الصلاة

المبحث الأول

الصلاة ـ لغة ـ : الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، والمشهور أنّها من الله الرحمة مجازاً؛ لامتناع المعنى اللغوي فيها، وذلك لا ينافي ما قال جمع من أنّه أمنه، بمعنى: الرحمة؛ لاحتمال إرادتهم المجاز؛ إذ هو خيرٌ من الاشتراك عند التعارض، وقد جاء في تفسير الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ما يدل على الاشتراك، وهي من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن الناس الدعاء.

وقد استشكل ذلك لعطفه الرحمة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، إذ العطف يقتضي المغايرة.

وأجيب: بأنّ العطف تفسيري؛ لشيوعه في القرآن وغيره، مثل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾، وقوله: وألفى قولها كذباً وميناً.

وفيه نظر؛ لأن الآية المذكورة ـ وهو ما عطف فيها الرحمة على الصلاة ـ قد جاءت أخبار في الكافي وغيره في تفسيرها تشهد بالمغايرة؛ يقوله عليه السلام: «إن الرجل إذا قال عند نزول المصيبة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون أثبت الله له ثلاثة أشياء: الصلاة والرحمة والاهتداء، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وعلى هذا فقيل: هي بمعنى: الاعتناء وإظهار الشرف والرتبة، وعليه الغزالي في المستصفى، وبمعنى: الغفران، وعليه المقداد في التنقيح.

وبالجملة: فالاشتراك في الصلاة ثابت وارتكاب المجاز في بعض معانيه ليس ببعيد.

وأمّا السلام فمحتمل لصيغته؛ لاستحباب إتباع الصلاة بالتسليم وأنّها أكمل صيغ الصلاة كما جاء في تفسير آية الصلاة عليه وجاء في تفسير الآية بمعنى: الانقياد، لكنه في العبارة غير مناسب، وأفضل تلك الصيغ أن يقول: «اللهم صل على محمد وآل محمد وسلم على محمد وآل محمد، كما صليت وسلّمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد».

وإنّما أفرده بالصلاة أوّلاً لانفراده عنهم عليهم السلام بالفوز بمرتبة النبوة والرسالة التي صار بها نسبة أحدهم إليه كنسبة أحد من سائر الرعية إليهم، ولهذا جاء في الأخبار كثيراً حين سئل علي عليه السلام: أنت رسول الله أو أنت محمد بن عبد الله، فيقول: «إنّما أنا عبدٌ من عبيد محمد صلى الله عليه وآله».

المبحث الثاني

ثم إنّ هذا (كتاب مفاتيح الصلاة).

وهو أوّل كتب مفاتيح هذا الفن، وإنّما قدّمه لأنّها أفضل العبادات كما دل عليه الصحاح وغيرها.

وهي لغةً: الدعاء: كما قال الله تعالى: «وَصَلَ عَلَيْهِمْ».

وقال النبي صلى الله عليه وآله: «وصلت عليكم الملائكة».

على أنّ أهل اللغة قد أوردوا الصلاة بمعناها الشرعي جاعليه أصلاً وجعلوها فعلةً من صلى، أي: حرك صلويه؛ لأنّ المصلي يفعل ذلك، أو من صليت العود، أي: ليّنته؛ لأنّ المصلي يلين قلبه وأعضاءه لخشوعه.

وشرعاً: أفعال مفتتحةبالتكبير مشترطة بالقبلة قربة إلى الله، فتدخل صلاة الجنازة.

وقيل: أركان مخصوصة وأذكار معلومة الشرائط، مخصوصة بأوقات مقدرة تقريباً إلى الله تعالى، ولهم فيها تعاريف كثيرة وحدود ورسوم لا تخلو عن وصمة العيب، لفقد أطرادها أو انعكاسها.

وقد قال الله تبارك وتعالى في بيان فرضها والحث عليها في سورة النساء: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾، وقد قال المفسرون من العامة والخاصة: إنّ كتاباً، بمعنى: فرض محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها المعينة لها في شيء من الأحوال أو أنّ كتاباً بمعنى واجباً وموقوتاً مفروضاً، وكأنّ هذا المعنى مستفاد من الأخبار الواردة في تفسير الآية وهي كثيرة تنوف على عشرين خبراً وفيها الصحاح وغيرها.

الكاتب ــ ــ

ــ ــ

مواضيع متعلقة