كشكول الوائلي _ 206

كشكول الوائلي _ 206

البعد الثاني: استعمال مبدأي الترهيب والترغيب

وكذلك لجأ هؤلاء إلى تجنيد الأموال الطائلة والسجون الكثيرة والكبيرة لإغراء الناس وجذبهم إليهم وإبعادهم عن أهل الحقّ، ولتعذيب من يقف بوجههم ويرفض أساليب الإغراء التي يحاولون استدراج الناس بها وشراء ذممهم. فسجنوا كل من كان يميل لأهل البيت عليهم السلام؛ فقد كبسوا بيت سعيد ليلاً وأرعبوا عائلته لا لسبب سوى أنه يوالي علي بن أبي طالب عليه السلام.

وطورد عمرو بن الحمق الخزاعي ولوحق حتى الكهف الذي التجأ إليه حيث هجموا عليه، وأخذوه وضربوا عنقه وحملوا رأسه من الموصل إلى بلاد الشام(1)، وكذلك فُعل بحجر بن عدي الكندي حيث اُخذ هو وجماعته إلى الشام ثم ذبحوا في مرج عذراء؛ لأ نّهم استنكروا شتم أميرالمؤمنين عليه السلام ورفضوا أن يسبّوه. وخلاصة الأمر أنّ كل من كان يحب أمير المؤمنين عليه السلام، وكل من كان يتّهم بحبه تعمد السلطة إليه فتسجنه وتذيقه أليم العذاب ثم تقتله، وكان المقصود من هذه الممارسات إبعاد الإمام الحسين عليه السلام عن الساحة، واستهداف حركته وفكره.

البعد الثالث: تجنيد الأقلام المأجورة

لقد عمدت السلطة من ضمن ما عمدت إليه لمحاربة الإمام الحسين عليه السلام وفكره إلى تجنيد جملة من حملة الأقلام المحسوبين على الإسلام، مع أننا لا نستطيع أن نعطيها شرف الانتساب إلى الإسلام. إنّ تلك المحاولات كانت محاولات يائسة غير ناهضة، غير أنّ الإصرار عليها يبعث على لفت النظر إليها؛ لأ ن بعض هذه الأقلام بدأت تركّز على أسباب خروج الإمام الحسين عليه السلام، وتؤكّد على أنه باغٍ خرج على إمام زمانه، فقتل. لكن لنا أن نسأل: من هو إمام زمانه؟ طبعا يقصدون به يزيد، مع أنّ هؤلاء أنفسهم يروون أنه كان يصعد على منبر المسلمين والخمرة ترنّح أعطافه ويقول:

أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم *** وداعي صبابات الهوى يترنّمُ

خذوا بنصيب من نعيم ولذّة *** فكلٌ وإن طال المدى يتصرّمُ(2)

ومن أحبّ أن يطّلع على حاله أكثر فليرجع إلى كتاب (حياة الحيوان)(3) للدميري في باب (فهد)، ولينظر إلى آراء العلماء في يزيد وما الذي يقولونه فيه. وكذلك لينظر مقدمة كتاب مقتل الحسين عليه السلام ) للسيد عبد الرزاق المقرّم؛ حيث عقد فيها فصلاً خاصا ذكر فيها آراء علماء المسلمين في نهضة الإمام الحسين عليه السلام ضد يزيد، وما هي حقيقة يزيد. وكذلك لينظر مؤلفات جملة من أصحاب الأقلام الحرّة التي تناولت الإمام الحسين عليه السلام وكيف وصفت خروجه على يزيد وكيف هي الحالة التي كان عليها يزيد قبل تسنمه الحكم وبعده. إنّ هؤلاء يذكرون أنّ يزيد لم يترك حرمة للّه لم ينتهكها(4).

لكن كما قلنا يأتي البعض من أصحاب الأقلام الرخيصة وغير النزيهة فيصف سيد شباب أهل الجنة بأنه باغٍ(5). وهذا عبور على الحقيقة وظلم التاريخ والخلق الإسلاميّين.

يتبع…

___________________

(1) الاستيعاب 3: 1174 / 1909، البداية والنهاية 8: 52.

(2) جواهر المطالب (الدمشقي) 2: 301. والقائل:

اسقني شربة تروِّي فؤادي *** ثمّ قم واسقِ مثلها ابن زيادِ

موضع العدل والأمانة مني *** ولتنفيذ مغرمي ومرادي

تاريخ مدينة دمشق 22: 143 ـ 144، النصائح الكافية: 79.

(3) حياة الحيوان 2: 175 ـ 176.

(4) وأبرز تلك الحرمات التي انتهكها وأشدها حرق الكعبة، كما في سنن ابن ماجة 1: 623 / 1936، الأخبار الطوال: 314، تاريخ اليعقوبي 2: 251 – 252، 266، تاريخ الطبري 5: 30، تهذيب التهذيب 2: 184 / 388، 187 / 338، 10: 141 / 297، 11: 316 / 600، الكامل في التاريخ 2: 135 / 3، البداية والنهاية 8: 363، سبل الهدى والرشاد (الشامي) 6: 214، تاريخ مدينة دمشق 41: 385، تهذيب الكمال 6: 548 / 1376، سير أعلام النبلاء 3: 374، فتح الباري 8: 245، ينابيع المودّة 3: 36.

 وهتك حرمة المدينة وقتل (700) من القرّاء كما في تاريخ مدينة دمشق 54: 181 ـ 182.

(5) ويا ترى حينما قال فيه رسول اللّه صلى الله عليه وآله ذلك ـ بأنه سيد شباب أهل الجنة ـ هل كان يعلم بأنه سيخرج على يزيد أم لم يكن يعلم؟ والنتيجة في كلا الحالين ممّا يجب أن ينزّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله عن وصفه بها.



رحيل الرسول

رحيل الرسول

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

27/2/1439هـ

الحمد لله الذي أضاء قلوبنا، وأنار بهدي النبي| دروبنا، وعلى طريق الحق ثبت أقدامنا، ولاتباع سنة نبيه وأهل بيته وفقنا، ونصلّي ونسلم على الرسول الأمين، حبيب قلوب العالمين، وخير الخلق أجمعين، وعلى أخيه أميرالمؤمنين، وعلى الزهراء سيدة نساء العالمين، وآله الطيبين الطاهرين.

قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا *** فمذ فُقدت فكل الخير محتجبُ
فليت قبلك كان الموت صادفنا *** إذ لا سواك لنا تُجلى به الكرب
إنا رُزينا بما لم يُرزَ ذو شجنٍ *** من البرية لا عجم ولا عرب
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت *** منا العيون بتهمال لها سكب([1])

قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ([2]).

وضع الرسول الأكرم| أسس الشريعة كخاتمة للشريعة الإسلامية في مدة عشر سنين احتضنت المدينة المنورة رسول الأمة ورسالة السماء، باذلةً كل ما في وسعها، حتى سقطت الأوثان والطواغيت وقامت راية الإيمان، ونبينا| توطد الأمن، وثبتت أركان العقيدة، وأوضحت معالمُ الرسالة، وصار الإسلامُ منهجاً بقرآنه وسنة نبيه وتعاليم أهل بيته وجهود الصحابة المرضيين.

وفي حِجة الوداع لاحت علامات انتقال النبي| إلى الرفيق الأعلى، وكان همه حفظ الدولة الإسلامية، وفي نهاية حياته قام بخطوات عديدة:

* الخطوة الأولى: تجهيز جيش أسامة إلى الشام ليقوم بغزو الروم، بحشد أكبر عدد ممكن من الصحابة، ورغم مرضه إلا أنه عقد لواء الجهاد لأسامة بن زيد، وحثّ الناس للخروج تحت إمرته، وأمر مناديه أن ينادي: «جهزوا جيش أسامة…»، وصار ينادي بنفسه|: «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة»([3]).

* الخطوة الثانية: الاستغفار لأهل البقيع، حيث دعا بعلي× وقال له: «إني أمرتُ بالاستغفار لأهل البقيع، فانطلق معي يا علي، إن جبرئيل كان يَعرِضُ عليّ القرآن في كل سنة مرة واحدة، وقد عرض عليّ هذا العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي».

فخرجا إلى البقيع وصار النبي| يقول: «السلام عليكم يا أهل المقابر، هنيئاً لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولَها»([4]).

* الخطوة الثالثة: التحدث للناس. حيث خرج للمسجد، وخطب في الناس وقال: «معاشر أصحابي! أي نبي كنت لكم؟ ألم أجاهد بين أظهركم؟ ألم تكسر رباعيتي؟ ألم يعفر جبيني؟ ألم تسل الدماء على حر وجهي حتى كنفت لحيتي؟ ألم أكابد الشدة والجهد مع جهال قومي؟ ألم أربط حجر المجاعة على بطني؟» قالوا: بلى يا رسول الله، لقد كنت لله صابراً، وعن منكر بلاء ناهياً، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء قال: «وأنتم فجزاكم الله»([5]).

ثم نادى في الناس: «فمن كان له عندي عِدة فليأتني أعطه إياها، ومن كان له عندي دين فليخبرني به، فليس بين الله و بين أحدٍ شيء يعطيه به خيراً أو يصرف عنه به شراً إلا العمل الصالح»([6]). وأوصاهم بالثقلين خيراً. وصلى بالناس وعاد إلى فراشه من شدة التعب.

يقول ابن سعد، في الطبقات الكبرى: وفيما هو في الشدة في بيته وعنده عدة من أصحابه قال: «إئتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً». فقال أحدهم: إنه يهجر.

أوصى النبي وقال قائلهم *** قد ظل يهجر سيد البشـر

فلما تنازعوا فيما بينهم، قال لهم الرسول|: «قوموا، فما ينبغي أن يكون بين يدي نبي خلاف». فقالوا يا رسول الله نأتيك بدواة وبياض؟ قال: «أما بعد الذي قُلتم فلا، دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيراً». وأعرض بوجهه عن القوم([7]).

* الخطوة الرابعة: وصاياه لأهل بيته. حيث طلب علياً× وجعل يناجيه طويلاً، قال علي×: «علّمني ألف باب من العلم، يُفتح لي من كل باب ألفُ باب، وأوصاني بما أنا فاعله»([8]). فلما أُغمي عليه بكت فاطمة ونادت: «وا كرباه لكربك يا أبتاه، نفسي لنفسك الفداء». فضمّها إلى صدره، وأخبرها أنها أول أهل بيته لحوقاً به. ثم أغمي عليه، فانكبّت عليه تبكي وتقول:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل([9])

__________________

([1]) مناقب آل أبي طالب 3: 136. بحار الأنوار 43: 196 / 27.

([2]) آل عمران: 144.

([3]) بحار الأنوار 30: 432.

([4]) بحار الأنوار 22: 466 / 19.

([5]) بحار الأنوار 22: 507 / 9.

([6]) بحار الأنوار 22: 467 / 19.

([7]) الطبقات الكبرى 2: 242.

([8]) بحار الأنوار 22: 522 / 29.

([9]) انظر بحار الأنوار 22: 470 / 19، 509 / 9، 521 / 29.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{76} محمّد سعيد الجشي

المتولّد في (27/7/1339) ه

ويقول في زينب بنت علي عليهما السلام:

يا ابنة الزهراء بنت المرسلِ *** ذكري الباغين أيّام علي

وتسامي في بيان ساحر *** واحطمي عرش الطغاة الأرذلِ

كربلا كم شمخت أمجادها *** بشهيد أو أسير أفضلِ

وعلى كثبانها كم شاهدت *** من جهاد هو أعلى مثلِ

إذ حسين مصلت سيف الهدى *** يا له في الحق أسمى بطلِ

يا ابنة الزهراء يابنت علي *** أنت أقوى من طليق أسفلِ

لا حثيث السير والأسر ولا *** قوة الحادي وصعب المحملِ

أضعفت من جَلَد أوعزمة *** لك يا زينب بعد الثكلِ

أنت من نبع بطولات سمت *** وأشادت في الدنى دين العليِ

شهر الباغون سيفاً ظالماً *** وشهرت الحق في القول الجلي

خلدت باسمك أبطال العلا *** بعراص الطف بعد المقتلِ

حطّم الباغون في طغيانهم *** دولة خاسرة في الدولِ

هكذا الظالم في عدوانه *** لا يلاقي غير جنس العملِ

أيها التاريخ قف واخشع لها *** إنّها بنت الرسول الأفضلِ

قف وسبّح بالبطولات لها *** إنّها اُخت الحسين البطلِ

إنها الزهراء في تبيانها *** ترفع الحقّ بأعلى منزلِ

سائلوا الكوفة عنها حرة *** ذات خدر لم ترع في المحفلِ

واسألوا عن يومها الشام ضحى *** حين وافتها بخطب معضلِ

أشعلت للحقّ فيها قبساً *** في بيان مفحم مرتجلِ

أيقظت فيه الملا صارخة *** وأزاحت حجْب ليل مسدلِ

هزت العرش الذي شيد على *** أسس البغي بأمضى مقولِ

فارتمى البغي على أعتابها *** يتهاوى تحت عار الخجلِ

هكذا الأسر لها حرية *** رفعت للحق أسمى معقلِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 205

كشكول الوائلي _ 205

أبعاد وقوف الاُمويين في وجه النهضة الحسينية

إن وقوف الإمام الحسين عليه السلام بوجه هذا المدّ الجاهلي المتنامي على أيدي الاُمويّين لا بد أن يعيش في فكر كل حرّ حتى مع وجود الصوارف التي حاولت إبعاد فكر الحسين ومبدئه عن عقول الناس وساحة المجتمع. وهذه الصوارف تتمثّل في أنّ الاُمويّين لم يتركوا بعدا من الأبعاد يدخل ضمن دائرة قدرتهم إلاّ وجنّدوه ضد الإمام الحسين عليه السلام وفكره وامتداد خطّه؛ لإخراجه من الساحة جسدا وفكرا وروحا. ويمكن حصر هذه الأبعاد بالتالي:

البعد الأوّل: أنّ الحسين عليه السلام ابن بنت الرسول صلى الله عليه وآله وليس ابنه

لقد استغلّ أعداء الإمام الحسين عليه السلام هذه النقطة، فأشاعوا بين الناس فكرة أنه عليه السلام ليس الابن الصلبي للنبي صلى الله عليه وآله، بل إنّه ابن ابنته، وابن الابنة لا علاقة له بجدّه لاُمّه ولا يعتبر ولدا له، بل إنّه يتبع أباه وجدّه لأبيه(1). وقد سبق أن عالجت هذا الموضوع فيما مرّ من محاضرات(2)، وقلت هناك: إنّ العلماء يعتبرون ابن البنت كابن الولد من ناحية جملة من الأحكام المترتّبة عليه. ثم إن جواب الإمام الكاظم عليه السلام للرشيد يكفي في المقام(3)؛ فقد سأله عليه السلام: لمَ جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ويقولوا لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي صلى الله عليه وآله جدّكم من قبل اُمّكم. فقال عليه السلام له: «لو أن النبي نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟». قال: سبحان الله! ولم لا اُجبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك؟ فقال عليه السلام له: «لكنه لا يخطب إليّ، ولا اُزوّجه». فقال: ولم؟ فقال عليه السلام: «لأنه ولدني»(4). وقد وضع النبي صلى الله عليه وآله احتياطه لهذه المسألة من أيّامه الاُولى؛ لما كان صلى الله عليه وآله يعرفه من محاولات الاُمويين وغيرهم من أعداء البيت النبوي لتشويه الحقائق وتزويرها، ودفع الثوابت لأغراضهم الشخصية. وكان صلى الله عليه وآله يعلم أيضا أ نهم سيثيرون مثل قضية أن الحسنين عليهما السلام سبطا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وليسا ولديه، فكان يكرّر أمام الملأ عنهما: «ابناي»(5)، ويقول صلى الله عليه وآله: «كلّ بني اُمّ ينتمون إلى عصبتهم إلاّ بني فاطمة فإنني أنا أبوهم»(6). وهو صلى الله عليه وآله لم يكن بالذي يلقي الكلام جزافا حينما أكّد على هذا المعنى وعلى هذا الجانب، بل إنّه صلى الله عليه وآله كان يعرف أنّ هذا الجانب سوف يعتّم عليه ويتعرّض إلى هزة تحاول زعزعته في النفوس. وهكذا فشلت هذه المحاولات، وظلّت الحقيقة قائمة.

يتبع…

____________________

(1) ويستدلّون بقول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا *** بنوهن أبناءُ الرجالِ الأباعدِ

الجامع لأحكام القرآن 16: 79، شرح نهج البلاغة 11: 28. وقد مرّ فى محاضرة ( البناء الاُسري في الإسلام ) ج 4 من موسوعة محاضرات الوائلي ردّ القرطبي على الاستدلال به، وعدم صحّته.

 وكذلك ببيت عمران بن حفصة:

أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ *** لبني البنات وراثة الأعمامِ

 عيون أخبار الرضا 7: 189، تاريخ بغداد 13: 145، تاريخ مدينة دمشق 57: 292.

(2) في القسم المطبوع منها انظر ما ورد في الهامش السابق.

(3) وكذا روي عن الباقر أنه قال: «يا أبا الجارود، ما يقولون لكم في الحسن والحسين عليهما السلام؟». قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله. قال: «فأي شيء احتججتم عليهم؟». قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه عزّ وجلّ في عيسى بن مريم عليه السلام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأ يُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى الأنعام: 84 ـ 85. قال: «فأي شيء قالوا لكم؟». قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: «فأي شيء احتججتم عليهم؟». قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ آل عمران: 61. قال: «فأي شيء قالوا؟». قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول: أبناؤنا.

 قال: فقال أبو جعفر عليه السلام : «يا أبا الجارود، لاُعطينّكها من كتاب الله عزّ وجلّ أنّهما من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله لايردّها إلاّ كافر». قلت: فأين ذلك جعلت فداك؟ قال: «من حيث قال الله عزّ وجلّ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأخَوَاتُكُمْ الآية إلى أن انتهى إلى قوله تبارك وتعالى: وَحَلائِلُ أبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ النساء: 23، فسلهم يا أبا الجارود: هل كان لرسول الله صلى الله عليه وآله نكاح حليلتهما؟ فإن قالوا: نعم كذبوا وفجروا، وإن قالوا: لا، فهما ابناه لصلبه». الكافي 8: 263 ـ 264 / 501.

(4) الاحتجاج 2: 164، بحار الأنوار 48: 128، 93: 240، ومثلها مناظرة الإمام الرضا عليه السلام والمأمون. بحار الأنوار 10: 349 /9، 94: 187 / 19.

(5) تحفة الأحوذي 10: 187، المصنف (ابن أبي شيبة) 7: 512 / 22، خصائص أمير المؤمنين (النسائي): 123، صحيح ابن حبان 15: 423، المعجم الصغير 1: 200، كنز العمّال 13: 671 / 37711، تاريخ مدينة دمشق 13: 25، 26، 199، 14: 151، 155 تهذيب الكمال 6: 55، وغيرها كثير.

(6) مجمع الزوائد 4: 99، المعجم الكبير 3: 44 / 2632، تهذيب الكمال 19: 483، 484، وغيرها كثير.

 وقال صلى الله عليه وآله: «إن اللّه لم يبعث نبيا إلاّ جعل ذريته من صلبه غيري؛ فإن اللّه جعل ذريتي من صلب علي». انظر: كشف القناع (البهوتي) 5: 32، الفقيه 4: 365، وقال: «لكلّ بني أب عصبة ينتمون إليه إلاّ ولد فاطمة أنا عصبتهم». نيل الأوطار 6: 139، كنز العمّال 12: 98 / 34168، تاريخ مدينة دمشق 36: 313.



وفاة الإمام العسكري×

وفاة الإمام العسكري×

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

27/2/1439هـ

الحمد لله المتفضل بالنعم، المغدق على عباده بفيض الكرم، دافع البلاء والنقم، وأصلي وأسلم على سيد العرب والعجم، وآله الطاهرين، الكرام المنتجبين، أصل الجود والكرم.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأن لا تغرنكم هذه الدنيا الفانية.

كلنا يأمل مدا في الأجل *** والمنايا هن آفات الأمل
لا تغرنك أباطيل المنى *** والزم القصد ودع عنك العلل
إنما الدنيا كظل زائل *** حل فيه راكب ثم ارتحل([1])

اهتم الكثيرون من الكتّاب والدارسين بالبحث في حياة أهل البيت^، حيث إنها امتداد لحياة الرسول الأكرم‘، كما إنها الصورة الحقيقية للإسلام، ومعلم العلم والعدل والخير، والشعلة التي تنير طريق السالكين.

بل نقول إن كل ما تعانيه البشريه على وجه العموم والأمة الإسلامية على وجه الخصوص من ويلات وأزمات أودت بالأمة إلى ما هي فيه الآن وما وصلت إليه من فقر و ظلم هو بسبب البعد عن هديهم. قال رسول الله‘: «إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»([2]).

وهذه الأيام تفتقد الأمة الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت^ الإمام الحسن العسكري المولود في ربيع الآخر سنة 232 هجرية، واستشهد في الثامن من ربيع الأول سنة 260، وكانت مدة إمامته ست سنوات قضاها في خدمة الناس وعبادة ربه والعلم والعمل الصالح، وتربية الناس.

موقفه مع البهلول

نظر البهلول إلى الإمام× وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون، فظن أنه يتحسر على ما بأيديهم، فقال له: أشتري لك ما تلعب به؟ فقال الإمام×: «يا قليل العقل ما للعب خلقنا». فقال له: لماذا خلقنا؟ فقال الإمام×: «للعلم والعبادة». فقال له: من أين لك ذلك؟ فقال الإمام×: «من قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ([3])». ثم سأله أن يعظه فوعظه بأبيات، ثم خر الإمام الحسن× مغشياً عليه، فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير ولاذنب لك؟ فقال×: «إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم»([4]).

وقد دخل العباسيون على صالح بن وصيف السبحان وقالوا له: ضيّق عليه في السجن ولا توسّع. فقال صالح: ما أصنع به وقد وكّلت به رجلين شر من قدرت عليه، وقد صارا من العبادة والصلاح والصيام إلى أمر عظيم.

ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا له: ما تقول في رجل يصوم النهار، ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا. فلما سمع العباسيون ذلك انصرفوا خاسئين([5]).

ومن وصيته× لشيعته

«أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد‘، صلوا في عشائرهم، وأشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل هذا شيعي، فيسرني ذلك.

اتقوا الله وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك، لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله‘ وتطهير من الله، لا يدعيه غيرنا إلا كذاب.

أكثروا ذكر الله وذكر الموت، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي‘، فإن الصلاة على رسول الله‘ عشر حسنات، أحفظوا ما أوصيتكم به وأستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام»([6]).

هكذا كان أفضل الخلق سريرة، وأشرفهم سجية، طهرت ذاته القدسية وتسامت نفسه العظيمة، فكان في منتهى الكمال والفضيلة، والسمو والرفعة، حياته نور وضياء بسيرته العطرة ووصاياه الهادفة، حتى ودع الدنيا بكبد حرى تقيأها من حرارة السم قطعاً، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

أولادي يا ربي وش ذنبهم *** واحد اتعمدهم اوسمهم

اواحد سفك بالسيف دمهم

_______________________

([1]) البداية والنهاية 10: 273.

([2]) بحار الأنوار 28: 111 / 3.

([3]) المؤمنون: 115.

([4]) نقله عن نور الأبصار في موسوعة الإمام العسكري× 2: 321. نور الأبصار: 101. مناقب أهل البيت^: 293.

([5]) الكافي 1: 512 / 23. بحار الأنوار 50: 308 / 6.

([6]) بحار الأنوار 75: 372 / 12.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{76} محمّد سعيد الجشي

المتولّد في (27/7/1339) ه

ويقول في رثاء الإمام جعفر الصادق عليه السلام:

تألق مع النجم ياعيلمُ *** فإن طريق الورى مظلمُ

فيابن النبوة هذا الورى *** يظلّله النفر المجرمُ

وتلك المذاهب في سخفها *** تفشّت وضاق بها المسلمُ

ولا من يزيغ لها باطلاً *** سواك فأنت لها ملزمُ

وعفوك يا سيدي إنني *** بك اليوم شاعرك الملهمُ

فبـ « الحِمْيري » لنا اُسوة *** وإني له معظم مكرمُ

إمام لك العلم يلقى الزمام *** فأنت به « الصادق » الأعلمُ

وقفت بمفترق هادياً *** وأنت المنار به الأعظمُ

سليل النبوة نور لنا *** وفجر ينابيع ما تعلمُ

فإن الطغاة أراقوا الدماء *** سبيلهُمُ الحكم والمغنمُ

فقد أعلنوا الثار سراً لما *** وقد بينوه وما أحكموا

فلما رسا ملكهم أعنفوا *** وخانوا العهود ولم يرحموا

وشادوا على الجثث الطاهرات *** قصوراً على الدم تستحكمُ

وأنت مع الحق نبع تسيل *** تغذّي العقول فتستلهمُ

أراقوا دماء الرسول العظيم *** وأبناؤه الغرّ قد اُيتموا

وقادوك في الليل قود الذليل *** وأنت سنا الحق والمعلمُ

وراح الغشوم يصوغ السباب *** وأنت الإمام له الأقدمُ

فلما أرادوا إليك الردى *** أبى اللّه ذاك فلم يقدموا

وعدت إلى يثرب صابراً *** إلى اللّه تشكو الأذى منهمُ

فدسوا إليك ذعاف السموم *** فأودى بك القدر المبرمُ

فناحت عليك مغاني الهدى *** وضجّ الصحاب فقد اُيتموا

فلا الكتب محضرة للدروس *** ولا دارسون ولا مرقمُ

فيا للمقادير ما سرّها *** وللّه حكم بها محكمُ

أتفنى النبوّات بين الورى *** بصنع الطغاة وما أبرموا

دماء الزكيّين من عابثين *** تراق جهاراً وما أجرموا

فيا أقبراً بين تلك القبور *** تشعّ على تربها الأعظمُ

تخفّ إليك بكرّ العصور *** ملائك تدعو وتسترحمُ

سلام على راقد خالد *** يبثّ الشعاع بما يلهمُ

ينير العقول ويهدي العصور *** إلى ما يعزّ وما يعصمُ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 204

في تحقيق معنى العرش وصفته

ثم قالت الآية الكريمة: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، والمقصود بالعرش: مطلق القدرة، أي دائرة الأمر والنهي. فمن باب تقريب المعنى إلى الحسّ سمي الشيء المعنوي باسم الشيء المادي، وإلاّ فإن العرش ليس بجسم أبدا. فهو تعالى يريد أن يقرب الشيء المعنوي إلى الذهن كما قرّب نوره إلى الذهن بالشيء المعنوي، فقال عزّ من قائل: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ(1). فالعرش ليس مكانا يجلس عليه اللّه تعالى كما يتصوره البعض، وهؤلاء هم المجسّمة الذين يقولون: إنّ اللّه عزّ وجلّ عنده عرش ويُعطونه حجما معينا، بل إنه تعالى منزه عن الجسمية.

فقوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ يعني أنه تعالى ذو مكانة مجيدة. والمجيد لفظ يتضمن صفتين هما: القوي المترفّع عن الدنايا. وقد مرّ بنا سابقا أنّ عروش الأرض ضعيفة متزلزلة سرعان ما تتهاوى وتسقط لسبب من الأسباب، فكلّ عرش من الممكن أن يهتز ويقتلع من جذوره خلال أقل من ساعة كما حصل للمتوكّل مع الأتراك. وهناك تجارب كثيرة في حياتنا في هذا المجال تُثبت صحة ما قلنا، وهذه التجارب تنمُّ عن أنّ هذه العروش متزلزلة لأ نّها عرضة للخطر في أية لحظة، كما أنّ هذه العروش الأرضية ليست عروشا كريمة؛ لأ نّها لا تترفع عن الدنايا والآثام، فتجد عرشا يطارد امرأة ليقتلها، فهل هذا عرش كريم؟ فحينما لاحق عبد الله بن الزبير زوجتي المختار وقتل إحداهما لأنها رفضت أن تتبرّأ من المختار مع أنها امرأة ضعيفة(2) هل من الممكن أن يكون ذا عرش كريم؟ وهل يوصف بذلك بسر بن أرطاة وهو الذي حينما مرّ ببني كنانة، وفيهم ابنا عبيد الله بن العباس واُمهما، فلمّا انتهى بسر إليهم طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة كان أبوهما أوصاه بهما، فأخذ السيف من بيته وخرج، فقال له بسر: ثكلتك اُمّك! والله ما كنا نريد قتلك، فلم عرّضت نفسك للقتل؟ فقال: اُقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس. ثم شد على أصحاب بسر بالسيف حاسرا وهو يرتجز:

 آليت لا يمنع حافات الدارْ *** ولا يموت مصلتا دون الجارْ

إلاّ فتـى أروع غيـر غـدّارْ

فضارب بسيفه حتى قتل، ثم قدّم الغلامان فقتلا، فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت امرأة منهن: هذه الرجال يقتلها، فما بال الولدان؟ والله ما كانوا يُقتلون في جاهلية ولا إسلام، والله إن سلطانا لا يشتدّ إلاّ بقتل الطفل الضعيف والشيخ الكبير ورفع الرحمة، وقطع الأرحام لسلطان سوء. فقال بسر: والله لهممت ان أضع فيكن السيف. فقالت: والله، إنه لأحبّ إلي إن فعلت(3).

فالعرش هو الذي يجب أن يكون في القلوب وليس على الأخشاب؛ لأن العروش التي تقوم على الظلم والاضطهاد والإبادة ليست عروشا، وأصحابها ليسوا بشرا وإنما هم وحوش. فالعرش المترفع عن هذه المظاهر هو الذي يتصف بكونه كلّه رحمةً وعطاء، فهذا هو العرش الذي يدوم ويبقى مخلّدا في القلوب لا يزول عنها ولا يحول. وهذا ما تؤيده شواهد التاريخ؛ حيث نلاحظ أن العروش الدنيوية القائمة على الحقد والقتل والظلم كلّها قد ذهبت ولم يعُد يذكرها ذاكر. فقصرا المتوكل في سامراء: الجوسق والجعفري بما كانا عليه من فخامةٍ وعظمة بناء قد ذهبا، أما خان الصعاليك الذي كان يقابلهما، وكان يسكن فيه الإمام الهادي عليه السلام فهو يناطح السماء علوّا وبريقا، يقول أحد الاُدباء:

 أخانَ الصعاليكِ هل مرّت الـ *** ـتعابيرُ في تربِك المقفرِ

 لتنبيك أن ديارَ الطغا *** ةِ من جوسقٍ ثَم أو جعفرِ

 تهاوت رمادا وظلّ الخلودُ *** ينامُ على رملِكَ الأسمرِ

فالحقيقة إذن أنّ العرش المجيد هو الذي يقوم في القلوب والأنفس وتبقى آثاره المادية في الدنيا تبعا لقيامه في القلوب. فالقرآن الكريم ينعت اللّه تعالى بأ نّه ذو مكانة قوية ممتنعة على الدنايا.

يتبع…

________________

(1) النور: 35. وقال المعري:

 يروى أن أبا تمام الطائي أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي يمدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله:

في حلم أحنف في شجاعة عامرٍ *** في جود حاتم في ذكاء إياسِ

قال له الكندي وكان حاضرا: ما صنعت شيئا. قال: وكيف؟ قال: لأن شعراء دهرنا قد تجاوزوا بالممدوح من كان قبله، ألا ترى إلي قول أبي العكوك في أبي دلف:

رجل أبرّ علي شجاعة عامرٍ *** بأسا وغيّر في محيّا حاتمِ

فأطرق الطائي ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه *** مثلاً شرودا في الندى والباسِ

فالله قد ضرب الأقلّ لنوره *** مثلاً من المشكاة والنبراسِ

 الأمالي ( المرتضى ) 1: 210 – 209.

(2) وهما اُمّ ثابت بنت سمرة بن جندب الفزاريّة وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاريّة، حيث إن مصعب بن الزبير كتب إلى أخيه عبد اللّه بخبرهما، فكتب إليه: إن تبرّأتا من زوجهما، وإلاّ فاقتلهما. فعرضهما مصعب على السيف فرجعت ابنة سمرة وتبرّأت منه، وقالت: لو دعوتموني إلى الكفر مع السيف لأقررت. وأبت ابنة النعمان وقالت: شهادة اُرزقها، ثمّ أتركها؟ يا رب، إنها موتة ثمّ الجنّة والقدوم على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين. ثمّ قالت: اللهم اشهد أني متّبعة لنبيّك وابن بنت نبيّك وأهل بيته وشيعته. فأمر بها مصعب فاُخرجت إلى ما بين الكوفة والحيرة، وقتلت صبرا. وفي هذا يقول عمر بن أبي ربيعة:

 إن من أعجب العجائب عندي *** قتل بيضاء حرّة عطبولِ

 قتلوها ظلما على غير جرم *** إن للّه درّها من قتيلِ

 كُتب القتل والقتال علينا *** وعلى المحصنات جرّ الذيولِ

 تاريخ الطبري 3: 451 ـ 494، الكامل في التاريخ 4: 211 ـ 278، البداية والنهاية 8: 289 ـ 313.

(3) شرح نهج البلاغة 2: 14.



مسائلُ ورواياتٌ تُحَذِّر من تربيةِ الكِلاب

مسائلُ ورواياتٌ تُحَذِّر من تربيةِ الكِلاب

هناك مجموعة من المسائل الفقهيَّة أنقلها من موقع آية الله العُظمى السَّيد علي السِّيستاني (دامَ ظِلُّه العَالي) ترتبطُ بتربيةِ الكلاب ولمسها والحكم المترتب على لمسها وهي كما يلي:

السُّؤال الأوَّل: ما حكمُ تربية الكِلاب ووضعها في حديقة المنزل؟

الجواب: لا يحسن ذلك، والأَولى اتخاذ حيوان آخر، عِلمًا أنَّ الكلب نجسٌ شرعًا ومِنْ ثمَّ تكونُ معاشرتُه مظنةً للابتلاء بالنجاسة، وعُدَّ مكروهًا الصَّلاة في بيتٍ فيه كلبٌ. والله العالم.

السُّؤال الثَّاني: ما حكم لمس الكِلاب؟ وما الحكم المترتِّب على لمسِها؟

الجواب: يجوز لمسُها، إلا إذا مسَّ الكلبَ برطوبة وبلل فتطهر بغسلها بالماء مرَّة واحدة. والله العالم.

السُّؤال الثَّالث: نحنُ مجموعة من الصَّيادين نستعمل كِلاب الصَّيد المُدَرَّبة لغرضِ الصَّيد وأثناء الصَّيد يتم تماس مع الكلب بِعلمٍ أو بغير عِلمٍ فهنا عدة أسئلة وهي كما يلي:

أ) هل هذه الكِلاب نجسة؟

الجواب: لا فرقَ في نجاسة الكلب بين تلك الكِلاب التي تُدرَّب للصَّيد وغيرها. والله العالم.

ب) ما حكمُ لمسِها من غير عِلمٍ لغرضِ أخذ الطَّريدة من فَمِهَا؟

الجواب: مَنْ لامسَ لعابها أو بدنها برطوبة يتنجَّس. والله العالم.

ج) ما حكمُ تربيتها في البيت؟

الجواب: الأَولى ترك تربية الكِلاب في البيت حيث يُؤدِّي إلى نجاسة الأمكنة والامتعة فيتساهل في الاجتناب الشَّرعي الواجب عن النَّجس في الصَّلاة والطَّعام والشَّراب وغيرها، كما يكون له آداب تربويَّة سيِّئة على الأولاد. والله العالم.

وقد بيَّنتِ الرِّوايات الوارد عن أهل بيت العصمة والطَّهارة عدَّة آثارٍ سيئة، ونتائج وخيمةٍ، وأمورٍ سلبيَّةٍ لتربية الكِلاب في المنازل منها ما يلي:

الأثرُ الأوَّل: إنَّ وجود الكلب في البيت يُعرِّضُ الإنسان ـ عادة ـ للتَّنجُّس: وقد جاءت الرِّوايات عن أهل بيت العصمة والطَّهارة الدَّالة على نجاسة الكلب ومنها ما يلي:

أ) عن أبي عبد الله الصادق× أنَّه قال: «إنْ أصابَ ثوبَك مِن الكلب رطوبة فاغسلْه».

ب) سُئِلَ أبو عبد الله الصادق× عن الكلب فقال: «رجسٌ نجسٌ لا يُتوضأ بفضله واصْبُبْ ذلك الماء واغسلْه بالتُّراب أوَّل مرَّة ثمَّ بالماء».

ج) سُئِلَ أبو عبد الله الصادق× عن سؤر الكلب يشرب منه أو يتوضأ؟ قال: «لا»، قلتُ: أليسَ سبع؟ قال: «لا والله إنَّه نجسٌ لا والله إنَّه نجسٌ».

الأثرُ الثَّاني: إنَّ اتخاذَ الكلب في البيت سببٌ لِنقص الثَّواب: رُوِيَ في وسائل الشيعة ج١١ ص٥٣١ عن زرارة عن أبي عبد الله الصَّادق× أنَّه قال: «ما مِنْ أحدٍ يَتخِذ كلبًا إلا نقص في كل يوم مِن عمل صاحبه قِيراط».

فاتِّخاذ الكلب في المنزل يكون سببًا في حِرمان المؤمن مِمَّا يتفضَّل الله تعالى من الثَّواب على عباده جزاء على طاعتهم فما يمنحه الله لعباده من الثَّواب على الطَّاعات يكون أضعاف ما يستحقُّون إلا أنَّ اتخاذ الكلب يكون سببا في نقص ما يمنحه الله من الثَّواب لعبده الذي اتخذ كلبًا في بيته.

الأثرُ الثَّالث: إنَّ تربية الكلب في البيت مانعٌ من دخول الملائكة للبيت: رُوِيَ في وسائل الشيعة ج٥ ص١٧٤ عن الطوسي بسند معتبر عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله الصَّادق× قال: «قال رسول الله|: «إنَّ جبرئيل أتاني فقال: إِنَّا معاشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه كلبٌ، ولا تِمثال جسد، ولا إِناء يُبَال فيه»».

الأثرُ الرَّابع: إنَّ تربية الكلب في المنازل من الأمور المبغوضة: رُوِيَ في وسائل الشيعة ج١١ ص٥٣٠ عن الكليني بسند معتبر عن الحلبي عن أبي عبد الله الصَّادق× أنَّه قال: «يُكْرَهُ أنْ يكونَ في دار الرجل المسلم الكلب».

الأثرُ الخامس: إنَّ الروايات تنهى  عن الصلاة في البيت الذي فيه كلب: رُوِيَ في وسائل الشيعة ج٥ ص١٧٥ عن الصدوق في الفقيه عن أبي عبد الله الصَّادق× أنَّه قال: «لا تُصلِّ في دارٍ فيها كلب إلا أنْ يكونَ كلب الصَّيد وأغلقتَ دونَه بَابًا فإنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب».

حسين آل إسماعيل



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{76} محمّد سعيد الجشي

المتولّد في (27/7/1339) ه

وفي القائم المنتظر يقول:

يرنو إليك الدين والإسلامُ *** يابن البتول وهذه الأعلامُ

فاشهر حسامك ماضياً متألّقاً *** كالبرق في اُفق السماء يشامُ

فاشرق على الدنيا بنورك ساطعاً *** فبمثل نورك يكشف الإظلامُ

وعلى ندائك قد يهب معذَّب *** وبمثل هديك تهتدي الأقوامُ

وبمثل صوتك يستفيق مسهّد *** أودت به الآمال والآلامُ

وبمثل مجدك لا يهان أخو تقى *** في الأرض أوتنبو به الأيامُ

وبمثل نورك تملأ الدنيا سناً *** وبمثل سيفك ينصر الإسلامُ

فاطلع على الدنيا بهدي محمّد *** يزهُ الحجاز بنوره والشامُ

والأكرمون الصحب حولك طوّف *** وعلى المذاكي (جابر) و(هشامُ)

قم واحيِ شرعته وجدد عهده *** فلأنت شمس للهدى ودعامُ

واكشف عن الدنيا غياهب ظلمة *** طمست بها الأقمار وهي تمامُ

فالجور عمّ على الخلائق والدنى *** تشريعها الإذلال والإرغامُ

والحق لم يرفع له ركن ولم *** تخفق له بين الورى أعلامُ

وإلى متى والدهر يروي للورى *** أنباء لم تنهض بها الأقلامُ

ويظل طي الغيب ثأر صارخ *** فمتى يجرد للعداة حسامُ

هذي قبوركمُ تنوّر كالضحى *** من حولها الإجلال والإعظامُ

ولقد تضوّع بالعبير ترابها *** كالزهر حين تفتّح الأكمامُ

وعلى جبين الدهر قانٍ من دما *** شهدائكم لم تمحُه الأيامُ

فإلى متى التاريخ يروي هولها *** ولَكم ترنّ بلابل وحمامُ

فالمصطفى علم الهدى أودى به *** عب‏ء الجهاد فنكست أعلامُ

ولفاطم سقط الجنين ببابها *** عصراً ورضّت أضلع وعظامُ

هتفت بفضة والجنين معفّر *** بالباب ملقى والدموع سجامُ

واغتيل جدك حيدر في فرضه *** لم يرعَ فيه الشهر وهو صيامُ

وإلى الزكي مشت غوائل ناكث *** حتّى طغت مما هناك جسامُ

طهر الدما اُهريق من جرّائها *** وهوى الصلاح وقامت الآثامُ

ونزا على عرش الخلافة خائن *** ذلّت به الأقرام والأحكامُ

فطغت على الإسلام منه سحائب *** سوداء عمّ بها الزمان ظلامُ

ولكم بأرض الطف من زاكي دم *** لكمُ اُريق وكم اُضيع ذمامُ

أودت بجدك عصبة اُموية *** وسرت بأهلك كالإماء تسامُ

يا يومه والطفل فوق ذراعه *** ظمآن لم يبرد إليه اُوامُ

أرداه سهم للوريد مصوّب *** لم ترعه قوم هناك لئامُ

فانهض سليل المجد فينا ثائراً *** فقد استباح حماكمُ الأقزامُ

هل بعد يوم الطف يوم نيّر *** أو هل يطاق تصبر ومقامُ

ولدى الطغام عقائل من هاشم *** في الأسر تعول حولها الأيتامُ

وعلى سرير الملك أرعن معلناً *** بالفسق تصدح حوله الأنغامُ

وعلى الرمال مضرّج بدمائه *** سبط يواريه ثرى ورغامُ

ركضت عليه الخيل وهو معفّر *** اللّهَ كيف يعفر الضرغامُ

يا سيف جبار السماء ألا انطلق *** من غمدك القدسي حان قيامُ

ناجاك دعبل بالقريض مرجياً *** نصراً ومنك الوحي والإلهامُ

وأتيت بابك طالباً منك العلا *** وبراحتيك الخير والإنعامُ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 203

كشكول الوائلي _ 203

رجـع

على أية حال، فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام لم يشأ أن ينام دون أن يتفقّد حال السيدة عائشة؛ لأنه يرى أنّها عرض رسول الله صلى الله عليه وآله مع ما كان لها من مواقف معه تمزّق أعصاب الإنسان حتى إذا كان في غاية الصبر، سيّما شنّها الحرب عليه؛ لما اُريق من دماء، واُزهق من أرواح على غير سبب سوى رغبة عند البعض في إهاجة الفتنة وإثارتها عليه عليه السلام.

المهم أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام حينما دخل البصرة بعد واقعة الجمل وقفت له امرأة بباب الدار وقالت له: يا قاتل الأحبّة، أيتمت ولدنا أيتم اللّه ولدك. ولو أننا وضعنا مكان أمير المؤمنين عليه السلام أحد خلفاء بني اُميّة أو بني العبّاس كعبد الملك بن مروان والحجّاج وأمثالهما، فماذا يمكن أن يكون ردّة فعله حينها؟ أليس الحجّاج هو الذي خطب الناس ذات مرة حتى غابت الشمس، فقام له أحدهم وهو يخطب وقال له: أصلحك اللّه، الوقت لا ينتظرك، والربّ لا يعذرك. فقال له الحجّاج: ما تقوله صحيح، لكن مثلك لا يأمر مثلي. ثم أمر به فسجن(1).

أمّا علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد كان جوابه أن قال لها: «لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت من في هذه الحجرة»(2)؟ وكان فيها مروان بن الحكم، وعبد اللّه بن الزبير، والوليد بن عقبة بن أبي معيط.

فهذه هي النفس الكبيرة التي تسمو على كل ما هو حطام دنيوي زائل(3).

كان عليه السلام يعرف أنّ العفو سيخلّده أكثر من الانتقام، وإلاّ فإنّه عليه السلام كان قادرا على أن ينتقم من كل من قام بالحرب ضدّه(4). وهكذا فإنّ التاريخ الآن حينما يمرّ بموقف من المواقف الكريمة والنبيلة لهذا الرجل السيد النبيل فإنّه ينحني له إجلالاً وإكراما وإكبارا، وهو يفعل هذا مع كل موقف يمرّ به لأمير المؤمنين عليه السلام :

 أَ أَبا الحُسينِ وتِلكَ أروعُ كنيةٍ *** وكِلاكُما بالرَّائعات قَمِينُ

 لكَ في خَيال الدَّهرِ أيُّ مَلامحٍ *** تَروي السَّنا ويُتَرجِمُ النَّسرينُ

 في الصبح أنت المُستَحِمُّ منَ اللَّظى *** واللَّيل في المحرابِ أنتَ أنينُ

 تكسو وأنتَ قطيفةٌ مَرقوعةٌ *** وتَموتُ من جوعٍ وأنت بَطينُ

 آلاؤك البيضاءُ طوَّقتِ الدُّنَا *** فَلها على ذِممِ الأَنامِ دُيونُ

 وترقّ حتى قيل فيك دعابة *** وتفحّ حتى يفزع التنّينُ

 خلقٌ أقلُّ نعوتِه وصفاتِه *** أن الجلالَ بمثلِه مقرونُ

 ما عدت ألحو عاشقيك بما أتَوا *** وصفاتُك الغَرَّاءُ حورٌ عينُ(5)

يتبع…

________________

(1) البيان والتبيين 1: 360، المستطرف من كل فن مستظرف 2: 16، محاضرات الاُدباء 1: 239.

(2) دعائم الإسلام 1: 394، مناقب آل أبي طالب 2: 98، الجمل (ضامر بن شدقم): 147، تاريخ الطبري 3: 543، شرح نهج البلاغة 15: 105.

(3) وإن كان كرسي حكم ودست رئاسة، أليس هو عليه السلام القائل: « لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ». نهج البلاغة / الخطبة: 3 المعروفة بالشقشقية.

 وقال لابن عبّاس: «والله لهما أحبّ إليّ من أمركم هذا إلاّ أن اُقيم حقّا أو أدفع باطلاً» يعني نعليه. الإرشاد 1: 247، الجمل: 113.

(4) وإلاّ فلماذا ترفّع بسيفه أن ينال بسر بن أرطاة وعمرو بن العاص بعد أن كشفا عن عورتيهما خوفا من سيفه القاضم الحاطم؟ يقول ابن الأثير وابن منظور: « كان علي بن أبي طالب عليه السلام إذا نزل إلى الحرب تَنادى الجيش وصاحوا: احذروا الحطم، احذروا القضم ». النهاية في غريب الحديث والأثر 4: 78 ـ قضم، لسان العرب 12: 488 ـ قضم.

(5) ديوان المحاضر 1: 19.



Real Time Web Analytics