شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{79} الحاج أحمد العوّى[1]

المتولّد سنة (1341) ه

هو الحاج أحمد بن عبد اللّه بن محمّد العوّى، أحد الشباب الطامحين لفعل الخير قولاً وفعلاً. ولد في (3/8/1341) ه، نشأ محباً للعلم وذويه، طموحاً لفعل الخيرات، وله فيها آثار محمودة أهمها ما قام به من نشر الكتب الدينية وجلبها، فأفاد وطنه ومواطنيه؛ دينياً، وتاريخياً، وأدبياً. وكان تقياً ورعاً صالحاً، اُميّاً لا يقرأ ولا يكتب، لكنه شاعر كثير النظم، لا سيما باللغة الدارجة، وقد طبع ديوانه مرتين في مراثي أهل البيت عليهم السلام ومدائحه، أما نظمه باللغة الفصحى فأقل من ذلك بكثير، ولا زال مثابراً في مثل هذه الخدمات العالية (أطال اللّه بقاه). فمن ذلك قوله:

في رثاء أمير المؤمنين عليه السلام

في ليلة القدر ركن الدين قد صرعا *** وفي مصلاّه في المحراب قد وقعا

جاء المراديّ والشيطان يتبعه *** والقلب منه ببغض المرتضى طبعا

فشقّ بالسيف رأس الطهر حيدرة *** فخر كالطود فوق الأرض منصرعا

وقال فزت وربي والدماء جرت *** من الكريم وسالت في الثرى قطعا

فناح جبريل والأملاك قاطبة *** وكل شيء لرزء المرتضى صدعا

وصاح جبريل أعلام التقى انطمست *** والدين بعد ولي اللّه قد فجعا

واُم كلثوم للسبطين قائلة *** قوما فناعي علي في السماء نعى

فأقبلا لمصلّى حيدر وإذا *** ليث العرينة في المحراب قد وقعا

فعصب الرأس منه نجله حسن *** والدمع منه على الخدّين قد همعا

فأقبلوا بولي اللّه منزله *** على الرقاب ومنه جرحه اتسعا

وأقبلت نسوة الكرار تنظره *** هاتيك تبكي وهاذي قلبها جزعا

وقالت الطهر يا كرّار أوصِ لنا *** فقال كل امرئيجزى بما صنعا

اُوصيك يا زينب بالصبر فاصطبري *** فاز الذي قد غدا بالصبر مدّرعا

ستنظرين أخاك المجتبى حسناً *** يكابد السم فوق الفرش مضطجعا

يجود بالنفس من سم بمهجته *** سرى وفي الطشت يلقي قلبه قطعا

وتنظرين حسيناً في التراب لقى *** وسيف شمر لرأس الفخر قد قطعا

وتحملين إلى الطاغي على قتب *** ورأس ريحانتي في الرمح قد رفعا

ألا الزمي الصبر يا بنتاه واحتسبي *** فالصبر لا شك للإنسان قد نفعا

وودع الأهل والأولاد ثم قضى *** وللجنان جوار المصطفى ارتفعا

فأظلم الكون حزناً للوصي ونا *** ح الروح جبريل في الآفاق مفتجعا

واعولت زمر الأملاك واضطرب الـ *** ـأفلاك حتّى كأن الوعد قد وقعا

وأقبلت زينب الحوراء نادبة *** ياوالدي بك أضحى الدين منصدعا

والشامتون لهم طاب الكرى فرحاً *** من حين جسمك في مثواك قد وضعا

يتبع…

_______________

[1] توفي رحمه الله في 28 / 11 / 1420 ه.



كشكول الوائلي _ 209

كشكول الوائلي _ 209

الثالثة: تحريم أكل الطعام الذي يصنع على شرف الحسين عليه السلام

ثم عمد هؤلاء إلى الدعوة إلى الامتناع عن أكل الأطعمة التي تصنع في ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، معلّلين ذلك بأنّها محرّمة، مع أ نّها تجمع كل شرائط التذكية الصحيحة التي أرادها اللّه تعالى من كون الذابح مسلما، وتوجيه الذبيحة إلى القبلة، والتسمية عليها عند الذبح، وغيرها. فهذا الذي يصنع الطعام على شرف الإمام الحسين عليه السلام إنّما يدعو الناس إلى الأكل منه ابتغاءً لوجه اللّه تعالى وطلبا لرضوانه؛ لأ نّه يبعث ثوابه إلى روح الإمام الحسين عليه السلام. وهو بهذا لا يعدو أن يكون عمله كباقي أنوع البرّ التي يعملها المسلمون لأمواتهم.

هذا مع أننا نعتقد بأن الإمام الحسين عليه السلام ليس بميت(1)، لكننا نريد أن نسرّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله بتقديم الطعام على مائدة ولده، وجعل ثوابه له. فما هو وجه الحرمة إذن؟ ومن أين جاءت، وليس إطعام الطعام هنا كما قلنا إلاّ محاولة لإهداء ثوابه إلى الإمام الحسين عليه السلام؟

وأنا اُؤكد من على هذا المنبر أن طرح مثل هذه المسلّمات على الساحة والنقاش فيها ليس إلاّ مضيعة للوقت، لأن من يطرحها ليس طالب حقيقة، بل هو طالب عناد ومجانف للحقيقة. إن المسلمين اليوم بحاجة إلى الهدوء لتصفية مشاكلهم؛ لأنهم بحاجة إلى الوئام والتكاتف والتآزر، فلدينا كمسلمين من المشاكل مع الآخرين فيالعالم المحيط بنا ما يكفينا ويكون حرضا لنا وسببا لأن نتّحد ونتكاتف في وجه هذه المشاكل التي يراد من ورائها أن يحاق بنا. وإن كان لابدّ من مناقشة مثل هذه الاُمور، فالعالم مليء بالمنكرات التي ترتكب كلّ يوم علانية فلتحارَب تلك المنكرات بعيدا عن الاُمور التي تشحن الأجواء، وتؤجّج المشاكل والصراعات،وتشغل المسلمين عما يدور حولهم مما يراد بهم.

فمن يرد وجه اللّه تعالى فلينكر ذلك المنكَر ولا يظلّ يدور حول هذه الدائرة التي ليس لها مخرج وليس منها مفرّ، أمّا أن يشيع أنّ اللّه تعالى سيعاقب من يصنع هذا الطعام على شرف سيد الشهداء عليه السلام طلبا لمغفرته ولرضوانه وسيعاقب آكله الذي سيذكر مصيبة ابن رسول اللّه صلى الله عليه وآله ويستعبر لها، فلا أظنه مقتنعا بما يشيع ويقول، وإنما هو العناد والعزّة بالإثمّ.

إننا نعرف طريقنا الذي نسير عليه(2) وواثقون منه، ونحن على هدْي الذين قال فيهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله: «إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا. ولقد نبّأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»(3)، وعلى هداهم وحبّهم ومودّتهم (نسأل اللّه تعالى أن يجعلنا دائما من المتمسّكين بكتابه ونبيه صلى الله عليه وآله وأهل بيته عترته عليهم السلام)، وإن شاء اللّه سوف لن نضل ما دمنا على هذا الطريق أبدا، فلا يعنينا أنّ هناك من يوزّع الكفر والإيمان اعتباطا(4)، ولا يعنينا أنّ هناك من جعل كل رسالته وهدفه في الحياة تمزيق وحدة المسلمين وشقّ صفوفهم بما يصدر عنهم من فتاوى(5) وتكفير لمذاهب إسلامية اُخرى(6).

فاللّه اللّه على وحدة الإسلام والمسلمين، ولتكن أعمالنا نابعة من هدي القرآن الكريم ووحيه، ومن إرشاد السنة النبوية المطهّرة (على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام وأتم التحية والإكرام).

يتبع…

__________________

(1) قال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ آل عمران: 169.

(2) قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يوسف: 108.

(3) فضائل الصحابة (أحمد بن حنبل): 15، 22، مسند أحمد 3: 14 وغيرها، سنن الدارمي 2: 432، وغيرها كثير.

(4) فالمتوكّل عندهم محيي السنة، ومميت البدعة كما في البداية والنهاية 13: 239، مع أنهم يروون أن لحمه وقع في كؤوس الخمرة، ومات بين أحضان الغانيات، ثمار القلوب (الثعالبي) 1: 191 ـ 190.

(5) فقد أفتى الشيخ نوح الحنفي في حلب مثلاً بإباحة دماء الشيعة، وباستحلال فروج نسائهم، ونهب أموالهم. خاتمة مستدرك وسائل الشيعة 2: 159، الكنى والألقاب 2: 331.

(6) مع أن الأشعري يقول: « أنا لا اُكفّر أحدا من أهل القبلة؛ فالآية الكريمة تقول: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأن الكلّ يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات ». السنن الكبرى 10: 207، سير أعلام النبلاء 15: 88، ثم قال الذهبي: وبنحو هذا أدين. وحول هذا انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 5: 15 / 6268.

 وهذه الظاهرة امتدّت إلى المذاهب كافّة، فمثلاً يقول الحافظ أبو حاتم بن خاموش: كلّ من لم يكن حنبليّا فليس بمسلم. انظر: تذكرة الحفّاظ 3: 1186، سير أعلام النبلاء 17: 625، 18: 508. ويقول: عبد الله بن محمد بن عقيل الباوردي ـ وكان من بقايا الصحابة على رأي الذهبيـ: من لم يكن معتزليّا فليس بمسلم. ميزان الاعتدال 2: 498 / 4583، لسان الميزان 3: 353 / 1430.



صفات حمات الدين

صفات حمات الدين

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

الحمد لله الذي وسع العباد برحمته، وأنعم علينا بعظيم نعمته، وحبانا بجوده ومغفرته، ووفقنا في الدنيا لطاعته، ونهانا من معصيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأصلّي وأسلم على المعصومين من ذريته، سادة العباد وخيرته في بريته.

عباد الله اوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن التقوى زاد الآخرة.

فياعامر الدنيا ويا ساعياً لها *** ويا آمناً من أن تدور الدوائر
ولم تتزود للرحيل وقد دنا *** وأنت على حالٍ وشيكٍ مسافر
فيا لهف نفسـي كم أسوف توبتي *** وعمري فانٍ والردى لي ناظر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت *** يجازي عليه عادلٌ الحكمِ قادرُ([1])

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ([2]).

تحدثت الآية الكريمة عن المرتدين، وأن من يرتدّ عن دينه لن يضر الدين أو المجتمع أو تقدم الحالة الإسلامية أو تطورها؛ حيث إن حامي الدين هو الله تعالى القادر على الإتيان بقومٍ لحماية الدين والشريعة، وصفات هؤلاء الحماة هي:

* الصفة الاُولى: إنهم يحبون الله ولا يفكرون بغير رضاه، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، قوم همهم التقرب من الخالق، وإزالة كل الموانع بينهم وبينه بالطاعة والعبادة.

وإذا حلت الهداية قلباً *** نشطت للعبادة الأعضاء([3])

يقول الرسول‘ في حق علي× في فتح خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه»([4]).

وفتح الله على يديه، واندحر اليهود وانتصر المسلمون بعلي×. يقول ابن أبي الحديد:

يا هازم الأحزاب لا يثنيه عن *** خوض الحمام مدججٌ ومدرعُ
يا قالع الباب الذي عن هزها *** عجزت أكف أربعون وأربع([5])

* الصفة الثانية: أذلة على المؤمنين، حيث يبدون التواضع والخضوع والرأفة أمام المؤمنين. والتواضع أحد الأسباب المزيلة لداء التكبر، ويرفع الإنسان في الدنيا، ويقربه من الله تعالى، وقد تواترت الأخبار بالحث عليه، وعن النبي‘ قال: «ما تواضع أحدٌ إلا رفعه الله»([6]). وقال‘ لأصحابه: «مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة؟» فانبروا قائلين: ما حلاوة العبادة؟ فقال: «التواضع»([7]). قال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.

* الصفة الثالثة: الشدة على الكفار، وإبراز القوة أمام الكفار الظالمين، قال تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فلا يجوز للمؤمن أن يكون ذليلاً أمام الكافرين، ويتصف بالضعف والخضوع والمسكنة، بل عليه إظهار القوة والعزة؛ لإرهابهم وإدخال الرعب في قلوبهم وتشتت كلمتهم.

* الصفة الرابعة: الجهاد في سبيل الله، بحيث يكون شغلهم الشاغل الدفاع عن حياض الإسلام وحرماته من شر المعتدين وكيد الكافرين ومؤامرات المنافقين الذين دائماً يتربصون بمصالح المسلمين للفتك بهم. يقول علي× في نهج البلاغة: «أما بعدُ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشَملَهُ البلاء، ودَيِثَ بالصغار والقماءة وضرب على قلبه بالإسهاب»([8]).

* الصفة الخامسة: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم، بل يدافعون عن الحق، وينفذون أوامر الله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، إنهم الذين يتحلون بالشجاعة ويمتلكون الجرأة في مواجهة الخرافات وعادات الجاهلية، والوقوف أمام مظاهر الإنحراف، التي تفتك بالمجتمع المتدين.

إن السكوت عن المنحرفين ومظاهر الفساد أمرغيرمقبول؛ لكي لا تسود الفوضى وتكثر المشاكل، بل علينا التعاون مهما أمكن للوقوف أمام المنحرفين بالطرق الرسمية والمشروعة، لنتغلب على الفوضى والفوضوين وأصحاب الأفكار المنحرفة المخلة بالأمن والأمان، الناشرة للفساد، والمثيرة للفتن، والتي تسعى لتفكيك أواصر المجتمع.

إن كل هذا يحتاج إلى الجرأة والشجاعة والشهامة والتعاون، حتى نخلص مجتمعنا من أصحاب الأفكار الضالة والمنحرفة، ومن المنحرفين والشاذين، وبذلك يصبح المجتمع مثالياً يشد بعضه بعضاً: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

الفرزدق ونصرة الحق

لقد وقف الفرزدق في وجه هشام بن عبد الملك، وأنكر عليه انتقاصه للإمام زين العابدين× حينما رأى الناس تنفرج عن طريقه وتجله وتحترمه فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهرالعلم
وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم([9])

اللهم عجل فرج وليك، واجعل صلاتنا به مقبولة، وذنوبنا به مغفورة، ودعاءنا به مستجاباً، واجعل أرزاقنا به مبسوطة، وهمومنا به مكفية، وحوائجنا مقضية، واقبل إلينا بوجهك الكريم، واقبل تقربنا إليك. والحمد لله رب العالمين.

_________________

([1]) تاريخ مدينة دمشق 41: 407. شرح إحقاق الحق 28: 140.

([2]) المائدة: 54.

([3]) الفوائد الرجالية 1: 39. سبل الهدى والرشاد 1: 393.

([4]) الكافي 8: 351، كتاب الروضة، ح548.

([5]) الروضة المختارة (ابن أبي الحديد): 140.

([6]) الأمالي (الطوسي) : 56 / 80.

([7]) ميزان الحكمة 4: 3554 / 4092.

([8]) نهج البلاغة (صبحي الصالح): 69 / 27.

([9]) مناقب علي بن أبي طالب (ابن المغازلي): 311 / 394. تاريخ مدينة دمشق 41: 401.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{78} الملاّ علي بن قيصوم[1]

المتولّد (1340) ه

هو الملاّ علي بن حسن آل قيصوم، المتولّد في سنة (1340) ه. كان منذ ولادته مكفوف البصر، نشأ في رعاية أبويه كغيره من الأولاد، ولم يكن يؤمّل منه حسب وضعه أن يكون خطيباً أو شاعراً، ولكن الفضل بيد اللّه {يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّه‏ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[2]. وبين عشية وضحاها وإذا بمترجمنا خطيباً وشاعراً مضافاً إلى ما اتّصف به من التقى والورع.. النقطة الهامة في حياة الإنسان التي تحفظ مستقبله الاُخروي. وكان ولعاً بالكتب، فكان يغامر بشرائها واقتنائها بما تفرد به عن أقرانه (وفقه اللّه لمراضيه، ومد في عمره طويلاً). فمن شعره قوله:

في مولد أمير المؤمنين عليه السلام

أقسمت باللّه والآيات منزلة *** في محكم الذكر تتلى في الملايينا

إن الإمام أبا الأطهار حيدرة *** تاج المكارم من ساد الوصيينا

فلتهن فاطمة الطهر التي شرفت *** على النسا بإمام جاء يهدينا

بالبيت مولده والكل يعرفه *** وليس ينكره إلاّ المضلّونا

هذا أبو حسن إن كنت جاهله *** أضحى نصيراً لمن فاق النبيينا

سل عنه بدراً وسل عنه خيابرها *** من المحلّق فيها في الميادينا

يا باذلاً نفسه في اللّه مجتهداً *** وهذه عن جميع الفضل تنبينا

أبا الأئمة يابن الطهر فاطمة *** لا زلت ترشدنا بالعلم تغنينا

يا ناصراً أحمد المختار إذ نكبوا *** وفرّت الصحب عن لقيا المعادينا

ضربت بالسيف لم تنكل كما نكلوا *** ولم تُرَ ساعة خلف الصواوينا

يا فارس الحرب يا سبّاق حلبتها *** ومشعلاً نارها كي تظهر الدينا

أعطاك ربك ما لم يعطِه أحداً *** واختارك اللّه من بين المصلّينا

_______________

[1] توفي رحمه الله في 1 / 11 / 1427 ه.

[2] الحديد: 21.



كشكول الوائلي _ 208

كشكول الوائلي _ 208

في أنّ مصرع الإمام الحسين عليه السلام أبكى رسول اللّه صلى الله عليه وآله

فصوم عاشوراء إن كان بعنوان التقرّب إلى اللّه تعالى فقط فهذا الاعتبار علّة لصحّته، أما إذا كان في صومه إيماءة أو إشارة تعطي لونا من الشماتة فهو صوم محرّم؛ لأ نّه هذا اليوم يوم عزاء لرسول اللّه صلى الله عليه وآله. وليس من مسلم يشكّ في أن مقتل الإمام الحسين عليه السلام قد آذى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وآلمه أشدّ إيلام وأفجعه أي فجيعة.

مشروعية البكاء على الحسين عليه السلام وإقامة المآتم عليه

ويمكن الاستدلال لهذا بالكثير من الروايات التي يرويها علماء المذاهب الأربعة في خصوص بكاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله على الإمام الحسين عليه السلام أو في بكائه على غيره من أصحابه، فهذه كتب علماء أبناء المذاهب الأربعة غنية بالروايات التي تصبّ في هذا المجال، وهي متوفّرة بين أيدينا.

وهكذا فنحن حينما نقيم مآتم على الإمام الحسين عليه السلام نذكر فيها مواقفه البطولية وأهداف حركته السامية ونبكي لما أصابه، فإننا إنما نمشي مع السنّة وعلى خطّها في هذا، ولا نخالفها في شيء. ولست أدري لماذا يعبّر البعض عن إقامة مثل هذه المآتم بأنها بدعة وأنها مخالفة للسنة؛ فهناك الكثير من الروايات في هذا المضمار كما ذكرنا، ومنها ما يرويه ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة): عن اُمّ الفضل بنت الحارث زوجة العبّاس بن عبد المطلب، أنّها دخلت على رسول اللّه صلى الله عليه وآله فقالت: يارسول اللّه إنّي رأيت حلما منكرا الليلة. قال صلى الله عليه وآله: «وما هو؟». قالت: إنّه شديد. قال: «وما هو؟». قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. فقال صلى الله عليه وآله: «رأيتِ خيرا، تلد فاطمة إن شاء اللّه غلاما فيكون في حجرك».

وفعلاً ولدت الزهراء عليها السلام الإمام الحسين وأرضعته أمّ الفضل التي تذكر ذلك فتقول: فولدت فاطمة الحسين عليهما السلام، فكان في حجري، كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله،فدخلت يوما على رسول اللّه صلى الله عليه وآله، فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله تهريقان من الدموع، فقلت: يا نبيَّ اللّه، بأبي أنت واُمِّي، مابك؟ قال: «أتاني جبرائيل فأخبرني أنّ اُمَّتي ستقتل ابني هذا». فقلت: أيكون هذا؟ فقال صلى الله عليه وآله: «نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء»(1).

وهذه التربة أودعها رسول اللّه عليه السلام عند اُمّ سلمة وقال لها: «يا اُمَّ سلمة، جاءني جبرئيل فأخبرني أنّ ولدي حسيناً يُقتل بأرض العراق، وأتاني بهذه التربة من موضع قتله، فخذيها وضعيها في قارورة، فإذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنه قد قتل»(2).

ومن أحبّ فإني اُرشده إلى عشرات المصادر عند المذاهب الأربعة في هذا المضمار، ودونه كتاب (إقناع اللائم في إقامة المآتم)(3)، وهو مطبوع ومتوفّر، وكل مصادره من كتب المذاهب الأربعة.

بكاؤه صلى الله عليه وآله على شهداء مؤتة

إن على المعترض على أمثال هذه الاُمور أن يرجع إلى (الموسوعة الفقهية) في الكويت ولينظر في باب (مأتم) كيف أنه صلى الله عليه وآله بكى لما قُتل جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة بموءتة، وقال: «المرء كثير بأخيه»(4). وقال صلى الله عليه وآله «على مثل جعفر فلتبكِ البواكي»(5).

يتبع…

_______________

(1) انظر: المستدرك على الصحيحين 3: 176 ـ 177. قال الحاكم: «وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين». وقد مرّ التنبيه في ج1 ص31 من موسوعة محاضرات الوائلي إلى أن صاحبة الرؤيا هي اُمّ سلمة وليست اُمّ الفضل، ويدلّ عليه أن رسول اللّه عليه السلام قد أودع التربة التي أتاه جبرائيل عليه السلام بها من كربلاء عند اُمّ سلمة.

(2) بحار الأنوار 44: 238، 268، المعجم الكبير 3: 108 ـ 109 / 2819، 23: 289/ 637، كنز العمّال 13: 656 / 37666.

(3) للسيّد محسن الأمين رحمه الله.

(4) شرح نهج البلاغة 18: 112.

(5) الاستيعاب 1: 243، اُسد الغابة 1: 289، وأضاف فيه: ودخل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من ذلك همّ شديد، حتى أتاه جبريل فأخبره أن الله قد جعل لجعفر جناحين مضرّجين بالدم، يطير بهما مع الملائكة.



ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)

ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

19/3/1439

الحمد لله الذي أنار الدنيا بنور رسوله| أحمده وأستغفره وأتوب إليه، إنه هو التواب الرحيم، وأصلّي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب العالمين، محمد وآله الطاهرين، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له. عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى درع الله الحصين، وأبارك لكم أيام الميلاد الكريم.

لقد كرم الله النبي محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من إسمه ليجله *** فذوالعرش محمودُ وهذا محمدٌ
نبي أتانا بعد يأس و فترة *** من الرسل والأوثان في الأرض تعبدُ
تعاليت رب العرش من كل فاحش *** فإياك نستهدي وإياك نعبدُ([1])

جاءت البشرى وهبت النسائم المعطرة، فطيبت الحجاز بطيب مقدس، حيث ولد من أسرة عربية عريقة، امتازت بطهارة أعراقها، وتجل مقاصدها الطيبة وعلو همتها العالية، فهي الأسرة الهاشمية العفيفة في أخلاقها، التي عرفتها العرب بحنفيتها على ملّة إبراهيم×، تحلت بالفضائل من الجود والكرم والخلق الرفيع، فكانت محمودة مشكورة.

ولما ولد تلّقى الأرض بمساجده السبعة رافعاً سبابته إلى السماء، يرافقه نور غطى أرجاء المكان. يقول البوصيري:

ليلة المولد الذي كان للدين *** سرور بيومه وازدهاء
فهنيئاً به لآمنةً الفضل *** الذي شُرفت به حواءُ
من لحوّاء إنها حملت أحمد *** أو أنها به نفساءُ
يوم نالت بوضعه ابنة وهب *** من فخار ما لم تنله النساءُ([2])

ولد النبي محمد| وخرج معه النور الذي أضاء القصور القيصرية، وانصدع الإيوان في المدائن الكسروية، وسقطت بعض شرفاته العلوية، وكسر عرش الملك كسرى، وخمدت نيران فارس، التي كانت مشتعلة ألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وكبرت الملائكة، وفتحت الجنان أبوابها، وأوصدت أبواب النيران، وتزينت الحور والولدان، ونادى المنادي: ولد المعروف في السماء أحمد وفي الأرض محمد. يقول أحمد شوقي:

بل بشـر الله السماء فزُينت *** وتضوعت مسكاً بك الغبراء
يوم يتيهُ على الزمان صباحه *** ومساؤه بمحمدٍ وضاءَ
ذعرت عروشُ الظالمين فزلزلت *** وعلت على تيجانهم أصداءُ
والنار خاوية الجوانب حولهم ***
فمدت ذرايتها وغاض الماءُ

وأقبل عبدالمطلب فرحاً مسروراً قد غمرته السعادة، وحمله إلى الكعبة، يسأل الله تعالى أن يعيذه من شرور الدنيا ومفاسدها، وشكر الله سبحانه أن وهبه هذا المولود المبارك، وطاف به سبعة أشواط، ثم وقف عند ركن الكعبة رامقاً بطرفه إلى السماء وهو يقول:

الحمدلله الذي أعطاني *** هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان *** أعيذه بالبيت ذي الأركان([3]) 

ثم رده إلى أمه حامداً لله تعالى الذي عوضه عن فقد ابنه عبد الله بنبينا محمد، وراح يذبح الذبائح ويطعم أهل الحرم والطيور ووحوش الفلا، وسماه محمداً|، وعق عنه في اليوم السابع بكبش حضره عامة قريش.

في النطق ألفاظ الكلام كثيرة *** وأجل ما في النطق اسم محمدٍ

وقيل([4]) إنه سماه محمداً بإلهام من الله تعالى تفؤلاً بأن يكثر حمدُ الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها.

يقول حسان:

فشق له من اسمه ليجله فذو *** العرش محمودٌ وهذا محمدُ([5])

وقد ورد: «أحب الأسماء إلى الله ما عبد وحمد»([6])، ولما كانت العبادة أشرف الخصال، والتسمي بها أشرف التسميات، سمي الخالقُ سبحانه حبيبه محمداً عبداً. فقال سبحانه: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا([7]).

أما اسم أحمد فقد جاء في الذكر الحكيم على لسان عيسى×: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ([8]).

يقول أحمد شوقي:

ولد الهدى فالكائنات ضياءُ *** وفم الزمان تبسمٌ وثناءُ
الروح والملأ الملائك حوله *** للدين والدنيا به بشـراءُ
والعرش يزهو والحضيرة تزدهي *** والمنتهى والسدرة العصماءُ

«اللهم صل على محمد وآل محمد في الأولين، وصل على محمد وآل محمد في الآخرين، وصل على محمد وآل محمد في الملأ الأعلى، وصل على محمد وآل محمد في المرسلين، اللهم اعط محمداً الوسيلة والشرف والفضيلة والدرجة الكبيرة، اللهم إني آمنت بمحمد| ولم أره فلا تحرمني يوم القيامة رؤيته، وارزقني صحبته، وتوفني على ملته، واسقني من حوضه مشرباً روياً سائفاً هنياً، لا أظمأ بعده أبداً، إنك على كل شيء قدير، اللهم كما آمنت بمحمد| ولم أره، فأرني في الجنان وجهه، اللهم بلغ روح محمد عني تحية وسلاماً»([9]).

أدم الصلاة على النبي محمد *** فقبولها حقاً بغير تردد
أعمالنا بين القبول وردها *** إلا الصلاة على النبي محمد

______________________

([1]) بحار الأنوار 22: 251، 35: 165.

([2]) سبل الهدى والرشاد 1: 355. السيرة الحلبية 1: 94.

([3]) الطبقات الكبرى 1: 103. تاريخ مدينة دمشق 3: 83. الفضائل (ابن شاذان): 23.

([4]) الروضة البهية 1: 231. السيرة الحلبية 1: 128.

([5]) مواهب الجليل 1: 19. بحار الأنوار 22: 252.

([6]) العهود المحمدية: 342.

([7]) البقرة: 23.

([8]) الصف: 6.

([9]) بحار الأنوار 83: 96 / 3، 266 / 36، ج91: 58 / 38.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{77} السيّد طاهر المسحر

المتولّد عام (1340) ه

هو السيّد طاهر السيّد ناصر السيّد رضي آل المسحر، المتولّد سنة (1340) ه في قرية الكويكب من أبوين كريمين شريفين قاما بتربيته أحسن قيام، فنشأ محباً للخير وذوية، وللعلم وأهله، له أيادٍ بيضاء مشكورة، سبّاقاً للخير ومن أهله. امتهن عمل التجارة ولا زال متفانياً في حب أهل البيت عليهم السلام، أخذ ينظم الشعر في مراثيهم ومدائحهم حتّى تألفت لديه عدة قصائد (أطال اللّه بقاءه، وكثر أمثاله)، نقتطف من شعره هذه القصيدة:

في رثاء أمير المؤمنين عليه السلام

اُصيب الحق في شهر الصيامِ *** بسيف الأشقيا لرضا قطامِ

فيا للّه من خطب فظيع *** دهى الإسلام في شهر الحرامِ

لقد فجع الهدى والدين حقاً *** وعروته اُصيبت بانفصامِ

غداة غدا لمسجده يصلّي *** فأرداه ابن ملجم بالحسامِ

ونادى المرتضى بالفوز لمّا *** اُصيب الرأس منه بانقسامِ

فنادى الروح ينعاه بشجو *** عماد الدين أصبح بانهدامِ

أجابته الملا من كلّ صوب *** ألا يا حسرتاه إلى القيامِ

وشالوا المرتضى ولهم عويل *** ودمع العين يجري بانسجامِ

فوافته العقائل حاسرات *** تنادي قد فجعنا بالصيامِ

قضى نفس النبي أبو اليتامى *** وكافلهن من قبل الفطامِ

أبو السبطين خيرة من عليها *** ومن للدين كان هو المحامي

فما حال الأرامل واليتامى *** عقيب المرتضى خير الأنامِ

بكته والدموع دماً عليه *** يشابه سيلها سيل الغمامِ

فنحن المعولات على علي *** ونحن الباكيات على الإمامِ

نعزي المصطفى بأخيه حقاً *** وفاطمة مع الآل الكرامِ

وزينب تندب الكرار شجواً *** أبي من لي إذا فقد المحامي

أبي من لي إذا سلبوا قناعي *** أبي من لي إذا حرقوا خيامي

أبي من لي وللأيتام جمعاً *** بيوم الطف بعد السبط حامِ

فليتك ناظر ترنو إلينا *** تطير قلوبنا طير الحمامِ

ترفرف فوق كافلنا صريعاً *** على البوغاء منه النحر دامِ

فأبكت كل من في البيت شجواً *** بندبتها على البطل الهمامِ

وأصبحت اليتامى ثاكلات *** وتندبُ بالبكا والدمع هامِ

ولا عيد يرى في كل قطر *** سوى ما كان في بلد الشآمِ

فلا قرت لمن عاداه عين *** ولا هجعت عيون بالمنامِ



كشكول الوائلي _ 207

كشكول الوائلي _ 207

البعد الرابع: التعتيم على ذكرى استشهاده

وهذا البعد قد اتّخذ عدة أشكال وأطوار، ذلك أنّ السلطات الحاكمة حينما رأت أن هذه الفرية لم تنطلِ على الناس ـ حيث إنّهم راحوا يتتبّعون سيرة الحسين عليه السلام، وأثرها في واقعهم، وعرفوا أنه خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولتجسيد مبادئ الإسلام اتجهوا إلى أبعاد اُخرى منها التمويه على ذكراه ليخرجوه من الأفكار ومن دنيا الواقع وليطردوه من أذهان الناس. وأرادوا لذكراه أن تمرّ بشكل بارد دون أن تشوبها شائبة الحركة والحرارة الثورية أو حرارة الحمية والانفعال من أجل علم من أعلام المسلمين. وقد حاولوا فعل ذلك عبر عدّة أشكال منها:

الأوّل: أنّ شعار الثورات المستوحاة منها فيه استعانة بغير اللّه

وهكذا أخذوا يشكلون عل نوع الشعارات، فشعار «ياحسين» فيه استعانة بغير اللّه تعالى من وجهة نظرهم، وهو شرك.

معنى الاستعانة ومشروعيّتها

لكن لنا أن نسأل: ما معنى الاستعانة؟ وهل نحن نستعين بالحسين عليه السلام بما أنه لحم ودم؟ إننا نقف في المكان الذي أراد اللّه عزّوجلّ له أن يعظّم، ألم يأمرنا اللّه تعالى بتعظيم الشعائر(1)؟ وألم يكن من جملة شعائر اللّه تكريم الشهيد والإشادة بدمه؟ إننا حينما نقف على ضريح الإمام الحسين عليه السلام فإنّما نقف على مربض من مرابض الشهادة المهمّة في تاريخ المسلمين، ونستوحي من اللّه رحمته، ونقول: يارب بحق هذا الدم الطاهر، وبحقّ هذا الموقف الكريم للذي ترسّم خطّ نبيّك محمد صلى الله عليه وآله واقتفى خطاه الكريمة، ارحمني ولا تحرمني من رحمتك. فأين هي الاستعانة بغير اللّه تعالى؟

ثم إنّ هؤلاء قد كرّروا هذه النغمة على مدى ألف وأربعمئة سنة، ونحن أجبناهم عليها بقدر أسئلتهم بالدليل القاطع والبرهان الساطع، أفلا يكفي هذا؟ وأنا أعرف أنّ هذه النغمة لن تتوقف، وهذه التهمة لن تنتهي لسبب بسيط هو أنّ هناك أسواق مفتوحة لهذه البضاعة البائرة لتي تدعو إلى إثارة النعرات وبثّ التفرقة.

الثاني: ادّعاء استحباب صوم يوم عاشوراء

ومن هذه البضائع ما يروّج له من ندب صوم يوم عاشوراء، ويروون في ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وآله دخل المدينة فوجد أهلها يصومون يوم عاشوراء، فقال صلى الله عليه وآله: «ما هذا من الصوم؟». قالوا: هذا اليوم الذي نجّى اللّه فيه نبيّه موسى بن عمران عليه السلام، وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، فصامه موسى عليه السلام شكرا. فقال صلى الله عليه وآله: «أنا أحقّ بموسى، وأحقّ بصوم هذا اليوم»(2).

ثم قالوا بعد ذلك: إن هذا الصوم نسخ بصوم شهر رمضان(3).

وأقول: إذا كان هذا الصوم قد نسخ كما تروون، فلماذا تدعون له؟

فإن أجابوا بأنهم يدعون له لا على نحو الوجوب بل على نحو الاستحباب.

فنقول: نحن لا نقول بأنّ الصوم أكثر من أن يكون عبادة، فإذا كان الغرض الاستحباب والتقرّب إلى اللّه تعالى فكل يوم هو للّه، فلماذا الإصرار على هذا اليوم؟

فالاستحباب حينئذٍ بعد نسخ الصوم هذا بصوم شهر رمضان لا وجه لتخصيصه بهذا اليوم وإن كان قد نجّى اللّه تعالى فيه نبيّه موسى بن عمران عليه السلام. أمّا إذا كان صيامه بعنوان التشفّي من الإمام الحسين عليه السلام، أو بأي صورة تعطي هذا المعنى فهو حرام بلا كلام؛ لأ نّه حينئذٍ سيؤول إلى كونه نصبا، وإذا وصل إلى كونه نصبا أصبح إنكارا لضرورة من ضرورات الدين؛ لأن الله تعالى يقول: قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَا(4)، ومادام أمر اللّه متوجّها إلينا بهذه المودّة، وما دام من مظاهر مودّتهم هو الحزن لحزنهم(5) فالواجب إذن ألا يُظهر أحد التشفّي بهم، بل لا يضمره أصلاً.

يتبع…

___________________

(1) في قوله عزّ من قائل: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الحجّ: 32.

(2) مسند أحمد 2: 359، باختلاف.

(3) المجموع شرح المهذّب 6: 301، 383 – 384، وقد نقل عن الماوردي عليه الإجماع.

(4) الشورى: 23.

(5) قال الصادق عليه السلام : «رحم الله شيعتنا؛ خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا، يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا». شجرة طوبى 1: 3 – 6.

 وهو أعم من الفرح والحزن المألوفين عندنا؛ لأنهم عليهم السلام يفرحهم أن يطاع اللّه تعالى، ويحزنهم أن يعصى. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : «كل يوم لا يعصى اللّه فيه فهو عيد». روضة الواعظين: 354، شرح نهج البلاغة 20: 73. أي يوم فرح. فهو صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار عليهم السلام يفرحون إن اُطيع اللّه تعالى ويحزنون إن عصي.

 



الهجرة إلى المدينة

الهجرة إلى المدينة

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

12/3/1439هـ

الحمدلله بارء النسمات، وخالق الكائنات، ومنير الظلمات، والصلاة والسلام على نبي الهدى، ومصباح الدجى، المنصور المؤيد أبي القاسم محمد| وآله الطاهرين السادة المنتجبين.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى زاد الآخرة.

بعد بيعة العقبة تنبهت قريش للخطر الحتمي المحدق بها فقامت قريش بمضايقة الرسول| والمسلمين، فعزم على الهجرة إلى المدينة المنورة، فوجّه المسلمين إلى ذلك سراً؛ هرباً من ظلم قريش وبطشها، ورغبة في تأسيس الدولة الإسلامية العادلة، فأمره الوحي قائلاً: «يا محمد، إن الله يأمرك أن تخرج من القرية الظالم أهلُها، فقد مات ناصرك»([1]). فقال| لمناصريه: «إن الله قد جعل لكم إخواناً في الدين يعزونكم وينصرونكم ويذودون عنكم بدافع الإيمان الصادق، وداراً تأمنون بها، وليكن خروجكم خفية؛ حتى لا تثور ثائرة قريش، وتحول بينكم وبين الخروج»([2]).

وبعد أن آخى بينهم، هاجر المسلمون ملبين نداء رسول الله| وممتثلين لأمره.

قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ([3]).

ورغم تعدي قريش على بعضهم إلا أن الهجرة نجحت، فاستقبلهم الأنصار في يثرب وأسكنوهم في بيوتهم، وفرشوا أرضها لإكرامهم، وقدموا لهم الطعام، وبذلوا لهم الأموال، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ([4]).

وقال قائلهم للنبي| حين قدم المدينة عليهم يصف كرمهم وجودهم: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير؛ لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله([5]).

وهاجر المسلمون حتى لم يبقَ في مكة إلا الرسول| وعلي× وقليل من المسجونين أو المرضى.

وحينها اجتمعت قريش في دار الندوة، وقرروا قتل رسول الله| في داره، فجاء جبرئيل× وأخبره بالمكيدة، وقرأ عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ([6]).

وبعد نزول الآية الكريمة نادى علي× وقال: «يا علي، إن قريشاً قد تآمروا على قتلي، وإن الله قد أمرني أن أهجر دار قومي، وأذهب إلى غار ثور، ومنه إلى يثرب دار السلام، وأمرني أن آمرك بثلاث:

الأولى: أن تنام على فراشي مساء هذه الليلة.

الثانية: أن تبقى بعدي بمكة لتؤدي عني الودائع والأمانات.

الثالثة: أن تخلفني في أهلي، فإذا أديت الأمانات والودائع إلى أهلها تحمل ابنتي فاطمة ومن معها من الفواطم إلى المدينة، فما أنت قائل وصانع؟».

فقال علي×: «يا رسول الله أو تسلم؟» قال: «نعم». قال: «فداك نفسي وروحي».

فلما خرج من بيته قرأ عليهم: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ([7]).

فلم يره أحد في خروجه، ولما هجموا على الدار، وجدوا علياً، فوثب في وجوههم وهو يقول: «ما شأنكم؟ وما تريدون؟» قالوا: أين محمد؟ قال: «أجعلتموني عليه رقيباً»([8]).

قال×:

وقيت بنفسـي خير من وطئ الحصـى *** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمدُ لما خاف أن يمكروا به *** فوقّاه ربي ذوالجلال من المكرِ
وَبِتُّ أُراعِيْهِم مَتَى ينشـرُونَني *** وَقَدْ وطنت نَفْسـي عَلَى القَتْلِ والأسْر
وبات رسول الله في الغار آمناً *** هناك وفي حفظ الإله وفي سترِ([9])

 يقول الكعبي:

ومواقف لك دون أحمد جاوزت *** بمقامك التعريف والتحـديدا
فعلى الفراش مبيت ليلك والعدى *** تهدي إليك بوارقا ورعودا
فرقـدت مثلوج الفؤاد كأنما *** يهدي القراعُ لسمعك التغريدا
فكفيت ليلته وقمت مفاديـاً *** بالنفـس لا فشلا ولا رعديدا([10])

وخرجوا خلف الرسول| يبحثون عنه حتى وقفوا على الغار، فلم يروه، قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([11]).

وخرج الرسول الأكرم| وهو يقول: «اللهم إنك تعلم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ، فأسكنّي أحب البلاد إليك».

فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ([12]). وتوجه نحو المدينة، ومشى ما يقارب خمس مائة كيلو، يمشي ليلاً ويستريح نهاراً.

_______________________

([1]) بحار الأنوار 35: 174.

([2]) انظر مناقب آل أبي طالب 1: 158.

([3]) الحشر: 8.

([4]) الحشر: 9.

([5]) تاريخ المدينة 2: 490. البداية والنهاية 3: 280.

([6]) الأنفال: 30.

([7]) يس: 9.

([8]) بحار الأنوار 19: 50 / 8.

([9]) الأمالي (الطوسي): 469 / 1031.

([10]) شجرة طوبى 2: 238.

([11]) التوبة: 40.

([12]) انظر روضة الواعظين: 406. مستدرك الوسائل 9: 345 / 11046. انظر تفسير السمعاني 4: 162. القصص: 85.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{76} محمّد سعيد الجشي

المتولّد في (27/7/1339) ه

ويقول في رثاء مسلم بن عقيل عليه السلام

سار مثل النجم وضّاح الجبينْ *** رائد للحق للسر أمينْ

من جنود الحق من أعلامه *** بطل خفّ لوادي الرافدينْ

حاملاً في كفّه مألكة *** لجموع طلبت حكم الحسينْ

أحرف سطرها سبط الهدى *** بمداد الحق والنور المبينْ

لم يفوا عهداً بما قد عاهدوا *** واستجابوا لدعاة الظالمينْ

فانبرى الرائد من بينهُمُ *** «مسلم» فروا فيا للخائنينْ

لو أطاعوه لقامت دولة *** ترفع الحق على مر السنينْ

واغتدى الإسلام في دولته *** شامخ الركن غزيزاً لا يهونْ

خافق الأعلام مرهوب القوى *** واضحاً منهجه للسالكينْ

من رأى مسلمَ في معترك *** هاج فيه البغي والحقد الدفينْ

بحسام مفرداً لاقى العدى *** واثباً وثبة آساد العرين ْ

يا له من بطل رام الفدا *** هب للجيش بعزم لا يلينْ

كثرة هائلة من حوله *** وخيول أقبلت بالدارعينْ

وهو فرد ظامئ خاوي الحشا *** خلفه أهل سرت في الظاعنينْ

قتلوا مسلمَ لا عن سبب *** غير نكث بإمام المسلمينْ

ناصروا البغي على سبط الهدى *** وأبوا إلاّ انتصار الغاصبينْ

دولة جارت على الحق فيا *** للئام كفروا بالمرسلينْ

بايعوا السبط وخانوا عهده *** وغدوا إلباً عليه زاحفينْ

قتلوه بالها من قسوة *** ثم ساقوا أهله للغاشمينْ

يا إمام الحق يا سبط الهدى *** أنت رمز للفدا للثائرينْ

قد أبيت الظلم يجتاح الورى *** وأبيت الكفر بين المؤمنينْ

ثرت للحق لتحيي شرعة *** رفعت دين الهدى في الخافقينْ

أنت أسمى ثائر في يعرب *** علم الحق وقاد الفاتحينْ

يومك الخالد فجر مشرق *** أبد الدهر ينير العالمينْ

يستضيء الجيل منه قبساً *** ولواء خافقاً في النيّرينْ

ثرت للحق إماماً هادياً *** وشهيداً خالداً في الخالدينْ



Real Time Web Analytics