لماذا نبكي حسيناً؟ (2)
سادساً: إنا نبکي حسيناً ونجدد ذکراه ليعلم الناس إنا غير راضين بقتله، وإن قلوبنا غير طيبة بما جری عليه.
سابعاً: إنا نبکي حسيناً ليعلم الناس أن هناک من يستنکر الظلم ويلعن الظالمين ويبکي علی المظلومين.
ثامناً: أننا نبکي حسيناً ونجدد ذکراه ليتأسی به الصالحون فيما بقی، کما تأسی به الصالحون فيما مضی.
قال الشاعر:
| وإن الأولی بالطف من آل هاشم | تأسو فسنّوا للکرام التأسيّا |
تاسعاً: إنا نبکي حسيناً× للتأسي برسول الله| وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وقد أمرنا الله أن نتأسی به| فقال تعالی: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾([1]).
وقد جاء في المجلس (19) من أمالي الصدوق&: (أن أم أيمن رأت في منامها قبل أن تلد فاطمة الزهراء بالحسين× کأن عضواً من أعضاء رسول الله| سقط في حجرها، فساءها ذلک، وجاءت إلی رسول الله| منزعجة، فلما قصّت عليه الرؤيا أخبرها: أن تفسير هذه الرؤيا: أن فاطمة÷ تلد ولداً فتحضنه هي، فسرِّي عنها ما وجدته) ([2]).
ولما ولدت فاطمة حسيناً× کانت تحضنه، فجاءت به إلی رسول الله| يوماً فترکته عنده، فلما عادت عليه وجدت رسول الله| يبکي فقالت: ما يبکيک يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال لها: «هذا جبرئيل يخبرني أن ولدي هذا يقتل، تقتله أمتي لا أنالهم الله شفاعتي»([3]).
أقول: وقد جاءت هذه الرواية في کتب کثيرة باسم أم الفضل زوجة العباس بن عبدالمطلب (رضي الله عنه)، وهذا لا يصح؛ لأن أم الفضل لم تهاجر إلی المدينة مع زوجها العباس بن عبدالمطلب إلاّ في عام الفتح سنة (8) هـ، بينما کان مولد الحسين× في 3/8/4 هـ.
وفي کتاب المجالس السنية (أنه لما أتی علی الحسين× سنتان خرج رسول الله| في سفرله، فوقف في بعض الطريق، واسترجع ودمعت عيناه، ولما سئل عن ذلک قال: «هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها کربلاء، يقتل فيها ولدي الحسين×».
فقيل: ومن يقتله يا نبي الله؟ فقال: «رجل يقال له يزيد، وکأني انظر إلی مصرعه ومدفنه».
ثم رجع من سفره ذلک مهموماً مغموماً فصعد المنبر ووعظ الناس، والحسنان‘ بين يديه، فلما فرغ من خطبته وضع يده المينی علی رأس الحسن، واليسری علی رأس الحسين‘، ثم رفع رأسه إلی السماء فقال:
«اللهم إني محمد عبدک ورسولک، وهذان أطايب عترتي، وخيار ذريتي وأرومتي، ومن أخلّفهما في أمتي، وقد أخبرني جبرئيل أن أحدهما مسموم مخذول، والآخر مظلوم مقتول، اللهم فبارک له في قتله، واجعله من سادات الشهداء، اللهم ولا تبارک في قاتليه وخاذليه وعذبهم عذاباً أليماً». ثم بکی.
قال: فضجع الناس بالبکاء، فقال النبي|: «أتبکونه ولا تنصرونه؟» ثم رجع فخطب خطبة أخری موجزة وعيناه تهملان دموعاً، ثم قال: «أيها الناس: إني خلفت فيکم الثقلين کتاب الله وعترتي أهل بيتي وأرومتي، ومزاج مائي وثمرتي، لن يفترقا حتی يردا عليّ الحوض، وإني لا أسألکم إلاّ ما أمرني ربي أن أسألکم المودة في القربی، فانظروا لا تلقوني غداً علی الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم»([4]).
والأخبار في بکاء الرسول| علی الحسين کثيرة، ومنها: حديث التربة وقد روي بعدة طرق، فمن طرقه ما روي في کتاب أعلام النبوة للماوردي الشافعي، عن عروة بن الزبير، عن أم المؤمنين عائشة قالت: (دخل الحسين بن علي علی رسول الله| وهو يوحی إليه… فلعب علی ظهره، فقال جبرئيل: يا رسول الله: إن أمتک ستفتن بعدک، وتقتل ابنک هذا، ومد يده فأتاه برتبة بيضاء، وقال: في هذه الأرض يقتل ابنک، واسمها الطف.
فلما عرج جبرئيل؛ خرج رسول الله| إلی أصحابه، والتربة في يده وهو يبکی، فقال له الناس ـ وفيهم أبو بکر وعمر وعلي وحذيفة بن اليمان وعمار وأبوذر ـ ما يبکيک يا رسول الله؟ فقال: «أخبرني جبرئيل: أن ولدي الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة»)([5]).
ولذلک فإنا نبکي حسيناً تأسياً بالرسول الأعظم|، الذي بکاه قبل قتله، فدل ذلک علی: أنه لو کان حياً بعد قتله لبکاه، وللسيد الرضي&:
| ميت تبکي له فاطمةٌ | وأبوها وعليّ ذو العلی | |
| لو رسول الله يحيی بعده | جلس اليوم عليه بالعزا |
ذکر ابن شهر آشوب في کتابه المناقب([6]): أن ذرَّة النائحة «رحمها لله» رأت فاطمة الزهراء÷ في المنام؛ واقفة علی قبر الحسين× وهي تبکي، فلما سلمت عليها أمرتها أن تنوح علی الحسين× بهذه القصيدة:
| أيها العينان فِيضا | واستهلا لا تغيضا | |
| وابکيا بالطف مذبوحاً | علی الترب رضيضا | |
| لم أمرضه فأسلوه | ولا کان مريضا |
الهوامش:
([2]) الأمالي: 82 / ج1 بالمعنی.
([3]) ورد الخبر مفصلاً في روضة الواعظين: 154.
([4])الخبر المفصل في مثير الأحزان لابن نما الحلي: 20 / اللهوف ص19 / المقتل للخوارزمي، ج1: 238.
([5]) أعلام النبوة للمارودي: 182، مجمع الزوائد 9: 188.