الزمن والإنسان

الزمن والإنسان

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

2/9/1439هـ

الحمد لله رب العالمين، ديّان يوم الدين، وأستغفره وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم، وخير ناصر ومعين.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن خير الزاد التقوى، وإن الفوز للمتقين.

ملاكُ الأمر تقوى الله فاجعل ***تقاهُ عدةً لصلاح أمرِكْ
وبادر نحو طاعته بعزمٍ
*** فما تدري متى يُمضـى بعمركْ

قال رسول الله|: «أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله»([1]).

لقد اهتم القرآن الكريم بالزمن في العديد من السور والآيات الكريمة، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ([2])، وقال سبحانه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ([3])، وقال سبحانه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ([4])، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى([5])، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا([6])، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ([7])، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تدل على أهمية الزمن.

حيث أن الوقت حلقات متشابكة ومترابطة تشكل دورة الزمن، وما علينا إلا الاستفادة منه، خاصة من هذا الشهر الكريم.

قال رسول الله|: «إن شهر رمضان يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات»، إلى أن قال: «إن شهركم هذا ليس كالشهور إنه إذا أقبل إليكم أقبل بالبركة والرحمة، وإذا أدبر عنكم أدبر بغفران الذنوب، هذا شهرٌ الحسنات في مضاعفة وأعمال الخير فيه مقبولة»([8]).

وعن الصادق×: «إن لله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء وطلقاء من النار، إلا مَنْ أفطر على مسكر، فإذا كان آخر ليلة منه أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه»([9]).

ومن هنا نعلم في كل حالاتنا أن علينا أن ننتبه للعلاقة الوثيقة بيننا وبين الزمن، وأن نَبنيها على أساس الإنتاج والإبداع، فلابد أن نسبق الزمن ونتطلع إلى الأمام. وقد أشار الإمام علي× إلى هذا المعنى بقوله: «ما أسرع الساعات في اليوم وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع الشهور في السنة، وأسرع السنين في العمر»([10]). وعلى هذا فإن عامل السرعة إنما هو على حساب عمر الإنسان.

تمتع من الدنيا بأيسـر بُلغة ***ولأنك جماعاً فإنكَ مالِكُ
سل الدهر عمن كان قبلك واعتبر *** فلم يبق ممللوك ولم يبق مالِكُ

وتنوف الآيات القرآنية التي تضمنت ذكر الليل والنهار على السبعين آية، والآيات التي تضمنت التركيز عليهما تنوف على الثلاثين آية، وقد نبه الإمام علي× على أهمية الزمن بقوله: «ما من يوم يمر على ابن آدم إلا قال له ذلك اليوم: أنا يوم جديد، وأنا عليك شهيد، فقل في خيراً، واعمل في خيراً، أشهد لك به يوم القيامة، فإنك لن تراني بعد هذا أبدا»([11]). ويقول×: «والفرصة تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير»([12]). وهذا إشارة إلى استثمار فرص الخير واستغلالها بالعمل لتطوير الحياة وبناء المستقبل والاستفادة من العمر.

إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضـى نقص من الأجل([13])

ومن هنا نلاحظ أن الناس تجاه الزمن ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: الذي يعيش الحياة العادية، من غير أن يطوّر حياته وأفكاره وأعماله، ومن دون أن يحقق أية مكاسب، يقول الإمام علي×: «فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها»([14])، فمن يرض لنفسه أن يضيع الفرص الخيرة؟!

وعاجز الرأي مضياع لفرصته *** حتى إذا فات أمر عاتب القدرا([15])

القسم الثاني: من يعيش العطاء والإنجاز، ويعطي أكثر من عمره، كالكثير من العلماء الذين خدموا الساحة العلمية والفكرية. يقول علي×: «من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كانت الدنيا همته اشتدت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شر يوميه فهو محروم، ومن لم يبال بمارزى من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له»([16]). ومن وصايا أهل البيت^: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد». لذلك يحتاج البعض إلى تعلم فن الاستفادة من الوقت، وفن إدارة الوقت لكي يستفيد من عمره. «بادر بأربع قبل أربع: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك»([17]).

لذلك على الإنسان أن يتحسس عامل الزمن، في تطوير حياته، بمعرفة قيمة الوقت ليستفيد من عمره، خاصة في مثل هذا الشهر المبارك لتغيير حياتنا إلى الأفضل.

وقد ورد في الخبر: «إذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا، ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغضبوا، ولا تسابوا، ولا تشاتموا، ولا تنابزوا، ولا تجادلوا، ولا تبادوا، ولا تظلموا، ولا تسافهوا، ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله تعالى»([18]). الحديث طويل.

أطل علينا الشهرُ فيضامن السما *** فضاء من الغفيرات والرحماتِ
وهل بشيراً يحمل النور والهدى *** يمدُ سلال الخير والبركات
ويفرش للراجين دربا منوراً *** من الشوق والألطاف والقربات
ويفتح أبواب السماوات رحمة *** وقد مُدت الأرواح بالدعوات
أهنيك إن أمسيت ضيفا مكرماً *** على مهبط التسبيح والصلوات

اللهم اجعلنا في هذا الشهر الشريف من عتقائك من جهنم، وطلاقائك من النار، وسعداء خلقك في الدنيا والآخرة. والحمدلله رب العالمين.

_____________________

([1]) عيون أخبار الرضا× 1: 265 / 53.

([2]) الفجر: 1.

([3]) القدر: 5.

([4]) التكوير: 18.

([5]) الضحى: 1 ـ 2.

([6]) الشمس: 1.

([7]) العصر: 1 ـ 2.

([8]) روضة الواعظين: 339.

([9]) الكافي 4: 68، باب فضل شهر رمضان، ح7.

([10]) نهج البلاغة 2: 128 / 188.

([11]) من لا يحضره الفقيه 4: 397، باب النوادر، ح5849.

([12]) نهج البلاغة 4: 6 / 21.

([13]) تفسير الرازي 32: 85. تاريخ مدينة دمشق 48: 451.

([14]) نهج البلاغة 3: 72 / 45.

([15]) البيان والتبين (الجاحظ): 385. عيون الأخبار (ابن قتيبة) 1: 90.

([16]) من لا يحضره الفقيه 4: 381، باب النوادر، ح5833.

([17]) من لا يحضره الفقيه 4: 357، باب النوادر، ح5762.

([18]) وسائل الشيعة 10: 166، أبواب آداب الصائم، ب11، ح13132.



سطور من النور بمناسبة شهادة الإمام النقي عليه السلام

سطور من النور بمناسبة شهادة الإمام النقي عليه السلام

نعزي صاحب العصر والزمان والأمة الإسلامية بشهادة الإمام النقي عليه السلام، تقبل الله أعمالكم…

قال الإمام النقي عليه السلام:

لو قلتُ إنّ تارک التّقیة کتارک الصّلاة لکُنت صادقاً.

وسائل الشيعة 16: 211.

إن الرّجل لیکون قد بقى من ثلاثون سنة فیکون وُصولاً لقرابته وُصُولاً لرحمه، فیجعلُها الله ثلاثه وثلاثین سنة، وإنّه لیکون قد بقى من أجله ثلاثٌ وثلاثون سنةً فیکون عاقّاً لقرابته قاطعاً لرحمه، فیجعلُها الله ثلاث سنین.

بحار الأنوار 71: 103.

المصیبة للصّابر واحدة و للجازع اثنتان.

مستدرک الوسائل 2: 445.

المراءُ یفسدُ الصّداقة القدیمة ویحلّلُ العُقدة الوثیقة وأقلُّ ما فیه أن تکُون فیها المُغالبة والمُغالبة اُسُّ أسباب القطیعة.

بحار الأنوار 75:  369.

راکبُ الحروُن أسیرُ نفسه، والجاهلُ أسیرُ لسانه.

بحار الأنوار 75:  369.

من أمن مکر الله والیم أخذه، تکبّر حتی یحلّ به قضاؤه ونافذ أمرُهُ، ومن کان علی بینة من ربّه هانت علیه مصائبُ الدنیا ولو قُرض ونُشر.

تحف العقول: 483.

إظهارُ الشيء قبل أن یستحکم مُفسدة له.

تحف العقول: 457.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الخطيب الملاّ صادق المرهون

المولود (3/8/1345)

ويقول في ميلاد الحجّة عليه السلام:

أنر البسيطة يا بقية هاشمِ *** واسطع لتجلو للظلام القاتمِ

عجل لتملأ أرضها من عدلكم *** من بعد ما ملئت بجور دائمِ

ذكراك في الميلاد أظهر شاهد *** في صدق ودّك لست فيه بآثمِ

في كل عام نصف شعبان نرى *** أثر احتفالك صارخاً في العالمِ

ما الذكر في الأجيال يبقى خالداً *** ألا لمثلك من رجال أعاظمِ

لا غرو لو قلنا بأنك جوهر *** لولاه كان الدين رؤية حالمِ

ما الاِنتظار ونحن نرقب طلعة *** لك بيننا تجلو لليلٍ قاتمِ

نرجو بطلعتك الرشيدة ثائراً *** تقضي على الكفر البغيض الغاشمِ

فإلامَ والإنكار شاع باُمّة *** قد أعملت في الدين معول هادمِ

وقد استخفّوا بالصلاة وضيّعوا *** أمر الزكاة وأحسنوا للظالمِ

ما قدر الولدُ الصغير كبيرهم *** وكبيرهم بالطبع ليس براحمِ

وذوي القرابة بالتشاجر دائماً *** تمضي السنين وكلّهم بتخاصمِ

لم يرتضوا نصحاً وإرشاداً فكم *** نُهبت حقوق بانتهاك محارمِ

ردّوا لقول اللّه‏ وادّكروا له *** فإليه مرجعكم ولا من راحمِ

يتجرّؤون على ذوي العلم الذي *** أمّوا الصلاة ونبّهوا للنائمِ

أكلوا الربا واستمعوا في اُنسهم *** للراقصات بحسن صوت ناعمِ

تركوا ذوي الإيمان فيما بينهم *** في حيرة سخرية للباسمِ

ما هذه الأعمال ما هذا العنا *** في دينكم ما منكمُ من نادمِ

توبوا لربّكمُ الجليل وبادروا *** طلب الرضا منه بحسن خواتمِ



سطور من النور بمناسبة ولادة الإمام الباقر عليه السلام

سطور من النور بمناسبة ولادة الإمام الباقر عليه السلام

نبارك لكم وللأمة الإسلامية جمعاء ولادة الإمام الباقر عليه السلام

وبهذه المناسبة نذكر سطور من كلماته النورانية:

قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام:

لو أوتیت بشابٍّ من شباب الشّیعة لا یتفقه في الدّین، لأوجعته.

المحاسن 1: 228.

من دعا الله بنا أفلح، ومن دعاه بغیرنا هلك واستهلك.

الأمالي (الطوسي) 1: 175.

الأعمال تضاعف یوم الجمعة، فأكثروا فیها من الصلاة والصدقة والدعاء.

مستدرك الوسائل 6: 64 / 15.

من طلب الدنیا استعفافاً عن النّاس، وسعیاً على أهله، وتعطفاً على جاره، لقى الله عز وجل یوم القیامه ووجهه مثل القمر لیلة البدر.

وسائل الشّیعة 17: 21 /5.

ثلاثٌ لم یجعل الله لأحد فیهن رخضهً: أداء الأمانه إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدین برّین كانا أو فاجرین.

وسائل الشّیعة 21: 490 / 3.

إن الجنة والحور لتشتاق إلى من یكسح المسجد، أو یأخذ منه القذى.

مستدرك الوسائل 3: 385.

إنما یبتلى المؤمن في الدنیا على قدر دینه.

تنبیه الخواطر: 523. بحار الأنوار 67: 210 / 12.

لا یكون العبد عابداً لله حق عبادته حتّى ینقطع عن الخلق كلهم، فحینئذ یقول: هذا خالصٌ لي، فیقبله بكرمه.

تنبیه الخواطر: 427. بحارالأنوار 70: 111 /14.

أقسم بالله وهو حقٌّ، ما فتح رجلٌ على نفسه باب المسألة إلّا فتح الله علیه باب فقر.

عدّة الداعي: 99 / 15.

من قضى مسلماً حاجته، قال الله عز وجل: ثوابك علي ولا أرضي لك ثواباً دون الجنة.

مستدرك الوسائل  12: 402 / 6.



كشكول الوائلي _ 224

كشكول الوائلي _ 224

في كرم الأكبر وشجاعته

ثم قال الشاعر:

 يغلي نئيّ اللحم حتى إذا *** أنضج لم يغلُ على الآكلِ

 كان إذا شبّت له ناره *** أوقدها بالشرف القابلِ

أقسام النار عند العرب

أودّ أن اُلفت النظر إلى أنّ للعرب أربعة عشر اسما للنار، كل اسم منها يدلّ على نار معيّنة ترتبط بحدث معيّن، وهذا ما كان عليه العرب كما يحدّثنا عنه تاريخهم. وسأذكر هنا ما يتعلّق منها بحاجتنا كي نخلص منها إلى معنى النار التي يريدها الشاعر وهو يصف بها عليا الأكبر. فمن هذه النيران:

الأُولى: نار الحرب

وهي النار التي توقد حينما يريدون الخروج للحرب؛ فقد كانت وسيلتهم في إعلام القبائل الاُخرى أن يعمدوا إلى مرتفع من الأرض فيشعلوا نارا عليها، فتراها تلك القبائل فتبادر إلى الاجتماع عندها. وهذه النار هي التي يعبّر عنها القرآن الكريم بقوله: كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (1).

وأظن أن هذه الظاهرة لم يختصّ بها العرب وحدهم، بل إن الشعوب البدائية كلها تلجأ إلى هذه الطريقة، كما عند شعوب أفريقيا؛ حيث إنّهم كانوا يستمدّون منها العزيمة.

الثانية: نار العبادة

وهي النار التي يتوجّهون إليها عند العبادة أو يتحلّقون حولها. وفكرة عبادة النار ناشئة من كون النار من دنيا القوى، ودنيا القوى أشرف.

وهذا هو الذي يدفع مُقدّسي إبليس إلى القول بتفضيله، ولذا يقول بشّار بن برد:

 إبلِيسُ خيْرٌ من أَبِيكُمْ آدَم *** فتَنَبَّهُوا يَا مَعْشَرَ الفُجَّارِ

 إِبْلِيسُ من نَارٍ وآدَمُ طِينَةٌ *** والاَرْضُ لاتَسْمو سموّ النارِ(2)

الثالثة: نار الحلف

وهيالنار التي يوقدونها حينما يريدون أن يقسموا على أمر، فيحلفوا بها، يقول شاعرهم:

 إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه *** كما صدّ عن نار المهولة حالفُ(3)

الرابعة: نار الأحلاف

وهي نار توقد عندما يريدون أن يعقدوا معاهدة أو حلفا بينهم، فإذا تحالفت قبيلتان أو أكثر على أمر أوقدوا لذلك نارا.

الخامسة: نار القِرى

وهي النار التي أشار إليها الشاعر في بيته الآنف. ونار القرى هي النار التي يوقدونها ليلاً سيّما في الليالي المظلمة والباردة؛ ليستدلّ بها الطارق أو ابن السبيل على مضاربهم وربوعهم فيُقروه، أي يضيّفوه؛ ولهذا فإنّ هؤلاء يعمدون إلى إشعالها على ربوة أو تلّة كي يسهل على الطارق رؤيتها.

ومعلوم أن وسائل المواصلات عند الناس سابقا كانت بدائية، فإذا أراد أحدهم سفرا بعيدا فإنّه لن يصل إلى هدفه بزمن قياسي كما هو الحال اليوم؛ ولذا فإنّ المسافر كان يحتاج إلى أن يستغرق في سفره أيّاما وليالي كثيرة مع ما يصاحب ذلك من تعرّضه للبرد شتاءً، ولم تكن هناك ـ سيما في الصحراء ـ فنادق أو دور استراحة؛ ولذا كانت محطّات التوقّف للمسافر آنذاك بيوت العرب الذين اشتهروا بالكرم والجود وإقراء الضيف. ومعروف أنهم كانوا يتسابقون إلى اجتذاب الأضياف عبر إيقاد هذه النار على المرتفعات القريبة منهم. قال حاتم الطائي مخاطبا غلامه يسارا:

 أوقد فإنّ الليل ليل قَرُّ *** والريح يا موقد ريح صِرُّ

 علّ يَرى نارك من يمرُّ *** إن جلبت ضيفا فأنت حرُّ(4)

يتبع…

_________________

(1) المائدة: 64.

(2) ديوان بشّار: 539. بل وهو ما دعا إبليس نفسه الى التفاخر بها على آدم في قوله تعالى: قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف: 12.

(3) الفائق في غريب الحديث 3: 256 – 257، تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات (شرح شواهد الكشاف): 467، لسان العرب 11: 713 ـ هول. ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطرحون الملح في النار مع الكبريت ويتحالفون عليه، ويسمون تلك النار الهولة، وموقدها المهول.

(4) تفسير السمعاني 1: 350، الوافي بالوفيات 10: 51، أضواء البيان 7: 16.



صوموا تصحوا

صوموا تصحوا

خطبة الجمعة

مسجد الإمام الرضا×

مصطفى آل مرهون

25/8/1439هـ

الحمد لله رب العالمين، ديان يوم الدين، وأستغفره وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم، وأصلّي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب العالمين، وآله الطيبين الطاهرين. عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن خير الزاد التقوى وطاعة الله سبحانه، وتجنب شرور النفس واتباع خطوات الشيطان.

ما الخير صوم يذوب الصائمون له *** ولا صلاةٌ ولا صوفٌ على جسدِ
إنما هو ترك الشـرِ مُطرِحاً *** ونفضك الصدرَ مِن غلٍ ومِنْ حسدِ

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ([1]). وقال رسول الله|: «صوموا تصحوا»([2]).

إن من فوائد الصيام التي يمكن أن يستفيدها الصائم الصحة البدنية والصحة النفسية، بل إن الغاية العظمى التي على المؤمن الصائم أن يسعى إليها هي تحقيق الصحة النفسية، وذلك بسلامتها من أسر الهوى والشهوات، بل إنّ أعظم قامع لهوى النفس والأهواء الشيطانية هو الصيام خاصة في شهر رمضان المبارك، وقد ورد في الحديث: «سياحة أمتي الصوم»([3]).

ومن هنا صار الصوم صحة وتربية وطاعة، لا تعذيباً وحرماناً.

أما من الناحية الصحية فعلينا أن نتأمل قول الرسول|: «صوموا تصحوا»، حيث إن الصوم فيه الخير الكثير لصحة الإنسان الصائم مع أنه تنظيم لفترات تناول الطعام، ويشمل تنظيم الجهاز الهضمي لتقبل الغذاء في فترتين من فترات اليوم، وإذا التزمنا باقتصارنا عليهما من غير تناول ما هو فوق الطاقة، فسوف نحصل على الفائدة والحكمة من الصوم، فقد قال الرسول|: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء»([4] ولذلك حبب الشرع المقدس الالتزام في وجبتي الإفطار والسحور. وقال الرسول: «وإذا أفطر أحدكم فليفطِر على تمرٍ فإنه بركة، فإن لم يجد فالماء فإنه طهور»([5]).

حيث إن الأمعاء تمتص السكر في أقل من خمس دقائق فيتروي الجسم، وتزول أعراض نقص السكر؛ لأن سكر الدم ينخفض في أثناء الصوم فيؤدي إلى الشعور بالجوع، وسرعان ما يزول ذلك بتناول التمر أو المواد السكرية، وبهذا تتضح الحكمة النبوية الشريفة.

وهذا الشهر أيضاً شهر تربية، فقد كان أميرالمؤمنين× إذا قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ([6]) تغير وجهعأه واصفر لونه من خيفة الله تعالى، فعلينا أن نستفيد من سيرة شهيد الشهر المبارك أميرالمؤمنين× ونستشعر جوع الفقراء والمساكين والمحتاجين، وأن نلزم أنفسنا بالتعاون على كل عمل صالح خاصة في هذا الشهر المبارك، فإنه شهر التقوى وشهر العطاء وشهر الارتباط بالله سبحانه بالدعاء والاستغفار والتوبة.

كما علينا أن لا يفوتنا إحياء الليل في شهر رمضان حتى نشعر بخشية الله سبحانه، فقد ورد في الحديث عن أبي أمامة عن الرسول|: «ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع في سواد الليل، يقطرها العبد مخافة من الله، لا يريد بها غيره»([7]). وعنه|: «إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما تتحات من الشجر ورقها»([8]).

ما أجمل هذه الأيام

إن هذه الأيام جميلة تجعل الروح مزدهرة، والنفس شفافة، والقلب خاشعاً من خشية الله، وإن من أجمل الأعمال فيها التضرع والخشوع لله، والعمل بإخلاص.

لقد ورد في الحديث: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين بكت من خشية الله، وعين بكت على مصيبة أبي عبد الله»([9]).

العين الساهرة في حفظ الأمن واستقرار المجتمع، والعين التي تغض عن محارم الله ولا تفعل الحرام.

كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشـرر

كم نظرة فعلت في قلب صاحبها *** فعل السهام بلا قوس ولا وتر

والمرء مادام ذا عين يقلبها *** في أعين الغير موقوف على خطر

يسـرّ مقلته ما ضرّ مهجته *** لا مرحبا بسـرور عاد بالضـرر([10])

والعين التي تبكي من خشية الله، التي تتوجه إلى الله في هذه الأيام للتزود بالتقوى.

والعين التي تبكي الحسين هي العين التي تسير في خطى أبي عبدلله تدافع عن الإسلام والقرآن والعقيدة وحفظ شريعة سيد المرسلين.

خطبة الرسول|

وقد خطب رسول الله| في آخر جمعة من شعبان مبيناً فضيلة هذا الشهر المبارك: «أيه الناس! قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعواتكم فيه مستجابة…» ([11]).

والحمد لله رب العالمين.

_____________________

([1]) البقرة: 183.

([2]) بحار الأنوار 93: 255 / 33.

([3]) الوافي 15: 39.

([4]) الخصال: 511، باب الثمانية عشر، ح3.

([5]) سنن الترمذي 2: 84 / 653. فقه الطب 8: 12036.

([6]) الأنعام: 79.

([7]) مستدرك الوسائل 11: 244 / 12879.

([8]) بحار الأنوار 67: 393 / 64.

([9]) الخصال: 98 / 46. روضة الواعظين: 450 ولم يرد الشطر الأخير من احديث، نعم ورد في بحار الأنوار 44: 293 / 37 ما يشير إلى ثواب البكاء على الإمام الحسين×.

([10]) تفسير الآلوسي 18: 139. الكبائر (الذهبي): 90.

([11]) عيون أخبار الرضا× 1: 265، ب28، ح53.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الخطيب الملاّ صادق المرهون

المولود (3/8/1345)

وله في ميلاد الإمام الحسين عليه السلام

رمز البطولة سيد الأحرارِ *** ذكراك للأجيال خير منارِ

ما مرّ ذكرى يوم مولدك الذي *** غطّى الفجاج بشعلة الأنوارِ

إلاّ اُقيم له احتفال قيّم *** يعظ القلوب بأطيب التذكارِ

هذي نوادي الاِحتفال بفرحة *** باسم الحسين تصيح في الأقطارِ

ما الفخر إلاّ للحسين فحبّه *** يجري كسير النور في التيّارِ

لا تعتقد قولي غلوّاً إنّما *** هو في الحقيقة ظاهر الأسرارِ

هل سيرة الإحسان تنكر فضل من *** حمل اللواء بموكب الأخطارِ

يحمي عن المبدا القويم بقوله *** «الموت أولى من ركوب العار»

قد خلد الذكر الجميل لدينه *** حقاً فأبرزه بخير إطارِ

فأعاد للشرع الشريف اُصوله *** وشفاه من مرض ومن أضرارِ

حتّى استقام براية خفّاقة *** تدعو بأمر الواحد القهّارِ

يدعوكمُ الدين الحنيف منادياً *** لا تجعلوني عرضة الأخطارِ

إياكمُ الدينَ الدخيلَ فإنه *** خطر سيورثكم دخول النارِ

دع دين (مزدك) في جحيم خالداً *** فهو الأساس لمبدأ الكفّارِ

من يتّبع ديناً سواي فإنما *** يبني البناء على شفير هارِ

فقفوا بجنبي واعملوا في صالحي *** وتمسّكوا بي واقتفوا آثاري

أما الصلاة الخَمس فهي دليلكم *** للدين والإيمان خير شعارِ

فاستشعروا فيها الخشوع لربّكم *** وادعوا دعاء تذلّل وصَغارِ

وتجنبوا عمل الرياء فإنما *** مَثَل الربا في الدين كالمنشارِ

وتزوّدوا التقوى ليوم معادكم *** فهي الغذا كالماء للأشجارِ

وصلوا ذوي الأرحام كي تتنعّموا *** فالقطع يقضي النقص في الأعمارِ

وامشوا على سبل السلام بأمر مع *** روف وردوا رائد الإنكارِ

وتفقهوا في الدين كل حياتكم *** فالجهل يورث ظلمة الأفكارِ

بالعلم خلد بعضُنا أسمائهم *** في صفحة التاريخ خير فخارِ

يتبع…



كشكول الوائلي _ 223

كشكول الوائلي _ 223

رجـع

إذن فكلام القرطبي في هذا المورد مرفوض؛ لأنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يتشرّف بالزهراء وإن كان قد تشرّف برسول اللّه صلى الله عليه وآله، بل الزهراء هي التي تشرفت به. وهو كلام عجيب يثير الاستغراب، وأنا لا أتّهم القرطبي، بل أظن أنّ في الأمر غفلة وقع فيها، فهذا الرجل عقلية ضخمة، وكونه صادرا من هذا الرجل يحملني على حسن الظن به وعدم تهمته، بل أحمله على الغفلة، أمّا أن يصدر من غيره فأنا أتّهمه. ولهذا الكلام نظير، وهو أن معاوية بن أبي سفيان سأل جلساءه يوما، فقال لهم: من أحقّ بالخلافة؟ قالوا: أنت. وهؤلاء بطبيعة الحال لا يمكن أن يعدوا هذا الجواب، أو أن يجيبوا بغيره وإن لم يكن عن قناعة منهم؛ لأنهم صنائعه، فقال لهم: لا، أنا لست الأحقّ بها. فعجبوا من قوله، وقالوا: فمن هو الأحقّ بها إذن؟ قال: علي الأكبر بن ليلى.

وهنا موضع الشاهد؛ حيث إنه نسبه إلى اُمّه بقوله: ابن ليلى، فقالوا له: ولم؟ فقال: لأن فيه زهوَ ثقيف. ذلك أن اُمّه هي ليلى ابنة أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي؛ فهو يلتقي مع المختار بن أبي عبيدة عند جدّهما الرابع من ناحية الاُمّ. وقوله: فيه زهو ثقيف، لأن ثقيفا كانت عندها خصلة الزهو والخيلاء، والاعتزاز بالنفس، والعنفوان.

ثم قال معاوية: وسخاءَ اُميّة. ذلك أن جدّته لاُمّه ليلى هي ميمونة بنت أبي سفيان. ومعنى هذا أنه يريد أن يقول: إننا ورّثناه سخاءنا.

ثم قال: وشجاعةَ هاشم.

ونحن نقول لمعاوية: هذا السخاء الذي نسبه للأمويين من أين ادّعاه؟ هل هو قبل أن يتولّى الخلافة أم بعدها؟ فإن كان قبل الخلافة فليُرجع إلى كتب التفسير في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(1)، فالمفسّرون بصورة عامّة يقولون: إن هند زوجة أبي سفيان جاءت لتبايع، فلمّا فرغت قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل بخيل، فهل عليّ أن اُطعم عيالنا من ماله؟ قال صلى الله عليه وآله: «لا، إلا بالمعروف». أي بقدر الحاجة(2). فمن يبخل على أهله كيف يوّرث غيره السخاء؟ وإن كان بعد أن وصلت إليه الإمارة والسلطة فهو من باب «وهب الأمير ما لا يملك»:

ومن دخل البلاد بغير حرب *** يهون عليه تسليم البلادِ(3)

وهذا البيت ينطبق عليه تماما، وأبسط مثال على ذلك أنّ الأمر وصل به أن أعطى مصر طعمة لعمرو بن العاص بعد أن طلب هذا الأخير منه ذلك، ووقف له قائلاً: ما لي إن شايعتك على أمرك حتى تنال ما تريد؟ قال: حكمك. قال عمرو: اجعل لي مصر طعمة ما دامت لك ولاية. فقال له معاوية: لك مصر طعمة(4).

وهذا الذي يذكره المؤرّخون كافّة. فهل يعدّ كرما أن يمنح بلدا بأكمله إلى شريك له بالإثم والمعصية؟ من أين أتته هذه الصلاحيّة؟ ومن أعطاه خاصية التصرّف هذه؟ فهل ورثه من أبيه؟

والنتيجة أنهم غير معروفين بالسخاء، لكن حينما تسلّموا السلطة وأصبحت أموال المسلمين بأيديهم بدأ التصرّف غير المشروع بها.

وهذا ما لا يمكن أن يُسمى سخاءً بل إنّه سوء تصرّف وعبث بأموال المسلمين؛ لأنّ السخاء أن يعطي الإنسان من كسب يده وعرق جبينه وتعبه، كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام حيث أوقف عينين له احتفر أحدهما بيده، يقول أبو نيزر: كان للإمام علي عليه السلام قطعة أرض يملكها، فجاءني يوما وأنا أقوم بالضيعتين: عين أبي نيزر والبغيبغة فقال: «هل عندك من طعام؟». فقلت: عندنا طعام لا أرضاه لك، قرع من قرع الضيعة صنعته. فقال عليه السلام : «عليّ به». فقام إلى الجدول فغسل يده، ثم أصاب من ذلك الطعام شيئا: ثم رجع إلى الجدول، فغسل يده بالرمل حتى أنقاها، ثم ضم يديه كلّ واحدة إلى اُختها، ثم شرب بهما وقال: «يا أبا نيزر، إن الأكفّ أنظف الآنية».

ثم مسح من ذلك الماء على بطنه وقال: «من أدخله بطنه النار فأبعده الله». ثم أخذ المعول وانحدر إلى العين فأقبل يضرب فيها وأبطأ عليه الماء فخرج وقد تفضّخت جبهته عرقا، فاستشفّ العرق من جبينه ثم أخذ المعول وعاد إلى العين فأقبل يضرب فيها وجعل يهمهم، حتى انثالت كأنها عنق جزور، فخرج مسرعا فقال: «الله أكبر، سيخيب الوارث، اُشهد الله أنها صدقة. عليّ بدواة وصحيفة». فعجّلت بها إليه، فكتب عليه السلام : «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما تصدّق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدّق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على فقراء أهل المدينة وابن السبيل؛ ليقيَ الله وجهي حرّ النار يوم القيامة، ولا تباعا ولا توهبا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين، إلاّ أن يحتاج الحسن أو الحسين فهما طلق لهما ليس لأحد غيرهما»(5).

وهكذا فعل عليه السلام بعيني أبي نيزر والبغيبغة اللتين كانتا يملكهما فقد استنبعهما وأصلح بهما الأرض، ثم أوقف ذلك كلّه على فقراء المسلمين ومساكينهم. وهذا هو السخاء الحقيقي الذي يكون عن عرق الإنسان وكدّه، والذي أوصل أمير المؤمنين عليه السلام إلى أنّه كان يرجع إلى البيت خالي اليد دون أن يحمل معه حاجة لأهله، فقد كان يفرّق جميع ما يحمله معه على بيوت الفقراء ويوزّعه عليهم.

وهاتان العينان دفع فيهما معاوية نفسه مليوني دينار للإمام الحسين عليه السلام حينما ركبه دين، فأبى عليه السلام أن يبيع صدقات أبيه، وقال: «إنما تصدّق بها أبي ليقي الله بها وجهه حرّ النار»(6).

فعطاء أمير المؤمنين عليه السلام هو العطاء؛ لأنّه في شيء سكب عليه عرقه وحازه بكدّه وتعبه، أمّا أن يستولي شخص على أموال الآخرين ويكرم بها غيره فهذا لا يسمى جوادا أو كريما، بل هو مغتصب وفعله ليس جوداً أو سخاءً.

ثم إنّ محاولة معاوية تلك ـ قوله: إنّ الأكبر أحقّ بالخلافة ـ هي محاولة لئيمة وفكرة حقّ يراد بها باطل.. فكرة قد دُسّ السمّ بين ثناياها، فهو يريد أن يصرف الناس عن الإمام الحسين عليه السلام ويلقي حوله ظلالاً من الشك، وإلاّ فإن الحق أن يقول: إن الحسين عليه السلام أحق بها؛ لأنّه يعرف منزلة الحسين ومكانته وأحقيته بالخلافة(7).

إنّ هؤلاء قد عمدوا إلى نفي الحسين عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يمكن أن يصلوا إلى الخلافة في وجود الحسين عليه السلام، فقد ادّعوا أن الحسين عليه السلام إنّما هو ابن علي بن أبي طالب عليه السلام وليس ابن رسول اللّه صلى الله عليه وآله بل هو ابن ابنته الزهراء، وابن البنت ليس ابنا(8). وهذه العملية هي محاولة مفضوحة لتشويه الحقيقة في أعين الناس، وإظهارها أمامهم بمظهر مغاير؛ لأنها محاولة يهدف من ورائها إبعاد نظر الناس عن الإمام الحسين عليه السلام كما قلنا.

يتبع…

___________________

(1) الفتح: 10.

(2) فتح الباري 9: 447، عمدة القاري 16: 284، 21: 19، الإصابة 8: 347، تاريخ مدينة دمشق 70: 177 – 178، وكذلك كتب الحديث، ومنها مارواه كل من أحمد بن حنبل، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم من أن فاطمة بنت قيس جاءت رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: « أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لامال له ».

 انظر: مسند أحمد 6: 412، صحيح مسلم 4: 195، سنن أبي داود 1: 510 / 2284، سنن النسائي 6: 77 – 75.

(3) مجمع الحكم والأمثال ج1 / موضوع الوطن.

(4) تاريخ الطبري 4: 73 – 74، الأخبار الطوال: 158، تاريخ اليعقوبي 2: 186، الغارات 1: 271 – 272، 2: 748، سير أعلام النبلاء 3: 72 – 73.

(5) مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام 2: 81 – 83 / 365، جامع أحاديث الشيعة 19: 110 – 111، معجم ما استعجم 2: 657 660.

(6) المصدر نفسه، وفيها: مئتا ألف دينار.

(7) إن هذا القول يذكّر بمحاولة المأمون إبعاد أمير المؤمنين عليه السلام عن الخلافة وإعطاء الحقّ فيها للحسنين عليهما السلام بعد أن أثبت أفضليته عليه السلام على سائر الخلفاء. العقد الفريد 4: 3616 ـ 3637.

(8) حول موضوع كون ابن الابنة ولدا صلبيّا انظر محاضرة (البناء الاُسري في الإسلام) في ج 4 من موسوعة محاضرات الوائلي.



ضريبة الدفاع

ضريبة الدفاع

إن المرجع الذي سبق السيد السيستاني بستة أو سبعة مراحل (مرجعيات) وهو المجدد الشيرازي صاحب (ثورة التنباك) التي ضرب بها القوة الإقتصادية لبريطانيا العظمى في إيران حتى أوقعها أرضاً.. باُسلوب حضاري فريد ومن خلال كتابة سطر واحد فقط يحكى أنه بعد ذلك النصر الحاسم.. وبينما كانت الجموع تتوافد عليه لتبارك له هذا النصر ولكن المجدد الشيرازي كان يبدو عليه الحزن وعدم الإرتياح.

سأله بعض طلبته المخلصين.. عن سبب هذه الحالة.. فقال متألماً: «في السابق لم يكن العدو يدرك أن مصدر قوة الشيعة هو إلتفافهم حول العلماء وكلمتهم الواحدة.. أما الآن فقد اضطررنا أن نكشف هذا السر ونتصدى للأمور مباشرة.. وبالتالي فقد عرف العدو مصدر قوتنا.. ولن يستسلم دون إضعافه.. فساعد الله العلماء من الآن فصاعداً» وقد تحقق ما تنبأ به السيد المجدد الشيرازي بشكل دقيق جداً.. فالمرجع كاظم اليزدي شنت ضده حملة شعواء.. صدق بها بعض السذج من الشيعة وهم لايرون ما خلف الستار.. والمرجع أبو الحسن الأصفهاني نالته سهام الأقاويل من كل مكان.. والمرجع محسن الحكيم لم يسلم من التشويه لسيرته المشرقة حتى اليوم.. أما المرجع الخوئي فقد فتحت الفضائيات من لندن لأسقاطه وإسقاط منهج النجف من خلاله! وإذا وصل الكلام الى السيد السيستاني.. فالغريب إن الرجل لازالت رايته مرفوعة.. وكان المفترض أن تدفن تحت ركام الدعايات التي تتبناها مؤسسات عملاقة.. لم يسلم منها لاهو ولا أولاده ولا أحفاده ولا أصهاره ولا أعوانه ولا وكلاؤه ولا ولا.

والآن ماذا يحصل بعد فتوى الجهاد المقدسة للسيد السيستاني (دام ظله) هل تظن أن الأعداء يبقوا مكتوفي الأيدي بعد الذي حصل حيث دمرت هذه الفتوة المقدسة كل مخططاتهم الشيطانية لسنوات طوال؟؟ لا لا والف لا: بل حركوا أذرعهم الخبيثة (الحركات المنحرفة) لضرب التقليد وتكفير العلماء ومحاربة الحوزة العلمية. «العلماء غرباء لكثره الجهال» (أمير المؤمنين×)



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{84} الخطيب الملاّ صادق المرهون[1]

المولود (3/8/1345)

هو أخي وابن والدي الخطيب المفوّه، الملاّ صادق ابن العلاّمة الشيخ منصور المرهون. ولد في قرية الدبابية مسقط رأسه ومحل موطنه بالتاريخ المذكور، نشأ محبّاً للخير وأهله، والعلم وذويه، ولا زال يتطلّب ضالّته المنشودة حتّى تحصّل عليها، فهو الآن خطيب ورع يرى نفسه فخوراً بخدمة أهل البيت الطاهر عليهم السلام شأن ذوي العقائد الراسخة. وقد أرسل إليّ قصائده مرفقة بمذكرة هذ نصها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

رغبة في أن أكون من اللاّحقين بشعراء أهل البيت عليهم السلام، راجياً دخولي في زمرتهم؛ نظراً لما اُثر في قولهم عليهم السلام: «من قال فينا بيتاً من الشعر بنى اللّه له بيتاً في الجنة»[2]. وبالختام أتمثّل بقوله تعالى: وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [3].

فليهنأ أخي بهذه الموهبة، سائلاً ربي عز اسمه أن يكثر في رجال المسلمين أمثاله، ويطيل في عمره كثيراً، فلنستمع إليه يقول:

ميلاد الإمام علي عليه السلام

الحق جاء وثَم الباطل انصدعا *** بنور من للوا الإسلام قد رفعا

ورفرفت راية الإسلام مزهرة *** وبلبل المجد بالأفراح قد سجعا

وأشرق الاُفق بالأنوار مبتهجاً *** مرحّباً بوليد أسّس الورعا

يا ساعة فيك وافانا الهنا كمَلاً *** نور الوصي علي بيننا سطعا

على الرخام بجوف الكعبة انحسرت *** سحابة الحجب فيها والدجى انقشعا

بشراك فاطمُ بالمولود حيدرةٍ *** خيراً حملت وخير الناس قد وضعا

إليك منا رسول اللّه‏ تهنئة *** من كل فرد يراكم أنتُمُ الشفعا

بمولد البطل المقدام ناصرك الـ *** ـكميّ أول من صلّى ومن تبعا

بشرى أبا طالب ذا الشبل منك فكن *** به فخوراً ففيه الفخر قد جمعا

ذا أصغر الولد سناً وهو أكبرهم *** فضلاً وأعبدهم حقّاً لمن صنعا

ولتهنَ اُسرتك الغرّاء من مضر *** ذا كاشف الكرب عنها أينما وقعا

والشيعة اليوم في فخر وفي فرح *** كأس الولاية كلّ منه قد جرعا

واحفظ وصاياه واتبعها تعش رجلاً *** بعزةِ الحق والإيمان مدّرعا

واعمل لدينك واحرز للصلاة وللـ *** ـزكاة والصوم واخضع للذي شرعا

واحفظ أخاك بإخلاص بلا سفه *** حقّاً وصدرك بالأخلاق متّسعا

ولا تعش في نفاق أوتقل كذباً *** ولا تكن مقبضاً للمالِ قد جمعا

إياك أن تتّخذ في مال مقترض *** علاوة فالرباءَ الشرعُ قد منعا

لا تظلمن أجيراً أجره وتسر *** بسيرة الجور واحذر يا فتى الطمعا

واستثمر العمر في علم وكن فطناً *** لحفظ مبداك للأحكام متّبعا

كم يرفع العلم أقواماً وإن سفلت *** أحسابهم وعلاهم كان مرتفعا

يا قائد الجيش في بدر وفي اُحد *** والنهروان ومنه القلب ما جزعا

هذا مديحي فكم اُثني عليك وكم *** غيري يقول فكان القول متّسعا

يامنكري الفضل عن شخص أقرّ به *** أتباع عيسى وإبراهيم واليسعا

سل جرج جرداق سل بولس سلامة سل *** (نهج البلاغة) من بالحق قد صدعا

يُنبوك عن رجل خير الصفات حوى *** زهداً وتقوى لعلم اللّه‏ خير وعا

يا حامي الجار هذا المدح فيك أتى *** من (صادق) الودّ فيكم بالولا رضعا

يتبع…

________________

[1] توفي رحمه الله في 14 / 9 / 1424 ه.

[2] عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 15 / 2، بشارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: 324 / 4.

[3] يوسف: 88.



Real Time Web Analytics