لقاء مع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي الذي يعدّ أشهر القراء الحسينيين في العالم الإسلامي(2)

img
عام 0 ــ ــ

س – العالم يتطور بسرعة كبيرة، والمفاهيم تتغير، وهو أمر جعل من وسائل الاتّصال ونقل المعلومات مصدر خطورة على المفاهيم وعلى الأديان والقواعد الأخلاقية، فهل تعتقد أن هناك خوفاً على أجيالنا من تأثيراتها السلبية؟

ج – ما يدخل إلى الذهن والوعي من غذاء مثله مثل ما يدخل إلى الجسم من غذاء؛ فإذا كان في الجسم مناعة فإنه لا يتأثر بما هو ضار، وكذلك جهاز التلقّي الذهني فهو يحتاج إلى مناعة تقيه من المؤثّرات السلبية.

س – هل تتيح سرعة المتغيّرات وصعوبتها الفرص لبناء مثل هذه المناعة، بمعنى: هل إن العقل البشري محصّن إلهياً إلى حدّ ما؟

ج – العمل على تكوين جهاز المناعة عند المسلم يبتدئ فيما نعتقد من الأسرة، فالمدرسة، فالمجتمع. وأهم هذه الوجوه هو الأسرة. ولا يعني ذلك عدم أهمية الوجوه الأخرى. ولاشك في أن المسؤول عن التربية الدينية في الأسرة هو المؤسسات الدينية التي ينبغي قيامها بهذا الدور، واستخدامها الوسائل التي أتاحها العلم، وتوفير الكفاءات، والمناهج العلمية قدر الاستطاعة، وانتقاء الغذاء التربوي الجيد الذي هو متوفّر والحمد لله في تراثنا. إن هذا يضع الأسرة في أجوائها الإسلامية خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل أسرة مسلمة عندها خميرة من النزوع إلى جذورها وتراثها، والاعتزاز بأولوياتها.

س – هناك خوف من الفضائيات والإنترنت وسواها من وسائل الاتصال الإلكتروني التي قد توظَّف ضدّ الأديان خصوصاً الإسلام باعتباره خاتمة الأديان؟

ج – الذي يتمّم ما سبق هو أسلمة الأدوات المؤدية إلى الهدف؛ كالقناة الفضائية المسلمة، والمادة الإسلامية التي نغذي بها قنوات الاتّصال، والمعلّم المسلم الرسالي الذي ينبغي أن يوكل إليه تدريس الدين واللغة.

إن من المعلوم أن الأسرة والمجتمع آخذ ومعطٍ، فروافد المجتمع هي الأسرة والمدرسة، فإذا تم التركيز عليهما فذلك كفيل بالخروج بنتائج طيبة. يضاف إلى ذلك أنه ينبغي فتح أعين الأجيال على إفلاس الحضارات الأخرى، وعجزها عن ملء الفراغ الذهني عند الإنسان، وعن عدم قدرتها على أن تشدّه إلى قضية محورية يعيش من أجلها، وتستهويه وتدفعه لمضاعفة جهده في ذلك، كما يصنع الإسلام في دفع الفرد المسلم إلى أن يبقى ينشد رضا الله عزّ وجّل بكل نشاطه الدنيوي، وعمله لما بعد الحياة. وهو هدف يظل قائماً، ويظل الإنسان يسعى إليه سعياً متواصلاً، وبذلك ينعدم عنده الفراغ والسأم، فيعيش في لذّة وسعادة متواصلة.

س – ذكرتم أن التربية الدينية تؤسس جهاز مناعة خلقياً عند الفرد المسلم يحفظه من سلبيات قد يتعرض لها نتيجة تفاعله مع أجواء حضارية غريبة، وذلك يستدعي أن تكون في الإسلام إجابات كاملة على معالجة ما يجد من أمور متنوعة، فهل هو كذلك؟

ج – أولاً: أن طرح مثل هذا السؤال يدل على عدم معرفة الكثير منّا بالمحتوى الحضاري الغزير في الإسلام، وأحد أسباب ذلك هو عدم المعرفة.

وثانياً: أن كل من له إلمام بالشريعة الإسلامية يعرف أنها تحمل الإجابات على ما هو موجود وما قد يوجد من الأمور التي يبتلي بها الإنسان، وذلك بداهة أن الله عزّ وجل لا يكلف إنساناً حتى يعرّفه السبيل إلى الاستجابة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الله عزّ وجل لم يتعبّدنا بشريعة ناقصة يمكن أن تعجز عن تغطية حاجاتنا، بل أكمل لنا الدين، وأعلمنا ذلك بقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي([1])؛ ولذا فإن كل من له صلة بالشريعة يعلم أنها وافية بكل الحاجات.

س – فما الذي يحصل إذن؟

ج – غاية ما في الأمر أن بعض المذاهب الإسلامية يرى أن هناك مصادر للتشريع ـ مصدر مشروعيتها الدين نفسه أيضاً ـ جاءت مكملة لمحدودية النصوص. وتكثر الوقائع مثل «القياس»، و«الاستحسان»، و«المصالح المرسلة»، وغيرها، في حين أن البعض الآخر ومنهم الإمامية يذهب إلى أن نصوص الكتاب والسنة، وما تفرع منهما وافية لتغطية كل ما يجده الإنسان. وقد ذكرت الأخبار الصحيحة والمصادر المتكفلة ذلك بالتفصيل، وكمثل لذلك ما جدّ من معاملات في حقل المصارف والاقتصاد عامة، وما جد في حقل الصحة كنقل الأعضاء من إنسان إلى إنسان، ونقل الدم، وترقيع الأجسام، وما جد في عالم الاستنساخ والأرحام والمتاجر والتلقيح الصناعي، وما جد من الانتفاع بوسائل تكنولوجية جديدة، وأمثال ذلك ممّا غطاه فقهاء المسلمين تغطية كاملة على رصيد غير قليل في الشريعة.

س – لكن المكتشفات الطبية والعلمية الجديدة، يقال: إنها خارجة عن حدود أحكام الأديان؟

ج – الإسلام ليس عاجزاً عن التعامل مع المستجدّات في أي مجال، والفقهاء غطّوا ما سبق، بما في ذلك الجديد الآن. وسيبقى في الشريعة الغنى الوافر لسد حاجات الإنسانية. وسنشير إلى بعض المؤلفات في ذلك؛ للإرشاد إلى ما ذكرناه، وذلك في ذيل هذه الإلمامة القصيرة بهذه المواضيع إن شاء الله تعالى.

([1]) المائدة: 3.

الكاتب ــ ــ

ــ ــ

مواضيع متعلقة