موقف السلطات من ضريح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

img

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

إن السبب الذي حدا الإمام علياً× أن يوصي أولاده^ عندما حضرته المنية بأن يخفوا قبره الشريف عن الأعين([1]) هو تخوّفه من حقد الاُمويين؛ لأن هؤلاء لا وازع يزعهم ويمنعهم، ولا رادع يردعهم ويحول بينهم وبين سعيهم الحثيث لأن يهدموا قبره المقدّس، ويستخرجوا جسمه الشريف. بل إن هذا الأمر ينسحب حتى إلى العباسيين وينطبق عليهم. يروي المؤرخون أن السلاطين العباسيين كانوا يأتون إلى هذه المنطقة من الكوفة والنجف التي يسميها المؤرخون «خد العذراء»([2])، ويجلسون هناك ويصطادون، فخرج في يوم من الأيام هارون الرشيد، فأرسل كلابه وفهوده على مجموعة من الظباء، فنفرت تلك الظباء إلى ربوة كانت هناك، وكانت تلك الكلاب والفهود إذا ما وصلت إليها رجعت دون أن تجترئ على أن تطأها.

وهو الأمر الذي أثار عجب الرشيد واستغرابه، فسأل عن جلية الأمر من أهل قرية قريبة هناك، فقالوا له: لا ندري، ولا علم عندنا في هذه المسألة. فأمر، فاُحضر إليه رجل شيخ من أهل تلك المنطقة، فلما سأله عن جلية الأمر طلب الأمان منه ليخبره، فآمنه، فلمّا آمنه قال: ما لي من الكرامة إن دللتك على قبر علي بن أبي طالب×؟ قال: كل كرامة. قال: هذا قبره. فقال له: من أين علمت؟ قال: كنت أخرج إليه مع أبي فيزوره، وأخبرني أنه كان يجيء مع جعفر الصادق× فيزوره، وأن الإمام جعفراً الصادق× كان يجيء مع أبيه محمد الباقر× فيزوره، وأن الإمام محمداً الباقر× كان يجيء مع علي بن الحسين× فيزوره، وأن الإمام الحسين× أعلمهم أن هذا قبره.

فأمر الرشيد بعمارته، وأظهره رسميّاً، بعد أن كان ظاهراً معروفاً لذرية الإمام أمير المؤمنين×، ولخاصة شيعته فقط دون غيرهم، ثم بنى عليه عمائر([3]).

ومن خلال هذه الرواية نستنتج أمرين:

الأول: أن قبر الإمام أمير المؤمنين× بقي مخفياً عقوداً كثيرة؛ خوفاً من السلطات، وأزلامها المردة العتاة.

الثاني: أن هذا الشيخ كان يخاف على نفسه إن باح بالحقيقة؛ لأن الجو كان مشحوناً بالخوف والرعب:

تالله إن كانت اُميّةُ قد أتَت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبرُه مهدوما
أسفوا على ألاّ يكونوا شاركوا *** في قتله فتتبعوه رميما([4])

فهؤلاء حتى بعد الموت لاحقوا الأئمّة^ في قبورهم مع أنهم غوث الورى، ومنتجع الصادي:

فعند علي للطريد حماية *** ورفد واُفق ضاحك بروائه

________________________

([1]) انظر: الغدير 5: 68، البداية والنهاية 7: 365.

([2]) فتوح البلدان 2: 341، ربيع الأبرار 1: 221، تاريخ الكوفة: 136 ـ 137، 171.

([3]) الغدير 5: 68، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب× 2: 114.

([4]) الأبيات للبسّامي أبي الحسين علي بن محمد بن نصر. سير أعلام النبلاء 12: 35، وقد نقل البيت الثالث فقط، تاريخ الإسلام 17: 19، طبقات الشافعية 2: 54، المختصر في تاريخ البشر 2: 68، البداية والنهاية 11: 143. وهذا هو حال المعتصم والمتوكّل ومن جاء بعدهما، وموقفهم من ضريح الإمام الحسين×. وقد نوّه المحاضره& إلى ذلك في كثير من المحاضرات التي مرّت منه في هذه الموسوعة الشريفة.

الكاتب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

مواضيع متعلقة