(العبادة وطريق الوصول إلى الله)
بحث يوم الأول من المحرم بمجلس المصطفى (ص)
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ( (سورة الذاريات 56)
عالم العبادة.. عالم من نوع آخر.. عالم مفعم باللذة التي لا تقارن بلذة الدنيا لأنه مليء بالتحرك، بالنشاط وبالسفر الذي لا ينتهي إلى بلد ما على وجه الأرض، وإنما إلى عالم الغيب..
الله تعالى غني عن العبادة:
مما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى غني عن عبادتنا.. نقول في تعقيبات الصلاة (إلهي هذه صلاتي صليتها لا لحاجة منك إليها ولا رغبة منك فيها)، هو سبحانه وتعالى غير محتاج لها..
لماذا العبادة؟
لماذا كان حتما على الإنسان أن يصلي الصلاة بكيفيتها المعينة بهذا العدد في اليوم؟؟.. لماذا على الإنسان أن يقتطع جزءاً من ماله سواء لأمر واجب كالخمس والزكاة أو لأمر مستحب؟؟
إذا تأملنا في الروايات لنتعرف على سر كل عبادة.. كأسرار الصلاة من رفع اليد للتكبير الذي هو تعظيم لله واستصغار لكل شيء ما دونه، عن الإمام الصادق (ع): (إذا كبرت فاستصغر ما بين العلا والثرى دون كبريائه، فإن الله إذا اطّلع على قلب العبد وهو يكبر وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره، قال: يا كاذب، أتخدعني؟، وعزتي وجلالي لأحرمنك حلاوة ذكري ولأحجبنك عن قربي والمسارّة بمناجاتي).. الركوع والسجود.. الوضوء أيضاً عندما نتأمل في أسراره.. نرى أن هناك شيء جامع يجمع كل هذه الأسرار وهو أن الله سبحانه وتعالى يعلّم الإنسان من خلال هذه العبادات كيفية الانتصار على عدو الإنسان الأكبر وهو خبث النفس، جاء في شطر بيت معرب (إن أم الأوثان وثن أنفسكم).. فإذن هي جاءت لتطهر الإنسان وتنقذه من الأمراض النفسية كالكبر والغرور وغيرها التي تعتري الإنسان من الداخل.. وتحل الرباط الوثيق بين الإنسان ودار الدنيا فيقترب يقترب تدريجياً من الله سبحانه وتعالى حتى يرتفع مع عمله ويصل له سبحانه وتعالى.
العبادة ترفع العبد وتقربه لله:
جاء في أقوال أمير المؤمنين(ع): (فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه)..
نفس الإنسان الصالح أفضل من عمله الصالح، وإذا كلن للصلاة فضيلة فالفضل للمصلي لأنه هو الفاعل، الصلاة أثره وفعله.. فكيف ترتفع الصلاة ولا يرتفع المصلي.. كيف يرتفع الصوم ولا يرتفع الصائم.. جاء في القرآن الكريم قوله تعالى على لسان النبي (ص) : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم)
تعالوا: من العلو والتعالي.. وهي مفردة مختلفة عما إذا قال (إليَّ أتلوا ما ….)، فعادةً الشخصين إذا كانا متواجدين في مستوى واحد يقول أحدهما للآخر إلي، ولكن إذا ما كانا في مستويين مختلفين كأن يكون أحدهما في سفح جبل والآخر في الوادي.. فإن العالي يخاطب الداني بقوله تعال..
إذن الرسول(ص) هنا كأنه يقول: إذا امتثلتم لأمر الله تعالى وابتعدتم عما حرم ربكم عليكم فإنكم ستتجافوا عن هذه الدنيا وتتعالوا إلى حيث القرب من الله سبحانه وتعالى.. وعلى العكس يكون إذا تجرأتم على الله سبحانه وتعالى بترك الامتثال لأوامره.
يقول صدر المتألهين: (الإنسان الذي يقضي عمره في بناء قصر أو جمه مال لا يمكن أن يرتقي أو يصل إلى مقام مقبول عند الله عز وجل، مثله كمثل الشجرة كلما ازدادت شمرخاً وارتفاعاً.. ازدادت جذورها في الأرض غوراً.. إن أصل الشجرة هي الجذور وأما الأغصان فما هي إلا فروع).
هل الطريق إلى الله حكراً على مجموعة من الناس؟
الإجابة هي: لا، فنحن نقرأ في دعاء كميل كل ليلة جمعة: (واجعلني من أحسن عبيدك نصيبا عندك).. كلام الإمام في هذا الدعاء وتعليم هذا المقطع للشيعة إنما يدل على أن هذا الطريق مفتوح لعامة الناس.. طريق لم يغلق في وجه أحد (وأقربهم منزلة منك وأخصهم زلفة لديك) إذا ما سلكوا طريق الوصول لله أصبحوا من ذوي المنازل القريبة من الله..
الطريق إلى الله صعب، ويحتاج لهمة:
ولكن هذا الطريق على الرغم من كونه مفتوح للجميع إلا أنه صعب.. ويحتاج إلى همة عالية (إذا كنت عبداً لله فارفع الهمة).. نحن نحتاج إلى الهمة العالية لنكون من أفضل عبيد الله.. فالعباد على مستويات.
المصلين ليسوا سواء في الدرجات، الحجاج والمجاهدون بعضهم أعلى درجة من بعض.. نحن أيضاً نحتاج إلى عمل نتفوق به بين هؤلاء المصلين والحجاج والمجاهدون..
همة الإنسان المؤمن يجب ألا تتوقف على عدم الرغبة في دخول جهنم والاحتراق بنارها.. هذا ليس فخر للمؤمن.. المجنون والطفل لا يعذب في النار.. الفخر هو أن نكون من أفضل العباد عند الله.. عن الإمام الحسين(ع): (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها)
وسفاسف العبادات التي تبعد عن النار هي عبادة العبيد على حد قول أمير المؤمنين (ع).. ولكن أي عبيد.. عبيد الدنيا. وليس عباد الله..
عبيد الدنيا:
عبّاد الدنيا أولئك الذين يتعاملون مع العبادات كمجموعة مظاهر بلا روح، وممارسات بلا جوهر.. لذلك يقال أن من يحقق شرائط صحة العبادة فصلاته صحيحة.. ولكن هل من الممكن أن ترتفع وترفع هذه العبادة صاحبها؟!
عباد الدنيا.. يصومون ولكنهم لا يعرفون من الصوم غير الجوع والعطش..
يصلون ولكن صلاتهم لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر.. عبّاد الدنيا أولئك الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى: ) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) ( (سورة المعارج 19 – 21) واستثنى منهم المصلين ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ( (سورة المعارج 22)، الذين يؤدون صلاتهم بروح العبادة فترفعهم من هذه الطبيعة البشرية الملوثة وتطهر ذواتهم.. فالصلاة مجلبة للفضائل ومنجية من الرذائل.
عبّاد الدنيا يقدمون مصالحهم على الأخلاق في تعاملهم مع الآخرين.. وإذا ما واجهوا تحديات الدنيا وصعوباتها استسلموا لها وتركوا الدين.. هم أولئك الذين وصفهم الإمام الحسين(ع) بقوله: (عبيد الدنيا، والدين لَعْقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون)..
عبيد الدنيا هم أتباع يزيد وأعداء الحسين الذين استحقوا منه هذا الوصف حين وصفهم به..
عبيد الدنيا هم من تخطّوا نهج الحسين (ع) وانحرفوا عنه، سواء في الفكر أو العقيدة أو العبادة، في التقرب إلى الله، وغير ذلك
لذلك هذه المجالس وهذه الشعائر الحسينية التي نحييها في عاشوراء هي في الواقع من العبادات المندوبة.. وهي من نعم الله علينا.. لأنها تذكرنا بأن التمسك بخط الحسين (ع) هو الطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى.. هو طريق طهارة الضمير.. هو الطريق لأن نكون عبيد لله لا عبيداً للدنيا..
نهج الحسين الذي واجه به كل رذائل الجاهلية المقيتة بالقيم الرسالية..
نهج الحسين الذي مارس أرقى صور العبودية لرب العالمين من خلال استنقاذ العالم بأجمعه من الجهل والضلال وعبودية الدنيا.. وجسد شعار إحياء الخلق لأنهم عباد الله.. وهذا الدرس من أبلغ الدروس التي نستشفها من عاشوراء الحسين فنحمل روح التصدي للانحراف والفساد.. نوضح الفرق بين الثقافات الدخيلة على الإسلام.. نحللها.. ونطرح بدائل لها..
الإمام الحسين(ع) ضحى بدماءه الطاهرة لننعم نحن بنعمة الدين والرسالة بلا زيف أو تحريف.. لنجعل أنفسنا مع الحسين وأنصاره الذين استقبلوا الشهادة بفرح لقاء المحبوب، مع أولئك الذين وصلوا صلاة الصبح بوضوء صلاة العشاء وكان لهم بين الصلاتين دوي كدوي النحل.. أي ليلة قضاها الحسين تلك الليلة؟ ليلة معراج له ولأصحابه.. كان ليلهم.. ليل العاشر من المحرم ليل القرآن.. زوال العاشر من محرم زوال صلاة الخوف.. وليل الحادي عشر من المحرم ليل صلاة الليل لزينب من جلوس بعد أن تأثر جسدها بمصاب عاشوراء وبقيت روحها القوية متصلة بالله..
قلب زينب رأى من مصاب عاشوراء ما لا يطيق جسدها تحمله.. لذا عندما يهل عليها هلال المحرم يكون لها خطابان.. أحدهما مع أخيها الحسين(ع).. الذي عاشت معه أيام طفولتها وكبرت معه ولم تفارقه إلا عندما سبيت..
والخطاب الآخر خطاب مفجع لهلال المحرم.. خطاب يدمي قلوب الشيعة فور سماعه.. لأنه يحكي كل المصائب التي مرت بها من مصاب فقدها لإمام زمانها.. فقدها لإخوتها.. تحملها وتكفلها للأيتام.. حرق الخيام وما جرى على النساء والأطفال فيه من خوف وفرار.. إلى مصاب سبيها.. إلى أعظم مصاب على آل الرسول (ص).. دخولها مجلس دعي..