المسائل الشرعية / القصاص والديات ـ 85

المسائل الشرعية / القصاص والديات ـ 85

س 693: كم عدد البينة التي يثبت بها القتل الموجب للقصاص؟

ج: شاهدان عادلان يشهدان لله تعالى بأن فلاناً قتل فلاناً عمداً؛ فيترتب القصاص.

س 694: في غير العمد كقتل الخطأ والهاشمة بكم يثبت؟

ج: بشاهد وامراتين، أو شاهد ويمين، فيشهدون لله تعالى أن فلاناً قتل فلاناً، أو يشهد الشاهد الواحد ويحلف المدّعي على ما شهد، فيثبت قتل الخطأ، أو الهاشمة، أي الكسر للعظم.

س 695: ما هي الأعضاء التي توجب تمام الدية لو قطعت؟

ج: اليدان معاً، والرجلان معاً، والعينان معاً، واللسان كله، والأنف كله. فكل واحد مما ذكر يوجب الدية كاملة.

س 696: ما الذي يوجب ضمان الدية؟

ج: أمران:

1 ـ المباشرة، كالطبيب يعالج المريض فيموت من جراء علاجه غير الصحيح، أو الحامل لمتاع فقتل به، إلى غير ذلك.

2 ـ التسبب، كمن حفر بئراً في غير ملكه، أو نصب سكيناً، أو غير ذلك.

س 697: كيف تقدر ديات الأعضاء؟

ج: ربما استوعب العضو تمام الدية، فمثل شعر الرأس بكامله تمام الدية مع عدم الإنبات، وكذلك اللحية، ومع الإنبات الأرش، وهو العوض المالي.

س 698: لو حلق شعر رأس المرأة بتمامه، فما الحكم؟

ج: إذا لم ينبت فالدية كاملة، وإن نبت فالمهر.



كشكول الوائلي _ 182

كشكول الوائلي _ 182

الثانية: الأحلام بين العلم والدين، ورؤيا الأنبياء عليهم السلام

ويرد هنا سؤال هو: هل للرؤيا نصيب من الحقّ والواقع؟ وهل للرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وآله مضمون ومؤدّى؟

إنّ الأحلام عادة تأخذ حيّزا من التفكير العلمي والديني والشعبي، فالدين مثلاً يعتبر بعض الأحلام جزءا من النبوّة(1)؛ أمّا العلم فينقسم إزاءها إلى رأيين:

الرأي الأوّل: أنها معادل موضوعي

وتمثل هذا الرأي المدرسة التحليلية التي يرأسها فرويد وغيره وتذهب إلى أنّ الأحلام عبارة عن عملية تعويضٍ عما يراه الإنسان في عالم الواقع، فهي وسيلة توجد عنده حالة من التنفيس عن الكبت الذي يلاقيه في عالم الواقع وتعويضٍ عن الحرمان. وكذلك النظرية التي ترى أنّ الأحلام هي عبارة عن انعكاس الواقع على صفحة الذهن، فما يبصره الإنسان نهارا يره ليلاً عبر عملية لا شعورية تحدث في ذهنه.

الرأي الثاني: أنها وهم

ووفق هذا الرأي فإن الأحلام مجرّد أضغاث لا حقيقة لها ولا أثر على حياة الإنسان، وأنها لا تعدو أن تكون مجرد خيالات وأوهام.

غير أن هذه الرواية المارّة تدلّ على أن الرؤيا أحيانا تكون من صميم الواقع، وهي تعطي موقفا إسلاميا واضحا من الرؤيا والأحلام، وتقرّر أنّ وجهة نظر الإسلام حيال الأحلام ترى أن ليس كلّ المنامات أضغاث أحلام. وكون بعض الأحلام غير صحيحة لا يعني أن غيرها ليس له مصداقيّة، بل لابدّ من أن يحلّل تحليلاً سليما وعقلانيا. لكن المصيبة تبقى في انتهاز الدجالين الفرص لاستدراج عوامّ الناس إلى حبائلهم، فيفسّروا لهم أحلامهم على هواهم؛ ليبتزّوا منهم أموالهم، وتكون النتيجة أن الخرافات تنتشر، وينتشر معها الجهل والظلام.

ولذا فإنّ الإسلام الحنيف عالج هذه المسألة معالجة حاسمة، فبيّن أنّ أي حكم شرعي يأتي عن طريق المنام فهو باطل، وكذلك أي أمر مخالف للواقع. لكن مما يؤسف له أنّ بعض المذاهب الإسلامية تعتمد الأحلام في إثبات حكم شرعي(2)، في حين أنّ الأحكام الشرعية كلها جاءتنا عن طريق اليقظة؛ فالحلم لا يمكن أن يكون مدركا لحكم شرعي حتى لو كان المشاهد في المنام هو النبي صلى الله عليه وآله.

يروى أن الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله ـ وكان في الكوفة ـ جاءه جماعة وقالوا له: إنّ المكان الكذائي قد رفع عليه صاحبه علما، وهو يدّعي أ نّه مغتسل الزاهراء عليها السلام. فقال رحمه الله: إن الزهراء عليها السلام توفيت في المدينة ودفنت فيها، فكيف جاء مغتسلها إلى هنا؟ فقالوا له: إن صاحب هذا المكان يأخذ النذورات والهدايا من الناس على هذا. فقال: جيئوني به.

فلما جاؤوا به سأله الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله: من أين لك هذا الادعاء؟ وما دليلك عليه؟ قال: رأيت في عالم الرؤيا أنّ الزهراء عليها السلام مرّت بي فقالت لي: هذا مكان مغتسلي. فقال له الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله: إنّ كلامك لا قيمة له وأنت يقظ صاحٍ، فكيف بك وأنت نائم؟

فالمسألة أننا لا نتخذ من المنام مصدرا من مصادر التشريع؛ لأنّ الحلم لا يمكن الركون إليه في مثل هذه المسائل الحساسة الخطرة والخطيرة.

الرمزية في المنامات

لكن إذا نظرنا إلى الأحلام بعيدا عن هذا الجانب، وتأملناها بعين الناقد لوجدنا أنّها تشكّل رموزا لمعاني واقعية؛ لأنّ النفوس تتّصل ببعض القوى الغيبية،فتتلّقى عنها وتستلهم منها.

يتبع…

______________

(1) الأمالي ( الصدوق ): 121، مسند أحمد 2: 18، 50، 119، 122، 137، 369، 369، 438، وغيرها كثير.

(2) كمسألة الأذان، انظر مسند أحمد 4: 43، وغيره.



مَسْأَلَةٌ حَوْلَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ

مَسْأَلَةٌ حَوْلَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ

 هَلْ يَجِبُ عَلَى المُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَالسُّوْرَةَ بِإِحْدَى الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ؟

الجَوَابُ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ مَحَلُّ خِلافٍ بَيْنَ الفُقَهَاءِ وَمِنَ الآرَاءِ المَطْروحَةِ مَا يَلِي:

١)السَّيِّدُ الخُوئيُّ والشَّيْخُ الْوَحِيْدُ: الْأَحْوَطُ الْقِرَاءَةُ بِإِحْدَى الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقْوَى جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِجَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ الَّتِيْ كَانَتْ مُتَدَاوَلَةُ فِي زَمَانِ الْأَئمَّةِ^(١)

٢) السَّيِّدُ السِّيسْتَانِيُّ: الأَنْسَبُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ على طِبق المُتَعَارَفِ مِنَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَإنْ كَانَ الأَقْوَى كِفَايَةَ الْقِرَاءَةِ عَلَى النَّهْجِ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لهَا فِي حَرَكَةِ بِنْيَةٍ أَوْ إِعْرَابٍ، نَعَم لَا يَجُوْزُ التَّعَدِّي عَنِ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي كَانَتْ مُتَدَاوَلَةً فِيْ عَصْرِ الْأَئمَّةِ^ فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ(٢)

٣) السَّيِّدُ مُحَمَّدُ صَادِقُ الرَّوْحَانِيُّ: الْأَحْوَطُ اِسْتِحْبَابًا الْقِرَاءَةُ بِإحْدَى الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ وَيَجُوْزُ الْقِرَاءَة بِجَمِيْعِ القِرَاءَاتِ الَّتِيْ كَانَتْ مُتَدَاوَلَةً فِيْ زَمَانِ الأَئمَّةِ^(٣)

٤) الشَّيْخُ الْفَيَّاضُ: يَكْفِي الْقِرَاءَة بِإِحْدَى الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ الْمَشْهُوْرَةِ، وَأَمَّا الْاِكْتِفَاءُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْقِرَاءَاتِ غَيْرِ الْمَشْهُوْرَةِ وَالشَّاذَّةِ فَلَا يَسُوْغُ الْاِكْتِفَاءُ بِهَا، كَقِرَاءَةِ ﴿مَلَكَ يَوْم الدِّيْنِ﴾ بِفِعْلٍ مَاضٍ مَبْنِيّ عَلَى الْفَتْحِ، فَإِنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ لَا يُمْكِنُ الْاِعْتِمَادُ عَلَيْهَا(٤)

٥) الشَّيْخُ بَشِيْرُ النَّجِفِيُّ: الْأَفْضَلُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِإِحْدَى الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ الْمَعْرُوْفَةِ، وَلَوْ قَرَأَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْقِرَاءَاتِ وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ عَلَى طِبْقِ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ لِلْعَرَبِيَّةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ(٥)

فَائدَةٌ: الْقِرَاءَاتُ السَّبْعِ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ هِيَ الْقِراءَاتُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ القُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَهُم: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيْر، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائيُّ.

مَصْدَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَلِي:

(١)(مِنْهَاجُ الصَّالِحِيْنَ لِلسَّيِّدِ الخُوئيِّ تَعْلِيْقَةُ الشَّيْخِ الْوَحِيْدِ ج٢ مَسْأَلَة ٦١٦ ص١٨٤)

(٢)(مِنْهَاجٌ الصَّالِحِيْنَ لِلسَّيِّدِ السِّيسْتَانِيِّ ج١ مَسْأَلَة ٦١٦ ص١٩٥)

(٣)(مِنْهَاجُ الصَّالِحِيْنَ لِلسَّيِّدِ الرَّوْحَانِيِّ ج١ مَسْأَلَة ٦٨٣ ص٢٢٨ _ ص٢٢٩)

(٤)(مِنْهَاجُ الصَّالِحِيْنَ لِلشَّيْخِ الْفَيَّاضِ ج١ مَسْأَلَة ٦٢٤ ص٢٧٨)

(٥)(مِنْهَاجُ الصَّالِحِيْنَ لِلشَّيْخِ بَشِيْرِ النَّجَفِيِّ ج١ مَسْأَلَة ٦١٦ ص٢٢٢)

حسين آل إسماعيل



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{66} الحاج محمّد الكوفي[1]

المتولّد سنة ( 1324 )

هو الأديب الألمعي، الحاج محمّد بن سلمان المعروف بالكوفي، المتولّد بالتاريخ المذكور. أحد نوابغ القطيف في القرن الرابع عشر بدون أن تكون لديه مؤهّلات قد تكون سبباً لهذا النبوغ والعبقرية، ولكن الفضل بيد اللّه (يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّه‏ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[2]. وبهذه الموهبة أصبح في عداد الشعراء المرموقين مع العلم أنه في الوقت نفسه في عداد الرجال الاُميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون إلاّ في شيء يسير لا يعتدّ به، وقد يتأخّر من اتّصف بكاملها عن مثل النبوغ. أما السبب الذي أوجب له لقب الكوفي فإن أباه رُزق به في الكوفة، فعرف بالكوفي هو وذريته، وفي طليعتهم المترجم (كثر اللّه أمثاله من رجال الدين والصلاح)، فلنستمع إليه يقول:

في مدح النبي صلى‏ الله ‏عليه‏ و‏آله‏ وسلم:

الحمد لمن قسّم أرزاق العبادِ *** وصلى ملك الناس على أكرم هادي

لقد أرسله اللّه نبياً لهدى الخلقْ *** عليه صلوات اللّه مهما لمع البرقْ

نبي كلم الظبية والبدر له انشقْ *** شفيع لعصاة الخلق في يوم المعادِ

هو المنقذ في المحشر من كان مقرّا *** بأن اللّه فرد صمد عدل مبرّا

عن الظلم وأن المصطفى للخلق طرا *** من اللّه بشير ونذير للعبادِ

وأن المرتضى الحجّة من بعد محمدِ *** على الخلق بأمر الأزلي الصمد الفردِ

وبالنص بنوه بعده هم سبل الرشدِ *** ولطف اللّه في الأرض وأنوار البلادِ

فطوبى لك بالأمن غداً شيعة حيدرْ *** فلا من منكر تخشى ولا من وحشة القبرْ

وفي المحشر لاتخشى وآل المصطفى الذخرْ *** ونعم الذخر آل المصطفى يوم المعادِ

بهم يلقى الموالون من الرحمن ودّا *** إذا جاء اُولو الخشية للرحمن وفدا

وسيقت مجرمو الناس لذات الحرّ وردا *** وأنتم تدخلون الخلد من غير نكادِ

فالحمد لمن نوّر بالمرسل قلبي *** به والمصطفَين النجبا أسأل ربّي

بأن يقبل أعمالي وأن يغفر ذنبي *** أنا والوالدين وكذا أهل الودادِ

يتبع…

________________

[1]  توفي رحمه الله في  4 / 8 / 1420  ه.

[2]  الحديد: 21.



المسائل الشرعية / القصاص والديات ـ 84

المسائل الشرعية / القصاص والديات ـ 84

الشيخ علي المرهون

س 685: ما معنى القصاص والديات؟

ج: القصاص ما يعود إلى الذات، وهي نفس الجاني، والدية ما يعود إلى أمواله.

س 686: إلى كم قسم ينقسم القتل؟

ج: ينقسم إلى ثلاثة:

1 ـ العمد، وهو أن يكون القاتل عامداً في قصده وفعله كمن يقتل ًإنساناً بسكين وغيره.

2 ـ شبه العمد، وهو أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده كمن يضرب للتأديب، فيموت المضروب.

3 ـ الخطأ، وهو الخطأ في القصد والفعل كمن يقصد طيراً فيقتل إنساناً.

س 687: ما هو حكم القاتل في الأنواع الثلاثة؟

ج: قتل العمد يوجب القصاص بالسيف وشبهه، ولا تثبت الدية فيه إلّا بالصلح. وتثبت في شبه العمد يدفعها الجاني من ماله في سنتين. وفي الخطأ تدفعها العاقلة، وهم أقارب القاتل بالنسب في ثلاث سنين.

س 688: ما هي الدية؟ وما مقدارها؟

ج: الدية واحدة من اُمور وهي:

1 ـ مئة ناقة مسنة.

2 ـ مائتا بقرة مسنة.

3 ـ عشرة آلاف درهم، أي خمسة وثلاثون كيلوغراماً فضة.

4 ـ ألف دينار، أي خمسة كيلوغرامات ذهب.

5 ـ ألف شاة.

 فيتفقان بينهما على أحدها تراضياً واختياراً. والمسنة من الإبل والبقر ما دخلت في السادسة من عمرها. ودية المرأة نصف دية الرجل المذكورة.

س 689: لو اجتمع ثلاثة على قتل إنسان فمسكه أحدهم ونظر الآخر كمراقب وقتله الثالث، فما حكمهم؟

ج: يقتل القاتل، وتسمل عين الناظر، ويخلد الماسك في السجن.

س 690: لو اشترك جماعة في قتل رجل واحد، فما الحكم؟

ج: يجوز لولي المقتول قتلهم، وردّ الفاضل من ديتهم على ورثتهم.

س 691: لو قتلت امرأتان رجلاً، فما حكمهما؟

ج: حكمهما القتل، ولا ردّ.

س 692: لو أقر بقتله عمداً، فأقرّ آخر بقتله خطأ، فبأي الإقرارين يؤخذ؟

ج: يختار الولي من يشاء، ولا سبيل له على الآخر.

يتبع…



كشكول الوائلي _ 181

كشكول الوائلي _ 181

المبحث الثالث: رؤيا الرسول الأكرم في اُحد وإرهاصات المعركة

يقول المؤرخون: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله قبل معركة اُحد أخبر أصحابه برؤيا رآها، قال صلى الله عليه وآله: « رأيت البارحة في منامي خيرا: رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذبابة سيفي ثلما، فكرهته؛ وهما مصيبتان، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، وأني مردف كبشا ». فقالوا: يا رسول الله، وما أوّلتها؟ قال صلى الله عليه وآله: « فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأمّا الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي ـ وفي رواية: ـ « من عترتي يقتل ». وفي رواية: « رأيت أن سيفي ذا الفقار فُلّ، فأوّلته فلاًّ فيكم. وأما الدرع الحصينة فالمدينة، وأما الكبش فإني أقتل كبش القوم ». وقال صلى الله عليه وآله لأصحابه: « إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلنا فيها ». وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن. وقد حصل في حدّ سيفه صلى الله عليه وآله كسور، وحصل انفصام ظُبته وذهابها، فكان ذلك علامة على حصول كلّ ذلك(1).

إثارات حول مناسبة النزول

ولنا هنا ثلاث إثارات حول هذا الأمر:

الاُولى: مشورة المسلمين على الرسول صلى الله عليه وآله بالخروج من المدينة

كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله قد جمع المسلمين وناقش أمر المعركة معهم، فأشاروا عليه بألاّ يبقى في المدينة؛ لأنّ في بقائه فيها خطرا عليه. فدخل ولبس لامة حربه ودرعه، فندم المسلمون على مشورتهم تلك على الرسول صلى الله عليه وآله، وقرّروا بأن يذهبوا إليه صلى الله عليه وآله؛ ليسحبوها، فأجابهم الرسول صلى الله عليه وآله بقوله: « لا ينبغي لنبي يلبس لامة حربه أن ينزعها »(2).

ولا شكّ أنّ المدينة المنوّرة كانت الدرع الحصين، وهكذا قتل في هذه المعركة سبعون صحابيا وقتل الحمزة بن عبد المطّلب.

الحمزة رضي الله عنه أسد اللّه ورسوله

لقد كان الحمزة رضي الله عنه سيفا للّه تعالى يقاتل دون رسوله صلى الله عليه وآله، يقول المؤرّخون: إن أبا جهل تعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله وآذاه بالكلام، وألقى السلى على ظهره وهو يصلّي، فاجتمع بنو هاشم، وأقبل حمزة من الصيد، فنظر إلى اجتماعهم فقال: ما هذا؟ فقالت له امرأة من بعض السطوح: إن عمرو بن هشام تعرّض لمحمد وآذاه. فغضب حمزة ومرّ نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه، ثم احتمله فجلد به الأرض، فاجتمع الناس، وكاد يقع بينهم شرّ، فقالوا له: يا أبا يعلى، صبوت إلى دين ابن أخيك؟ فقال: نعم، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا رسول اللّه. ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أيرضيك هذا فقال صلى الله عليه وآله: « نعم يرضيني ياعمّ »(3).

يتبع…

__________________

وقد كان له مواقف عديدة، وقد عبّر عنه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بأنه « أسد اللّه وأسد رسوله »(4).

(1) سيرة ابن إسحاق 3: 303، السيرة الحلبية 2: 490.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 566 ( حجري )، بحار الأنوار 16: 387، المجموع شرح المهذّب 16: 142، كشاف القناع 5: 25.

(3) إعلام الورى 1: 123 ( قريب منه ).

(4) الكافي 1: 224 / 2، المستدرك على الصحيحين 2: 119، 3: 194. وفيهما أنه صلى الله عليه وآله قال: « على قائمة العرش مكتوب: حمزة أسد الله وأسد رسوله ».



مُقدِّمات مهمَّة لمَن عَزم على الحجّ

مُقدِّمات مهمَّة لمَن عَزم على الحجّ

هناك أمورٍ مهمة لِمَنْ عَزَمَ على أداء فريضة الحجِّ وهي كما يلي:

١) أنْ يحجَّ بأموالٍ طاهرةٍ: وذلكَ بأنْ تكونَ الأموالُ التي يحجُّ بها لم يتعلقْ بها حُقوقُ اللهِ تعالى كالخُمس والزَّكاة، ولم يتعلقْ بها حُقوق المخلوقين كالدُّيون والقُروض ومَظالم العِبَاد لأنَّ الحجَّ بأموالٍ غير طاهرة له آثارٌ سيئةٌ ونتائجُ وخيمةٌ منها ما يلي:

أ) يُسبِّبُ عَدَمَ قَبولِ الحجِّ: رُوِيَ في وسائل الشِّيعة للحرِّ العاملي ج٨ ص١٠٢ _ ص١٠٤ عن أبي عبد الله الصَّادق عن أبيه الباقر’ أنَّ رسول الله‘ حَمَلَ جِهازه على رَاحلته وقال: «هذه حَجَّةٌ لا رِياءَ فيها ولا سُمعة» ثُمَّ قال: «مَنْ تجهَّز وفي جِهازه علمٌ حرام لم يقبلِ اللهُ منه الحجَّ».

ب) يُسبِّبُ رَدَّ التَّلبيتةِ على صاحبِها: رُوِيَ في وسائل الشِّيعة للحرِّ العاملي ج٨ ص١٠٢ _ ص١٠٤ عن محمد بن علي بن الحسين’ قال: رُوِيَ عن الأئمة عليهم السَّلام أنَّهم قالوا: «مَنْ حجَّ بمالٍ حرامٍ نُودِيَ عندَ التَّلبيةِ: لا لبَّيكَ عبدي ولا سَعديك».

٢) أنْ يحجَّ عن معرفة واطِّلاع: وتُقسَّم المعرفة إلى ثلاثةِ أقسامٍ وهي ما يلي:

أ) مَعرفةُ أحكامِ الحجِّ: رُوِيَ في مُستدرك الوسائل للميرزا النُّوري ج١٠ ص١٧٤ عن أبي جعفر الباقر× قال: قال رسول الله‘ في خطبته في الغدير: «مَعاشر النَّاس حُجُّوا البيتَ بكمال الدِّين والتَّفقُّه، ولا تنصرفوا عن المشاهد إلا بتوبةٍ وإقلاع».

ب) مَعرفةُ أسرارِ الحجِّ: فإنَّ كلَّ عملٍ من أعمال الحجِّ له أسرارٌ خاصةٌ ينبغي معرفتها وعلى سبيل المثال نذكرُ بعضَها كما يلي:

المثال الأول/ أسرار ارتداء ثَوبي الإحرام والغُسْل: رُوِيَ في مُستدرك الوسائل ج١٠ ص١٧٢ قال الإمام السَّجَّاد× لأحدِ أصحابه يُسمَّى بالشِّبلي: «حَجَجْتَ يا شِبلي؟» قال: نعم يابن رسول الله فقال: «أنزلتَ الميقات وتجردت عن مخيط الثِّياب؟ واغتسلتَ؟» قال: نعم. قال×: «فحين نزلتَ الميقات نويتَ أنَّكَ خَلعتَ ثوبَ المعصية ولبستَ ثوبَ الطاعة؟» قال: لا. قال×: «فحين تجرَّدتَ عن مخيط ثيابك نويتَ أنَّكَ تجرَّدتَ من الرِّياء والنِّفاق والدُّخول في الشُّبهات» قال: لا. قال×: «فحين اغتسلتَ نويتَ أنَّكَ اغتسلتَ من الخطايا والذُّنوب»، قال: لا. قال×: «فما نزلتَ الميقات ولا تجرَّدتَ عن مخيط الثِّياب ولا اغتسلتَ».

المثال الثَّاني/ أدب الإحرام وعقد نيَّة الحجِّ: قال الإمام السَّجاد× للشبلي: «تنظفتَ وأحرمتَ وعقدتَ الحجّ؟» قال: نعم. قال×: «فحين تنظفتَ وأحرمتَ وعقدتَ الحجَّ نويتَ أنَّكَ تنظفتَ بنور التَّوبة الخالصة لله تعالى؟» قال: لا. قال×: «فحين أحرمتَ نويتَ أنَّكَ حرَّمتَ على نفسك كلَّ مُحرَّم حرَّمه الله عزَّ وجلَّ» قال: لا. قال×: «فحين عقدتَ الحجَّ نويتَ أنَّكَ قد حللتَ كلَّ عقدٍ لغير الله» قال: لا. قال×: «ما تنظفتَ ولا أحرمتَ ولا عقدتَ الحجَّ».

ج) معرفة أهل البيت^: رُوِيَ في وسائل الشِّيعة ج١١ ص٩٨ عن عبد الخالق الصَّيقل قال: سألتُ أبا عبد الله الصَّادق× عن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. فقال×: «لقد سألتني عن شيءٍ ما سألني عنه أحد إلا مَنْ شاء الله» ثمَّ قال: «مَن أمَّ هذا البيت وهو يعلم أنَّه البيت الذي أمره الله به وعرفنا أهل البيت حق معرفتنا كان آمنًا في الدُّنيا والآخرة».

٣) أنْ يتهيَّأ المكلف للحجِّ: وذلك بأنْ يُعِدَّ المُقدِّمات ويهيّء الأمور اللازمة للحجِّ وذلك لعدةَّ أسبابٍ منها ما يلي:

أ) لأنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يراكَ وأنتَ تهيّء لوازم الحجِّ: رُوِيَ في كتاب الكافي للشَّيخ الكليني ج٤ ص٢٨٠ _ ٢٨١ عن عيسى بن أبي منصور قال: قال لي جعفر بن محمد الصَّادق’: «يا عيسى إنِّي أُحِبُّ أنْ يراك الله عزَّ وجلَّ فيما بين الحجِّ إلى الحجِّ وأنت تتهيأ للحجِّ».

ب) لِينالَ المكلَّف ثوابَ التَّهيؤ والاستعداد للحجِّ: رُوِيَ في كتاب الكافي ج٨ ص٢٨٠ _ ص٢٨١ عن إسحاق بن عمَّار عن أبي عبد الله الصَّادق× أنَّه قال:

«مَنِ اتخذَ محملًا للحجِّ كان كمن ربط فرسًا في سبيل الله عزَّ وجلَّ».

٤) أنْ يتجرَّدَ عن جميع الشَّواغل الدنيوية: وذلك على عدة أقسام وهي ما يلي:

أ) أنْ يُجرِّد قلبَه عن كلِّ شاغِل: رُوِيَ في ميزان الحِكمة للرَّيشهري ج١ ص٥٣٧ عن أبي عبد الله الصَّادق× أنَّه قال: «إذا أردتَ الحجَّ فجرِّد قلبك لله تعالى من كلِّ شاغل، وحِجاب كل حاجب، وفوِّض أمورك كلها إلى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، ودع الدنيا والراحة والخلق».

ب) أنْ يفرغ ذمته عما يشغها من حقوق الناس: واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة مخافة أن يصيروا لك عدوا، فإنَّ مَن ادعى رضا الله واعتمد على شيء، صيره عليه عدواً ووبالاً، ليعلم أنه ليس له قوة ولا حيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله وتوفيقه.

٥) أنْ يكتبَ وصيَّته قبلَ سفره للحجِّ: «واستعدَّ استعدادَ مَنْ لا يرجو الرُّجوع، وأحسِنْ الصُّحبة، وارْعَ أوقات فرائض الله وسنن نبيِّه‘ وما يَجب عليك من الأدب والاحتمال والصَّبر والشُّكر».

حسين آل إسماعيل



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

السيّد هاشم آل المير

(1323)

وله في مولد الحسين عليه السلام

هيا خليليْ بهذا اليوم نحتفلُ *** قد سرّ فيه رسول اللّه والرسلُ

يوم به بنت خير الرسل قد ولدت *** بدراً له البدر من أنواره خجلُ

بشيرها ثاني السبطين من نزلت *** في يوم مولده الأملاك تتّصلُ

وكيف لا تنزل الأملاك في فرح *** وهم له خدم في الكون قد جعلوا

لولاه فطرس رب العرش ما غفر ال *** ذنب العظيم ولم يقبل له عملُ

ولا إله الورى قد ردّ أجنحة *** منه وقد كان للرحمن يبتهلُ

وحينما قد رأى الأملاك نازلة *** من السماء وما يدريه لِمْ نزلوا

يؤمّهم جبرئيل في جحافله *** من الملائك في سير له زجلُ

نادى بجبريل هل قامت قيامتنا *** من أجلها قد عرا أملاكها الوجلُ

فقال لا إنّما الأملاك قد نزلت *** بأمر ربك بالتكبير تشتغلُ

لأحمد حيث هذا اليوم قد ولد الـ *** ـسبط الذي انحط قدراً دونه زحلُ

أبوه حيدرة الندب الذي شهدت *** بفضله أنبياء اللّه والرسلُ

فقال فطرس فاحملني لحضرته *** لعل ربي من قرب له أصلُ

خذني لعلّ إله الخلق يقبلني *** بسبط أحمد فهو الغوث والأملُ

ما زال يبكي وجبريل الأمين يرى *** دموع عينيه مثل الغيث تنهملُ

هناك رق له ثم انحنى وأتى *** به لأحمد كيما ربَّه يسلُ

فقال يا خير كل الرسل قاطبة *** ومن به للبرايا يقبل العملُ

كن لي شفيعاً وسله رد أجنحتي *** وفي مقامي مع الأملاك أتّصلُ

فقال هاتوا حسين السبط في عجل *** لفطرس قد عراه الخوف والوجلُ

فأقبلوا بابن بنت الوحي فانبثقت *** أنواره فاختفى بدر الدجى خجل

وقام يرفع كفّاً لو يمرّ بها *** على قتيل ومنه الرأس منفصلُ

لقام يعدو برجليه على عجل *** ملبياً وهو مسرور الحشا جذلُ

وحينما يد سبط الرسل قد وضعت *** بجسم فطرس والمختار يبتهلُ

إذا بفطرس ردت فيه أجنحة *** مسلوبة وانجلت عنه به العللُ

ياليت شعري يد تشفي ملائكها *** بيمنها كيف بالبتار تنفصلُ

للّه ماذا جنى الجمّال حيث أتى *** لسبط أحمد فرداً وهو منجدلُ

قد رام تكته سلباً وقد خضبت *** من الدما لم يخامر قلبه وجلُ

ومد يمناه والجمال عاجله *** بضربة ثم بالاُخرى فتنفصلُ

وهكذا قطع اليسرى ليسلبه *** ماذا يقول لخير الرسل إذ يسلُ

والسبطُ ثاوٍ وسافي الريح حاك له *** برداً وقد نهبت جثمانه الأسلُ



المسائل الشرعية / الحدود والتعزيرات ـ 83

المسائل الشرعية / الحدود والتعزيرات ـ 83

المحارب

س 678: من هو المحارب؟

ج: المحارب هو المجرِّد للسلاح لإخافة الناس؛ براً أو بحراً أو جواً، ليلاً أو نهاراً. وغير المحارب هو المختلس والمستلب والمكابر والمحتال.

س 679: فما حدّ المحارب؟

ج: حدّه واحد من أربعة يتخير الإمام بينها:

1 ـ القتل.

2 ـ الصلب.

3 ـ النفي.

4 ـ القطع مخالفاً بأن تقطع يده اليمنى من اُصول الأصابع ورجله اليسرى من مفصل القدم.

س 680: لو تاب المحارب، فهل يعفى من الحدّ أم لا؟

ج: إذا كانت توبته قبل القدرة عليه عُفي منه ما عدا حقوق الناس فيُلزم بتسديدها. ولا يسقط الحد بعد القدرة بالإضافه إلى حقوق الناس.

س 681: ما هو النفي، وما يلزمه لو اختاره الإمام؟

ج: النفي هو التسفير والإخراج من البلد. ويلزم الكتابة لأهل البلد المتوجه إليها بألّا يجالسوه، ولا يؤاكلوه، ولا يعاملوه في بيع أو شراء إلى أن يتوب.

س 682: من هو المختلس، والمستلب؟ وما حكمهما؟

ج: المختلس هو الذي يأخد المال أو الشيء بالإغفال. والمستلب هو الذي يأخذهما بالقهر والقوة. وحكمهما التعزير بالضرب بالسياط بما فيه رادع لغيرهما، ويستعاد منهما ما أخذا؛ لرده إلى اهله.

س 683: من هو المحتال؟ وما حكمه؟

ج: المحتال هو الذي يقيم بينة مزورة ليأخذ بها ما يدعيه على خصمه، وحكمه حكم المختلس والمستلب.

س 684: هل للإنسان حدّ في الدفاع عن نفسه وعياله وماله، أم لا؟

ج: له أن يدفع بما يقتضي الدفاع حتى لو قتل المدفوع، ولا دية له.



كشكول الوائلي _ 180

كشكول الوائلي _ 180

رواية تأبير النخل

وهو صلى الله عليه وآله إضافة إلى أنه كان ينزل إلى الساحة ويتولّى قضايا الحرب بنفسه، وأنه ذو دور هامّ وكبير في شحذ الهمم، فالجيش الذي يرى قائده أمامه في لهوات الحرب يستميت ويقاتل إلى آخر قطرة من دمه. وهكذا تشير الآية الكريمة إلى مواطن الإبداع والحكمة في سيرته صلى الله عليه وآله، فهو صلى الله عليه وآله كلّه إبداع وحكمة، نجده يلج الحياة فيعلّم أصحابه كيف يتعاملون مع اُسرهم وأبنائهم في بيوتهم، وما هي الكيفية التي يجب أن تكون عليها أخلاقهم معهم، بل ويضع منهجا كاملاً واضحا لتعامل الرجل مع زوجته في مضجعه(1). ومع كل هذا يروي عنه المحدّثون رواية غريبة في بابها، هي أنّ المسلمين دخلوا عليه صلى الله عليه وآله وقالوا له: يارسول اللّه، نريد أن نؤبّر نخلنا. فقال صلى الله عليه وآله: « لو لم تفعلوا لصلح ». فخرج شيصا، فمرّ بهم فقال: « ما لنخلكم؟ ». فقالوا: قلت كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وآله: « أنتم أعلم باُمور دنياكم »(2).

أفعال الجبلّة

ويلاحظ أنّ من المستحيل قبول هذه الرواية؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وآله مسدّد من السماء، فيجب الاقتداء به في كلّ أقواله وأفعاله عدا ما يسمى بـ « أفعال الجبلّة »، وهي الأشياء الطبيعيّة التي منها الأكل والشرب وغيرهما، فليس من الضروري الاقتداء به صلى الله عليه وآله فيها؛ لأنها ترجع إلى البشر أنفسهم وإلى جبلّتهم. وهذا التصرّف ليس من أفعال الجبلّة؛ فرسول اللّه صلى الله عليه وآله ليس من جبلّته أن يقول لأصحابه: لا تلقّحوا نخيلكم. ولأجل هذا نجد أنّ المحققّين يغلقون باب الاجتهاد عليه صلى الله عليه وآله ويصرّحون بأ نّه (صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله) لا يقول إلاّ بما تأمره به السماء؛ فلن يبتعد عن الحقّ والحقيقة، فكان صلى الله عليه وآله يتدخّل في اُمور الزراعة والصناعة والاقتصاد، فيوجّه أصحابه إلى الصواب في أعمالهم. وهذا يدلّ على أنّ السماء أرادت أن تصوغه صلى الله عليه وآله في منتهى الكمال، قال حسّان بن ثابت:

وأحسن منك لم تر قط عيني *** وأجمل منك لم تلد النساء

 خلقت مبرأ من كل عيب *** كأنك قد خلقت كما تشاء(3)

وهكذا كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يبوّئ المؤمنين مقاعدهم للقتال ليؤدّي كل واحد منهم دوره الذي رسمه له صلى الله عليه وآله.

يتبع…

_______________

(1) انظر مكارم الأخلاق: 208 ـ 218.

(2) الانتصار ( العاملي ) 4: 47، صحيح مسلم بشرح النووي 15: 116، الإحكام في اُصول الأحكام ( ابن حزم ) 5: 704. وفي حديث آخر: « إنما ظننت ظنا؛ فلا تؤاخذوني بالظن ». وفي غيره: « إنما أنا بشر؛ فما حدّثتكم عن الله فهو حقّ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر اُخطئ واُصيب ».

(3) المستطرف في كل فن مستظرف 1: 429، 2: 29.



Real Time Web Analytics