شرح دعاء كميل (2)

img

﴿اِنّي

أثبت السّائل لنفسه الإنيّة، إشعاراً بأنّه ممسوس في إنيّة الإنيّات، كما ورد: «إنّ عليّاً ممسوس في الله»([1])، أو إشارة بأنّه ممسوس بالوجود، والوجود إشراق الله تعالى: ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ([2]).

وهذا الامتساس من أعظم النّعماء التي أنعمه الله بها، فحدّث بهذه النّعمة العظمى، والمنّة القصوى، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ([3]).

هذا، وإن كان إثبات الانيّة للنّفس من أعظم الخطايا عند أصحاب الحقيقة وأرباب العيان، كما قيل:

[إذا قلتُ ما أذنبتْ قالت مجيبة]

وجودك ذنب لا يقاس به ذنب([4])

وقيل:

    بيني وبينك إنّي ينازعنــي                       فارفع بلطفك إن مـــن البين([5])

إلّا أنّه من باب: «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»([6]).

وبالإضافة وتوضيح المقام: أنّه لما كان المقام مقام التضرّع  والإبتهال ـ كما قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ([7]) وقال ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ([8]) ـ أشار السّائل إلى أنّه في أسئلته و دعواته ليس ممّن كتم ما أنعمه المنعم وتكدّى في ازدياد النعمة ضنّة([9]) ووَلعاً وإمساكاً وهَلَعاً، بل اعترف في أوّل الأمر وابتداء الحال بأنّه من السمتغرقين في آلائه تعالى، ومن المستخلعين بخلعه الفاخرة، من الوجود والحياة والقدرة والعلم والعرفان، وغيرها من لواحق الوجود التي دارت معه حيثما دار، كما قيل:

نور او از يُمن ويسر وتحت وفوق بر سر و برگردنم افکنده طوق([10])

كمن لبس ثياب الخلعة، وقام عند منعمه تعظيماً لإكرامه، وحامداً لإنعامه، قائلاً بلسان حاله الذي هو أفصح من لسان مقاله، بل أصدق منه: ربّ «لا اُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»([11]).

گر به هر موئي زبانی باشدم شکر يک نعمت نگويم از هزار

و بالجملة: ففي أمثال هذا المقام إن أثبت السّائلون لنفوسهم الإنيّة فعلى ضرب من المجاز؛ لأنّه ـ كما حقّق في موضعه ـ شيئيّة الشيء كانت بصورته وتمامه، وتماميّته بفاعله وعلّته، كما قال الحكماء: «نسبة الشّيء إلى فاعله بالوجوب والوجدان، وإلى قابله بالامكان والفقدان»([12]).

ومن المعلوم أنّ فوق التمام وعلّة العلل وفاعل الفواعل هو الحقّ الأوّل الجاعل تعالى شأنه، فالإشارة إلى النّفس في الحقيقة إشارة إلى مقوّمها، سواء كان المشير من ذوي الاستشعار بهذا أم لا.

تو دير بزي که من برفتم زميان گر «من» گويم ز من توئی مقصود

 ولهذا قال معلّم هذا الدعاء×: «معرفتي بالنورانيّة معرفة الله عزّ وجلّ»([13]).

 وقال‘: «من رآني فقد رأى الحقّ»([14]).

ففي الحقيقة هو تعالى كان سائلاً ومسئولاً وذاكراً ومذكوراً، كما قال الشّاعر:

لقد كنت دهراً قبل أن يكشف الغطاء
فلمّا أضاء اللّيل أصبحت عارفاً
أخالُك أنّي ذاكر لك شاكرُ
بأنّك مذكور وذكرٌ وذاكرُ([15])

فإذا كشف عنك غطاؤك وحُدّد بصرك، تُصدّق بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا أنزل اللُه بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾([16]) تصديقاً شهودياً.

يتبع…

_______________________________________

([1]) مناقب آل أبي طالب 3: 21، وفيه: «لا تسبوا علياً فإنه ممسوس في ذات الله». بحار الأنوار 39: 313/ 5 و 107: 31/ 3، وفيهما: «ذات الله».

([2]) النور: 35.

([3]) الضحى: 11.

([4]) انظر: تفسير ابن عربي 1: 116. شرح فصوص الحكم (للقيصري): 659، وفيه: «فقلت» بدل «إذا قلت».

([5]) ديوان الحلّاج: 160.

([6]) كشف الغمه 3: 47 ـ 48. بحار الأنوار 25: 205/ 16.

([7]) الأعراف: 55.

([8]) الأعراف: 205.

([9]) ضنّ بالشيء  يضنّ، من باب تعب،  ضنّاً وضنّةً  بالكسر وضنانةً  بالفتح: بخل، فهو ضنين. المصباح المنير 2: 365.

([10]) انظر: شرح مثنوي (للسبزواري) 1: 28، وفيه: «بر سر و بر گردنم چون تاج و طوق».

([11]) مصباح الشريعة: 56.

([12]) شرح الأسماء الحسنى (حاج ملا هادي السبزواري) 2: 7.

([13]) بحار الأنوار 26: 1/ 1.

([14]) صحيح البخاري 8: 72.

([15]) نُسب هذان البيتان للقيصري، كما في «المجلي»: 294، الهامش.

([16]) النجم: 23.

الكاتب المولى عبد الأعلى السبزواري

المولى عبد الأعلى السبزواري

مواضيع متعلقة