شرح دعاء كميل (11)
﴿وَبِاَسْمائِكَ الّتَي مَلَأَتْ اَرْكانَ كُلِّ َشيءٍ﴾
الأسماء: جمع اسم.
قال الجوهري: «الإسم مشتق من سَموتُ؛ لأنّه تنويهٌ ورفعةٌ. وتقديره([1]): اِفعٌ، والذّاهب منه الواو؛ لأنّ جمعه أسماء، وتصغيره: سُمّي»([2]).
وقال بعض الكوفيّين: «أصله وسم؛ لأنّه من الوسم وهو العلامة، فحذفت الواو وهي فاء الكلمة، وعوّض عنها الهمزة، فوزنه: اعْلٌ»([3]). واستضعفه المحقّقون.
[ اسم الذات]
أقول: الاسم ما أنبأ عن المسمّى،إن كان المسمّى هو الذّات لا بشرط شيء فهو اسم للذّات، كلفظ الجلالة، فإنّه اسم الذات الواجب الوجود، المستجمع لجميع صفات الكمالات، من دون تعيين صفة من الصفات، وملاحظة تعيّن من التعيّنات معها.
[ أسماء الصّفات]
وإن كان المسمّى هو الذّات ولكن بشرط شيء، وبعبارة اُخرى: ملحوظة بتعيّن من التعيّنات النورية، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها، فهو اسم الصفة، كالعالم والقادر والمريد والحي،إلى آخر أسماء الصفات.
[أقسام ثلاثة لأسماء الله تعالى]
وعن بعض أهل التحقيق، قال:«الأسماء بالنسبة إلى ذاته المقدّسة على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يمنع إطلاقه عليه تعالى، وذلك كلّ اسم يدلّ على معنىً، يحيل العقل نسبتهإلى ذاته الشريفة، كالأسماء الدالة على الأمور الجسمانيّة،أو ما هو مشتمل على النقص والحاجة.
الثاني: ما يجوز عقلاًإطلاقه عليه تعالى، وورد في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة تسميته تعالى به، فذلك لا حرج في تسميته به، بل يجب امتثال الأمر الشرعي في كيفيّة إطلاقه بحسب الأحوال والأوقات والتعبّدات،إمّا وجوباًأو ندباً.
الثالث: ما يجوز إطلاقه عليه ولكن لم يرد ذلك في الكتاب والسنّة، كالجوهر، فإنّ أحد معانيه كون الشّيء قائماً بذاته، غير مفتقر إلى غيره، وهذا المعنى ثابت له تعالى، فيجوز تسميته به؛إذ لا مانع في العقل من ذلك، لكنّه ليس من الأدب؛ لأنّه وإن كان جائزاً عقلاً ولم يمنع منه مانع، لكنّه جاز أن لا يناسبه من جهة اُخرى لا نعلمها؛إذ العقل لم يطّلع على كافّة ما يمكن أن يكون معلوماً، فإنّ كثيراً من الأشياء لا نعلمها إجمالاً ولا تفصيلاً، وإذا جاز عدم المناسبة ولا ضرورة داعيةإلى التسمية، فيجب الامتناع من جميع ما لم يرد به نصّ شرعيّ من الأسماء.
وهذا معنى قول العلماء: «إنّ أسماء الله تعالى توقيفية»([4])، يعني موقوفة على النصّ والإذن في الإطلاق.
[أقسام أربعة لأسمائه تعالى]
إذا تقرّر هذا، فاعلم أنّ أسمائه تعالى إمّا أن تدلّ على الذات فقط من غير اعتبار أمر،أو مع اعتبار أمر، وذلك الأمر إمّا إضافة ذهنية فقط،أو سلب فقط،أو إضافة وسلب. فالاقسام أربعة:
[ الأول: اسم الذات فقط]
فالأوّل: ما يدلّ على الذّات فقط، وهو لفظ «الله»، فإنّه اسم للذّات الموصوفة بجميع الكمالات الرّبانية، المنفردة بالوجود الحقيقي، فإنّ كلّ موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، بلإنّما استفاده من الغير. ويقرب من هذا الاسم لفظ «الحقّ»،إذا اُريد به الذّات من حيث هي واجبة الوجود، فإنّ «الحقّ» يُراد به: دائم الثبوت، والواجب ثابت دائماً غير قابل للعدم والفناء، فهو حقّ، بل هو أحقّ من كلّ حقّ.
[الثاني: أسماء الذات مع إضافة ]
الثّاني: ما يدلّ على الذّات مع إضافة كـ«القادر»، فإنّه بالإضافة إلى مقدور تعلّقت به القدرة بالتّأثير. و«العالم» فإنّه أيضاً اسم للذّات، باعتبار انكشاف الأشياء لها، و«الخالق» فإنّه اسم للذّات باعتبار تقدير الأشياء، و«البارئ» فإنّه اسم للذّات باعتبار اختراعها وايجادها، و«المصوّر» باعتبار أنّه مرتّب صور المخترعات أحسن ترتيب، و«الكريم» فإنّه اسم للذّات باعتبار إعطاء السؤلات، والعفو عن السّيئات.
و«العلي» اسم للذّات باعتبار أنّه فوق سائر الذّوات، و«العظيم» فإنّه اسم للذات باعتبار تجاوزها حدّ الإدراكات الحسيّة والعقليّة، و«الأوّل» باعتبار سبقه على الموجودات، و«الآخر» باعتبار صيرورة الموجودات إليه، و«الظّاهر» هو اسم للذّات باعتبار دلالة العقل على وجودها دلالة بيّنة واضحة، و«الباطن» فإنّه اسم بالإضافة إلى عدم إدراك الحسّ والوهم،إلى غير ذلك من الأسماء.
[الثالث: أسماء الذات باعتبار سلب الغير عنه]
الثالث: ما يدلّ على الذّات باعتبار سلب الغير عنه، كـ«الواحد» باعتبار سلب النظير والشريك، و«الفرد» باعتبار سلب القسمة والبعضيّة، و«الغنّى» باعتبار سلب الحاجة، و«القديم» باعتبار سلب العدم، و«السّلام» باعتبار سلب العيوب والنقايص، و«القدّوس» باعتبار سلب ما يخطر بالبال عنه،إلى غير ذلك.
[الرابع: اسماء الذات مع الإضافة و السلب]
الرابع: باعتبار الإضافة والسّلب معاً، كـ«الحيّ»، فإنّه المدرك الفعّال الذي لا تلحقه الآفات، و«الواسع» باعتبار سعة علمه وعدم فوت شيء منه، و«العزيز» وهو الّذي لا نظير له وهو ممّا يصعب إدراكه والوصول اليه، و«الرّحيم» وهو اسم للذّات باعتبار شمول رحمته لخلقه وعنايته بهم وإرادته لهم الخيرات، إلى غير ذلك»([5]) انتهى.
يتبع…
____________________________
([2]) الصحاح 6: 2383، مادة «سما».
([3]) انظر: المصباح المنير 1: 290، مادة «سما».
([4]) انظر: الرسالة السعدية (العلامة الحلي): 46. بحار الأنوار 58: 101.
([5]) انظر: مجمع البحرين 1: 224 ـ 226.