لقاء مع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي الذي يعدّ أشهر القراء الحسينيين في العالم الإسلامي(5)
الإسلام فكر ولا خوف عليه من العولمة
س – هناك في العالم اليوم ما يُعرف باسم العولمة، وهناك ما يسمى بثورة المعلومات، وهناك خوف فعلي من أن يقود النظام العالمي الجديد والدعوات المتزايدة لحرية الأديان وحقوق الإنسان وارتباط العالم بالبريد الإلكتروني إلى توحيد الأديان، لكن ليس وفقاً لما يريده الله، وإنما لما يفرضه الأقوياء حماية لصناعاتهم ومصالحهم؟
ج – لا يمكن لكلّ من العولمة وثورة المعلومات أن تؤدّي إلى صهر الأفكار والمعتقدات في فكر واحد؛ وذلك لأن العولمة تحاول رفع الحدود المادية، وثورة المعلومات تطرح أفكاراً جديدة. وكل منهما موجود بالفعل، يمشي عبر الحدود، ولا يردّه حاجز. ومع ذلك ما تزال الأديان متعدّدة، والمعتقدات متنوعة، وإن كل الذي نخشاه هو عدم خلق مناعة علمية وخلقية في الساحة الإسلامية تمنع تأثير الأمور الوافدة. وهذا الأمر يضاعف مسؤولية المؤسسات الدينية؛ سواء الرسمية منها وغير الرسمية، ويحملها التبعة لتضاعف نشاطها في بناء الشخص المسلم بناءً يوازي حجم المستجدّات، ويرضي التطلّعات، خصوصاً أننا على ثقة بأن محتوى الشريعة فيه ذخيرة لا تنفد لتغذية الأجيال، فلم يبق إلّا البحث في كنوز الشريعة، وإعداد كوادر علمية مؤهّلة ومنتجة لسدّ الحاجة، وأن تكون مؤسساتنا الدينية مراكز بحث وتطوير وإعداد كفاءات، وليست مؤسسات للارتزاق على حساب ديننا.
س – المسلمون اليوم في وضع لا يحسدون عليه، متفرّقون مشتّتون، مختلفون في مصالحهم ومواقفهم، لكن هل هناك خوف على الإسلام بسبب ضعف المسلمين؟
ج – الإسلام فكر، والفكر لا خوف عليه إنما الخوف على المسلمين الذين يتعرّضون إلى مخطّطات لإبعادهم عن الإسلام بوسائل شتى، أو تركهم لا يعرفون من الإسلام إلّا مظاهر جوفاء، أما مضمون الإسلام فيفرغ من محتواه. وهذا الأمر يعيش على الساحة عند جميع المذاهب الإسلامية؛ مما يؤسف له أشدّ الأسف؛ الأمر الذي جعلنا نرى مسلم الشكليات، لا مسلم الموقف والرجولة والعطاء وصدق العقيدة، وغير ذلك مما هو من مقوّمات الإسلام الصحيح.
س – ألم يحن الوقت لحوار حقيقي بين الأديان؟ وهل يمكن أن يكون لخطوة من هذا النوع جدوى في التقريب بين وجهات النظر، وتقليل التنافر العرقي، وصراع الأقلّيات، والتركيز على التعاون في مواجهة تحدّيات العصر، مثل الأوبئة والفقر والتلوث، وسواها؟
ج – لعل الإسلام يعتبر مجلباً للدعوة والحوار بين الأديان؛ وذلك لأن الإسلام يقف على قاعدة صلبة؛ لما فيه من أسس متينة ومتطورة ومستوعبة لحاجات كل العصور: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ([1])، ولأنه يرى ويعلم أن الأديان ـ وأقصد بها الأديان السماوية كما هي في أصلها ـ كلّها روافد من السماء، ولكل دين دوره وعهده في أداء رسالته. وقد ختمت بالإسلام؛ حيث إن ما هو من الثوابت قد جمعه الإسلام، وما هو من المتطورات قد حمله ونبّه الأذهان له: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ([2]). فمن هذا المنطلق ـ وهو استيعاب الإسلام للثوابت وغير الثوابت في الأديان الأخرى ـ انطلق الإسلام يدعو إلى الحوار: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ([3])، ولم ينطلق من فرض أنه الوحيد، وغيره مرفوض، بل فتح الأبواب لصراع الأفكار وفق الأصول حتى تنتهي إلى ما هو الحق: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾([4]).
وبناء على ذلك فلا خشية من أن يُخذل الإسلام أو ينهزم في أي حوار شرط أن يكون المحاورون موضوعيين ومؤهلين للحوار بوجود أرضية علمية عندهم، وإذا استكمل الحوار شروطه الموضوعية، فلا شك في جدواه. إن الإنسانية قد تعبت في بحثها عن الأفضل، وعلينا أن نبحث في دفائن ديننا من الكنوز لنقدمه زاداً للإنسانية: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ([5]).