شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{79} الحاج أحمد العوّى

المتولّد سنة (1341) ه

ويقول في رثاء القاسم عليه السلام:

رمت التسليَ بالترحال والسفرِ *** وكيف أسلو ومني القلب في كدرِ

أرجو حياة وملكاً دائماً رغدا *** كأنما بيدي إيماءة القدرِ

ما الناس إلاّ كركب ضل منهجه *** وما الزمان بمأمون على بشرِ

كم مصبح كالضحى نوراً بأعيننا *** قد غاب قبل غياب الشمس في الحفرِ

فاذكر شباباً بيوم الطفّ ما بلغت *** خمساً وعشراً من الأعوام كالزهرِ

شبل الوصي كبدر التم طلعته *** يضحي به المثل الأعلى لمفتخرِ

فمذ رأى عمه بالطف منفرداً *** في عصبة كفروا باللّه والسورِ

يصيح مستنجداً ما بينهم ويرى *** أسماعهم لا تلبّي صوت منتصرِ

فثار يطلب ثارات لمن قتلوا *** من أهله وعليه راية الظفرِ

أكرم به حشد ذاك اليوم مزّقه *** بسيفه وبعزم الفارس الحذرِ

للّه من بطل أردى بحملته *** جمعاً غفيراً ونبل القوم كالمطرِ

يقول يا عم ما بعد الاُلى سبقوا *** لي من منى غير إرضا الصارم الذكرِ

يا للشباب ذوت منه نضارته *** وغاض ماء الصبا من وجهه النضرِ

وشعلة من لهيب الحق قد طفئت *** بعرصة الطف بين البيض والسمرِ

له من الحسن الزاكي شمائله *** فإنه ابن علي خيرة الخِيَرِ

أصابه الغادر الأزديْ بضربته *** فخرّ منعفراً أفديه من قمرِ

للّه قلب حسين حين عاينه *** يجود بالنفس في حرّ الثرى الوعرِ

بعد فوات الأوان جاءتنا هذه القصيدة وهذه المقطوعة لهذا الخطيب المصقع، فأثبتناهما تداركاً لما فات.



كشكول الوائلي _ 212

كشكول الوائلي _ 212

بيع الرقيق

ويبقى هنا سؤال لابدّ من إثارته وطرحه ثم مناقشته لتتّضح وجهة نظر الإسلام حيال مسألة الرق. هذا السؤال يطرحه البعض من المثقفين وربما الكثير منهم بصورة متشنّجة، وهو: هل إنّ الإنسان حيوان حتى يباع ويشترى في الأسواق؟ وإن كان أرفع من الحيوان، فلماذا تباع الجواري إذن، مع أنها إنسان، والإنسان له كرامة يجب أن تُحفظ وتصان؟

والجواب عن هذا التساؤل أن نقول: إن الإسلام لم يستهدف إذلال الآدمي، بل إنّه استهدف رفع منزلة الشعوب وتعظيم كرامتهم بدعوته إياهم إلى الدخول فيه. ثم إنّه لم يقاتل هذه الشعوب مباشرة، بل إنّه كان يخيّرها قبل القتال بين الدخول في الإسلام أو البقاء على دينها مع دفع الجزية؛ لأ نّه يريد أن يبسط حمايته عليهم. ومعنى هذا أنه وسّع دائرة الاختيار لهذه الشعوب قبل أن تختار القتال، فإذا دخلت هذه الشعوب في الإسلام فقد حلّت المسألة ولم يبقَ هناك أي مجال للسبي واقتياد الجواري وغير ذلك، وأصبح هذا البلد إسلاميا له ما لجميع البلاد الإسلامية من حقوق وعليه ما عليها من واجبات. ومع رفض هذا البلد الإسلامَ واختيارهم البقاء على دينهم، فإنهم يسمح لهم بذلك لكن بشرط المواطنة الصالحة؛ وهي أن يذعنوا لقانون الإسلام، ويدفعوا الجزية‏التي هي مبلغ رمزي كي يأخذ مقابلها كل الحقوق التي يأخذها المسلم.

الإسلام يسهّل باب العتق

إذن المراد بهذه العملية هو ترويض من يرفض أن يدخل في الإسلام أو يرفض أن يكون مواطنا مسلما صالحا. ولذا فإنّ الإسلام عمد إلى كسر هذه الحالة من التمرّد الأهوج، ثم بعد ذلك فتح باب تحرير هؤلاء وعتقهم على أوسع مجالاته. ويكون هذا العتق بعدة اُمور منها:

أوّلاً: الحث على عتقهم لوجه اللّه

فهناك الكثير من الحث على عتق هؤلاء طلبا لثواب اللّه تعالى واكتسابا لمرضاته(1).

ثانياً: انعتاق أمّ الولد

فهؤلاء الجواري حينما يحملن من مالكهين فإنهن ينعتقن تلقائيا بمجرد موت المالك؛ حيث إنهن يحتسبن حينها من نصيب أبنائهن. ومعنى هذا أن ملكيتهن تصبح متزلزلة بمجرد أن يبين حملهن، وتسمى حينئذٍ أم ولد.

يتبع…

_____________

(1) فعن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل: فتاتي وغلامي».مسند أحمد بن حنبل 2: 316، مسند أبي يعلى 11: 405 / 6529.

وكان الإمام زين العابدين عليه السلام يجمع غلمانه في ليلة العيد فيعتقهم، ثم يطلب منهم ليدعوا له، ويقول لهم: «قولوا: اللهمّ اعفُ عن علي بن الحسين كما عفا عنّا». الصحيفة الكاملة السجاديّة / دعاؤه عليه السلام في آخر ليلة من شهر رمضان، الإقبال بالأعمال الحسنة 1: 444، بحار الأنوار 46: 104، 95: 187.

 وعن ابن مسعود قال: كنت أضرب عبدي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي، وإذا هو رسول اللّه صلى الله عليه وآله يقول: «اعلم أبا مسعود، أن اللّه أقدر عليك منك على هذا الغلام». فقلت: يا رسول اللّه، هو حرّ لوجه اللّه. فقال صلى الله عليه وآله: «أما لو لم تفعل للفحتك النار». مسند أحمد 5: 273 ـ 274، صحيح مسلم 5: 91 ـ 92، مسند أبي داود2: 501 / 5159.

 وقال صلى الله عليه وآله: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه». سنن أبي داود 4: 176 / 4515، سنن الدارمي 2: 191، الجامع الصحيح «سنن الترمذي» 4: 26 / 1414.

 ومن ذلك سن تشريع المكاتب والمدبّر، وجعل كفّارة الكثير من الجرائر عتق رقبة مؤمنة، كل ذلك للقضاء على آفة الرقّ.



صفات من لا يحبهم الله (1)

صفات من لا يحبهم الله (1)

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

17/4/1439هـ

الحمد لله رب العالمين، خالق الخلائق أجمعين، ديان يوم الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، الرسول الأمين وخاتم النبيين، حبيب قلوب العالمين، أبي القاسم محمد|.

عبادالله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن نعيم الدنيا زائل، وكل ما فيها راحل.

قل للمقيم بغير دار إقامة *** حان الرحيل فودّع الأحبابا
إنّ الذين لقيتهم وصحبتهم *** صاروا جميعاً في القبور ترابا([1])

تقدم الكلام حول من يحبهم الله تعالى من المتقين والمحسنين والصابرين والمتطهرين، ونتكلم اليوم عن شريحة لا يحبهم الله تعالى ومنهم:

* أولاً: الظالمين.

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ([2]).

ويتضح من الآية الكريمة أن الإيمان لوحده لا يكفي، بل لابد أن يقترن بالعمل الصالح، وفي الحديث «إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»([3]). ثم تحدثت الآية الكريمة عن الظالمين، وأن الله تعالى لا يحبهم، وهم الذين يقدمون على الكفر والعمل السيء في حياتهم من ظلم أنفسهم بالمعاصي ومخالفة الشريعة المقدسة، أو ظلم الآخرين في حقوقهم وأموالهم وسمعتهم.

وفي نهج البلاغة عن علي×: «ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لايترك، وظلم مغفور لايطلب، فأما الظلم الذي لايغفر فالشرك بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات. وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً»([4]). فحذار من الظلم وحذار من دعوة المظلوم. قال علي×:

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً *** فالظلم آخره يأتيك بالندم([5])

وقال حفص بن عتاب للرشيد:

تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم([6])

* ثانياً: المعتدين.

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ([7]).

وقد أمر القرآن الكريم في هذه الآية بمقاتلة الذين يشهرون السلاح بوجه المسلمين، بعد أن انتهت مرحلة صبر المسلمين على الأذى، وجاءت مرحلة الدفاع عن النفس والحقوق المشروعة، حيث إن الحرب ليست للانتقام، ولا للعلو في الأرض والتزعم، بل هو يصح إذا كان في سبيل الله، وإقامة شريعته، من نشر الحق والعدل والتوحيد ومحاربة الظلم والفساد.

وهذا ما يميز الحرب في الإسلام عن سائر حروب العالم.

ثم توصي الآية الشريفة بضرورة رعاية العدالة حتى في ميدان القتال، كعدم التعرض للمستسلمين، ومن لا يقدر على الحرب كالكبار والنساء والأطفال، أو للبساتين، يقول علي×: «فإذا كانت الهزيمة بإذن الله، فلا تقتلوا مدبراً ولا تصِبوا معُوراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تهيجوا النساء…»([8]).

وقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ([9]). وقد نهى الله تعالى بعض المسلمين الذين حرّموا على أنفسهم بعض النعم الإلهية، ونهت عن تجاوز حدود الله تعالى، لأنه سبحانه لا يحب الذين يفعلون ذلك التجاوز.

وحين بلغ رسول الله| ذلك قال: «ما بال أقوام حرّموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً…» ([10]).

* ثالثاً: الفساد والمفسدين.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ([11]).

إن المنافقين إذا حكموا في الأرض، أهلكوا الحرث والنسل وأشاعوا الظلم، وعرضوا الناس للخطر بالاعتداء عليهم وعلى أموالهم.

الأخنس بن شريف

وكان الأخنس بن شريف رجلاً وسيماً عذب البيان، يتظاهر بالإسلام وحب الرسول|، وكان كلما جلس عند النبي| أقسم بالله على إيمانه وحبه للرسول|، وكان الرسول| يغدق عليه من لطفه وحبه كما هو مأمور به، ولكن الأخنس كان منافقاً، فلما صارت بينه وبين بعض المسلمين منازعة هجم عليهم وقتلهم وأباد زرعهم.

وهذا التصرف فساد لا يحبه الله تعالى([12]).

وكما أن الله تعالى لا يحب الفساد فكذلك لا يحب المفسدين كاليهود الذين تحدث عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ([13]).

وكان الأوس والخزرج الكل منهم يسعى للتحالف مع اليهود في حرب رسول الله|، ولكن طويت صفحة جبروتهم، فتركوا ديارهم واستسلم الباقون للمسلمين.

ومصير كل من لا يحبه الله هو هذا المصير، أن يُغلب على أمره ولو بعد حين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأيد حماة الدين، وعجل فرج وليك حجة الله على العالمين.

متى تسل البيض من غمدها *** وتُشرع السمر ويحمى الذمار
في فئة لها التقى شيمة *** ويالثارات الحسين شعار
تنسى على الدار هجوم العدا *** مذ أضرموا الباب بجزل ونار
ورض من فاطمة ضلعها *** وحيدر يقاد قسـراً جهار([14])

يتبع…

_________________

([1]) مناقب آل أبي طالب 3: 181. بحار الأنوار 43: 340 / 14.

([2]) آل عمران: 57.

([3]) من لا يحضره الفقيه 3: 156، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات، ح3569.

([4]) نهج البلاغة 2: 95.

([5]) ديوان الإمام علي×: 155.

([6]) المستطرف 1: 190 نسبه إلى بعض الملوك.

([7]) البقرة: 190.

([8]) نهج البلاغة 3: 14.

([9]) المائدة: 87.

([10]) بحار الأنوار 40: 328 / 10.

([11]) البقرة: 205.

([12]) انظر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 2: 68 / 1.

([13]) المائدة: 64.

([14]) موسوعة أدب المحنة: 424.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{79} الحاج أحمد العوّى

المتولّد سنة (1341) ه

ويقول في رثاء الحسين عليه السلام:

لا تغبطن امرأً بالمال يا رجلُ *** المال يفنى ورب المال يرتحلُ

وكل نفس غداً تجزى بما كسبت *** لا ينفع النفس إلاّ العلم والعملُ

ألا ترى أولياء اللّه كيف مضوا *** وذكرهم دائم للحشر متّصلُ

أنوارهم في جبين الدهر ساطعة *** كأنهم ما مضوا عنا ولا ارتحلوا

وكل يوم لهم في الدهر مفخرة *** ترى لهم قبباً بالنور تشتعلُ

مثل الذين فدوا سبط النبي وما *** مالوا عن الحق حتّى إنهم قتلوا

لهفي لهم إذ رآهم في الثرى وهُمُ *** صرعى ولكنهم للخلد قد رحلوا

ناداهُمُ يا ليوث الحرب مالكمُ *** عني مضيتم ومنكم ما بقي رجلُ

وخلفكم نسوة تبكي وأدمعها *** مثل العقيق من الآماق تنهملُ

وحولها صبية جفت مراضعها *** أكبادها كالغضا ما بلّها بللُ

فالعيش بعدكمُ مرّ المذاق فهل *** يكون لي في البقا من بعدكم أملُ

هذي الخيام خلت من بعد فقدكمُ *** ونار فقدكمُ في القلب تشتعلُ

فالأمر للواحد الديّان مرجعه *** والناس يجزون يوم الحشر مافعلوا

فباشر الحرب قطب الحرب منفرداً *** ومن بسالته الآساد قد ذهلوا

ففرق الجمع منهم غير مكترث *** وما اعترى قلبه يوم الوغى وجلُ

يرى أحبّته مثل النجوم هوت *** من البروج وفي حر الثرى نزلوا

وسلم الأمر للجبار محتسباً *** وقلبه فيه من حرّ الظما شعلُ

فجاءه سهم ضلّيل بلبته *** فخرّ منجدلاً للّه يبتهلُ

فماجت الأرض حزناً والسماء بكت *** والمهر عاد الخبا والقلب منذهلُ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 211

كشكول الوائلي _ 211

المباحث العامّة للموضوع

المبحث الأوّل: في ولادته الكريمة ونشأته

ولد الإمام الرضا عليه السلام سنة مئة وثمانية وأربعين للهجرة، ومجموع عمره الشريف خمس وخمسون سنة؛ لأنّه توفي عام مئتين وثلاثة للهجرة، وهو بمقدار عمر أبيه الإمام الكاظم عليه السلام. وكانت ولادته في المدينة المنوّرة في دارهم المعروفة بالعريض، واُمّه اُمّ ولد نوبية يقال لها أروى، وتلقّب بشقراء، يقول هشام بن أشقر: قال لي أبو الحسن الأول عليه السلام : «هل علمت أحدا من أهل المغرب قدم؟». قلت: لا. قال: «بلى، قد قدم رجل من أهل المغرب المدينة، فانطلق بنا». فركب وركبت معه حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق، فقلت له: اعرض علينا. فعرض علينا سبع جوارٍ، كل ذلك يقول أبو الحسن عليه السلام : «لا حاجة لي فيها».

ثم قال: «اعرض علينا». فقال: ليس عندي إلا جارية مريضة. فقال له: «ما عليك أن تعرضها؟». فأبى عليه، فانصرف ثم أرسلني من الغد، فقال لي: «قل له: كم كان غايتك فيها؟ فإذا قال لك: كذا و كذا، فقل: قد أخذتها». فأتيته فقال: ما كنت اُريد أن اُنقصها من كذا و كذا. فقلت: قد أخذتها. قال: هي لك، ولكن أخبرني من الرجل الذي كان معك بالأمس؟ قلت: رجل من بني هاشم. قال: من أي بني هاشم؟ فقلت: ما عندي أكثر من هذا. فقال: اُخبرك أني اشتريتها من أقصى المغرب، فلقيتني امرأة من أهل الكتاب، فقالت: ما هذه الوصيفة معك؟ قلت: اشتريتها لنفسي. فقالت: ما ينبغي أن تكون هذه عند مثلك، إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، فلا تلبث عنده إلا قليلاً حتى تلد غلاما لم يولد بشرق الأرض و لا غربها مثله. قال فأتيته بها، فلم تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى ولدت الرضا عليه السلام(1).

لماذا الزواج من الجواري والسراري

إذن كان الإمام الرضا عليه السلام ابن جارية، وهذه الظاهرة ليست غريبة، ولا فريدة في تاريخ أهل البيت عليه السلام، والزواج من الجواري من الاُمور التي دعا إليها الإسلام وحثّ على فعلها. وهناك عدّة أهداف يرمي إليها الإسلام من وراء تزوّج الجواري والسراري، وهذا هو الذي يفسر لنا سرّ إقبال أهل البيت عليهم السلام على الزواج من الجواري، ومن هذه الأهداف:

الهدف الأوّل: كسر نظرة التعالي عند العرب لغيرهم من الشعوب

وإنّما قلنا: إنها ظاهرة ليست غريبة في حياتهم عليه السلام؛ لأ ن غيرهم سيستغربها حقّاً، فالعرب كانوا يحتقرون ابن الجارية ويعتبرونه هجينا، وهي نظرة جاهلية لا تنسجم مع العقل ولا مع الشرائع السماوية، وإنما تنسجم مع التقاليد. فالعقل يقول غير ذلك؛ لأ ن هذه الجارية ربما كانت تتحدّر من حضارة أضخم من حضارة العرب آنذاك. هذا من ناحية العقل، أما من ناحية الإسلام فإنّه دين سماوي عالمي ورسالة عامّة، ويريد أن يجعل الشعوب مندمجة مع بعضها بلا فرق بين هذا الشعب وذاك بالعرق والقومية أو اللون أو المنطقة الجغرافية. وهذا أوّل أهداف الإسلام.

الهدف الثاني: تخفيف وطأة الفتح على أبناء البلاد المفتوحة

فالإسلام يريد بهذا أيضا أن يخفّف من وقع الفتح ووطأته على نفوس أبناء البلاد المفتوحة التي لم يسلم الإسلام من بقايا عقد ضدّه ظلت راسخة في نفوس أهلها؛ كونه فتح بلادهم وغيّر نظام الحكم والسلطة والقوانين وأثّر في حضاراتهم.وهذا الشيء بطبيعة الحال ليس سهلاً عليهم أبدا.

ولو رجعنا إلى الحروب الحديثة في تاريخنا المعاصر كالحرب العالمية الثانية لوجدنا أن الدول أو المدن التي احتلّها الحلفاء لم تستقر إلى أن رجع المحتلّ عنها، كألمانيا على سبيل المثال، فليس سهلاً أن يأتي المحتلّ إلى بلد فينظر له الناس فيه نظرة طبيعية، إنّ الشعوب تنظر إلى المحتل نظرة متشنجة. وهذا ما دفع الإسلام إلى وضع مجموعة نظم في التعامل مع هذه الشعوب تهدف إلى امتصاص هذه النظرة المتشنجة إن لم نقل: اجتثاثها.

ومن هذه الطرق فتح باب الزواج من الجواري والسراري على مصراعيه، وهو نظام دفع المسلمين إلى الزواج من أكبر قدر من نساء هذه البلاد المفتوحة بوجه شرعي وسليم، ممّا أدّى إلى اختلاط الدماء والتدرّج في القضاء على نظرة التعالي التي كان العرب ينظرون بها إلى أبناء الشعوب الاُخرى. وبهذا أصبحنا نرى الكثير من أشراف القوم واُمهاتهم غير عربيات، فهذا اُمّه روميّة وذاك صقلّية والثالث فارسية، فالتقت الشعوب مع بعضها واندمجت بالمصاهرة، وأصبح الاتّصال قائما بين الاُمم على مختلف أجناسها وألوانها وأعراقها؛ مما أدّى إلى امتصاص النقمة.

الهدف الثالث: إيجاد حالة من التلاقح الفكري

والهدف الآخر الذي يسعى إليه الإسلام الحنيف من وراء حث المسلمين على الزواج من الجواري هو تسهيل عملية التبادل والتواصل الفكريين بين الشعوب المتصاهرة؛ لأ ن امتزاج الدماء يسهّل عملية التبادل بالأفكار بين الطرفين، ويقرب ما بينها؛ إذ أنه سيكون بينهما تزاور وتبادل علاقات، وبالتالي تحصل عملية نقل الأفكار والحضارات من شعب إلى شعب(2).

إذن عملية التزاوج تلعب دورا مهمّا في إحداث حالة من الانسجام والتبادل الفكري وكسر حاجز الترفّع بين الشعوب المتصاهرة، وهذا ما حصل فعلاً؛ وهو الذي دفع بالاسلام كما قلنا إلى وضع هذا التشريع.

يتبع…

_________________

(1) الإرشاد 2: 254 ـ 255، مناقب آل أبي طالب 4: 363.

(2) انظر هذا المطلب كاملاً في محاضرة ( قبسات من حياة السجاد عليه السلام ) في ج 4 من موسوعة محاضرات الوائلي.



ممهورة بالجلال

ممهورة بالجلال

تفاحة الأزلِ المذكورِ حين سرى

أبوكِ فوق براقِ العزِّ منتصرا

*

نؤمُ يومَكِ والأحزانُ تقلقنا

في طيبةٍ أنتِ أم في روْعِ أمِّ قُرى؟

*

مصنوعةً بيدَيْ قدسٍ أتيتِ لنا

ممهورةً بجلالِ اللهِ حين برَا

*

قُرِئتِ سورةَ “يس” بمصحفهِ

نزلتِ نورًا على قلبٍ بغار حِرا

*

ناموسُكِ الوحْيُ محفوفًا بأجنحةٍ

جبريلُ أنزلهُ من ذي الجلالِ قِرى

*

ربيبةُ الرحمةِ المهداةِ أنتِ فمن

جاراكِ في هيبةٍ ؟؟ إلاكِ لستُ أرى

*

تسبّح الله في كفّيْكِ أرغفةٌ

ثلاثةٌ قبل أن تهدى إلى الفقرا

*

صمتم ثلاثًا وآثرتمْ خصاصَتَهم

في مُحْكمٍ ببيانٍ واضحٍ ذكرا

*

قرآن ربي الذي أوحى مودّتكم

للقارئين له قد أشهد السِّورا

*

عِبْءُ الرسالةِ منه أجْبُلٌ شفقت

وعنكِ لمَّا اجتباكِ الله ما صدَرا

*

ووالدٌ زَقَّ علمًا فيكِ متبعًا

وحيَ السماءِ فدته الروحُ مؤتَمِرا

*

وأنتِ والمرتضى أهديتماهُ

إلى أئمةٍ سادةٍ أكرم بهم أُمَرا

*

إنْ قال عنكِ رسولُ الله سيدة

للعالمين فماذا يصنع الشعرا ؟

سعيد الشبيب

أم الحمام

08-04-1440

15-12-2018



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{79} الحاج أحمد العوّى

المتولّد سنة (1341) ه

ويقول في رثاء زين العابدين عليه السلام:

لبس الدين حلة من سوادِ *** يوم قيد السجاد في الأقيادِ

بأكفّ الطغاة من آل سفيا *** ن أساس النفاق أهل العنادِ

جرّعوه بكربلا علقم الأر *** زاء من بعد تلكمُ الأمجادِ

أركبوه بلا وطاء مقاداً *** فوق عجفاء وهو زين العبادِ

سيروه مصفداً لهف نفسي *** أدخلوه بمجلس ابن زيادِ

ادخلوه والقيد عضّ عليه *** والنسا كالإماء بين الأعادي

أوقفوه مع الفواطم أسرى *** حاسرات يرفلن في الأقيادِ

أرسلوه هدية لابن هند *** والأيامى تقاد بالأصفادِ

ما كفى ذاك آل مروان حتّى *** جرّعوه الردى بماء وزادِ

لو تراه على الفراش مسجّى *** قد سرى السم في سويدا الفؤادِ

لم يزل هكذا إلى أن قضى نفـ *** ـسي فداء للسيّد السجادِ

فغدا باقر العلوم عليه *** باكيَ العين لابساً للسوادِ

وبكى الروح والملائك حزناً *** يوم فقد السجّاد زين العبادِ

ويقول في رثاء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام:

مصائب آل المصطفى تضعف القوى *** وتذهل للأفكار حين تعددُ

مصائبهم شتى فمنهم معذب *** مدى العمر وسط السجن فهو مؤبدُ

ومنهم غريب ليس يعرف قبره *** ومنهم أسير بالحديد مصفدُ

وان أنسَ لا أنسَ الإمام ابن جعفر *** على الجسر مطروحا به حفّ حُسَّدُ

قتيلاً سليباً والقيود برجله *** فهل سمعت اُذناك ميت يقيدُ

وما أدري ما حال الهواشم لو رأوا *** لموسى طريحاً للتفرّج يقصدُ

(فما مات منهم ميّت حتف أنفه) *** فأرزاؤهم في الناس ليس تعددُ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 210

كشكول الوائلي _ 210

أسباب اصطحابه عليه السلام بنات الرسالة

ولهذا الأمر مبرّرات عدّة ووجيهة على الرغم من اعتراضات البعض على هذا الإجراء، وأنه أدّى إلى سبي العائلة وهتك حرمتها والتسبّب في جلب الأذى لها. لكن كما قلنا: إنّ هذا الإجراء مبرّر بما هو أهم من سبي العائلة وأوجه من تعرّضها للأذى، وبما هو موازٍ لذلك الأذى فيما لو خلفهم في المدينة المنوّرة، ومن هذه الأسباب:

الأوّل: أنّ الاُمويين سيعتقلونهم ولو لم يخرجوا

إنّ أوّل الأسباب التي حدت بالإمام الحسين عليه السلام أن يخرج عائلته معه هو علمه المسبق ومعرفته بأنّ الاُمويين سيعتقلون عائلته حتى ولو لم يخرجهم معه. والاُمويون هذا شأنهم، فقد كبسوا على عائلة عمرو بن الحمق الخزاعي بيتهم، وكذلك دار سعد بن أبي سرح، فكيف سيكون الأمر مع عائلة من خرج ثائرا على دولتهم وسلطانهم؟ فهو عليه السلام يعرف أنه لو ترك عائلته في مدينة جدّه لكان مصيرها الاعتقال والسبي، فالأمر سيان؛ خرجوا معه أو بقوا في المدينة.

الثاني: إبراز دور المرأة في معركة الطفّ

ثم إنّ سيد الشهداء عليه السلام كان ينظر إلى أمر هو أبعد من مرمى نظر القاعدين غيره ممّن يعترضون على إبراز بنات الرسالة معه إلى المعركة، فهو عليه السلام يريد أن يبرهن على أن المرأة التي يربيها الإسلام لا تقل خطرا وصلاحية عن الرجل فيما يمكن أن يضطلع به ويقوم بتنفيذه. فهذه المرأة المسلمة إذا وضعت في الأجواء التي يريدها الإسلام فإنها ستُلفى طاقة تتفجّر. وهكذا كانت الحوراء زينب (سلام اللّه عليها)، فقد كانت طاقة متفجّرة لا حدود لها، ولا تخشى الظالمين ولا تخاف من قرع سياطهم، وكان الإمام الحسين عليه السلام قد أخرجها معه لمعرفته بما يمكن أن تقوم به من دور بعد استشهاده.

ثم إنه عليه السلام يريد أن يبرهن خطأ ما في أذهان البعض من الناس من وهم أن المرأة لا تستطيع أن تقوم بالأعمال التي يقوم بها الرجل. وهذا ما قامت به زينب عليها السلام وأخواتها، حيث قمن بأداء هذه الأدوار على أتم وجه وأكمل صورة.

الثالث: أن تكون الواجهة الإعلامية لمرحلة ما بعد الثورة

وكذلك من دواعي إخراج الإمام عليه السلام عائلته معه وزينب بالذات أن يكنّ اللسان المعبّر لنهضته عليه السلام بعد الثورة. وهذا أمر ضروري جدا، لأنّ الإعلام الاُموي إبّان الثورة الحسينية المباركة وبعدها كان في أوج قوّته ونشاطه وشدّته. وفعلاً انخدع المغفّلون بما وصفوهم به من أنهم خوارج بغاة على إمام زمانهم.. اُدخلت العائلة الهاشمية في أسوأ حال إلى مجلس يزيد وهم ينعتونهم بالخوارح، وكان عنده رسول قيصر، وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فلمّا اُتي برأس الحسين عليه السلام سأله قائلاً: هذا رأس من؟ فقال له يزيد: هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب. فقال الرومي: ومن اُمّه؟ فقال: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال النصراني: اُفّ لك ولدينك، لي دين أحسن من دينكم.

ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟ فقال له: قل حتى أسمع. فقال: هي كنيسة في محرابها حقّة ذهب معلّق فيها حافر يقولون: إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام، وقد زيّنوا ما حول الحقّة بالديباج، ويقصدها في كل عام عالم من النصارى ويطوفون حولها ويقبّلونها، ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى عندها، هذا شأنهم ورأيهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم؟ فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم. فقال يزيد: اقتلوا هذا النصراني لئلاّ يفضحني في بلاده. فقُتل(1).

فهذا الرسول يريد أن يبيّن له أن بيت النبي صلى الله عليه وآله لا يمكن أن يفرز خوارج.

إذن كان مراد الإمام عليه السلام من زينب أن تكون الصوت المعبّر لأهداف الثورة وعنها؛ لأ نّها أهل لذلك، ولأ نّها الامتداد الطبيعي لموقف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ولأ نها صوت الإسلام كلّه، ولأ نّه لا سبيل إلى بلوغ ذلك ـ نشر أهداف الثورة ـ إلاّ باللسان المعبّر الذي لا يحصر ولا يعتريه العيّ.. لسان أمير المؤمنين عليه السلام الهادر كالسيل حتى وإن كان مصير ذلك هو القتل، وحتى لو ترتب على أداء هذا الدور وهذه الرسالة السبي والضرب؛ لأ نّ الحسين عليه السلام ينتمي لموكب الشهداء.. إلى الألسن المعبّرة عن رسالة الإسلام، وكذلك أهله.

وآباء الإمام الحسين عليهم السلام لم يمت منهم أحد على فراشه(2)؛ فأبوه عليه السلام قد قتل، وأعمامه قتلوا وإخوانه وأبناء أعمامه وأبناؤهم كلهم قتلوا في ساحات الشرف والدفاع عن الإسلام ورسالته. يروى أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان كثير البكاء، وكلما ذكر واقعة الطف اشتدّ حزنه وزداد بكاؤه، فدخل عليه أبو حمزة وقال: سيدي إن القتل لكم عادة، وكرامتكم من اللّه الشهادة، إن جدّك صلى الله عليه وآله قتل وأباك عليه السلام قتل، فقال له: «شكر اللّه سعيك يا أبا حمزة، ولكن واللّه ما نظرت عيناي إلى عمّاتي وأخواتي إلاّ وذكرت فرارهن يوم عاشوراء من خباء إلى خباء، ومن خيمة إلى خيمة، والمنادي ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين».

وفعلاً كانت مواكب الشهداء تزدهر بنجوم أهل بيت النبوّة، وكانت قوافلهم متوّجة بشهدائهم وأبطالهم، فأناروا للإنسانية طريقها، وصنعوا لواءً يرفرف للأحرار في كل مكان وزمان:

فدمٌ أَرَقتَ كأنه من جِدَّةٍ *** لِلآن يعبِقُ بالثَّرى ويُخَضِّبُ

وتَركتَ للأجيالِ حِينَ يَلُزُّهَا *** عَنَتُ السُّرى ويَضَيقُ عَنها المَهرَبُ

جُثَثَ الضَّحَايَا من بَنيكَ تُريهُمُ *** أنَّ الحُقُوقَ بِمثلِ ذلكَ تُطلَبُ

فقافلة شهداء البيت الهاشمي وموكب شهداء البيت النبوي المطهّر وضعت دماءها على أكفّها وبين يدي اللّه لتريقها في سبيله، وهي قافلة اختطّت التضحية من أجل إبلاغ رسالة الإسلام:

أترعتني دنياك حتى إذا جئـ *** ـت اُناجيك أجفلت ألواحي

وتهاوى شعري أمام خطيب *** عبقري أقمته من جراحي

لم تفجّر لظاك يهدر بالحـ *** ـقّ لتروي قرائح المدّاحِ

رُدّنا إننا ظِماء إلى طـ *** ـفّ جديد يعيدنا للكفاحِ (3)

غريب طوس عليه السلام

سيدي يا أبا الجواد ويا بن الـ *** ـحبر موسى ويا مناط الرجاءِ

يا مقيما بقلب كل محبّ *** ولوَ ان المدى بعيدٌ ناءِ

يا بن أصلاب من أعزّ رجال *** وابن أرحام من أعفّ نساءِ

يتبع…

_____________________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف: 110 – 112، ينابيع المودّة 3: 29، وكان قد قال له من ضمن ما قال: إن أبي من حوافد داود عليه السلام، وبيني وبينه آباء كثيرة، والنصارى يعظّمونني ويأخذون من تراب قدمي تبرّكا بأني من حوافد داود عليه السلام، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم، وما بينه وبين نبيّكم إلاّ اُم واحدة؟ فأي دين دينكم؟ ثم إنه بعد أن أمر به فقتل، قال له: اعلم أني رأيت البارحة نبيّكم في المنام يقول لي: يا نصراني، أنت من أهل الجنّة. فتعجّبت من كلامه، وإني أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم وثب إلى رأس الإمام الحسين عليه السلام فضمّه إلى صدره وجعل يقبّله ويبكي حتى قتل.

(2) يقول أمير المؤمنين عليه السلام : «إن أكرم الموت القتل. والذي نفس علي بن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون عليَّ من ميتة على فراش». نهج البلاغة / الكلام: 123.

(3) ديوان المحاضر 2: 18.



زينب العقيلة

زينب العقيلة

نبارك لمولانا صاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه ونبارك لكم وللأمة الإسلامية ولادة السيدة زينب سلام الله عليها

وتقبل الله أعمالكم

19/7/1439هـ

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

الحمد لله رب العالمين، ديان يوم الدين، خالق الخلائق أجمعين، وبه أستعين، وأصلّي وأسلم على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

هل بالضـريح عقيلة تتوسد *** أم صارم تحت الردى يتمردُ
جلا بزينب رمله والأرض كم *** تشقى بمن حَلُو بها أو تُسعدُ
خُلقٌ به فيما تألق حيدر *** وشمائلٌ يبدو بهن محمدُ
جمعتهما الزهراءُ فيكِ فأنتِ ما *** بين النبوة والإمامة معبدُ
ولقد رأيتكِ والمصائب والأسى *** هممٌ وحقدُ الظالمين يعربدُ
تتوكفين حصافة وصلابة *** وتُحذرين بيومٍ ما يأتي الغدُ

 أعطى الإسلام المرأة دوراً هاماً، له دوره وقيمته ورسالته، وله وظيفته التي تعد من أخطر وظائف المجتمع، وحين بزغ نور الإسلام كان جلياً دور نساء رائدات، فكان هناك الخنساء، وخولة بنت الأزور، ونسيبةُ بنتُ كعب المازنية، التي كانت تطبب الجرحى في الحروب، وكان هناك العالمات والعارفات والمثقفات، وكان هناك دور للمجاهدات في طليعتهن سمية أم عمار بن ياسر، التي تعرضت لأشد أنواع التعذيب من أجل سلب عقيدتها، فقاومت ولم تتخلى عن دينها ومبادئها، فطعنها أبوجهل بحربة، وكان الرسول| يقول: «أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة»([1]).

وكان هناك أسماء بنت عميس في هجرتها إلى الحبشة، ووقوفها إلى جانب زوجها جعفر (رضي الله عنه)، إلى غير ذلك من مواقف المؤمنات الصالحات اللواتي خلدهن تاريخ الإسلام.

نساء بيت النبوة

ولقد كان للمرأة المحمدية قصب السبق في تاريخ الإسلام واشتداد شوكته، فلقد فُقنَ غيرهن في كل زمان ومكان في أداء الوظيفة الدينية والمسؤولية الاجتماعية.

ومنهم خديجة الكبرى

وهي المرأة التي تحملت الأعباء الثقيلة في بداية الدعوة، فبذلت كل ما تملك من أموال في سبيل الله، وكانت أموالها لا تعد ولا تحصى، وكان مجتمع قريش بأجمعه يتاجر بأموالها، فساقت كل ذلك إلى بيت النبي| لينفقه في سبيل الله وتبليغ الرسالة.

وكانت أول من استقبل رسول الله في بداية نزول الوحي ووقفت معه، وكانت تقف خلف رسول الله وعلي في الصلاة وليس على ظهر الأرض في الدين إلا هؤلاء الثلاثة، حيث كان إيمانها في أول يوم وهو يوم المبعث، وهكذا كان موقف الزهراء÷ في نصرة علي بعد رسول الله|.

ومنهم زينب العقيلة

لقد وقفت العقيلة زينب مع أخيها الحسين× قبل كربلاء وبعد ذلك مواقف البطولة الهاشمية، وقدمت ولديها (يحيى وعون) وإخوتها وأبناء عمومتها شهداء في سبيل الله، وكانت تمشي بين جثث القتلى المتناثرة والدماء السائلة حتى تقف على جسد أبي عبد الله× وترمق السماء بطرفها وتقول: «اللهم تقبل منا هذا القتيل قرباناً لوجهك»([2])، وهي بصلابة لم يشهد التأريخ لها مثيلاً بشجاعتها العلوية وبطولتها الهاشمية.

وكانت تجمع العيال والأطفال، وتحمي العائلة في غياب الكفيل، وتمر عليها ليلة الحادية عشر بالحزن والأسى، والألم واللوعة، صابرة محتسبة، مصلية في ليلها، صلبة في موقفها.

وسجى الليل والرجال ضحايا *** والنساء المخدرات ذهولُ
واليتامى تشـرد وضياع *** والثكالى مدامع وعويلُ
وزنـودٌ قـسـت عليها سياطٌ *** جسومٌ يضـرى بها التنكيلُ
ودم شاطئ الفرات سبقى *** الدهرُ يرويه و الرُبى و النخيلُ

وليلة الحادية عشرة نادى المنادي: أحرقوا خيام الظالمين، وقفت على باب الخباء وقد أوشكت النار أن تأخذها، يقول حميد بن مسلم: فدنوت منها وقلت: أمة الله، النار قاربتكِ، فلم تجنبي، ثم أدرت وجهها إلي قائلة: يا ظالم، أنا أرى النار ولكن لنا عليل في هذه الخيمة. ثم دخلت عليه فقالت: يابن أخي، ماذا نصنع؟ قال: «فروا على وجوهكم في البيداء». يقول السيد الحلي:

مشى الدهر يومَ الطفِ أعمى فلم يدع *** عماداً لها إلا وفيه تعثرا
وجشمها المسـرى ببيداء قفرة *** ولم تدرِ قبل الطفِ ما البيدُ والسرى
ولم ترى حتى عينُها ظل شخصها *** إلى أن بدت في الغاضرية حُسـَّرى([3])

وهكذا وفقت ربة الخدر بكل صمود في وجه يزيد، وبكل شجاعة وصلابة وقالت له: «أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض، وضيقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في أسار، نساق إليك سوقاً في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار أن بنا من الله هوانا وعليك منه كرامة وامتناناً، وأن ذلك لعظم خطرك، وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك تضرب أصدريك فرحاً وتنقض مذرويك مرحاً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور لديك متسقة وحين صفا لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا، فمهلاً مهلاً لا تطش جهلاً أنسيت قول الله عز وجل: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ([4]).

أمن العدل يا بن الطلقاء؟! تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله‘ سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن؟»([5]).

إنها العقيلة فخر المخدرات، التي أوضحت أهداف ثورة الإمام الحسين×، وفضحت يزيد الطاغية وجلاوزته، ودافعت عن حياة زين العابدين، وحفظت النساء والأطفال، ووقفت صامدة شامخة بصوتها المدوي من أجل الحق والفضيلة، وفي ذاكرتها كل لحظة عاشتها مع الحسين× حتى وهي ممتدة على فراش الموت، ناسية نفسها، دامعة العين على أخيها:

قد ورثت من أمها زينب *** كل الذي جرى عليها وصار
وزادت البنت على أمها *** من دارها تـهـدى إلـى شر دار([6])

____________________

([1]) بحار الأنوار 18: 210 / 38.

([2]) شجرة طوبى 2: 393. حياة الإمام الحسين× (باقر شريف القرشي) 2: 301. وفيات الأئمة: 450.

([3]) ديوان السيد حيدر الحلي 1: 33.

([4]) آل عمران: 178.

([5]) الاحتجاج 2: 35.

([6]) موسوعة أدب المحنة: 425.



مولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

مولد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

الحب الإلهي

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

10/4/1439 هـ

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمه، وتفضل علينا بكرمه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأصلّي وأسلم على آله الطاهرين.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى درع الله الحصين.

بك أستجير ومن يجير سواك *** فرحم ضعيفاً يحتمى بحماك
يا رب قد أذنبت فاغفر زلتي *** أنت المجيب لكل من ناداك

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾([1]).

تكلمت الآيات الكريمة عن أحباء الله وأثنت عليهم، ووصفتهم بأنواع الصفات، قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ([2]). وقال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ([3]).

وتبين الآية الكريمة أن مقياس الشخصية المثالية، يمثل في الحفاظ على القيم النبيلة كالوفاء بعهد الله وتقوى الله سبحانه، ومثل هذا الشخص هو من يحضى بحب الله، وليس أهل الكذب والغدر والخيانة ومن يغتصب حقوق الآخرين. يقول الإمام الصادق×: «إن الله لم يبعث نبياً إلاّ بصدق الحديث وأداء الأمانة»([4]).

وقال سبحانه فيمن يحبهم: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ([5]).

وتؤكد الآية أن المؤمن عليه إذا عزم على أمر أن يتوكل على الله، ويستمد العون منه سبحانه، غير متجاهل استخدام الوسائل المطلوبة والمعمول بها في الحياة. وقد روي في حديث أن النبي‘ قال لأعرابي حضر عنده وقد ترك ناقته سادرة في الصحراء دون أن يعقلها حتى لا تفر أو تضل، ظناً بأن هذا من التوكل على الله: «إعقلها وتوكل»([6]).

لذلك ينبغي مع الأخذ بالأسباب التوكل على الله وعنايته ولطفه تعالى، فإن الله سبحانه يحب المتوكلين، خاصة إنه سبحانه أمرنا بالتوكل عليه: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ([7]).

وقال سبحانه فيمن يحبهم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ([8]).

ولا شك أن الصفح الجميل هو من الخلق الحميدة، وسعة الصدر من الأمور المحمودة، والإحسان إلى المسيئين من خلق الأنبياء وأهل البيت الأطهار^.

مطهرون نقيات ثيابهم *** تجري الصلاة عليهم أين ما ذكروا([9])

وقال سبحانه فيمن يحبهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ([10]).

وتحدثت الآية الكريمة عن تثبيت المسلمين بعد معركة أحد، وتشجعهم وتذكر لهم تضحيات من سبقهم من أصحاب الرسل الماضين وأتباعهم المخلصين الذين واجهوا المصاعب والشدائد في قتالهم أعداء الله تعالى ولم يشعروا بالضعف والهوان و التقهقر ولم يخضعوا لأعداء الله، ولاشك أن الله يحب مثل هؤلاء الصابرين، الذين يواجهون المشاكل بشجاعة وبسالة لا أن يكونوا انهزاميين في حياتهم.

ويقول سبحانه فيمن يحبهم: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ([11]). هكذا ينبغي أن يكون المؤمن حتى يحصل على حب الله تعالى، حيث إن محبة الله للإنسان هي مصدر السعادة، وقد ورد عن الصادق×: «حب الله إذا أضاء على سر عبد أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى الله عند ظلمة، والمحب أخلص الناس سر الله، وأصدقهم قولاً، وأوفاهم عهداً، وأزكاهم عملاً، وأصفاهم ذكراً، وأعبدهم نفساً تتباهى الملائكة عند مناجاته وتفتخر برؤيته، وبه يعمر الله تعالى بلاده، وبكرامته يكرم عباده، يعطيهم إذا سألوه بحقه، ويدفع عنهم البلايا برحمته، فلو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه»([12]).

وقال النبي‘: «إذا أحب الله عبداً من أمتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكان عرشه محبته ليحبوه، فذلك المحب حقاً، طوبى له ثم طوبى له، وله عند الله شفاعةٌ يوم القيامة»([13]).

وفي الرواية قال الراوي: سمعت أبا عبدالله× يقول: «لا يمحض الرجل الإيمان بالله حتى يكون الله أحب إليه من نفسه وأبيه وأمه وولده وأهله وماله ومن الناس كلهم»([14]).

وعن أمالي الشيخ الصدوق&، الحديث القدسي: «يابن عمران، كذب من زعم أنه يحبني، فإذا جنّه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه»([15]).

ونحن في هذا اليوم المبارك نحتفل بمولد حبيب من أحبائه تعالى، وعظيم من العترة الطاهرة، وهو الإمام الحسن العسكري×.

يوم ميلاده نهنئ أحمد *** ونزف البشـرى لآل محمد
مولد بالإله جاء مؤيد *** حاملاً نور أرضها وسماها
زين الله جمعنا بالتهاني *** حقق الله للمحب الآماني
وحمانا من كيد جور الزمان *** ولكل البلاد شراً كفاها

_______________

([1]) المائدة: 54.

([2]) المائدة: 42.

([3]) آل عمران: 76.

([4]) الكافي 2: 104، باب الصدق وأداء الأمانة، ح1.

([5]) آل عمران: 159.

([6]) ميزان الحكمة 4: 3661 / 4188. صحيحة ابن حبان 2: 509 / 729.

([7]) إبراهيم: 12.

([8]) المائدة: 13.

([9]) مناقب آل أبي طالب 3: 474.

([10]) آل عمران: 146.

([11]) البقرة: 222.

([12]) بحار الأنوار 67: 23 / 23.

([13]) بحار الأنوار 67: 23 / 23.

([14]) بحار الأنوار 67: 24 / 25.

([15]) الأمالي: 438 / 577.



Real Time Web Analytics