لماذا نبكي حسيناً؟ (5)
وعن الرضا× أنه قال: «إن شهر المحرم شهر کان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتل والقتال، فاستحلت فيه دماؤنا، وهتکت فيه حرمتنا، وسبيت فيه ذرارينا، وأضرِمت النار في مضاربنا، وانتهب منها ثَقلنا، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا»([1]). ثم قال: «إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسال دموعنا، وأذل عزيزنا، وأورثنا الکرب والبلاء إلی يوم الانقضاء، فعلی مثل الحسين فليبک الباکون، فإن البکاء عليه يحط الذنوب العظام»([2])
وروی الصدوق في الأمالي والعيون بسنده عن الريان بن شبيب: أن الرضا× قال له: «يا ابن شبيب: إن کنت باکياً لشيء فابک الحسين، فإنه ذبح کما يذبح الکبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم علی وجه الأرض شبيه،… يا ابن شبيب: إن بکيت علی الحسين حتی تصير دموعک علی خديک غفر الله لک کل ذنب أذنبته صغيراً کان أو کبيراً»([3]). إلی غير ذلک من أقواله×.
ودخل عليه دعبل بن علي الخزاعي& (148 ـ 246 هـ )، في أيام عشرة المحرم فرحب به وأدناه، وقال: «مرحباً بناصرنا بقلبه ولسانه»، ثم قال: «يا دعبل أحب أن تنشدني في جدي الحسين× شعراً، فإن هذه الأيام أيام حزن علينا أهل البيت، وأيام سرور علی أعدائنا خصوصاً بني أمية». ثم إنه نهض وضرب ستراً وأجلس أهل بيته من خلفه، وأمر دعبل فأنشد إلی أن قال:
| أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً | وقد مات عطشاناً بشط فراتِ | |
| إذاً للطمت الخد فاطم عنده | وأجريت دمع العين في الوجناتٍ |
فبکی الرضا× وقال: «بنفسي أفدي جدي قتيل العداة وساکب العبرات»، واستمر دعبل إلی أن قال:
| بنات زياد في القصور مصونةٌ | وآل رسول الله منهتکاتِ | |
| بنات زياد في الحصون منيعةٌ | وآل رسول الله في الفلواتِ |
فعلت أصوات النساء بالبکاء والعويل، ونادين: يا جداه يا محمداه.
وهکذا کان باقي الأئمة الطاهرين^.
بل وحتی في هذه الأيام وهي أيام الإمام المغيب×، فإنه لابد أن تکون هذه الأيام أيام حزنه ومصيبته#.
| فکأني به يحن ويبکي | بسلو نزر ودمع غزير |
أما من بکاه من الصحابة «رضي الله عنهم» فکثير، ومنهم: جابر بن عبدالله الأنصاري، وزيد بن أرقم، وسهل بن سعيد الساعدي وغيرهم.
عاشراً: إنا نبکي حسيناً لجليل مصيبته وعظيم رزئه، وفظيع مأساته التي لم يأت الدهر بمثلها أبداً.
| لک يا دهر مثلها لا وربي | إنها العثرة التي لن تقالا |
الهوامش:
([2])الأمالي: 128 / المناقب، ج4: 86 / الإقبال: 544.
([3])الأمالي، مج27: 129، ح5 / عيون أخبار الرضا، ج1: 299 / الإقبال: 545، باختلاف بينهم.