مع المؤمنين

img

قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
تحدثت الآيات الكريمة من القرآن المجيد عن المؤمنين الحقيقيين، وصدقهم الأكبر المتمثل في هذا الإيمان من حيث بذل النفس وكذا المعنويات العالية لديهم، ورجولتهم وثباتهم وسائر خصائصهم في الجهاد الكبير.
فمن هم المؤمنين؟!
جمع لفظة مؤمن.
معنى مُؤمِن: ( اسم ) اسم فاعل من آمنَ / آمنَ بـ / آمنَ لـ
رَجَلٌ مُؤْمِنٌ : مُصَدِّقٌ ، يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ ، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ النساء آية 162.
والإيمان هو الاعتقاد، وسكون النفس وتصديق القلب، وكلّ من كان عارفاً بالله وبنبيّه وبكلّ ما أوجب الله عليه معرفته مقرّاً بذلك فهو مؤمن، والكفر نقيض ذلك.
أشارت الآية الكريمة إلى فئة خاصّة من المؤمنين، وهم الذين كانوا أكثر تأسّياً بالنّبي (ص) عن غيرهم، وثبتوا على عهدهم الذي عاهدوا الله به، وهو التضحية في سبيل دينه حتّى النفس الأخير، وإلى آخر قطرة دم، فتقول: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر) من دون أن يتزلزل أو ينحرف ويبدّل العهد ويغيّر الميثاق الذي قطعه على نفسه (وما بدّلوا تبديلا).

(فمنهم من قضى نحبه )إنّ لفظة (نحب) على زنة (عهد) تعني العهد والنذر والميثاق، ووردت أحياناً بمعنى الموت، أو الخطر، أو سرعة السير، أو البكاء بصوت مرتفع(2).

وهناك إختلاف بين المفسّرين في المعنيّ بهذه الآية.

1.         يروي العالم المعروف (الحاكم أبو القاسم الحسكاني) – وهو من علماء السنّة – بسند عن علي (ع) أنّه قال: “فينا نزلت (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) فأنا – والله – المنتظر وما بدّلت تبديلا، ومنّا رجال قد إستشهدوا من قبل كحمزة سيّد الشهداء”(3).

2.         وقال آخرون: إنّ جملة (من قضى نحبه) إشارة إلى شهداء بدر واُحد، وجملة: (ومنهم من ينتظر) إشارة إلى المسلمين الصادقين الآخرين الذين كانوا بإنتظار إحدى الحسنيين: النصر، أو الشهادة.

3.         وروي عن “أنس بن مالك” أيضاً: أنّ عمّه “أنس بن النضر” لم يكن حاضراً في غزوة بدر، فلمّا علم فيما بعد، وكانت الحرب قد وضعت أوزارها، أسف لعدم إشتراكه في الجهاد، فعاهد الله على أن يشارك في الجهاد إن وقعت معركة اُخرى ويثبت فيها وإن زهقت روحه، ولذلك فقد شارك في معركة اُحد، وحينما فرّ جماعة لم يفرّ معهم، وقاوم وصمد حتّى جرح ثمّ استشهد.

وروي عن “ابن عبّاس” أنّه قال: إنّ جملة: (منهم من قضى نحبه) إشارة إلى حمزة بن عبدالمطّلب وباقي شهداء اُحد، وأنس بن النضر وأصحابه.

ولا منافاة بين هذه التفاسير مطلقاً، لأنّ للآية مفهوماً واسعاً يشمل كلّ شهداء الإسلام الذين إستشهدوا قبل معركة الأحزاب، وكلّ من كان منتظراً للنصر أو الشهادة، وكان على رأسهم رجال كحمزة سيّد الشهداء وعلي (ع)، ولذلك ورد في تفسير الصافي: أنّ أصحاب الحسين بكربلاء كانوا كلّ من أراد الخروج للقتال ودّع الحسين (ع) وقال: السلام عليك يابن رسول الله، فيجيبه: وعليك السلام ونحن خلفك، ويقرأ: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر).

ويستفاد من كتب المقاتل أنّ الإمام الحسين (ع) تلا هذه الآية عند أجساد شهداء آخرين كمسلم بن عوسجة، وحين بلغه خبر شهادة “عبدالله بن يقطر”.

ومن هنا يتّضح أنّ للآية مفهوماً واسعاً يشمل كلّ المؤمنين المخلصين الصادقين في كلّ عصر وزمان، سواء من إرتدى منهم ثوب الشهادة في سبيل الله، أم من ثبت على عهده مع ربّه ولم يتزعزع، وكان مستعدّاً للجهاد والشهادة.

الحالات الإيمانية ومراتبها:
الحالة الإيمانيّة تتفاوت بين الناس وتختلف على مراتب، فمنهم من بلغ أعلى المراتب وهي اليقين، كأمير المؤمنين عليه السلام الذي روي عنه: “لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً”، ومنهم من هو دون ذلك كما أشار إليه تعالى في كتابه:﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾.

وكلّما قوي واشتدّ إيمان الإنسان استطاع أن يسلك طريق الهدى ويصل إلى السعادة بشكل أسهل وأسلم، وإذا ضعف الإيمان كان تعرّضه للسقوط في طريق السعادة والخير أكثر وأخطر. لذلك نجد الشريعة الإسلاميّة المطهّرة قد حثّت على العلم والمعرفة ودعت إلى التفكّر في خلق الله تعالى، ليزداد الإنسان إيماناً ويقوى اعتقاده، ممّا يدعوه إلى التقوى والصلاح.

فعلى الإنسان المؤمن أن يُحاول جهده أن يصعد في الدرجات ولا يكتفي بدرجات الاعتقاد الأوّليّة.

فامتحانات وابتلاءات الدنيا كثيرة، كلّما كان الإنسان قويّ اليقين كلّما خرج منها بنجاح.

فعلى سبيل المثال؛ النبيُّ إبراهيم عليه السلام طلب المزيد من درجات الإيمان، كما قال القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.

وفي الحديث عن صفوان، سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله لإبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أكان في قلبه شكّ؟ قال عليه السلام “لا، كان على يقين ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه”4.
ولقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمّته من ضعف اليقين، فقال: “ما أخاف على أمّتي إلّا ضعف اليقين”5.

مراتب اليقين
وليس اليقين على مرتبة واحدة، بل له مراتب عدّة:
المرتبة الأولى: علم اليقين.
المرتبة الثانية: عين اليقين.
المرتبة الثالثة: حقّ اليقين.
كما أشير إليها في هذه الآيات: ﴿كَلاَ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ*لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ*ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ 6﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾.
وكمثال لتوضيح الفرق بين هذه المراتب نقول: لو رأينا دخاناً يتصاعد يحصل لنا اليقين بوجود النار. وعين اليقين: يحصل عند رؤية النار نفسها، وحقّ اليقين: يحصل عند الاحتراق بتلك النار.

بين اليقين العقلي والقلبي

نوّد الإشارة إلى أمر مهمّ وهو لماذا نرى أناساً يقولون إنّنا موقنون بالله والآخرة، ولكنّهم في نفس الوقت نراهم ضعفاء في عملهم والتزامهم بأوامر الله ونواهيه؟

الجواب: إنّ هناك فرقاً بين اليقين القلبي والعقلي، فهذا إبليس كان موقناً بالله عقلاً ولكن لم يترسّخ يقينه في قلبه.

فيقال: إن الاعتقاد والعلم مغايران للإيمان، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهيّة الّذي يوجد فينا، مغاير للإيمان وليس بإيمان.

والدليل على ذلك أنّ الشيطان كما يشهد له الذّات المقدّسة عالم بالمبدأ والمعاد ومع ذلك فهو كافر, لأنّه يقول: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فهو إذن يعترف بالحقّ تعالى وخالقيّته، ويقول أيضاً: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فيعتقد بالمعاد، وهو كذلك عالم بالكتب والرسل والملائكة، ومع ذلك كلّه خاطبه الله سبحانه بلفظ الكافر، وأخرجه من زمرة المؤمنين.
فالمطلوب أن ينزل العلم واليقين العقلي إلى منطقة القلب حتّى يؤثّر أثره في نفس وقلب وسلوك الإنسان.

وقد فرّق بعض العلماء بين الإيمان العقلي والقلبي بمثال معبِّر، حيث مثّلوا لذلك بالإنسان الّذي ينام مع ميّت في غرفة وحدهما، فقالوا: إنّ الإنسان يعلم يقيناً أنّ الميّت لا يؤذي، ولكن يخاف أن ينام معه منفرداّ، وما ذلك إلّا لأنّ اليقين العقلي بعدم أذيّة الميّت له، لم ينزل إلى القلب.
لذلك الإيمان واليقين القلبيين يكونان دافع نحو نجاة الإنسان كما حصل للحر بن يزيد الرياحي في أيام الحسين ع فتحرك قلبه الذي يملك قابلية الهداية وكان دفعاً للحركة المضادّة والرجوع إلى الحقّ والحقيقة، وقد يكون الشرّ مفتاحاً للخير والرشاد،، فمنعه الحسين وعيالاته من ورود الماء أو الرجوع حركة تملك عظيم الألم ولكنها أنالته السعادة وأي سعادة سعادة الشهادة بين يدي سيد الشهداء ع.
أما من كان يقينه نابع من قلبه وكان موقن به حق الإيقان فهذا تختلف درجته، فلا عجب أن يبذل المحب نفسه من أجل محبوبه، كما فعل عابس رحمه الله يوم عاشوراء عندما أخذه الشوق لسيده الحسين (ع)، وكحبيب بن مظاهر الأسدي، حيث يذكر في كتاب كفاية الخطيب أنه مر عليه رسول الله (ص) يوماً وهو يلعب مع الصبيان، فسلم على النبي (ص) وسأله النبي (ص): هل تحبني؟
قال: نعم يا رسول الله، قال: (فأنا أحب إليك أم أمك)؟
قال: بل أنت، قال(ص): (فأنا أحب إليك أم أبوك)؟
قال: فداك أبي وأمي وجميع أهلي وعشيرتي يا رسول الله،
قال(ص): (فهل أنا أحب إليك أم ربك)؟
فقال: لولا ربي ما أحببتك يا رسول الله.
فدعى له النبي (ص) بالخير والبركة، وقال لمن معه: (أحبوني هكذا).
كان رسول الأمة ص يحب حبيبا منذ صغره، فكما يذكر مر عليه في أحدى الأيام ورآه يلعب مع الصبيه في الطريق، فضمه وقبله، فلما سأله الناس عن سبب محبته له قال: (إني أحبه لحبه لولدي الحسين (ع))، فمحبة حبيب للحسين(ع) كانت معلومة منذ أيام رسول الله (ص)، فلا عجب أن يبذل المحب نفسه من أجل محبوبه،  فهذه المحبة يجب أن تبذل ولو كان البذل فيها عن الأهل والنفس والمال والولد، بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله، بأبي أنت وأمي أيها غريب المظلوم..
نعم هذا حبيب الذي نقول في بلغنا الله وإياكم الوصول (السلام على من حيا الحياتين ومات الموتتين).
فكانت الموته الأولى: حباً وشوقاُ للحسين.
والموتته الثانية: حباً وشوقاً وعشقاً وفداء لتراب سيد الشهداء (ع) وعيالاته.
هذا الذي وكل بتسجيل زوار الحسين (ع)
يا بواب الحسين أرجوك تقبلني            زاير بأربعين حسين سجلني
أسأل ربي ذاك اليوم أيوصلني            عليك أول من أجل المظلوم
ولكن كيف كان وصول حبيب لأرض كربلاء وكيف كان وصاله بعزيزهِ الحسين (ع)….. وإماماه وا حسيناه

الكاتب ام علي المرهون

ام علي المرهون

مواضيع متعلقة