من سيرة الحسين: العباس (عليه السلام) وأشقاؤه

img

قال أهل السير: إنه لما قتل أصحاب الحسين(ع) وجملة من أهل بيته، دعا العباس(ع) إخوته لأمه وأبيه وهم: جعفر وعثمان وعبدالله وقال لهم: تقدموا حتى أحتسبکم فإنه لا ولد لکم.

العباس نادى بخوته قوموا يلمجاد

 *** انتون قبلي اتقدموا ما عدکم اولاد

واتسابقوا للموت کلمن بالنفس جاد

***

حتى هووا صرعى اوغابت ذيک لبدور

وتدل الکلمة الأخيرة من قول أبي الفضل العباس(ع): على أنه من حملة العلم الفقهي والغيبي.

فأما علمه الفقهي: فإن هذه المسألة الميراثية التي أشار إليها بقوله(ع): (فإنه لا ولد لکم) على مذهب أهل البيت الذين منهم العباس(ع): إن الأم هي الوارثة لأولادها المفقودين؛ والأخ منها أو من غيرها محجوب عن ميراثهم، فهم لا يرثون مع الأم إلاّ بشروط لم تکن موجودة بين أم العباس وبقية أخوته.

وإذا فقدت الأم: فإن الأخ الشقيق يحجب الأخ لأحد الأبوين. وأما عند أهل التعصيب کالأمويين وقضاتهم من أهل السنة؛ فإن الأخ يحجب الأم.

وقد أدرک العباس(ع): أن الأمر في ميراث إخوته ــ إن قتلوا بعده ــ سينتزع من أمه قهراً بحکم التعصيب، ولا يُنظر إلى مذهب أهل البيت(ع)، فرأى من الحزم أن يقدم إخوته أمامه، فإذا قتلوا قبله ورثهم على مذهب أهل التعصيب هو وأمه، وذلک لتقربه إليهم بالأبوين دون غيره من إخوتهم کمحمد ابن الحنفية وعمر الأطرف وغيرهما، فإن قربهم إلى إخوة العباس بالأب فقط، فإذا حاز ميراثهم هو وأمه ثم قتل بعدهم ورثه ولده، فيکون بذلک قد قطع حجة الخصم في ميراث إخوته حتى على مذهب التعصيب.

فهذا علم فقهي عميق يدل على فقاهة واسعة.

وأما علمه الغيبي في هذه المسأله: فکأنه علم بأن بعض إخوته سينازع أمه وولده في ميراث إخوته الأشقاء، فأحب أن يقطع عليه الطريق، وأن يوصد أمامه الباب، وما أسرع أن حصل ذلک، فقام عمر الأطرف بذلک الدور، وأعانته السلطة الأموية على ذلک.

فلما ثبت قتلهم قبل قتل أخيهم العباس لم يجدوا لهم حجة، فأنهوا الأمر بين الطرفين؛ بالمصالحة بينه وبين ابن أخيه عبيدالله بن العباس بشيء يسير تنازل عنه عبيدالله حسماً لمادة النزاع بينهما، وإن لم يکن له في ذلک حق.

وقد رأى البعض: أن هذه القصة لا تتناسب مع مقام أبي الفضل العباس؛ لأنه في رأيه أجل من أن يتنزّل إلى شيء من هذا النوع.

وقد رد عليه الشيخ المظفر& في کتابه بطل العلقمي، وقال: إن هذا المنکر قد خفي عليه: أن بعض الأمور الدنيوية هي أمور أخروية؛ لأن بر الصلحاء وأهل الفضل، وإعطاء المحتاجين، وإغاثة المعوزين، وصلة الأرحام المقلين من أفضل القربات إلى الله، وهي إنما تحصل بالمال.

فإذا طلب المال من أجل ذلک، أو من أجل حفظ ماء وجهه عن سؤال الناس ــ على الأقل ــ کان ذلک للدين والدنيا.

ولذلک: فإن رسول الله| وهو سيد الصلحاء، وقدوة الأتقياء جعل فدکاً وبقية أملاکه في وادي القرى طعمة لابنته فاطمة، ولم يترک ذلک سائراً على ما يقتضيه أمر الوراثة الشرعية.

وذلک: لما علم من أنها(ع) ستمنع من ميراثها.

وکذلک أمير المؤمنين(ع) ــ وهو أبعد الناس عن الدنيا ــ قد جعل البغبغية وعين أبي نيزر وقفاً على الحسنين «عليهما السلام» وذريتهما، دون سائر بنيه، لتکون عوناً لهما على نوائب الدهر.

فأبو الفضل العباس(ع) في هذا الموقف لم يتعد سيرة آبائه الطاهرين، وأجداده الطيبين، فلا غضاضة عليه في هذا الأمر.

وأقول: إن هناک أمر آخر وهو: أنه لو لم يفعل ذلک لکان عوناً لمذهب التعصيب على مذهب أهل البيت(ع)، وهذا أمر لا يليق به.

وأمر ثالث وهو: أنه لو لم يفعل ذلک لتسبب في ذهاب حق أمه وولده من بعدها، وهذا أمر لا يليق به أيضاً، لأنه يتسبب بذلک في ذهاب حق الآخرين.

إذاً: فالذي فعله العباس(ع) هو واجبه الشرعي، فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً، ورحمة الله وبرکاته.

الكاتب الشيخ عبد الحميد المرهون

الشيخ عبد الحميد المرهون

مواضيع متعلقة