شرح دعاء الصباح 3-القسم الثاني
(3) ﴿يا مَن دلعَ لسانَ الصّباح بنطقِ تبلُّجِهِ﴾
تَنويرٌ فتاحّي لِتأويل صباحيٍّ
تأويل هذه الفقرة أنّه تعالى أخرج لسان صبح الأزل من مطلع([20]) مرتبة الظّهور والإظهار، متنطّقاً بالنّطق التكويني. وكلمة «كن»([21]) الوجوديّة، المنشعبة إلى كلماتٍ عاليات ونازلات، لا تنفد ولا تبيد ولو نفد البحار، المعربة عمّا في الضّمير المكنون المخزون.
«وتبلّجُه»: إشراقُه المعنويّ القيّوميّ المذكور آنفاً الذي تلأْلأ به ماهيّات الأرواح والأشباح، واستصبحتْ بهذا الإصباح، فيكون هذا الصّباح موافقاً لصبح الأزل الذي أجاب به صاحب هذا الدّعاء (عليه آلاف التحيّة والثناء) كميلَ بن زياد، حين سأله عن الحقيقة بقوله عليه السلام: «نُورٌ يشرُقُ من صُبح الأزل فيَلوحُ على هياكِلِ التّوحيد ([22]) آثارُهُ»([23]) بعد أجوبة أُخرى. والحديث مشروحٌ بالتفصيل مشهورٌ بين أهل الحقيقة.
بيان ذلك: أنّ لله تعالى تجلّيات:
تجلٍّ ذاتيٌ([24])، هو تجلّي ذاته بذاته على ذاته؛ إذ لم يكن اسم ولا رسم.
وتجلٍّ صفاتيّ، هو تجلّي ذاته في أسمائه الحسنى، وصفاته العليا على وجه يستتبع تجلّيه في صور أسمائه وصفاته، أعني الأعيان الثابتة اللازمة للأسماء والصّفات لزوماً غير متأخّر في الوجود، بل هي هناك موجودة بوجود الأسماء الموجودة بوجود المسمّى جلّ شأنه. وهذا التجلي يسمّى بالمرتبة الواحدية، كما أنّ الأوّل يسمّى بالمرتبة الأحديّة.
وتجلٍّ أفعاليّ، هو تجلّي ذاته بفعله، وهو الوجود الانبساطي على كلّ ماهيّةٍ ماهيّةٍ من الدّرة البيضاء إلى ذرة الهباء، في كلّ من الجبروت والملكوت والناسوت بحسبه. وهذا مسمّى بالرّحمة الفعليّة، كما أنّ الثاني مسمّى بالرحمّة الصفتيّة، وهذا بالفيض المقدّس، وذاك بالفيض الأقدس([25]). و«صبح الأزل» يمكن أن يراد به الثاني، كما يمكن أن يراد به الثالث.
وبيان «النّطق» الحقيقي للصبّاح ـ سواء كان صباح عالم الصّورة، أو صباح عالم المعنى ـ أنّ النّطق الظاهريّ اللّفظي إنّما يكون نطقاً؛ لكونه وجوداً كاشفاً عن وجود ذهنيّ وهو عن وجود عينيٍّ، لا لكون خصوصيّة الصّوت معتبرةً فيه، حتّى لو لم يكن صوتاً لم يكن نطقاً. وإنّما هذه بالمواضعة؛ للتسهيل، كما أنّ كاشفيّته عن وجود آخر ذهني بالمواضعة. ودلالته بالوضع لا بالطّبع، ولو كان بالطّبع لأكّد نطقيّته، كما في الوجودات الذهنيّة بالنّسبة إلى الوجودات العينيّة؛ ولذا يسمّى العقولُ المدركة للكلّيات: «نواطقَ»، والنّفسُ: «ناطقةً». وقيل شعراً:
| إنَّ الكلام لفي الفُؤادِ وإنّما | جُعل اللّسانُ على الفُؤادِ دليلا([26]) |
والأشاعرة ذهبوا إلى «الكلمات النفسيّة»([27])، ولكن لا وجه للتّخصيص. فإذن، إنْ كان بدل الكيفيّات المسموعة الموضوعة أشياء اُخرى موضوعة، بحيث يكون حضور الأشياء الدالة منشأً لحضور الأشياء المدلولة في الذّهن، كان حالُها حينئذٍ حالَها.
إذا عرفت هذا، فاعرف أنّ كل وجود له دلالةٌ ذاتيّةٌ بوضع إلهيّ على جهة نورانيّة هي «وجه الله» فيه، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾([28]). وقال المتألّهون: كلُّ موجود ذو وجهَيْنِ: وجه من ربّه، ووجه من نفسه؛ فالدالّ: جهته النفسية، والمدلول: جهتهُ الرّبانيّة، وتلك الجهة النّورانيّة الربّانيّة في عين كونها واحدة لها شؤون غير متناهية: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾([29])، و﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾([30]). والوجودات بما هي مضافات إلى الماهيّات: كلماتُها وتسبيحاتها وتمجيداتها، وبما هي مضافات إلى الله تعالى: كلماته وخطاباته المتعلّقات بأسماعها الثّابتة كأعيانها.
________________________________
([20]) هو مرتبة المشار إليها بالكنز المخفي في القدسيّ المعروف. منه.
([21]) هي الوجود المنبسط، والفيض المقدّس، والنّفس الرّحماني؛ وذلك لأن الإيجاد الحقيقيّ لا المعنى النسبيّ هو الوجود المنسوب إلى الله، لكنْ أنحاؤه المضاف إلى الماهيّات؛ وجودها، وانوجادها، ونور ذلك باتّحاد الوجود والإيجاد في العدد الذي هو روح الحروف. وهذا هو المشار إليه ﴿بِالحَقِّ﴾ المخلوق به في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّموَاتِ وَالأَرْضَ إلاّ بِالحقّ﴾. و«بالفعل» في كلام عليّ عليه السلام: «إنّما يقول لما أراد كونه: «كن» فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعله».
و«الكلمات العاليات» هي التّامّات، وهي موجودات عالم الجمع. و«النّازلات» هي موجودات عالم الفرق وفرق الفرق. والأوّل عالم المعاني ـ سواء كانت معاني مرسلة أو معاني متعلّقة ـ والأخيران عالم الصّورة ـ سواء كانت الصّور الصّرفة أو الصّور المشوبة بالمادّة ـ والجميع معربات عن الضمير المكنون المخزون. منه.
([22]) هياكل التوحيد هي الماهيّات، والأولى أن يراد بها: النفوس الكليّة الإلهيّة، فإنّ الموجودات الأُخرى أشعّتها وفضالتها؛ إذ لها الوجود الشّامل، والوحدة الجمعية. منه.
([23]) شرح الأسماء الحسنى 2: 5.
([24]) الأولى نصبها وما بعدها من مثيلاتها على البدلية، وإن جاز الرفع تجوّزاً على النعت المنقطع.
([25]) التقديس في الموضعين لكون الرّحمة بذاتها منزّهة عن التعيّنات الأسمائية، والماهيّات الإمكانية، وإنّما أطلق في الثاني صيغة التفضيل؛ لأنّه أيّن ظهور حقيقة الوجود بمفاهيم الأسماء الحسنى ـ كما في مرتبة الواحديّة ـ من ظهورها بمفاهيم الماهيّات الإمكانيّة، كما في مرتبة الفعل والفيض المقدّس. والماهيّات والأعيان الثابتة وإن كانت مجلّاة في المرتبة الواحديّة أيضاً بالتّبع ـ كما قلنا آنفاً: «على وجه يستتبع» إلى آخر ـ إلّا إنها هناك موجودة بوجود واحد، بخلافها في مرتبة الفعل، فإنّها موجودة بمراتب الوجود المتكثّرة.
وقد ظهر منه وجه تسمية، إحداهما بالرّحمة الصفتيته، والاُخرى بالرّحمة الفعليّة، وكونهما «صبحاً» لكونهما مقامي الظّهور. وأمّا مقام الخفاء والكنز المخفي، فهو المرتبة الأحدية التي هي غيب الغيوب الذي لا اسم ولا رسم له. منه.
([26]) البيت للأخطل. التفسير الكبير 1: 20. المستصفى: 80.
([27]) راجع شرح المواقف 8: 93.