شرح دعاء الصباح 16- القسم الأول
(16) ﴿صَلَّ اللهمَّ عَلَى الدَّليلِ إليكَ في اللَّيلِ الأَليَلِ﴾
تقديم «الصّلاة» لمزيد الاهتمام بشأنها؛ فإنّ البلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال([1])، ومقتضيات الأحوال مختلفة، فلفظ الجلالة وإن كان في نفسه يقتضي التقديم بالّذكر، إلّا إنّ المقام اقتضى زيادة الاهتمام بالصّلاة على وسائط فيض الله ـ دام فيضه ـ فقدّمت عليه. و[آثر]([2]) من بين أوصافه| وصف الدلالة؛ ليناسب مقام الاعتصام، وليشعر مفهوم الوصف بالعليّة.
وتوصيف «اللّيل» بـ«الأليل» للمبالغة، كقولهم: «ظلّ ظليل»، و«عرب عرباء»، و«داهية دهياء»، ونحوها. واستعير الليل استعارة تحقيقيّة لظلمة الكفر، ورسوم الجاهليّة؛ فإنّه| بُعِثَ على حين فترة من الرّسل، وانطواء بساط الاجتهاد من العقل النظري([3]) والعقل العملي، واندراس الحكمة، وانطماس المعرفة.
والتعبير عنها «باللّيل الأليل» كتعبير صاحب الدّعاء (عليه آلاف التحيّة والثناء) في بعض خطبه الشريفة «بالظلمة» وهو قوله×: «بِنَا اهتديتُم في الظّلماء، وَتسَنَّمتُمُ [ذِروة] العلياء، وَبنا أفْجَرتُم عَنِ السِّرار»([4]).
وقوله (صلوات الله عليه): «تسنمتم [ذِروة] العلياء»: رَكبِتم سنامَها. «أفجرتم»: صرتم ذوي فجر([5])، من باب «أغدّ البعير» أي صار ذا غُدّة. و«السّرار» الليلتان اللّتان يُستر فيهما القمر في آخر الشهر، وهما من ليالي المَحاق، ومنه قول الشاعر([6]):
| لِلبدَرِ مِنهُ ائتلاقُ الوجهِ منِ لَهب | وَلِلسّرِارِ انْمِحاقُ الخِصر مِن هيف([7]) |
وترك العطف في «صلّ»؛ لكمال الانقطاع بين الجملتين، المقتضي للفصل.
ثمّ لما كانت الطريقة الأقوم، والوتيرة الأجمل الأتمّ في عرض الحاجة لدى الغنيّ المغني الأكرم الأجود الأعظم أن يُمجَّد أوّلاً علُّو شأنه، ويُبجَّل سُمُوّ مكانه، وبعد إجراء شطر من الفضائل عليه وإهداء شكر عِظة من الفواضل لديه، فليتوسّل بذيل أكرم أحبّائه ومُقرَّبيه، وأفضل أودّائه ومُجاوريه؛ ليقع عرضه مَوقَعَ القبول، ويظفر بنيل المأمول، اشتغل× بذكر طائفة من جمائله وفضائله بالصّلاة على أكرم وسائله، وأشرف قوّاده ودلائله، محمّد وآله. هذا على وفق السّيرة الفاضلة، والسنّة العادلة، والعادة الجيّدة الكاملة، وأمّا بحسب العقل، فليعلم أن لا ربط للحادث بالقديم إلّا بواسطة، وللممكن بالواجب إلّا برابطة برزخيّة ذات حظٍّ من الجانبين، متمكّنة في الحدّ المشترك بين الطّرفين. ومن ثمّ اشتهرت كيفيّة ربط المعلول الحادث بالعلّة القديمة «بالدّاء العياء»؛ لأنّها أعيتْ عقول العقلاء المتفكّرين حيث إنّه لا يجوز تخلّف المعلول([8]) عن العلّة التامّة خصوصاً المبدأ التامّ الغنيّ الذي لا يحتاج إلى معاون، أو آلة، أو مُعدٍّ، أو شرط حتّى انتظار وقت، أو نحو ذلك.
والإشكال في موضعين:
أحدهما: ربط الحوادث اليوميّة، وهذا يتوجّه على الحكيم([9]) والمتكلّم كليهما. وكيفيّة ربطها بالقديم تعالى شأنه أنّ الحركة المستديرة الفلكيّة أقدم وأبقى وأدوم من الحركات المستقيمة، والكائنات العنصريّة. وتلك الحركة الفلكية كسائر الحركات المستقيمة تنشعب إلى حركة بمعنى القطع، وإلى حركة بمعنى التوسّط. وقد حقّق في موضعه أنّ «القطع» أمر ممتّد منقسم، راسم للزّمان، و«التوسّط» أمرٌ بسيط محفوظ دائم في جميع حدود الحركة، ثابت بذاته، إنّما التغيّر في نسبته إلى حدود المسافة، وهو بإزاء الآن السيّال. فعلّة كلّ حادث في عالَم الكون مجموع أمرين:
أصل ثابت قديم وهو قدرة الله ونور الله وكلمة الله وأمر الله:
عِباراتُنا شَتّى وَحُسنُك واحِدٌ([10])
وشيء حادث جديد شيئاً فشيئاً، هو جزء من تلك الحركة القطعيّة، هو شرط تأثير ذلك الأصل القديم، فبذلك الجزء يسند إليه الحادث الكوني.
وأمّا إسناد نفس الحركة إلى الله تعالى، فباعتبار جنبة التوسّط؛ لأنّ الثابت منسوب إلى الثابت كما أنّ الحادث منسوب إلى الحادث. هذا عند أكثر الحكماء، وعند بعض محقّقيهم كيفيّة الربط بأنّ الطبيعة الفلكيّة متجدّدة ذاتاً بنحو تجدّد الأمثال. ولها وجه عقليّ بسيط دائم عند الله، فهي باعتبار مراتبها المتجدّدة مسند إليها للحوادث الكونيّة، وباعتبار وجهها العقلي البسيط الدّائم، ومثالها النوريّ القائم، مستندةٌ إلى الحقّ القديم.
يتبع…
____________________________________
([1]) الإيضاح في العلوم البلاغة: 13، الخلاصة في علوم البلاغة: 2.
([2]) في النسخة الحجرية: «أوثر»، وما أثبتناه هو المطابق لسياقات الصرف العربي في قلب الهمزة.
([3]) فإنّ شرّ القرون قرن طوي فيه بساط الاجتهاد في المعارف الإلهية، وخيرها ما بسط فيه ذلك، كما قال الحضرة الختميّة|: «خير القرون قرني». منه.
([4]) نهج البلاغة /الخطبة: 4، عيون الحكم والمواعظ: 196.
([5]) قال إبن أبي الحديد: «أي دخلتم في الفجر». شرح نهج البلاغة1: 207.
([6]) ائتلق وتألق: التمع. و«الخصر»: وسط الإنسان. و«الهيف» فيه: الدقّة. والمعنى أنّ البدر مكتسب من لهب وجهه الالتماع والسرار، مستعير من استتار خصره الانمحاق. وفيه مبالغة في دقّة خصره. منه.
([7]) شرح الأسماء الحسنى 2: 29.
([8]) إذ مع جواز التخلّف كيف يحكم عليها بكونها علّة تامّة بالفعل، وعليه بكونه معلولاً؟ فأقلّ ما يعتبر في الحكم المصادفة والموافاة مع أنّها حاصلة في المصاحبة الاتّفاقية. وفي العليّة يعتبر اللّزوم ولا يتفاوت المحاليّة بتبديل التخلّف بالتخليف كما فعل البعض؛ إذ المقدوريّة مشروطة بالإمكان. منه.
([9]) لأنّ الحكيم المحقّق كما يقول بأصل القدرة لله، يقول بعموم القدرة، وأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله، وأنّ لغيره ليس إلّا الإعداد ووساطة الفيض. ولو أطلق الفاعل على غيره تعالى كان فاعلاً طبيعياً، أي مبدأ الحركة التي هي أمر بين صرافة القوّة ومحوضة الفعل، لا فاعلاً إلهيّاً، أي مبدأ الوجود والفعليّة. والأشعري يقول: الحوادث ذواتها وأفعالها جميعاً أفعال الله، وليس للعبد في أفعاله إلّا مجلويّة فعل الله، وليس له القدرة المؤثّرة. وأمّا المعتزليّ، فهو وإن قال بخالقية العبد لأعماله إلّا إنّ ذات العبد خلقه الله تعالى وهو حادث. وأما الإماميّة فيقولون بالأمر بين الأمرين، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. منه.
([10]) صدر بيت مجهول قائله، وعجزه: وكل إلى ذاك الجمال يشيرُ. شرح المواقف 8: 94، تفسير الآلوسي 12: 169.