لقمان الحكيم _ 2

img
عام 0 ----

مصطفى آل مرهون

بيته وعائلته

عاش لقمان ألف سنة على أقل الروايات، وكان بيته كوخ من قصب، ومكتفياً من الزوجات بواحدة على التعاقب، واكتفى عن الخدم بيديه وفراشه من خوص النخل، حتى قيل له: كيف تسكن هذا البيت الضيّق؟ فقال: «وهذا كثير في حقّ من يموت». فما أشد حسرة من لم تسعه القصور حتى امتدت يده إلى الحرام، ومن لم يكتف بأزواجه الحسان حتى تعدى إلى الزنى سراً وعلناً.

وقد رزق الله تعالى هذا العبد الصالح أولاداً كثيرة غير أنهم لم يعرفوا ولم يشتهروا، بل ماتوا في حياة أبيهم، فما بكى على أحد منهم.

وفي الأخير رزق ولداً سمّاه (باثار)، فاعتبره خلفاً عمن سلف، وكان يعظه ويوصيه حتى مرض ومات، فتأثر لموته أثراً شديداً حيث كان معه المثل الأعلى في الآباء والأبناء.

هل كان نبياً؟

الذي صرحت به كتب التاريخ والسير أنه لم يكن نبيا،ً كما أنه لا يوجد عندنا دليل قاطع بذلك، هذا ما احتج به من زعم أنه ليس نبياً. ومن ادعى ذلك كعكرمة والشعبي دليلهم ما فسروه أن المراد بالحكمة النبوة في الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12].

ومما ينفي النبوة عنه ما جاء عن النبي‘: «حقاً أقول لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً كثير التفكر، حسن اليقين، أحبَّ الله فأحبه ومنّ عليه بالحكمة…»([1]).

نداء الملائكة

أمر الله تعالى بعض الملائكة أن تنادي لقمان أن الله تعالى اختاره خليفة في الأرض يحكم بين الناس بالحق، وذلك عند انتصاف الليل نادته: «يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس؟» فكان الجواب منه: «إن خيّرني ربي قبلت العافية، وإن أمرني الله عز وجل وعزم عليّ فالسمع والطاعة؛ لأنه إن فعل ذلك بي أعانني عليه وعصمني وعلمني». فقالت له الملائكة: لم «قلت ذلك؟» قال: «لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدنيا وأكثر فتناً وبلاء لما يخذل ولا يعان، ويغشاه الظلم من كل كان، فصاحبه فيه بين أمرين: إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً وضعيفاً كان أهون عليه في المعاد أن يكون فيها سرياً شريفاً، من اختار الدنيا على الآخرة خسرهما كلتيهما، تزول هذه ولا تدرك تلك».

قال: فتعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه، فلما أمسى المساء وأخذ لقمان مضجعه، أنزل الله تعالى عليه الحكمة وغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم، فلما استيقظ وإذا هو أحكم الناس، وخرج عليهم ينطق بالحكمة([2])، فكل من سمع كلامه أثبتها فيه، فاشتهر أمره وشاع ذكره، فكان الطبيب المداوي للقلوب، وكان الناس يأتون إليه ويستفيدون منه ويأنسون بمنطقه فيكثرون من مجالسته.

ومر عليه رجل من عظماء بني إسرائيل فقال له: يا لقمان ألم تكن عندنا بالأمس عبد لفلان ترعى أغنامه؟ قال: «نعم». فقال: فبمن أوتيت هذه الحكمة؟ قال: «بقدر الله وصدق الكلام وترك ما لا يعني وأداء الأمانة»([3]).

ومر عليه رجل من عظماء الناس والناس مجتمعون حوله يستمعون منه الموعظة والحكم فقال له: ألست العبد الأسود الذي كنت راعياً بموضع كذا؟ قال: «نعم، أنا ذلك». فقال له: فما أبلغ بك ما أرى؟ قال: «صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعني»([4]).

وقال له بعضهم ـ ولعله حاسد ـ : ما أقبح وجهك! فقال له لقمان: «يا هذا تعيب على النقش أو على فاعل النقش؟»([5]).

الهوامش:

([1]) بحار الأنوار 13: 424، تفسير مجمع البيان 8: 80.

([2]) تفسير القمي 2: 163، بحار الأنوار 13: 410/ 2.

([3]) تنبيه الخواطر: 549، بحار الأنوار 13: 323.

([4]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 21: 82/ 21392.

([5]) بحار الأنوار 13: 425.

يتبع…

الكاتب ----

----

مواضيع متعلقة