ما يعلمه أبوك من فضل هذا الرجل لم يتبعنا منهم أحد.
فوقرت كلمته في صدري مع ما كان قاله معلمي في أيام صغري، فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيّرن. فلما أعطي الخلافة أسقط لعن علي (عليه السلام) من الخطبة وجعل مكان لعنه: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
وفي ذلك يقول السيد الرضي:
يابن عبد العزيز لو بكت العين *** فتــى من أميــة لبكيتــك
مع أني أقـول إنـك قـد طبت *** وإن لم يطب ولم يزك بيتك
أنـت نزهتنا عن السب والقذف *** فلـو يمكن الجـزا لجزيتك
الهوامش:
يتبع…