لماذا نبكي حسيناً؟ (4)

img

ودخل عليه يوماً فأنشده:

 

أضحکني  الدهر وأبکاني والدهر ذو صرفٍ وألوانٍ
لتسعةٍ بالطف قد غودروا صاروا جميعاً رهن أکفانِ([1])

فبکی الإمام الباقر والصادق‘ وبکت النساء من وراء الستر، ثم قال:

 

وتسعة لا يتجاری بهم بني عقيل خير فرسانِ
ثم علي الخير مولاهم ذکرهمُ هيّج أحزاني([2])

فبکی الباقر وقال: «إنه ما من رجل ذکرنا عنده فخرج من عينيه ولو مثل جناج الذبابة إلاّ جعل الله ذلک حجاباً بينه وبين النار»([3]).

«وما من أحد قال فينا بيتاً من الشعر إلاّ بنی الله له بيتاً في الجنة»([4])، ثم قال:

من کان مسروراً بماساءکم أو شامتاً آناً من الآنِ
فقد ذللتم بعد عزٍّ فما أدفع ضيماً حين يغشاني

فأخذ الإمام الباقر بيده وقال: «اللهم اغفر لکميت ما تقدم من ذنبه وما تأخر».

فلما بلغ إلی قوله:

متی يقوم الحق فيکم متی يقوم مهديکم الثاني

قال: «سريعاً إن شاء الله يا أبا المستهل، إن قائمنا هو التاسع من ولد الحسين×؛ لأن الأئمة بعد رسول الله| اثنا عشر، الثاني عشر هو القائم…» ([5]). قال: فقلت: يا سيدي فمن هؤلاء الاثنا عشر، فعدّدهم من أولهم إلی آخرهم. فمتی يا فرج الله؟

ماذا يهيجک إن صبرت لوقعة الطف الفظيعه

وفي المنتخب([6])وغيره([7]): أن الإمام الصادق× کان إذا هلّ هلال عاشوراء اشتد حزنه، وعظم بکاؤه علی مصاب جده الحسين×، فيأتي الناس إليه من کل جانب يعزونه.

وکان إذا دخل عليه أحد من الشعراء أمره أن يرثي له جده×.

ففي المعالي([8])وغيره([9]): عن أبي هارون المکفوف، أنه قال: دخلت علی مولاي الإمام جعفر بن محمد الصادق×، فقال: «أنشدني في جدي الحسين× شعراً»، قال: فأنشدته أبيات السيد الحميري&:

 

يا راکباً هيماء مرقالاً جسوراً شدقميهﹾ
بالله إن شمت العراق وجئت أرض الغاضريهﹾ
أمرر علی جدث الحسين وقل لأعظمه الزکيهﹾ
يا أعظماً لا زلت مِن وطفاء ساکبة رويهﹾ
ما لذ عيشٌ بعد رضّک بالخيول الأعوجيهﹾ

فبکی الإمام الصادق× وقال: «زدني يا أبا هارون، وأنشدني کما تنشدون بالرقة»، قال: فأنشدته:

يا مريم نوحي علی مولاکِ وعلی الحسين ألا اجهشي ببکاکِ

فصرخت مريم بنت الصادق×: واجداه واحسيناه، وبکت وبکی الإمام×، وتهايج الناس، فلما سکتن قال الإمام×: «يا أبا هارون من أنشد في جدي الحسين، فأبکی عشرة فله الجنة، ثم جعل ينقص واحداً واحداً إلی أن قال: من أنشد فأبکی واحداً فله الجنة، ثم قال: ومن ذکره فبکی فله الجنة»([10]). ولم تکن هذه هي المرة الأولی من سماع الإمام هذه الأبيات، فقد سبق أن أنشدها إياه صاحبها السيد الحميري، فبکی وارتفع الصراخ من داره، حتی أمره بالإمساک فأمسک.

وفي الجزء الأول من المجالس للسيد الأمين& قال: (دخل جعفر بن عفان علی الإمام الصادق× فقربه وأدناه، ثم قال: «يا جعفر»: قال: لبيک يا مولاي، قال: «بلغني أنک تقول الشعر في الحسين وتجيد». فقال: نعم جعلني الله فداک. قال: «قل». فأنشدته فبکی حتی صارت الدموع علی وجهه ولحيته، وبکی کل من حوله.

قال: «يا جعفر: لقد شهدت ملائکة الله المقربون هاهنا يسمعون قولک في الحسين×، ولقد بکوا کما بکينا وأکثر، ولقد أوجب الله لک في ساعتک الجنة بأسرها، وغفر لک. ألا أزيدک يا جعفر»؟ قال: بلی يا سيدي، قال: «ما من أحد قال في الحسين شعراً فبکی وأبکی به، إلا أوجب الله له الجنة وغفر له».

وکان مما أنشده جعفر& للإمام الصادق×:

(لبيک علی الإسلام من کان باکيا فقد ضيعت أحکامه واستحلتِ
غداة حسين للرماح دريئة وقد نهلت منه السيوف وعلّتِ
أذاقته حر القتل أمة جده هفت نعلها في کربلاء وزلتِ
فلا قدّس الرحمن أمة جده وإن هي صامت للإله وصلّتِ
کما فجعت بنت النبي بنسلها وکانوا حماة الحرب حتی استقلتِ) ([11])

والأخبار المورودة في هذا الباب عن الإمام الصادق× کثيرة.

وروي عن الإمام الرضا× أنه قال: «کان أبي موسی بن جعفر× إذا دخل شهر المحرم لا يُری ضاحکاً أبداً، وکانت الکآبة تغلب عليه، حتی يمضي من الشهر عشرة أيام، فإذا کان اليوم العاشر کان ذلک اليوم يوم حزنه وبکائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه جدي الحسين×»([12]).

الهوامش:

([1])الشعر في مناقب آل أبي طالب 4: 116.

([2])الشعر في مناقب آل أبي طالب 4: 116.

([3])لرواية في کامل الزيارات: 104 / ح1 عن الإمام الباقر×، بتصرف.

([4])عيون أخبار الرضا× 1: 7، بشارة المصطفی: 208، باختلاف يسير.

([5])کفاية الأثر: 248. بتصرف.

([6])ص26.

([7])واب الأعمال: 84.

([8])لمعالي 1: 159 بتصرف.

([9])واب الأعمال: 83 ـ 85 ، في مجالس إنشاد متعددة / کامل الزيارات: 104: 106 في مجالس إنشاد متعددة بتصرف.

([10])فس المهموم: 36. باختلاف.

([11])لبحار، ج45: 286، باب 44 باختصار.

([12])الأمالي للصدوق، مج27: 128، ح2 / الإقبال: 544 عنه / روضة الواعظين: 169.

يتبع …

الكاتب الشيخ عبد الحميد المرهون

الشيخ عبد الحميد المرهون

مواضيع متعلقة