موقف علماء المسلمين من حركة الإمام الحسين (عليه السلام)

img

الشيخ الدكتور أجمد الوائلي

إن الغوص في ثنايا تاريخ المسلمين، وسبر أغواره ينبئاننا بأن علماء المسلمين على امتداد خطّ التاريخ كان لهم موقفان من ثورة الإمام السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين×، وهو ما سوف نجمله بالآتي:

الموقف الأول: موقف الراثين له (عليه السلام)

وقد بلغت الفاجعة شأوها البعيد في قلوب أصحاب الضمائر الحيّة، وفي نفوسهم التي اكتوت بنار الأسى والألم على قتل ابن بنت نبي لم يكن على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره، ومن هؤلاء:

أولاً: الفقيه خالد بن معدان

وكان في دمشق حينما جيء بالرؤوس والسبايا إلى الشام، فانقطع في بيته عن الناس، فلم يخرج منه، وكان يردّد:

جاؤوا برأسك يابن بنت محمد *** متزمّلاً بدمائه تزميلا
وكأنَّما بك يابن بنتِ محمدٍ *** قتلُوا جهاراً عامدينَ رسولا
قتلوكَ عطشاناً ولمَّا يرقبوا *** في قتلك التنزيل والتَّأويلا
ويهلّلون بأن قتلت وإنما *** قتلوا بك التكبير والتهليلا([1])

أي إنني أعجب من هؤلاء كيف أراقوا دمك الطاهر، وهم إنما أراقوا بذلك دم النبي الأكرم|.

ثانياً: الإمام الشافعي

وكان يردّد ويقول:

وممّا نفى نومي وشيّب لمتي *** تصاريف أيام لهن خطوبُ
فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة *** وإن كرهتها أنفس وقلوبُ
قتيل بلا جرم كأن قميصه *** صبيغ بماء الأرجوان خضيبُ
وإن كان ديني حبّ آل محمد *** فذلك ذنب لا أراه ذنوبُ([2])

فكان& يندب الإمام الحسين× ويبكيه أشدّ البكاء.

ثالثاً: الحسن البصري

وهو الذي اشتهر عنه أنه حينما بلغه نبأ مقتل الإمام الحسين السبط× بكى بكاء شديداً حتى اختلج صدغاه، وقال: «أذلّ الله اُمّةً قتلت ابن بنت نبيها»([3]).

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن هناك البعض من الأعلام ممّن يمتلك ضميراً واعياً وحسّاً إنسانياً ناصعاً يقدّر تلك الحركة النهضوية الإصلاحية التي قام بها الإمام الحسين× ويشكر له× تحركه ذلك؛ لأنهم وأمثالهم عرفوا أن هذا التحرك إنما هو من أجل الدين، ومن أجل خدمة المسلمين.

الموقف الثاني: موقف المشنّعين عليه (عليه السلام)

هذا في حين أن هنالك ثلة اُخرى تذهب إلى العكس من هذا المذهب، فتشمت بقتل الحسين× وتدعي أنه خرج على إمام زمانه فقُتل بسيف جده وببغيه على إمام زمانه. ويمثّل هذا الموقف جماعة من العلماء منهم الغزالي، وابن العربي صاحب المقولة المشهورة التي تنص على أن الإمام الحسين× قد قتل بسيف جدّه([4])؛ حيث إن جدّه| هو الذي حمل القرآن الذي يقول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾([5]).

نقض كلام ابن العربي

وهذا كلام غريب بل أبعد من غريب؛ فمن ذا الذي يجرؤ على أن يدعي أن الإمام الحسين× إنما هو إنسان باغٍ ومعتدٍ؟ ومن ذا الذي يجرؤ على أن ينسب الظلم والبغي والاعتداء على الخلافة الشرعية إلى سبط الرسول الأكرم| وإلى سيد شباب أهل الجنة؟ إن الرسول الأكرم| حينما يعبر عنه× بأنه سيد شباب أهل الجنة، فقد عبّر عنه بذلك وهو يعرف أنه سوف يخرج لقتال يزيد، وسوف يستشهد، وسوف يستشهد معه أبناؤه وإخوانه وذووه وصحابته الكرام البررة؛ وذلك طبعاً بتعليم من الله تبارك وتعالى؛ بما أن النبي الأكرم| قد أرهص بهذا الأمر وبينه لاُم سلمة.

إذن فيمكن نقض قول ابن العربي هذا بأن يقال: إن قوله هذا يعني أحد أمرين:

الأول: أن الرسول الأكرم| إما أن يكون عالماً بأنه× سوف يخرج ويقتل شهيداً.

الثاني: أنه| لا يعرف ذلك.

فإن كان يعلم ذلك، ثم إنه| قال فيه تلك المقولة الشهيرة وهي أنه سيد شباب أهل الجنة فهذا يعني أنه| كان يعرف أن خروجه على يزيد وأعوانه كان خروجاً بالحق ومن أجل الحق وفي سبيل الحق. وأمّا أن يدعي ابن العربي أن الرسول الأكرم| لم يكن يعلم ذلك منه، فهذا يدل على كفره وعلى عدم اعتقاده بأن الرسول الأكرم| يعلم الغيب بتعليم من الله تبارك وتعالى، وهذا ما أسلفنا ذكره من أن الرسول الأكرم| قد أخبر اُمّ سلمة بذلك كما تقول الرواية حيث أحضر لها تراباً من كربلاء وطلب منها أن تنظر له كلّ يوم، فإذا رأته وقد أصبح دماً عبيطاً فلتعلم بأن الحسين قد قتل([6]).

إذن فالرسول الأكرم| كان على علم تام بما سوف يؤول إليه أمر الإمام الحسين×، وادّعاء أحد خلاف ذلك إنما ينم عن كفره، أما أن يعلم| ذلك منه×، وأنه سوف يقتل في سبيل الله، وأنه| مع ذلك قال فيه× إنه سيد شباب أهل الجنة فهذا يعني أن هذا الشخص يخبط خبط عشواء ويتخبط في أقواله وكتاباته؛ لأنه بهذا يكون قد ناقض نفسه بنفسه، ولا يكون يريد حينها غير أن رسول الله| على علم بأن الإمام الحسين× سوف يبغي على خليفته الشرعي يزيد، ومع ذلك فقد حاول خداع المسلمين بأن وصف لهم الإمام الحسين× على أنه سيّد شباب أهل الجنة (تنزّه رسولنا الأكرم عن ذلك).

وهذا بطبيعة الحال كفر بالله تعالى؛ لأنه يؤدّي إلى القول بنسبة الخيانة إلى الرسول الأكرم|.

ولنلاحظ هنا هذه الآراء المبتنية على ثغرات حقيقية في تراثنا الفكري، وإلّا فإن هذا يعني أن ابن العربي إنما يصحح لرسول الله| مواقفه فيما إذا أقر بأن رسول الله| قد قال في الحسين ما قال، ومن جهة اُخرى يعلم ما سيؤول إليه أمر الإمام الحسين×.

دعوة إلى تنقيح التراث وتصحيح التاريخ

إن هذه الثغرات التي أشرنا إليها أكثر من مرة وفي محاضرات عدة لابدّ من معالجتها بالنقد العلمي الأكاديمي لهذا التراث وللآراء التي تطرح على الساحة الإسلامية وفي المشهد الفكري الإسلامي على امتداد عصوره، حيث ينبغي على المسلم المنصف أن يسعى إلى أن يملأ تلك الثغرات وأن يسدها في وجه مثيريها حتى يعود الإسلام كما كان على عهد رسول الله|، وحتى يرجع هو ويعيد الآخرين الذين ضلوا الطريق إلى أسس الإسلام الصحيحة التي أسسها صاحب الإسلام وحامل الدعوة وناشر هذا الدين الجديد الرسول الأكرم محمد بن عبد الله|.

إذن من المفارقات العجيبة في هذا التاريخ الموبوء أن تنتهك حرمة رسول الله| بانتهاك حرمة أبنائه وبعض صحابته وصحابة سبطه الأكرم الإمام الحسين× في هذا الشهر الحرام، مع أنه قد حرم فيه قتل حتى الإنسان العادي، فما بالك بالإمام المعصوم الذي يحمل فكر السماء، ويترجم آراء السماء، ويطبق تعاليمها وقوانينها وقواعدها؟ وهكذا فإن هذا الشهر الحرام قد انتهكت حرمته، وخرق قانون تحريم القتل والقتال والدماء فيه بأبرز شخصية إسلامية، وأفضل كائن بعد رسول الله|، وهو بضعة الزهراء÷ وسبط الرسول| وسيد شباب أهل الجنة الذي عبّر عنه الرسول بأنه إمام؛ قام، أو قعد.

أهل البيت^ والفاجعة الحسينية

ولذا فإن أهل البيت^ قد دأبوا على إحياء مراسم هذه الفاجعة، وعلى تنبيه الناس إلى هذه المأساة، وإلى تأصيل ذكراها في قلوب المسلمين حتى يفعّلوها في عقولهم وأنفسهم فيتفاعلوا مع أهدافها وأبعادها، وحتى تبقى حية في ذواتهم وفي أذهانهم. ومن هذا أن الإمام الباقر× ـ كما هو حال غيره ممّن خَلَفه من الأئمة^ ـ كان يدخل عليه الخطباء والشعراء وهم يرددون بمفرداتهم الشعرية واقعة الطف التي يجسدون فيها معاني الكرامة والعزة والحرية، ويبلورون فيها رفض الإمام السبط الحسين× لأن يرضخ للذل وللظلم، بل إنه فضل أن يموت عزيزاً كريماً على أن يحيا ذليلاً خانعاً (تنزه× عن ذلك).

وكذلك كان هذا دأب الأئمة^ الذين جاؤوا بعده كالإمام الصادق والكاظم والرضا× الذين كانوا يدخلون عليهم شعراء عصورهم لينشدوا في تلك الواقعة، وليذكّروا الناس بمظلومية الإمام السبط الشهيد، وليوصلوا تلك الصرخة التي أراد لها الإمام الحسين× أن تصل إلى المسلمين حتى تستمر شرارتها ولا تُطفأ نائرتها، ولا تهدأ فورتها وثائرتها.

فلسفة إحياء ذكرى واقعة الطف

ولنا هنا أن نسأل عن الأسباب التي حدت الأئمة^ إلى إحياء هذه الذكرى، وعن إصرارهم^ على استعادة تلك الذكرى مع ما تنطوي عليه من معاناة وآلام وتذكير بمأساة حقيقية لم ترَ الدنيا مثلها قط، بل فيها ما فيها من مخاطر على مقيمي تلك الشعائر من السلطة وأذنابها سيّما إبّان الحكم الاُموي.

إن أئمة الهدى^ كما ذكرنا لم يكونوا يريدون من استذكار أحداث تلك الفاجعة أن تثار دموع سامعيها، وأن يبكوا السبط الشهيد×، وإلّا فإننا بهذا نكون قد حولنا أهداف تلك الثورة النهضوية التغييرية والإصلاحية والتصحيحية المباركة إلى مجرد دمعة يذرفها الإنسان لحظة حضوره تلك المجالس، ثم ما إن يخرج منها ويمسح دمعته حتى ينسى كلّ تلك القيم والمفاهيم السامية التي أرادت تلك الحركة الربانية إيصالها إلينا.

كما أن هذا يعني أننا نكون قد حولنا تلك السيوف التي شيمت في وجه الباطل من أجل الدفاع عن الحق وعن الدين إلى مجرّد أدوات رفعت ثم خفضت في آن من الآنات دون أن يكون لها ذلك الحضور الفاعل في حياة الاُمّة وتاريخها الجهادي ومسيرتها التحررية ضدّ سلاطين الجور والفساد. يقول أحد الشعراء:

أبا الثورة الكبرى صليلُ سيوفها *** نشيدٌ بأبعاد الخلود مُرجَّعُ
تُشير وإيماضُ القواضب مشعلٌ *** وتحدو بركب الثائرين فيتبعُ
أبا الطف ما جئنا لنبني بلفظنا *** لمعناك صَرحاً إن معناك أرفعُ
متى بنت الألفاظُ صرحاً وإنما الـ *** ـصروح بمقدود الجماجم تُرفعُ
ألا إن بُرداً من جراحٍ لبسته *** بنى لك مجداً من جراحك يُصنعُ
وضعناك في الأعناق حِرزاً وإنما *** خُلقت لكي تُنضـى حساماً فتُشـرعُ
وصُغناك من دمعٍ وتلك نفوسنا *** نصوِّرها لا أنت إنّك أرفعُ([7])

أي أن الإمام لم يحشد كلّ تلك القدرات المتمثلة بنفسه الشريفة، ونفوس أهل بيته وذويه، ونفوس أصحابه فضلاً عن عائلته من أجل دمعة نهريقها نحن عليه، بل إنه حشد كلّ ذلك من أجل السمو بالفكرة والارتفاع بالمعاني السامية والقيم والصعود بالسلوك والنبل إلى أعلى مصافهما، حتى يرتقي بالإنسان من المستوى البهيمي إلى المستوى البشري الخاضع للعقل وللدين.

إن الدمع ليس إلّا افراغاً طبيعياً يعتري الإنسان عندما تتأجج عاطفته، كأن يحزنه شيء أو يفرحه شيء أو ما إلى ذلك، وهذا الأمر الطبيعي لم يكن منظوراً في تحرك الإمام الحسين× ولا مقصوداً وراء حركته النهضوية التي أرادت أن تسمو بالإنسان، وأن تلج به عالم الرقيّ والنور بعد أن وضع نفسه في عالم الضلال والظلمات والجهل.

والدليل على ما نذهب إليه أننا نجد في روايات أهل البيت^ قول الأئمة المعصومين: «أحيوا أمرنا؛ رحم الله من أحيا أمرنا»([8]). وبناء على هذا فهل يمكن أن يُعد البكاء وإراقة الدمع ذا أثر فاعل وكبير في إحياء أمرهم^؟ إن الإمام× وهو يقول: «أحيوا أمرنا»، فهو× يريد أن يجعل من الإمام الحسين× مثلاً أعلى، وقدوة سامية يقتدى بها، واُنموذجاً نهضوياً يتّبع في كلّ تحركاته وسكانته، وأقواله وأفعاله، ومبادئه التي رفعها وهو يعلن عن تلك النهضة العلوية المباركة.

إن هذه المقولة الشريفة تريد أن تبين أن الإمام الحسين× بطل قد رفع لواء الحرية، وعمد إلى تحطيم مبادئ الجاهلية المتمثلة بالسلطة آنذاك؛ حيث إنه× وقف يصارع تلك القيم والمفاهيم والموروثات، ويقاتل تلك القيم المنحطة التي أرادت أن ترجع بالناس القهقرى إلى عالم الظلمات والجاهلية.

ومن هنا فإننا ينبغي أن نعي أن حركة الإمام الحسين× إنما ينبغي أن يُنظر إليها على أنها جامعة للمثل والمبادئ والقيم السامية والأخلاقيات والسلوكيات، ونظرة الإنسان إلى التحرر وكسر قيود الذل والعبودية، حتى تخرّج الإنسان المسلم حرّاً سليم الفكر، قويم السلوك، نبيل الأخلاق، يستطيع أن يستمد مما تعلّمه في تلك الجامعة الرسالية الفكرية كيف يمكنه أن يقف بوجه الظلم والظالمين، وأن يرفع كلمة «لا اله إلّا الله، محمد رسول الله|».

واقعة الحرة والثورة الحسينية

ومن هنا فإننا نجد أن المسلمين بعد ذلك قد بدؤوا يعون حقيقة الواقع الذي كانوا عليه، والواقع الذي كانت عليه السلطة آنذاك، فراحوا يرفعون أشرعة الثورة، ويعلنون شعار التصدّي والتحدّي لهذه السلطة أو تلك، فحمحمت خيولهم وهي تعدو إلى ساحات الجهاد والمعركة ضد الاُمويين الذين فرضوا على المسلمين أن يبايعوا ليزيد على أنهم عبيد أقنان؛ وهو الأمر الذي يعني أن يزيد له الحق في أن يتحكم برقاب هؤلاء، فيبيع فيهم ويشتري، وأن يتحكم بأموالهم وبنسائهم كونهن جواري عنده.

وهذا التحرك الذي شهدناه من أهل المدينة المنورة ما هو إلّا امتداد لتلك الثورة التي رفع شعارها وصاغ مبادئها سبط رسول الله| سيد الأحرار وسيد شباب أهل الجنة؛ لأنهم عرفوا أن تصرف يزيد هذا إزاء المسلمين سيما أهل المدينة الذين هم أنصار رسول الله| لا يقبله الإسلام في شيء ولا يرتضيه الله تبارك وتعالى الذي يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾([9]).

وهذا يعني أن الله تبارك وتعالى حينما خلق الإنسان خلقه وكرمه باختيار الخلقة له حيث إنه خلقه في أحسن تقويم، وكرمه بأن جعله أفضل المخلوقات وسيّدها، وكرمه بأن منحه هذا العقل الذي يضيء دربه، وكرمه بأن بعث إليه الأنبياء والرسل^ وعلى رأسهم سيد الأنبياء وخاتمهم نبينا الأكرم محمد بن عبد الله|. وإلّا فإن الإنسان ينبغي أن يكون كريماً في نظر الإسلام لا أن يذل بعلم من الحاكم الذي يدعي أنه يحكم باسم الإسلام بل بأمر منه كما حدث ورأينا.

والتاريخ يحدثنا أن بني اُمية كانوا يأخذون أموال المسلمين ويفرقونها على بني عمومتهم فيحرموا المسلمين من كدهم وتعبهم، فيما يتنعمون هم بكد غيرهم وما يجنيه اُولئك من أموال، وهذا هو السبب الذي حدا عمر ابن عبد العزيز إلى أن يأخذ الأموال التي سرقها بنو اُمية، والتي استولوا عليها ظلماً وجوراً، وراح يرجعها إلى الناس، حتى قالت له عمته: ألا تخشى منهم؟ فقال لها: «كل يوم دون يوم القيامة لا أخشاه»([10]).

أي أن هؤلاء قد نهبوا أموال المسلمين وأنا لا يكنّ لي حال، ولا يهدأ لي بال حتى أستعيدها منهم، واُرجعها إلى أهلها وأصحابها الشرعيين([11]). إذن فهذه الأموال قد سرقت من المسلمين بغير وجه حق بعد أن اعتدي عليهم، فضلاً عن أن أعراضهم قد انتهكت، ودماءهم قد اُريقت دون مراعاة لحرمتها حتى إن بسر بن أرطاة كما ذكرنا قد قتل في رحلته إلى البصرة ورجوعه منها ما يزيد على ثلاثين ألفاً، وقد أكثر القتل وأسرف فيه حتى إنه وصل الأمر بعقيبة الأسدي إلى أن يقول:

معاويَ إننا بشـرٌ فأسجِحْ *** فلسنا بالجبالِ ولا الحديدِ
أكلتم أرضَنا فجردتموها *** فهل من قائمٍ أو من حصيدِ
ذروا جورَ الإمارةِ واستقيموا *** وتأميراً على الناس العبيدِ
فهبنا اُمّةً ذهبت ضياعاً *** يزيدُ أميرُها وأبو يزيدِ
أتطمعُ في الخلافةِ إذ هلكنا *** وليس لنا ولا لك من خلودِ
وأعطونا السويّةَ لا تزرْكم *** جنودٌ مردفاتٌ بالجنودِ([12])

عاشوراء الفاجعة والدمعة

إذن فهذا هو الذي دعا الإمام الحسين× إلى أن يعلن ثورته ونهضته تلك التي أراد من خلالها أن يصارع قيم الجاهلية، وإلى أن يعيد الحق إلى نصابه، ويحق الحق، ويرجع بالناس إلى حِجْر الإسلام بعد أن حاولت الطغمة الحاكمة أن تعيده إلى جُحْر الجاهلية والظلام.

لكننا مع هذا نقول: إنه ليس هنالك من مانع أن يذرف الدمع على مصرع هذا السبط العظيم إذا ما كان هذا الدمع مقترناً بالعمل الفعلي بمبادئ تلك الثورة، ومشروطاً بالتقيد بأهدافها وشعاراتها والسير على خطها دون أن يحيد عنها الإنسان ولو قيد أنملة؛ ذلك أن الدمع كما ذكرنا ما هو إلّا إفراز طبيعي عندما تتأجّج المشاعر والعواطف، أي أن الإنسان سوف تنبجس عيناه بالدموع وهو يتأثر عاطفياً سواءً شاء ذلك أم أبى.

وهذا حق على كلّ مسلم يقرأ التاريخ فيعرف أن واقعة الطف قد تركت بيوت النبي الأكرم| خالية من أهلها ليس فيها من رجل، فإنه حتماً سوف ينبجس الدمع من عينيه دماً وهو يقرأ هذه الحقائق المرة والمخزية التي شكلت وصمة عار ونقطة سوداء حالكة على جبين الأمة الإسلامية التي فعلت هذا الفعل الشنيع برسول الله|، وبأهل بيته الكرام^. ورحم الله سليمان بن قبة> الذي قال حيث مرَّ ببيوت الإمام الحسين× وأهل بيته^ فرآها خالية:

مررت على أبيات آل محمد *** فلم أرَها أمثالها يوم حلّتِ
فلا يبعدِ الله الديار وأهلها *** وإن أصبحت منهم برغمي تخلّتِ
وإن قتيل الطفّ من آل هاشم *** أذّل رقاب المسلمين فذلّتِ([13])

وهذا هو الذي حدا السيدة العقيلة زينب× إلى أن تجول بتلك الديار الخالية، فترى محاريب إخوتها وهي خاوية ليس فيها من أحد، وتطرق البيوت النبوية فلم تجد فيها غير الأرامل واليتامى، فتختنق بعبرتها:

فكم دعت زينب والدمع ينهملُ *** هذي الطفوف ومنها في الحشا شعلُ
من ناشد لي أحباب بها نزلوا *** (بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلفوا في سويدِ القلب نيرانا)

هُمُ الأمان لدهر راعه فزعُ *** والواصلون إذا ما أهله قطعوا
هل لي برجعتهم لما مضوا طمعُ *** (نذر علي لئن عادوا وإن رجعوا

لأزرعن طريق الطف ريحانا([14])

____________________________

([1]) انظر: مناقب آل أبي طالب 3: 263، تهذيب الكمال 6: 448، جميع دواوين الشعر العربي على مر العصور 16: 299، وفيه أنها لديك الجن عبد السلام بن رغبان.

([2]) المنتخب من معجم شيوخ السمعاني 1: 321.

([3]) ينابيع المودَّة 3: 48.

([4]) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 265 ـ 266، تفسير الآلوسي 26: 73 قال الآلوسي: «وأبو بكر بن العربي المالكي عليه من الله تعالى ما يستحق أعظمَ الفرية، فزعم أن الحسين قتل بسيف جدّه (صلى الله عليه وسلم)، وله من الجهلة موافقون على ذلك، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبَاً﴾ الكهف: 5.

وقال ابن الجوزي (عليه الرحمة) في كتابه (السرّ المصون): من الاعتقادات العامّة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنّة أن يقولوا: إن يزيد كان على الصواب، وأن الحسين> أخطأ في الخروج عليه. ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح. ثم لو قدّرنا صحّة عقد البيعة، فقد بدت منه بوادٍ كلّها توجب فسخ العقد، ولا يميل إلى ذلك إلّا كلّ جاهل عامّي المذهب يظنّ أنه يغيظ بذلك الرافضة».

([5]) الحجرات: 9.

([6]) حيث قال لها رسول الله|: «يا اُمَّ سلمة، جاءني جبرئيل فأخبرني أنّ ولدي حسيناً يُقتل بأرض العراق، وأتاني بهذه التربة من موضع قتله. فخذيها وضعيها في قارورة، فإذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنه قد قتل». بحار الأنوار 44: 238، 268، المعجم الكبير 3: 108 ـ 110 / 2817، 2819 ـ 2821، 23: 308، كنز العمّال 13: 656 / 37666، 657 / 37667.

([7]) ديوان المحاضر 1: 32.

([8]) الخصال: 22 / 77، الأمالي (الطوسي): 135 / 218.

([9]) الإسراء: 70.

([10]) انظر الطبقات الكبرى 5: 398.

([11]) وهذا ما يذكرنا بقول أمير المؤمنين×: «وَاللهِ لَو وَجَدتُهُ قَد تُزُوِّج بهِ النِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ لَرَدَدتُهُ؛ فَإِنَّ فِي العَدلِ سَعَةً، وَمَن ضَاقَ عَلَيه العَدلُ فَالجَورُ عَلَيه أضيَقُ» نهج البلاغة 1: 46 / الكلام: 15.

([12]) انظر تاريخ مدينة دمشق 26: 47.

([13]) انظر بحار الأنوار 45: 244، 290 ـ 291، 293 ـ 294، تاريخ مدينة دمشق 14: 260، اُسد الغابة 2: 22، الإصابة 7: 126.

([14]) البكاء في فجائع كربلاء (حسين بن علي الفرطوسي الحويزي): 40.

الكاتب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

مواضيع متعلقة