شرح دعاء كميل (17)

img

﴿يا نُورُ﴾

[بيان قسمي النور الحسّي فالمعنوي]

النّور قسمان:

حسّى: وهو الذي يجري على ظواهر السّطوح، وعُرّف: بأنّه كيفيّة ظاهرة بذاتها مُظهرة لغيرها([1])، كالأنوار السراجيّة والكوكبيّة، حتّى أظلالها وأظلال أظلالها  إلى أن ينتهي إلى الظّلمة، وهي عدم قاطبة النّور.

ومعنويّ: وهذا حقّ حقيقة الوجود؛ لأنّها ظاهرة بذاتها ومُظهرة لغيرها، وهذا هو القدر المشترك بين جميع مراتب النور المعنوي أيضاً، من الظلّ وظلّ الظلّ، والضّوء وضوء الضّوء إلى نور الأنوار، والنيّر الحقيقي: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ([2]).

فمراتب الوجود، من الحقائق والرقائق والأمثلة والأرواح والأشباح والأشعة والأظلّة، كلّها أنوار بحقيقة النّورية لتحقّق هذا المعنى فيها؛ لأنّ حقيقة الوجود ظاهرة بذاتها، ومُظهرة بها جميع الماهيّات والأعيان الثّابتات التي بذاتها لا موجودة ولا معدومة، ولا نورانيّة ولا ظلمانية، بل الماهيّة من حيث هي.

قال الحكماء([3]): إذا سُئل بطرفي النّقيض فالجواب السّلب لجميع الأطراف.

[بيان فروق كثيرة بين النّورين الحسّي و المعنوي]

ثمّ بين  النورين الحسّي الظاهري العرضّي والمعنويّ الوجوديّ الحقيقي الذّاتي فروق كثيرة، كما قال صدر المتألّهين+([4]) وغيره من الحكماء:

منها: أنّ النور الحسّى العرضيّ ـ كنور الشّمس مثلاً ـ قائم بغيره، ونور الوجود قائم بذاته.

ومنها: أنّ النور الحسّي يجري على ظواهر السّطوح والألوان المبصـرة، ونور الوجود وسع كلَّ شيء من المعقولات والمحسوسات، من المبصـرات والمسموعات والمذوقات والمشمومات والملموسات والمتخيّلات والموهومات، وما وراء الحسّ والعقل.

ومنها: أنّ النور الحسّي انبسط على ظاهر الألوان، ونور الوجود نفذ في أعماق المستنيرات وبواطنها، حتّى لم يبق من المستنير سوى الاسم.

ومنها: أنّ النور الحسّي لا شعور له، وأنوار الوجود كلّها أحياء، بعضها بالحياة العامّ، وبعضها بالحياة الخاصّ، وبعضها بالحياة الأخصّ؛ إذ الحياة ثلاثة أقسام:

[بيان ثلاثة اقسام للحياة اولها الحياة العام]

الأوّل: وهو الحياة العامّ، وهي التي في جميع الموجودات، من الدرّة إلى الذرّة، هي نحو وجود الأشياء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ([5])؛ إذ التسبيح فرع الشعور والحياة، ومن الأشياء: الجماد والنبات، ولو لم تكن حيّة لما تسبّح بحمده تعالى، ولكنّها حيّة بالحياة العامّ.

[ثانيها الحياة الخاصّ]

الثاني: وهو الحياة الخاصّ، هي التي مبدء الدّرك والفعل، أدناها حياة الخراطين، وأعلاها هي الحياة الواجبه بذاتها.

[ثالثها الحياة الأخصّ ]

الثالث: وهو الحياة الأخصّ، الّتي تختصّ بأهل  العلم والعرفان والإيمان بالله، وإلى هذا هي أشار أمير المؤمنين× بقوله: «النّاس موتى وأهل العلم أحياء»([6])، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ([7]).

والمقتول هاهنا أعمّ من المقتول الاضطراريّ كما في الشّهداء، والمقتول الاختياري كما في العلماء المجاهدين الذين قتلوا أنفسهم بالرّياضات والمجاهدات، وارتكاب الأعمال الشاقّة والمخالفة مع نفوسهم، كما قال الله تعالى: ﴿اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ([8])  ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ([9]).

يتبع…

____________________

([1]) الأنوار اللامعة (السيد عبد الله الشبّر): 106. مجمع البحرين 3: 504، مادة «نور».

([2]) النور: 35.

([3]) انظر: الحكمة المتعالية 3: 288.

([4]) شرح الأسماء الحسنى 1: 88.

([5]) الإسراء: 44.

([6]) ديوان الإمام علي: 5.

([7]) آل عمران: 169.

([8]) النساء: 66.

([9]) البقرة: 54.

الكاتب المولى عبد الأعلى السبزواري

المولى عبد الأعلى السبزواري

مواضيع متعلقة