كشكول الوائلي _ 107

كشكول الوائلي _ 107

أقسام الناس في التشريع الروماني

فقوله تعالى: إِنَّمَا الْمؤمنونَ إِخْوَةٌ يشكّل مبدأ حضاريّاً يتناغم مع كل النظم الدولية الحديثة، وهو مبدأ أعلنه الإسلام، في وقت كان يسود العالم فكر فلاسفة اليونان (أرسطو وافلاطون)، ونظرياتهم في التمييز بين الناس لا زالت موجودة وتعيش إلى الآن بيننا، وقد أثّرت سلباً على الفكر الاجتماعي. وكان أرسطو يقول: إن نظام الرقّ نظام طبيعي. أي أن اللّه‏ خلق البعض ليكون عبدا، فبعض الناس مخلوقون ليكونوا عبيدا، وبعضهم مخلوقون ليكونوا أحرارا. فكل جنس له مخّ ودم معيّنان، وهذا معلم الإسكندر وسيد فلاسفة اليونان، ومع ذلك يقسم الآلة إلى قسمين: آلة صامتة وآله ناطقة، فالآلة الصامتة مثل الفأس والمسحاة وغيرهما من أدوات الزراعة والصناعة، والآلة الناطقة هي الفلاح والحارس والعامل، فحكمهم حكم الفأس. فهل يوجد إجحاف بالإنسانية أكثر من هذا؟ بل والأنكى من هذا أنهم يسموننا الوحوش، وفكرهم هذا يقتل الإنسان والإنسانية في حين أن الجزيرة العربية مهد البداوة قد انطلق منها فكر عظيم لبناء الإنسان ومجتمعه على أساس المساواة والمؤاخاة.

إن فلسفة روما تقسم الناس حسب التشريع إلى قسمين:

الأوّل: الأحرار

وهم نوعان: الاُصلاء وهم الرومانيون، وغير الاُصلاء وهم اللاتينيون.

الثاني: السفلة

وهم أربعة أقسام: الأرقّاء وهم العبيد، والمعتقون، ونصف الأحرار، والأقنان وهم الذين يتبعون الأرض عند بيعها وشرائها.

ووفق هذا التشريع والتقسيم فإن حقوق المواطنة تكون للأحرار (الرومان) فقط، أما الباقون فليس لهم حقّ المواطنة. وهذا الأمر الغريب له مثيل في حضارة العرب أيّام الجاهليّة، فعند بعض القبائل في الجزيرة نوعان من الولاء: ولاء عتاقة، وولاء اتّباعة؛ فمولى عتاقة هو المأخوذ من الحرب ويصبح أسيرا ثم يعتقونه فيتبع القبيلة التي أعتقته، لكن لا يعطونه حقوق الفرد من القبيلة، أي ليس له حقّ المواطن. أما مولى اتّباعة فهو الشخص الذي تنفيه قبيلته، فيأتي إلى قبيلة ثانية فتقبله عضواً فيها ويكون تابعاً لها، لكنها لا تعطيه حقّ المواطنة كذلك.

وهكذا نجد أن الغرب والشرق كانا على هذه الشاكلة من التمييز العرقي أو الطبقي أو ما شاكل، لكن حينما جاء الإسلام غيّر كلّ هذا، كان عقبة بن عامر صاحب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء، وكان مرّة يقود بغلة النبي صلى الله عليه وآله في سفر له، يقول: قدت برسول الله صلى الله عليه وآله وهو على راحلته رتوة من الليل ـ والرتوة: نحو من ميل، أورمية سهم(1) ـ ثم قال لي: « أنخ ». فأنخت، فنزل عن راحلته ثم قال: « اركب يا عقبة ». فقلت: سبحان الله! على راحلتك؟ فأمرني فقال: « اركب ». فقلت أيضا مثل ذلك وردّدت ذلك مرارا، حتى خفت أن أعصي رسول الله صلى الله عليه وآله،

فركبت راحلته ثم زجر ناقته فقامت، ثم قاد بي(2).

وهذا اللون من التعامل والتكريم لا يمكن أن يجده أحد في أي تشريع، فهذا المكان الذي يقولون عنه: إنه مركز البداوة، وإنه المركز الذي أعدّ هذه الهجمة البدوية، إنه لم يكن كذلك مطلقاً، بل إنه مركز لهجمة حضارية غيّرت وجه الدنيا، وعبّرت عن أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الإيمان يلغي كلّ الفوارق: إِنَّمَا الْمؤمنونَ إِخْوَةٌ. فهل هناك في غير الإسلام رئيس يعتق عبدا، ثم يجلس إلى جانبه ويتزوّج من قومه ويأكل معه؟ لقد آخى النبي صلى الله عليه وآله بين عظماء من العرب وبين خباب بن الأرتّ، وبلال الحبشي. وكان بنو بياضة أرقى اُسرة في الأنصار، لكن النبي صلى الله عليه وآله أمرهم بأن يزوجوا غلاماً منهم وهذا التكريم للإنسان يحقّق معنى الآية من أن الإيمان هو علّة الإخاء، فقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله الإخاء في هذه الفترة التي تموج الأرض بها بالتفرقة.

يتبع…

______________________

(1) لسان العرب 14: 308 ـ رتا.

(2) المعجم الكبير 17: 335 ـ 336. إمتاع الأسماع 7: 223.



فليرحل معنا ـ 3

فليرحل معنا ـ 3

تقديم: هدى الشملاوي/ أم السادة

المؤهل الثاني: قوة الإرادة

الإمام من مواصفاته أنه أقوى الناس وأعظمهم في كل الملكات الفاضلة وعلى رأسها الصبر؛ لذلك يقول: أنا أعظم الناس صبراً، وأشدهم إرادة وحزماً، كما كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهذا مؤشر على إمامته؛ فالقرآن الكريم عندما تحدث عن أئمة بني إسرائيل قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، فقد علّل تقلدهم منصب الإمامة بتوفر ملكة الصبر عندهم والحسين يشير إلى صبره، يقول: «نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين».

يستمر الإمام الحسين في تحفيز الناس على نصرته ويتحدث عن امتداد الرسالة، يقول: نحن امتداد لجدنا رسول الله «لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تسر بهم نفسه وتقر بهم عينه»، ثم يعبر عن قيادته الأبوية الرحيمة «ألا فمن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى».

طارق بن زياد عندما أراد لجنوده أن يقاوموا، تجاوز بهم البحر وأغرق السفن وأحرقها، وقال لهم: البحر من ورائكم والعدو أمامكم ولا مجال لكم إلا القتال، فقاتَلوا مضطرين مكرهين، أما الحسين بن علي فأراد أن يقاتل أصحابه عن رغبة وحب للشهادة، وإقبال وقناعة لا عن إكراه؛ لذلك قال: «ألا فمن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى».

فلْنَتصوَّر أنَّنا كنا مع أولئك الناس ليلة خروج الحسين عليه السلام من مكة، فهل كنَّا خرجنا معه؟
الإمام الحسين عليه السلام حدَّد صفتين للمؤهَّلين للخروج معه:

الاُولى: توطين النفس على لقاء الله تعالى.

الثانية: بذلُ المُهَج في أهل البيت عليهم السلام.

توطين النفس لغة: وطَّن نفسَه على الأمر / وطَّن نفسَه للأمر: حَمَلها عليه وهيَّأها لفعل، أوطن نفسَه على كذا: مَهَّدها له، ورضّاها به، أوطنت نفسي على خشونة العيش.

رحلة توطين النفس وبهذه الدرجة العالية التي يريدها سيد الشهداء لا تحصل بشكل دفعي ومرة واحدة ؛ فإن الوصول إلى مقام الطاعة الكاملة والخضوع التام يحتاج إلى نوع من التدريج شيئاً فشيئاً فيجب أن تمر النفس بمراحل حتى تصل هذه الدرجة العالية من التكامل أي التوطين الذي يصفه المعصوم ويريده. فالنفس هي أكبر وأصعب امتحان كتبه الله تعالى على الإنسان في هذه الحياة.

النفس كالطفل إن تتركه شب على ***** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وليس ينجح في هذا المضمار كل أحد، بل إن الخاسرون كثيرون؛ فجميع الذين تركوا الحسين عليه السلام الغير معذورين لم يوطنوا أنفسهم، بل إن بعض من جاء مع الحسين عليه السلام كان لأجل الغنائم وبعضهم لم يكن بمستوى التوطين الكافي، لذلك لما رأى الموت أمام عينيه وأنه لا مجال له في الحياة لم يستطع أن يكمل المسير ولم يُوفق لذلك؛ ذلك لافتقاده لكثير من المقدمات التي امتلكها أصحاب الإمام عليه السلام الذين وطّنوا أنفسهم على لقاء الله.

التوطين لابدَّ لحصوله من تثبيت المعرفة بالله تعالى، وتطويرها وعدم الاكتفاء على المعرفة النظرية التي نحصِّلها من خلال التأمّل، والمطالعة، والتعلَّم، من قبيل البعرة تدلُّ على البعير، والآثار على المسير، فإن هذا غير كاف؛ لأن هذه المعرفة رغم قيمتها الكبيرة، إلا أنَّها لا تنعكس في السلوك، فقد يكون حال هذا العارف كالمعتقد بأن الميِّت لا يؤذي، لكنّه يخاف من النوم إلى جانبه لذا لابدّ من تفعيل هذه المعرفة من خلال السلوك من صلاة وصوم وحج ودعاء، لكن هذا السلوك قد يكون جافًّا، فلابدّ من ترطيبه من خلال التأمل بجمال الله تعالى وكماله الجاذب إلى حبِّه؛ لأن الإنسان مفطور على حبِّ الكمال، فحينها يُدرك معنى حبِّ لقاء الله.

إذا دقننا في العبارة «… من كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا..» فيتضح أن توطين النفس على لقاء الله هو الذي قاد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام إلى بذل تلك المهج الغالية في حب الحسين؛ لأن الحسين هو من يمثل الله على الأرض، أو هو الحلقة التي من خلالها يستطيعون الوصول إلى الله أو إلى الوطن الإلهي ولقاء المحبوب، وعليه يمكن القول أن بذل المهجة في سبيل كل مصلح إلهي يمثل الله هو نتيجة لتوطين النفس على لقاء الله، فترخص النفس أمام الذي يمثل الله، وهذا ما نحتاج التأمل فيه كثيراً، فكلنا يريد بذل مهجته في ولي الأمر «أرواحنا فداه».

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ جعفر العوامي

المتوفّى سنة ( 1342 )

ويقول في رثاء الحسين عليه السلام :

ما لي أرى المجد قد هدّت جوانبه *** وصوّحت بالردى حزنا نواعبُهُ

هل راعه ما دجا في الكون عاصفة *** أم زعزعت بيد البلوى مناكبُهُ

أم هاجه رزء من كان العماد له *** إذ أنشبت للردى فيه مخالبُهُ

تقاذفته يد البلوى غداة به *** أكف سفيان قد أضحت تجاذبُهُ

أضحى لمغترب الدارين مغتربا *** بحيث حلّت على لأي ركائبُهُ

فقطبته العِدا من كل ناحية *** وليس من منجد إلاّ أقاربُهُ

قوم بهم تكشف الغمّاء إن عرضت *** والكرب يفرج أن أدجت غياهبُهُ

من كل ليث لدى الهيجا مخالبُهُ *** بيض وأظفاره عدوا قواضبُهُ

مدعّس أقعس قرم غشمشم لا *** يلين ذلاًّ لغير اللّه جانبُهُ

شمردل برجف الأرضين إن نهضت *** به إلى العزّ نفس لا تكاذبُهُ

وكل أشوس يوم الروع تحسبه *** بصهوة المهر والهندي صاحبُهُ

يسطو فتنفر منه خوف نقمته *** عوارك في الوغى أضحت تكالبُهُ

يغصّ فيه فم الحتف الزؤم متى *** حسامه في العِدا غنّت رواعبُهُ

يحمون خدرا من المجد الأثيل به *** ثبتن في ذروة العليا ذوائبُهُ

فادين بالنفس من ألقى الزمان له *** مقالدا وله لانت مراكبُهُ

يكفيك نبلاً بهم أن ذاك عيبهُمُ *** والمرء يكفيه أن تحصى معايبُهُ

للّه دَرهُمُ كم أعقبوا سننا *** والمجد من حمدت ذكرا عواقبُهُ

جادوا بأنفسهم للّه حيث شرى *** منهم فجلت لهم قسما مواهبُهُ

وأرخصوا في طلاب المجد أنفسهم *** والمجد يرخص فيه النفس طالبُهُ

حتى قضوا بين مطوي الحشا سغبا *** ما بل من بارد الأمواه ساغبُهُ

وبين منعفر بالدمّ مختضب *** في جندل مضرم كالجمر لاهبُهُ

أفدي حسينا على الرمضاء منجدلاً *** قد ضمخت بالدما منه ترائبُهُ

تجري الجياد عليه ليتها عقرت *** مجردا بالعرا قد شلّ سالبُهُ

ورأسه فوق ميّاد اُقيم وقد *** أصم سمع الورى بالحزن نادبُهُ

للّه يوم أصمّ الكون عاصفه *** والحق بالجور قد فلت مضاربُهُ

يوم به غربت للسعد أنجمه *** والنحس أذّن بالإشراق غاربُهُ

يوم به قام ناعي الدين منتدبا *** ينعى غداة به حلت مصائبُهُ

يوم به كسفت شمس العلا فعلت *** للبغي رغما على العليا غياهبُهُ

يوم به خفرات المجد قد برزت *** أسرى بحيث غفت منه كواكبُهُ

لهفي لها إذ غدت تدعو عشيرتها *** وقومها يا لثار قل طالبُهُ

قوموا غضابا بني فهر فمحتدكم *** تدكدكت من رواسيه أهاضبُهُ

يتبع…



المسائل الشرعية / الطهارة ـ 08

المسائل الشرعية / الطهارة ـ 08

الشيخ علي المرهون

الوضوء

س 034: ما هو الوضوء؟ وما هي واجباته؟

ج: الوضوء كله غسلتان ومسحتان، غسلتان للوجه واليدين ومسحتان للرأس والقدمين كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ([1]) . فيجب غسل الوجه من قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضاً، ويجب غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع. ويجب مسح الربع المقدم من الرأس، ثم مسح القدمين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وهما العظمان الناتئان في ظهر القدمين.

هذه واجباته، كما يجب فيه الترتيب، فتغسل أولاً الوجه، ثم اليد اليمنى، ثم اليسرى، ثم مسح مقدمة الرأس، ثم مسح القدمين.

س 035: ما هي موجبات الوضوء المعبر عنها بالنواقض؟

ج: نواقض الوضوء ستة، وهي:

1 ـ البول.

2 ـ الغائط.

3 ـ الريح.

4 ـ النوم.

5 ـ الإغماء.

6 ـ الاستحاضة الصغرى.

س 036: متى يجب الوضوء، ومتى يستحب؟ وهل نيته واحدة؟

ج: يجب لكل ما تجب الطهارة له كالصلاة، والطواف، وأمثالهما. ويستحب لغير ذلك، بل في كل وقت ولو للنوم، أو الكون على الطهارة. وتختلف نيته باختلاف غاياته.

س 037: ما هي النية؟ وهل هي باللسان، أو الجنان؟ وفيهم تجب؟

ج: تجب النية لكل أمر عبادي، وهي عبارة عن امتثال أمر المولى المقصود، ولا يجب فيها التلفظ، ولا يستحب إلّا في الحج والعمرة. وهي بالنسبة إلى العبادات كما هي بالنسبة إلى العادات. وهي شرط في صحة كل ما يريد العبد أن يتقرب به إلى ربه.

____________

([1]) المائدة: 6.



كشكول الوائلي _ 106

كشكول الوائلي _ 106

وربما يقول أحد ما: إن إِنَّمَا تفيد الحصر، كأن تقول مثلاً: إنما الأحمر هذا اللون، أي أنه لا أحمر إلاّ هذا اللون. وعليه فإن المعنى يكون هنا أنه لاتوجد اُخوّة إلاّ اُخوّة الإيمان. وتترتّب على هذه الاُخوة آثار عدّة منها:

الأثر الأول: أن الاُخوّة ليست للدم

فبعض الإخوة وإن كانوا من صلب واحد أو من بطن واحد لكن هذه ليس علة للإخوة؛ لأن المعلول لايتخلّف عن العلّة، كشعاع الشمس الذي لا يتخلف عنها إذا طلعت. فالإخوة الذين يكونون من صلب واحد وبطن واحد قد لا يتحقّق معنى الاُخوّة فيما بينهم، كأنها تُرى بينهم العداوة والبغضاء. ونستنتج من هذا أن الانحدار من صلب واحد أو بطن واحد لا يمكن أن يكون علّة للاُخوّة.

وكمثال على هذا قصّة الأمين والمأمون فهما أخوان كما هو معروف، وقد عاشا في ظروف موحدة، لكن كان لكل واحد منهما اتجاهه في الحياة، وقد وصل الأمر بينهما إلى درجة أن دخلت جيوش المأمون على الأمين وقتلوه وشدّوا الحبل به، وجرّوه في الشارع. لقد قتله المأمون مع أنه أخوه، وهذا يدل على انعدام الإيمان فيما بينهما الأمر الذي أوصلهما إلى أن يصبغا مياه دجلة باللون الأحمر، وتضطر مجموعة من عائلة الأمين إلى التشرّد. وهكذا انتهى الأمر إلى هذا الحال على الرغم من كونهما أخوين.

فمجرد الانتماء إلى الأب أو الاُم ليس علّة للاُخوّة. ثمّ إن المشرّع الإسلامي يرتّب آثارا على اُخوّة الإيمان أكثر ممّا يرتبها على اُخوّة الدم. فالإمام الرضا عليه السلام مثلاً كان له إخوة، لكن لما توفي الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، فإن أول من خاصمه إخوته، فرفعوا عليه دعوى مفادها أنه قد أخذ ميراث أبيهم واستبدّ به. وهذه تهمة خطيرة لإمام مفترض الطاعة، مع أن الإمام الرضا عليه السلام كان يوصل الأموال إليهم ويتعاهدهم واحدا واحدا.

وكان أحدهم ـ ويسمى العباس ـ أشدّ خصومة للإمام الرضا عليه السلام من غيره؛ بحيث إنه لايتورّع عن اتّهام الإمام عليه السلام في أي مجلس. وهؤلاء كانوا يعيشون محنة من المفروض أن تجمعهم، ولكنهم لم يراعوا ظرف الإمام عليه السلام . ومن مظاهر هذه المحنة ـ ومحن أهل البيت عليه السلام كثيرة ـ أنه حينما سجن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام حصل تحرّك شيعي في بعض المناطق الموالية لأهل البيت عليه السلام ، وقد أخذ هذا التحرّك صبغة ثورات ضد الرشيد والمأمون من بعده، وكان الجلودي قائد المنطقة الشرقية في خراسان للرشيد، وثم انتقل إلى المدينة، فأرسل إليه الرشيد وقال له: إني آمرك أن تكبس دار موسى بن جعفر وتحرقها بالنار، وتأخذ الملابس والحلي من العلويات. وفعلاً جاء الجلودي ووضع الحطب وأشعل النار، فأحرق دار الإمام عليه السلام ، فخرج الإمام الرضا عليه السلام من الدار وهو يردّد: «أنا ابن إسماعيل ذبيح اللّه‏، أنا ابن إبراهيم خليل اللّه‏»، فأطفأ النار، فقال له الجلودي، أنا مأمور بأخذ الحلي والحلل من النساء. فقال له الإمام الرضا عليه السلام : «أما هذا فلا سبيل إليه، ودونه رقبتي. وأنا آتيك بالحلي بيدي وأعطيك الضمان بذلك على ألاّ تتعرض لعائلتي». وفعلاً دخل الإمام عليه السلام وانتزع ماعند النساء من الحلي فأعطاه إيّاه(1).

ومرت أيام وليالٍ، وجاء المأمون للحكم ونصب الإمام الرضا عليه السلام وليا للعهد، وجاء بالجلودي، فلما رآه الإمام الرضا شاهد أن وجه المأمون قد تغيّر؛ فقد كان يعرف ما الذي فعله الجلودي مع عائلة الإمام وفي داره، لكن الإمام عليه السلام التفت إليه وقال: « هب لي هذا الشيخ ». فهو عليه السلام يتشفّع له ويرجو المأمون ألاّ يعاقبه مع ما له من موقف شائن معه، لكنه ظن أن الإمام عليه السلام إنما يحرّض المأمون ضدّه، فالتفت إلى المأمون وقال: اُقسم عليك باللّه‏ ألاّ تسمع كلام هذا فيّ. فقال المأمون: أنا فعلاً سوف لن أسمع كلامه فيك، اطرحوه واضربوا عنقه. فقتله(2).

فالإمام الرضا عليه السلام وإخوته عاشوا هذه الأجواء المشحونة، وتعرّضوا إلى محنة، وكان عليه السلام يعول عوائلهم لكنهم مع هذا وقفوا منه موقفا غاية في الشدّة، ولاحقوه مع أنهم إخوة من أب واحد. فالانتماء إذن من اُم أو أب ليس علّة للحب والاُلفة والاُخوّة، أمّا الإيمان الواقعي فهو علّة للاُخوّة، فاُخوّة الإيمان

اُخوّة ثابتة تجمع بين القلوب، والمؤمن ينصر المؤمن ويراعيه. وهذا هو السبب الذي من أجله يحرص الإسلام على غرس الإيمان في النفوس، فهدفه هو أن تتحقق الحياة الكريمة القائمة على الحبّ والمودّة. وكلّ شيء ينافي الاُخوّة يحاربه الإسلام.

والإسلام يحث على التكافل بين المؤمن وأخيه المؤمن: « أ أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى؟»(3). فليس من الإسلام من يبيت مبطانا وإلى جانبه جار يتضوّر جوعا. فالإنسان لو يخرج ما عليه من حق شرعي لما جاع جاره، فإن لم يفعل لم يكن هناك جوّ إيماني. وهناك نوعان من الجوع، نذكر رواية يرويها صاحب ( الوسائل ) الحرّ العاملي في وسائله فيقول: عن معتب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام وقد تزيّد السعر بالمدينة: « كم عندنا من طعام؟ ». فقلت: عندنا ما يكفينا أشهرا كثيرة. فقال عليه السلام : « أخرجه وبعه ». قال: فقلت له: وليس بالمدينة طعام؟ قال: « بعه ».

يقول: فلمّا بعته قال: « اشترِ مع الناس يوما بيوم ». وقال: « يا معتب، اجعل قوت عيالي نصفا شعيرا ونصفا حنطة، فإن الله يعلم أني واجد أن أطعمهم الحنطة على وجهها، ولكني اُحب أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة »(4).

فهذه خطوة عظيمة من الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، وتصرفه هذا تشريع، فهناك الآن من يعتبر عمل الصحابي سنّة، وكذلك أهل البيت عليهم‏السلام فإن فعلهم يعدّ تشريعا. وفي الكتاب نفسه يروي العاملي رواية اُخرى فيقول: أصاب أهل المدينة غلاء وقحط، حتى أقبل الرجل الموسر يخلط الحنطة بالشعير ويأكله ويشتري ببعض الطعام، وكان عند أبي عبد الله عليه السلام طعام جيّد قد اشتراه أوّل السنة، فقال لبعض موإليه: « اشترِ لنا شعيرا فاخلطه بهذا الطعام، أو بعه؛ فإنا نكره أن نأكل جيّدا ويأكل الناس رديئا » (5).

فنحن مسلمون، وهذا اللون يحقّق معنى الإخاء فيما بيننا، ولهذا فإننا نجد في باب الحكرة أن الرجل المحتكر (والاحتكار ليس في الطعام فقط، بل هو في كل شيء يسبب ضررا للمسلمين ويختصّ به رجل واحد) مخالف للإيمان.

يتبع…

____________________________

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 171 ـ 173.

(2) المصدر نفسه.

(3) نهج البلاغة / الكتاب: 45.

(4) وسائل الشيعة 17: 436 ـ 437 / 22932، وانظر الكافي 5: 166 / 2.

(5) وسائل الشيعة 17: 436 / 22931، وانظر الكافي 5: 166 / 1.



فليرحل معنا ـ 2

فليرحل معنا ـ 2

تقديم: هدى الشملاوي/ أم السادة

قيل: انظروا إليه لا يبالي بالموت! وكان يقول لأصحابه: «صبراً بني الكرام! فما الموت إلاَّ قنطرة يعبر بكم عن البؤس والضرَّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة». وسبب هذا المشهد الراقي هو نظرة الإمام الحسين عليه السلام إلى الموت بأنَّه وصل وليس بفصل، فهو يعبر عن الموت بقوله: «لقاء الله»، من كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا». فقد أراد عليه السلام بهذه البداية الواضحة أن تصغر الدنيا في أعين سامعيه، فهي دار كل ما فيها مصيره الزوال ونهايته الحتمية هي الموت، فلا مسوّغ للتشبث بها وارتكاب المعاصي ومخالفة أوامر الله من أجلها، وهذا كان أول المحفزات في خطابه وكان له مغزى وراء ذلك؛ لأن الإخلاد إلى الأرض الفرار من الموت والتشبث بالدنيا ـ كما هو بلاءنا اليوم ـ كان بلاء الناس في ذلك الزمان أيضاً، زمان بني أمية، فبدأ الإمام بعلاج هذا الداء الروحي المستشري في الأمة من جراء سياسة بني أمية (لعنهم الله)، هذا أولاً.

ثانياً: أنه عليه السلام كان يتكلم مع الناس بكل واقعية و بمنتهى الشفافية: نحن سائرون‌ إلى الموت‌ الذي‌ لا بدّ منه‌، طريقي طريق موت وليس لدي خيار آخر، ولم يكتف بذلك، بل ويذكر تفاصيل موجعة ومؤلمة لمكان وكيفية استشهاده نقف عليها لاحقاً إن شاء الله، بل ويقول: إنني في هذه الأوضاع العصيبة التي صرت إليها أحسّ بانشداد عميق نحو الموت والشهادة، كان الحسين عليه السلام ولهاً بالشهادة، ولهاً باللحوق بأجداده وأسلافه؛ «وما أولهني إلى أسلافي»، أسلافه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، علي عليه السلام، فاطمة سلام الله عليها، الحسن عليه السلام، «وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف».

 عندنا حب وعندنا عشق وعندنا وله، والوله أشد المراتب وأعظمها؛ لأن الحب هو ميل الإنسان إلى شيء معين، والعشق هو تعلق القلب بذلك الشيء بحيث لا ينساه ولا يفارق ذكره، وأما الوله: فهو أن تتفاعل جميع قواك وجميع جوانحك بهذا الشيء دائماً تلهج بذكره وتتصوره، وفي هذه الفقرة بالذات يعلمنا الإمام كيف ينبغي أن تكون العلاقة مع المعصوم.

وهنا يكمن المحفز الثاني؛ فإن شوق القائد إلى الشهادة يعطي أتباعه تحفيزاً، وحماساً، ولهيباً نحو الهدف الذي يريد الوصول إليه. حتى وإن كانت المعركة التي سيخوضها مأساوية لم يُراد لها تحقيق أي نصر عسكري فإني سأقدم عليها بكل وله، ويدق هنا ناقوس الحزن والخطر فيقرع القلوب «كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات» ـ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله ـ ثم ينتق الى ذكر جملة من مميزاته وخصائصه التي تعد محفزاً ثالثاً لمن يستمع إليه فيقول:

«وخير لي مصرع أنا لاقيه»، هذا المصرع اختيار من الله عز وجل، أي من إرادته التكوينية، ويُذكر معنى آخر لعبارته الشريفة أن مصرعه خيرٌ للاُمة على حسب القراءتين الواردتين للفقرة.

التسليم: لا محيص عن يوم خط بالقلم، الحسين عليه السلام يعبر عن مرتبة التسليم وهو أن تبذل كل ما عندك في سبيل رضا الله عز وجل؛ لذلك كان يقول يوم عاشوراء: «اللهم رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك يا غياث المستغيثين».

الإمامة: الحسين عليه السلام يعبّر عن مواصفات الإمامة، يقول بطريقة غير مباشرة: أنا إمام، وإن مواصفات الإمامة متوفرة في شخصي، ويذكر أهم مواصفات الإمامة وهم مؤهلان:

المؤهل الأول: العصمة

«رضا الله رضانا أهل البيت»، يشير إلى عصمتهم عليهم السلام؛ لأنه لما كان رضانا متعلق: رضا الله على وحيث إن الله سبحانه لا يرضى بالمعصية صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن لا نرضى بالمعصية ولا نرتضيها، فنحن معصومون عن الزلل، ففي كل أمر إذا كان المورد مورد رضا الله فهو مورد رضانا.

يتبع…



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{36} الشيخ جعفر العوامي

المتوفّى سنة ( 1342 )

هو العلاّمة العلم، الشيخ جعفر ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عبد اللّه‏ العوامي، المولود في ( 15 / 5 / 1281 ). عني به أبوه عناية تامّة، فرباه تربية صالحة. والولد إذا كان على استعداد لقبول الكمالات كان بالتربية متأثّرا، ولقبول العلوم أهلاً، ولكل شيء صالح مفعولاً في نفسه، فربما رقى به إلى الأج، كمترجمنا (أعلى اللّه‏ مقامه)؛ فلقد بزّ أقرانه، وأصبح منقطع النظير بين أخدانه في كل ما اُوتي من مواهب. تلقّى أكثر علومه في النجف الأرف، حيث أقام هناك ثمانية عشر سنة، وبعدها عاد إلى وطنه القطيف، فكان مقرّه في بلاده العوامية علما من الألام، قائما بواجبه، مؤديا لرسالته، ومن ذلك مؤلّفاته القيّمة التي تزيد على أربعين مؤلفا في الفقه والتوحيد وشتى العلوم، ولولا ضيق المجال لذكرتها مفصّلة. واءن شئت ذلك فارجع اءلى ما كتبه عنه حفيده في كتابه ( أعلام العوامية ) من ترجمته المفصّلة. وتجد هناك شيئا كثيرا من أدبه الذي مدح ورثى به أهل البيت عليهم السلاممما يزيد على ثلاثين قصيدة، أخذنا منها موضع الحاجة. توفّي ( رحمه اللّه تعالى ) في البحرين ( 13 / 1 / 1342 )، ودفن مع العلاّمة الكبير ميثم ( تغمده اللّه بالرحمة، وصبّ على قبره شآبيب المغفرة
والرضوان ). فلنستمع اليه يقول :

في رثاء الحسن عليه السلام

هلمّ لنبك الدين لانت قناته *** وساد على السادات فيها عبيدُها

هلم لنبك هاشميا تطاولت *** به نبعة للمجد يسمو صعودُها

إذا ما السنين الممحلات تراكمت *** وعز على أهل الزمان جمودُها

دعا ابن أمير المؤمنين إلى الندى *** ومن لركاب الدين مجدا يقودُها

لقد حجّ مشياً والركائب دونه *** مجنّبة شدّت عليها قتودُها

لعمري لقد صارت سجايا جدوده *** إليه ويسمو بالجدود وليدُها

ولم أنسَه لمّا تجرع شربة *** من السم دافته إليه وغودُها

قضى نحبه لمّا تقطّع قلبه *** فهدّ من الدين الحنيف مشيدُها

ولم أنسَ إذ ساروا به عند جده *** لتجديد عهد باعدته عهودُها

وسلّ جهارا منه سبعون نبلة *** وكل لقد شاكت وخاض عديدُها

فأين رسول اللّه عنه وفاطم *** وحيدرة مولى الورى وعميدُها

فذا جسمه أضحى كقنفذ شوكة *** وقد حكمت خير البرايا عبيدُها

وهلاّ قريش أقبلت في سراتها *** وجعجع بالخيل العراب عديدُها

وهلاّ نزار رجعت في كماتها *** وحمرائها حتى قصيا تعيدُها

لتنظر ما لا قى فتاها من الأذى *** وهل فيهُمُ من بعده من يسودُها

نعم في أبي المجد الحسين كفاية *** لطالب مجد إذ تسام وفودُها

ألا إنه في رزئه خير صابر *** كما إنه للمؤمنين رشيدُها

فصلّى عليه اللّه خير صلاته *** متى من أريج الريح هب جديدُها

يتبع…



المسائل الشرعية / الطهارة ـ 07

المسائل الشرعية / الطهارة ـ 07

س 030: كيف يطهر بالماء ما كان نجساً؛ سواء كان ثوباً، أو غيره؟

ج: إذا كان الماء كثيراً يكفي وضع المتنجس فيه حتى يستولي عليه فيطهر؛ سواء كان ثوباً أو آنية أو فراشاً، وإذا كان الماء قليلاً فيصب على المتنجس مرتين بينهما عصرة إذا كان مما يعصر وحينئذٍ يطهر. والآنية سواء كانت كبيرة أو صغيرة أو ثابتة أو غير ثابتة يدار فيها الماء حتى يستولي عليها ثم يفرغ ثم يدار فيها كذلك ثم يفرغ، فتطهر.

س 031: ما هي النجاسات؟ وما عددها؟

ج: هي عشرة:

1 ـ البول من غير مأكول اللحم، وهو طاهر من مأكوله كالغنم.

2 ـ الغائط من غير مأكول اللحم، وهو طاهر من مأكوله كالغنم.

3 ـ المني من ذي النفس السائلة، أي ذات الدم السائل الفوّار.

4 ـ الدم.

5 ـ الميتة.

6 ـ الكافر.

7 ـ الكلب.

8 ـ الخنزير.

9 ـ المسكر، وهي الخمور بجميع أنواعها.

10 ـ الفقاع، أي البيرة المسكرة.

 س 032: هل تجوز الصلاة في شيء من النجاسات؟

ج: لا تجوز الصلاة ولا أمثالها كالطواف وقراءة القرآن، ولمسه في شيء من هذه النجاسات ما عدا المعفوّ منها، وهي:

1 ـ الدم المعفو، وهو ما كان أقل من الدرهم البغلي، وهو دائرة لا يزيد قطرها عن اثنين من السنتيمترات من الثوب والبدن([1]) .

2 ـ النجاسة اللاحقة بثوب المربية إذا لم يكن لها غيره وغسلته في اليوم والليلة مرة واحدة.

3 ـ النجاسة اللاحقة بما لا يستر العورة كتكة السـراويل، والقلنسوة، والقحفية وغيرها مما لا تتم الصلاة فيه كالجوارب؛ فتجوز الصلاة فيها إذا كانت نجاستها غير متعدية عرفاً.

س 033: ما هي المطهرات؟ وما عددها؟

ج: هي عشرة:

1 ـ الماء وهو أفضلها.

2 ـ الأرض، وهي تطهر باطن القدم، والعكاز، والطرف الصناعية لأقطع الرجل.

3 ـ التراب في الولوغ، فالتراب يطهر الإناء إذا شرب الكلب منه.

4 ـ الجسم الطاهر غير اللزج كالحجر والورق، فهو مطهّر للغائط غير المتعدي.

5 ـ الشمس، فهي تطهّر ما جففته من الحصر والبواري وما لا ينقل بعد إزالة عين النجاسة.

6 ـ النار، فهي تطهّر ما أحالته رماداً أو دخاناً. على ألّا يحمل جزئيات النجس المحترق كالزيت النجس المحترق للاستصباح.

7 ـ نقص ماء البئر، وذهاب ثلثي العصير بالغلي.

8 ـ الاستحالة كانقلاب الخمر خلاً.

9 ـ زوال عين النجاسة من كل باطن كالأنف والعين ونحوهما.

10 ـ الإسلام، فإذا أسلم الكافر طهر.

___________________

([1]) شريطة أن يكون من بدن الإنسان نفسه ليس من الدماء الثلاثة.



كشكول الوائلي _ 105

كشكول الوائلي _ 105

الوعاء الثالث: صدر نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله

وهذا الوعاء من الأوعية المعنوية، وقد جاءت هذه الحالة نتيجة تخطيط السماء، فترعرع أمير المؤمنين عليه السلام ونما في رعاية أشرف موجود وأعظم مخلوق. لقد كان صلى الله عليه وآله يوجره اللبن في فمه، ويهزّ له مهده، ويضجعه إلى جانبه، ويحمله على صدره ويطوف به شعاب مكّة المكرّمة إلى أن كبر. فلم يكن صلى الله عليه وآله يفارقه، وبعد أن كبر راح صلى الله عليه وآله يصحبه معه إلى غار حراء. قالت للنبي صلى الله عليه وآله إحدى نسائه: إن لي ليلة من تسع ليالٍ، ثم يأتي علي وتخلو به فيها وتتركني؟ فقال صلى الله عليه وآله لها: «إياك أن تغضبيه، والله لا يغضبه أحد إلا ويكبّه الله على منخريه في نار جهنم».

وهكذا استلهم عليه السلام من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فيوضاته وآدابه، يقول عليه السلام: «وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة؛ وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمُنيه»(1).

فأي وعاء أشرف من هذا الوعاء؟ وهكذا فإن اللّه‏ تعالى اختار لعلي عليه السلام البيوت الطاهرة والأمكنة الطاهرة. وكل وعاء مرّ به علي بن أبي طالب عليه السلام فهو من اختيار اللّه‏ تعالى له، حيث إنه تعالى أراد له ذلك.

الوعاء الرابع: الوادي المقدّس الذي دفن فيه

ثم اختار له تعالى الوعاء الذي حلّ فيه جسده الطاهر، وهذا الوعاء والتربة التي حلّ فيها هو عبارة عن وادٍ مقدّس. وعند بعض المفسرين أن الوادي المذكور في قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى(2) هو التربة التي دفن فيها علي بن أبي طالب عليه السلام. وقد أشار عبد الباقي العمري إلى هذا المعنى في قوله:

 إذا نحن زرناها وجدنا نسيمها *** يفوح لنا كالعَنبر المتنفِّسِ

ونمشي حفاةً في ثَراها تَقَدُّسا *** نَرى أننا نمشي بوادٍ مُقدسِ(3)

يتبع…

_________________

(1) نهج البلاغة / الخطبة: 192، ينابيع المودّة 1: 208 ـ 209.

(2) طه: 12.

(3) لم نعثر عليهما لعبد الباقي العمري، بل هما للبهاء زهير في ديوانه: 177.



فليرحل معنا ـ 1

فليرحل معنا ـ 1

محاضرة اليوم الأول من محرم الحرام لعام 1439

تقديم: هدى الشملاوي/ أم السادة

قال تعالى في محكم كتابه وشريف خطابه: ﴿وأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ

من النعم الإلهية العظيمة علينا هو مضمون هذه الآية الشريفة؛ لأن ظاهر قوله: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أن الغاية من الوحي الإلهي هو إبلاغ القرآن الكريم لطائفتين. ويذكر صاحب تفسير الميزان أنه يمكن استنتاج هاتين الطائفتين من التقابل بين ضمير الخطاب و بين من بلغ؛ لأن المراد بمن بلغ هو من لم يشافهه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة في زمن حياته أو بعده؛ وهذه الدلالة مستفادة قوله ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾،» فالمقصود بهم المخاطبين بالآيات الكريمة وهم الذين شافههم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة ممن كانوا في عصره الشريفة سواء تقدم دعوته لهم على نزول الآية أو قارنه أو تأخر عنه.

فقوله: ﴿وأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ يدل على عموم رسالته صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن لكل من سمعه منه أو سمعه من غيره إلى يوم القيامة، و إن شئت فقل: تدل الآية على كون القرآن الكريم حجة من الله و كتاباً له ينطق بالحق على أهل الدنيا من لدن نزوله إلى يوم القيامة.

وفي تفسير البرهان مايؤكد ذلك، عن ابن بابويه بإسناده عن يحيى بن عمران الحلبي عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن قول الله عز و جل: ﴿وأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ قال: بكل لسان.

ولما كانت العترة عدل القرآن فإن جميع خطاباتهم الجمعية بهذا المقام، حجة من الله و كتابٌ له ينطق بالحق على أهل الدنيا من لدن صدورها إلى يوم القيامة. ولا يمكن تأطيرها بزمان إلا مع قيود أو قرائن صارفة عن عمومها وإطلاقها. وعليه ينبغي العناية البالغة بكلماتهم وخطبهم وبياناتهم الشريفة ومن أهمها الروايات، السنن، نهج البلاغة، الصحيفة السجادية. وفي هذه الأيام أيام الله وشعائره العظام ينبغي أن نولي خطابات سيد الشهداء جانباً عظيماً من وافر ومزيد الاهتمام والعناية لأسباب كثيرة واضحة لكل ملتفت ومتأمل في معطيات عصرنا الحاضر بالذات.

حين نلقي نظرة على خطاباته الشريفة نجدها على ثلاثِ مراحل:

الاُولى: ما صدر عنه وهو في المدينة إلى لحظة خروجه من مكة، ولا نقصد بذلك ما صدر عنه في سنة 60 هـ فقط، فإنه عليه السلام في تعاطيه مع خبث معاوية كانت له مواقف جبارة، كما كانت له جهود عظيمة وحثيثة في دفع إرادة الاُمة قدماً من خلال توعية النخبة من فقهاءٍ وعلماء وتوجيههم نحو الواجب الملقى عليهم. ومن أجلى المصاديق خطبته في مِنى لجمع العلماء والمثقفين حسب تعبيرنا،‌ وذلك قبل‌ موت‌ معاوية‌ بسنة‌، عندما حجّ الحسينُ بنُ علي‌ّ صلوات‌ الله‌ عليه‌ ومعه ‌عبد الله‌ بن‌ عبّاس‌ وعبد الله‌ بن‌ جعفر، فجمع‌ الحسينُ عليه‌ السلام‌ بني‌ هاشم‌ رجالهم‌ ونساءهم‌ ومواليهم‌، ومن‌ الأنصار ممّن‌ يعرفه‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌ وأهل‌ بيته‌، ثمّ أرسل‌ رسلاً وضمّنهم توصياته: «لا تَدَعوا أحداً ممّن‌ حجّ العام‌ من‌ أصحاب‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ المعروفين‌ بالصلاح‌ والنسك‌ إلّا اجمعهم‌ لي‌».

يذكر المؤرخون أنه اجتمع‌ إليه‌ بمنى‌ أكثر من‌ سبعمائة‌ رجل‌ وهم‌ في‌ سرادقه‌، عامّتهم‌ من‌ التابعين‌ ونحو من ‌مائتي‌ رجل‌ من‌ أصحاب‌ النبي‌ّ صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله وخطب فيهم خطبة عظيمة جديرة بالتأمل والالتفات، ومن أهم خطبه في هذه المرحلة أيضاً هي خطبته عندما عزم على الخروج من مكة (زادها الله شرفاً) والتي نتحدث عن بعض معطياتها في هذه العُجالة إن شاء الله تعالى‌.

أما المرحلة الثانية: ما صدر عنه وهو في طريقه إلى كربلاء.

والمرحلة الثالثة: تبدأ من لحظة نزوله أراضي نينوى وحتى استشهاده ولحوقه بالملأ الأعلى.

ولكل مرحلة مايميزها من خصائص و معطيات تتناسب مع الوضع آنذاك.

نعود لموضع البحث: خطبته في مكة ـ كما أسلفنا ـ هي خطاب ممتد غير محدود بمكة أو بالحجيج، بل هو خارج حدود الزمان والمكان.

يذكر الشيخ الآصفي أن هذه الخطبة عجيبة في لهجتها، عجيبة في مضامينها ودعوتها، وهي تتضمن الاستنصار والترغيب والتزهيد والدعوة والرفض.

لنتأمل في بعض تعبيراته” عليه السلام” فبعد أن يحمد الله: «الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله» يقول: «خُط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة»، لهجة غريبة خلاف المألوف في خطابات الثائرين وطالبي الاصلاح؛ لأن أمثال هؤلاء يحرصون على إغراء الناس بما يحققونه من مكاسب وانتصارات، ويعدونهم بالحصول على الملك والسلطان وتحقيق الأهداف وإنجاز المهمات، وحين ننظر في تراكيب هذا الخطاب ونستوحي دلالتها نجد أن الإمام ينعى نفسه ويتكلم بلغة الموت والشهادة والحزن فيجرح القلوب!؟ سؤال ينقدح في الذهن: ما السبب الذي دفع الإمام إلى بناء اُسلوب خطابه بهذه الطريقة، وخصوصاً في هذا الوقت الذي أعلن فيه ثورته على الظلم والظالمين وعزم على الخروج إلى العراق؟! لماذا يتحدث عن الموت وهو في صدد دعوة الناس إلى تأييد مسعاه في استعادة الحق المغتصب؟! ألا تعد هذه الطريقة مثبطة للناس بدل أن تكون محفزة؟ نقول: لا، على العكس من ذلك فقد كان خطابه مليء بالمحفزات ـ كما سيأتي بيانه ـ . الإمام عليه السلام حين يتكلم عن الموت يرسمه كلوحة زاهية الألوان، يقول هو كالقلادة في الإحاطة والجمال، أما الإحاطة فهذه حقيقة لا مفر منها: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، وبينما الجمال نستشفه من ذكره للفتاة، أليست الفتاة تلبس القلادة لغرض التجمل والتزين بها كذلك هو الموت جمال؛ لذلك يذكرون أن الحسين عليه السلام في العاشر من المحرَّم كان كلَّما اشتدَّ عليه الأمر في كربلاء واقترب من الشهادة سكنَتْ نفسه، وهدأَتْ جوارحه، وأشرقَ لونُه نوراً وبهاءً.

يتبع…



Real Time Web Analytics