شرح دعاء الصباح 16- القسم الثاني
وثاني الموضعين: كيفيّة ربط كليّة العالم الحادث إلى القديم تعالى شأنه، وهذا هو الموصوف «بالدّاء العياء»، وهو يتوجّه ويرد على المتكلّم القائل بانقطاع الفيض، وبالزّمان الموهوم، لا على الحكيم القائل بعدم انقطاع الفيض، لكنّ المستفيض منقطع، وأنّ نور الله تعالى ليس بآفِل، إنّما المُستنير داثر زائل، وأنّ الجواد لا يمسك، بل هو «باسط اليدين بالعطيّة»، إنّما المُستجاد نافد بائد.
اعلم أنّ القول بالحدُوث قول فحل ورأي جزلٌ هو قائد العقول ودليلهم على الله تعالى، لا سيّما القائل بأنّ مَناط الحاجة إلى العلّة هو الحدوث، ولكن بشرط ألّا يصير القائل مُستحقّاً لأن يُقال فيه:
حَفِظتَ شَيئاً وَغابت عَنكَ أشياءٌ([1])
وألّا يصل عثير الحدوث من مُثيره إلى ذيل جلال مُنيره، فيجمع ـ كما أشرنا إليه ـ بين حدوث المُستفيضات وعدم انقطاع فيض الله تعالى.
وبالجملة، الحقُّ ـ عمّ نواله، ودام إفضاله وصفاته من جوده وتكلّمه، وجميع ما من صقعه ـ قديمٌ، والخلقُ وما من ناحيته حادثٌ داثر: ﴿كُلُّ شَيْء هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ﴾([2])، ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللهِ باق﴾([3]).
وهذا التّوفيق إنّما يوفَّق له من يقول بالحدوث الدّهري الّذي هو مسبوقيّة وجود العالم([4]) بالعدم الواقعيّ الذّي في السّلسلة الطوليّة النزوليّة الّتي أوعية وجودها الدّهر لا «العدم الّذاتي» فقط. وهذا هو مذهب السيّد المحقق الدّاماد (بوّأه الله تعالى في أعلى علّيين)، وقد شرحناه في شرح الأسماء وغيره عند شرح اسمه تعالى: «القديم» فليَرْجعْ إليه من أراد، أو يقول بالحدوث الزّماني، والتجدّد الّذاتي بناءٌ على سيلان الطبيعة في الكلّ ذاتاً وصفةً، وأنّ الحادث حوادث والعالَم عوالم، كلّ منها محفوف بالعدمين السّابق واللّاحق، وهو مذهب صدر المتألّهين (قدّس الله تعالى نفسه، وروّح رمسه).
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّه هكذا جرت سنّة الله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبديلاً﴾([5]). فلابدّ للحادثين السّائرين إلى الله تعالى، الطالبين له مِنْ جالس بين الحدّين ذي حظّ من الجانبين، ومسافر من الخَلقِ إلى الحقّ، ثمّ في الحقّ، أي التخلّق بأخلاق الله خُلقاً بعد خُلق، ثمّ من الحقّ إلى الخلق ليقودهم إليه ويدلّهم عليه، فليكنُ بباطنه عقل الكلّ؛ ليتأزَر بإزار الجبروت، ويتردّى برداء اللّاهوت، ويستمدّ من القوّة الربّانيّة، ويُعطي الحوادث الكيانيّة. وقد ذكرنا أنّ العقول في سلسلة العائدات بإزاء العقول في سلسلة الباديات ﴿كَما بَدَأكُم تَعوُدُونَ﴾([6]) «نَحنُ السّابِقُونَ([7]) اللاحقون»([8]). وبظاهره إنساناً طبيعيّاً لحميّاً: ﴿إن نَحنُ إلّا بَشرُ مِثلكُم﴾([9])، ﴿وَلو جَعَلناهُ مَلَكاً لَجَعَلناهُ رَجُلاً ولَلَبسنا عَليهِ ما يَلْبِسوُنَ﴾([10])، ونِعْمَ ما قيل: «در بشر روپوش آمد آفتاب»([11]). فباعتبار صورته يجانسك أيّها الإنسان البشري، وباعتبار معناه يوصلك إلى أصلك المَنْسي المذهول عنه، يا آدم الترابي! ولولاه، فكما قيل:
| دوست كجا وتو كجا اى دغل دوست كجا وتو كجا اى عنود |
نور ازل را چه به «بلْ هُمْ أضَلّ» مُرده چه باشد بَرِحيّ ودود([12]) |
وقال السان الغيب:
| قطع اين مرحله بي همرهي خضرمكن | ظلماً تَست بترس از خطر گمراهى([13]) |
وقال المولوي المعنوي:
| گفت پيغمبر على راكاى على ليك بر شيري مكن تو اعتميد |
شير حقّى پلهواني پُردلى واندرا در سايه نخل اميد([14]) |
فلذلك بعد التّثنية لله([15]) عزّ وجلّ شرع في التّصلية على محمّد وآله أحكم الرّوابط، وأوثَق العُرا، وأطول الحِبال لله المتعال.
تنويرٌ وَتشعيلٌ لِتأويلِ الدّليلِ
كما أنّ له| دلالة على الله تعالى بكلماته العليّة دلالةً لفظيّةً، كذلك له بوجوده السّنيّ ذاتاً وصفةً وفعلاً دلالةٌ عقليّة على ذاته وصفته وفعله تعالى، كما قال|: «مَن رَآني فَقَد رَأىَ الحَقَّ»([16]).
وقال عليُّ (صلوات الله وسلامه عليه): «مَعرِفَتي بِالنُّورانِيّةِ مَعرِفَةُ([17]) الله»([18]).
وهذه الدلالة في ليل تعيّنه البشرى، وظلمة الكثرة، وغسق الإمكان.
استِشهادٌ مِن خُطَب عَلَويَّة لإنِارَةِ لَيلِ زَمانِ الجاهِلِيّةِ
قال× في بعض خطب نهج البلاغة: «بَعَثَ الله سُبحانَهُ مُحمداً| لإنِجازِ عِدَتِهِ، وإتمامِ نُبُوَّتِهِ، مأخُوذاً عَلَى النَّبيّينَ مِيثاقُهُ، مَشهُورَةً سِماتُهُ، كَرِيماً مِيلادُهُ، وَأهلُ الأرضِ يومَئذٍ مِلَلٌ مُتفَرِّقَةٌ، وَأهواءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرائِقُ مَتَشَتِّتةٌ، بَينَ مُشَبِّه لله بِخَلقِهِ، أو مُلحِد في اسْمِهِ، أو مُشير إلى غيِرِه، فهداهُم بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وَأنْقَذَهُم بِمكانِهِ مِنَ الجَهالَة»([19]).
وقال في خطبة أُخرى منه بعد الحمد والشّهادة بالتّوحيد: «وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، أرسَلَهُ بِالدِّينِ المَشهُورِ، وَالعَلَمِ المَأثُورِ، والكِتابِ المَسطُور، والنُّورِ السّاطِعِ، والضِّياء اللّامِعِ، وَالأمرِ الصّادع؛ إزاحَةً لِلشُّبَهاتِ، وَاحْتِجاجاً بِالبيِّناتِ، وَتَحذيراً بِالآياتِ، وَتخوِيفاً لِلمَثُلاتِ، وَالنّاسُ في فِتَن انجذَمَ فيِها حَبلُ الدِّين، وَتَزَعْزَعَتْ سَوارِي اليقيِنِ، وَاختَلَفَ النَّجْرُ، وَتَشَتَّتَ الأمْرُ، وَضاقَ المخْرَجُ، وَعَمِي المَصْدَرُ. فَاْلهُدى خامِلٌ، والعَمى شامِلٌ، عُصِي الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشّيطانُ، وَخُذِلَ الإيمانُ، فَانْهارَتْ دَعائمُهُ، وتَنَكَّرَتْ مَعالمهُ، ودَرسَتْ سُبُلُهُ، وعَفَتْ شُرُكُهُ. أطاعُوا الشَّيطانَ فَسَلكُوا مَسالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَناهِلَهُ، بِهم سارَت أعلامُهُ، وَقامَ لوائه، في فتن داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهُون حائروُنَ جاهِلُونَ مفتُونُونَ، في خَيرِ دار، وَشَرِّ جِيران، نَومُهُمْ سُهُودٌ، وكُحلُهُم دُمُوعٌ بأرْض عالِمُها مُلجَمٌ، وَجاهِلُها مُكْرَمٌ»([20]).
قوله×: «والعَلَمُ المأثور»: معجزات النبيّ|. والمتكلّمون يسمّون المعجزات «أعلاماً». و«العَلَمُ» ما يهتدى به. و«الصّادع»: الظاهر الجلّي. قال تعالى: ﴿فَاصْدَعُ بِما تُؤمَر﴾([21]). و«المَثُلات» بفتحة فضمّة: العقوبات، جمع «مثلة» قال تعالى: ﴿وَقَد خَلَتْ مِن قَبلِهمُ المَثُلاتُ﴾([22]). و«انجذم»: انقطع. و«السّواري» جمع السّارية: أيّ الدّعامة. و«النجر»: الأصل ومنه «النّجار». و«انهارتْ»: تساقطت. و«الشُّرُك» جمع الشَّراك: الطرائق. و«الأخفاف» للإبل و«الأظلاف» للبقر، والمَعْز. و«خير دار»: مكّة. و«شرّ جيران»: قريش. وهذا كلام النبيّ| قال: «كُنتُ في خَيرِ دار وَشَرِّ جِيران»([23]). و«نومهم سهود»، مثل أن يقال: جُودُهم بُخْل» و«خيرهم شرّ»، أي لو استماحهم محمّد| النّوم لجادوا عليه بالسّهود عِوضاً له، وقِس عليه الآخر، فيجازون الإحسان بالإساءة. وهذا نظير ما في علم البديع من الاستثناء عن المدح بما يشبه الذّمّ أو بالعكس، أو من القول بالموجب كقوله:
|
وَإخْوانٌ حَسِبتَهُمُ دُرُوعاً وَخِلتَهُمُ سِهاماً صائبات |
فَكانُوها وَلِكنْ لِلأعادِي([24]) فَكانُوها وَلِكن في فُؤادِي
|
____________________________
([1]) الحكمة المتعالية 2: 258. شرح الأسماء الحسنى 2: 31.
وبعدهما:
| وَقالُوا قَد صَفَتْ مِنّا قُلُوبٌ |
فَقَد صَدَقُوا وَلِكن عَن ودادي([25])
و«عالِمُها مُلجَم» أي خوفاً.
_________________________
([1]) أوائل المقالات: 266. عمدة القاري 3: 79.
([4]) الدّهر وعاء الثابتات، والعالم إنسان كبير واحد ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، إلّا إنّه إذا شرحته كان مجموع العالم الطبيعيّ الذي هو إبداعي؛ لأنّ المجموع المأخوذ من المادّي ومادته، والزّماني وزمانه، والمكاني ومكانه ـ وهكذا ـ لا مادّة له ولا زمان ولا مكان ولا جهة ولا وضع له واقعاً في الدّهر الأيسر الأسفل لكنّه مسبوق بالدّهر الأيسر الأعلى، وهو وعاء عالم المثال، والكلّ مسبوق بالدّهر الأيمن الأسفل والأعلى اللذين هما وعاء النّفوس والعقول الكليّتين.
ثمّ إنّ العدم ليس أمر يحاذيه كالوجود والموجود، إلّا إنّ له منشأ انتزاع وارتسام في الذهن، وكما أن المجودات في السّلسلة العرضيّة كلّ دورة ولوازمها راسم عدم لتاليها في الذّهن إلّا إن وجودها وعدمها كليهما زمانيّان. كذلك كلّ عالم من العوالم الطوليّة راسم عدم لتاليها. وكما أنّ الأعدام المقابلة للوجودات هنا واقعيّ، كذلك هناك؛ وذلك لأنّ الوجودات الرّاسمة لها واقعيّة في كلتا السلسلتين بخلاف العدم الغير المقابل الذي يقال له: «العدم المجامع» كـ«ليسية الماهية» في مرتبة ذاتها مع كونها محفوفة بالوجود. وليس هذا «سبقاً عليّاً» كما ظنّ؛ لأنّ هذا سبق «انفكاكي، انسلاخيّ» بخلاف «السّبق العلّيّ»؛ لأنّه السّبق في المرتبة العقليّة، كسبق حركة اليد على حركة المفتاح، فليس إلّا حكم العقل بتخلّل «الفاء».
وأيضاً، هذا السبق الدّهريّ حاصل، ولو لم نقل بالعلّية فيما بين هذه العوالم، كما لا يقول الأشعريّ بالعليّة مطلقاً.
وأيضاً، الحدوث ليس إلّا المسبوقيّة للوجود بالعدم، فإن كان بالعدم «المجامع» كان حدوثاً ذاتيّاً، وإن كان بالعدم «المقابل الزّماني» كان حدوثاً زمانياً، وإن كان بالعدم «المقابل الدهري» كان حدوثاً دهريّاً. ولو فسّر بالمسبوقية بالغير، واُريد من الغير: العلّة فباعتبار العدم اللاّزم للمعلول وإلّا فالحدوث مطلقاً هو الوجود بعد العدم، كما أنّ البقاء هو الوجود بعد الوجود. فهذا إجمال من تفصيل في هذا المقام. منه.
([7]) أي السّابقون دهراً، اللاّحقون زماناً ولو كان بحسب الكينونة العقليّة الصاعدة؛ لأنّ وعاء العقول بما هي عقولٌ بسيطةٌ هو الدّهر، كما أنّ وعاء الأبدان الطبيعيّة السيّالة هو الزّمان.
وجهٌ آخر: نحن السابقون زماناً بما نحن عقول مضافة متجلببة بجلابيب الأبدان علهيا بما هي متجلببة بأبدان لها خصوصيّات أُخرى بنا؛ وذلك باعتبار الولاية الكبرى المطلقة، وكليّة وجودهم، وجامعيّة وحدتهم كما هو مدلول قوله تعالى: «وإن من شيعته لإبراهيم»، وقول النبي|: «ولو كان موسى حيّاً، ما وسعه إلاّ اتّباعي» و«آدمُ من دونه تحت لوائي يوم القيامة» وأخبار اُخرى. منه.
([8]) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 9: 351.
([11]) الحكمة المتعالية 3: 313. شرح الأسماء الحسنى 2: 30.
([12]) الحكمة المتعالية 7: 275. شرح الأسماء الحسنى 2: 31.
([14]) الحكمة المتعالية 2: 258. شرح الأسماء الحسنى 2: 31.
([15]) الصحيح أن يقال: «الثناء على الله…» لا التثنية له، لكنه& اختارها للتقابل مع «التصلية».
([16]) صحيح البخاري 8: 72. صحيح مسلم 7: 54.
([17]) قد شرحتُ هذا الحديث النّورانيّ في رسالة على حدة إجابةً لاستدعاء بعض الأحبّاء، من شاء فليطالعها. منه.
([18]) الحكمة المتعالية 2: 260. بحار الأنوار 26: 1.
([20]) نهج البلاغة /الخطبة: 2.
([24]) طبقات المفسرين: 70، تاريخ الإسلام 32: 271، لسان الميزان 4: 249.