لماذا نبكي حسيناً؟ (3)

img

وروى الحموي في معجم الأدباء قال: (حدثني الخالع، قال: کنت مع والدي في سنة (1364 هـ )، وأنا صبي في المسجد الذي بين الورّاقين والصاغة ببغداد وهو غاص بالناس، وإذا بالرجل قد وافى وعليه مرقعة و في يده سطيحة ــ أي: مزدودة ورکوة ــ ومعه عکاز، وهو أشعث أغبر، فسلم على الجماعة بصوت يرفعه ثم قال: أنا رسول فاطمة الزهراء÷، فقال الناس: أهلاً ومرحباً، ورفعوه.

قال: أتعرفون لي أحمد المزوّق النائح؟ قالوا: ها هو جالس. فقال: رأيت مولاتنا فاطمة الزهراء÷ في المنام فقالت لي: امض إلی بغداد واطلبه، وقل له: نح علی ولدي الحسين× بقول الناشي([1]):

 

بني أحمد قلبي لکم متقطع بمثل مصابي فيکم ليس يسمعُ
عجبت لکم تفنون قتلاً بسيفه ويسطو عليکم من لکم کان يخضعُ
فما بقعةٌ في الأرض شرقاً ومغرباً وليس لکم فيها قتيلٌ ومصرعُ
ظُلمتم وقتّلتم وقسّم فيئکم وضاقت بکم أرضٌ فلم يُحمَ موقعُ
کأن رسول الله أوصی بقتلکم فأجسمامکم في کل أرض توزّعُ
جسومٌ علی البوغا ترمّی وأرؤسٌ علی أرؤس اللدﹾن الذوابل ترفعُ
توارون لا تأوي فراشاً جنوبکم ويسلمني طيب الهجوع فأهجعُ

قال: وکان الناشي حاضراً فبکی ولطم رأسه ووجهه، وتبعه أحمد المزوّق والحاضرون کلهم، وکان أشدهم بکاءً: الناشي والمزوق، فناحوا بهذه القصيدة إلی أن صلی الناس الظهر وتقوّض المجلس.

وجهدوا بالرجل أن يأخذ شيئاً فأبی وقال: لو أعطيت الدنيا کلها ما أخذتها، فإني لا أری أن أکون رسول سيدتي فاطمة الزهراء÷ ثم آخذ عن ذلک عوضاً، ثم انصرف ولم يأخذ شيئاً.

وبکاه أبوه لا سيما عندما مر بکربلاء في طريقه إلی صفين، وضمه أخوه الحسن إلی صدره في مرض الموت لما رآه يبکي عليه، فقال: «أتبکي عليّ؟ أنا الذي يؤتی إلي بالسم فأقضي به، ولکن لا يوم کيومک يا أبا عبدالله».

وقد اشتهر عن زين العابدين×: أنه عاش بعد أبيه خمساً وثلاثين سنة، ما قُدم بين يديه طعام ولا شراب إلاّ مزجه بدموع عينيه، ويقول: «قُتل ابن رسول الله جائعاً، قتل ابن رسول الله عطشاناً»([2]) ويقول ويقول…

وهو أول من عقد مأتماً علی الحسين× بصورة تماثلها صور المآتم الحسينية اليوم، وذلک أنه لما رجع إلی المدينة ودخلها بشر بن حذلم واستفز أهلها بنعيه، وأقبل الناس فطلع عليهم الإمام وبيده خرقة يمسح بها دموع، وجيء له بکرسي فجلس عليه، وهو لا يتمالک من العبرة، فارتفعت أصوات الناس بالبکاء والنحيب، فأومأ إليهم أن اسکتوا فسکتوا.

فافتتح الکلام بحمد الله والثناء عليه ثم قال:

«أيها الناس: إن الله ـ وله الحمد ـ وقد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قُتل أبوعبدالله وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، فهذه الرزية ما مثلها رزية»([3])، إلی آخر الخطبة، فضج الناس بالبکاء والنحيب، ثم صرخت بعده عمته زينب بالأبيات المشهورة:

مدينة جدنا لا تقبلينا فبالأحزان والحسرات جينا
خرجنا منک بالأهلين جمعاً رجعنا لا رجال ولا بنينا

وقد روي عن ولده الإمام الباقر×: أنه دخل عليه شاعره الکميت بن زيد الأسدي المتوفی سنة (126) هـ في بعض الأيام، فأنشده قصيدته الميمية:

 

مَن لقبٍ متيمٍ مستهامِ غير ما صبوة ولا أحلامِ

فلما بلغ إلی قوله:

 

وقتيل بالطف غُودر منهم بين غوغاء أمةٍ وطغامِ

بکی الإمام×، فلما أتی الکميت علی آخرها قال له الإمام: «ثوابک نعجز عنه، ولکن ما عجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مکافئتک، اللهم اغفر للکميت»([4]).

ثم أعطاه مالاً فأبی أن يقبله، وطلب منه بعض ثيابه فأعطاه، ودعا له.

قال الکميت: فما زلت أعرف برکة دعائه.

الهوامش:

([1])هو: علي بن عبدالله بن وصيف الحلاّء البغدادي المتوفی سنة 365 هـ ، له ترجمة في وفيات الأعيان3: 369.

([2])مثير الأحزان: 115، مسکن الفؤاد: 100 / اللهوف: 209.

([3])مثير الأحزان: 113 ، اللهوف: 200.

([4])رجال الکشي: 208 ، رجال ابن داود: 281 باختصار وتصرف.

يتبع …

الكاتب الشيخ عبد الحميد المرهون

الشيخ عبد الحميد المرهون

مواضيع متعلقة