كشكول الوائلي _ 194

كشكول الوائلي _ 194

خطأ نظرية عدم الزواج من زوجة الربيب

وهذا العرف الجاهلي كان سائدا وهو تصوّر مخطوء من وجهين:

الأوّل: أن من الممكن أن تبقى هذه المرأة معطّلة، وربما انحرفت سيّما إن كانت لا تزال شابة.

الثاني: أنه يشمّ منه رائحة التمييز. فالمعتِق يظل على نظرته إلى هذا الربيب على أنه رقّ ليس بمستواه، وأن زوجته مثله، أو أن الزواج من زوجته ولو كانت حرّة يهبط به عن مستواه إلى مستوى الربيب، وهذا ما لا ينبغي أن يكون من حرّ على رأيهم ووجهة نظرهم.

إنّ هذا المولى لم يخلقه اللّه تعالى كذلك، بل إنّه أصبح كذلك لظرف طارئ مرّ به، وقد انتهى هذا الظرف وعاد إلى حريته، فما معنى هذا اللون من التميّز، وهذا التصرّف؟ إن المفروض أننا مجتمع القرآن وأننا نتبع أخلاق القرآن وتعاليمه،وهو يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1) فهذا هو الشعار الذي رفعه القرآن، والذي يجب أن يكون شعار المجتمع القرآني.

فرسول اللّه صلى الله عليه وآله أراد أن يكسر هذا العرف الجاهلي، وإلاّ فإنّه صلى الله عليه وآله كان بإمكانه ومقدوره أن يتزوّج منها قبل أن يزوّجها من زيد. ثم إنّ المطلّقة ليست دائما مخدوشة، فقد تطلّق المرأة لأ نّها لم تنسجم مع زوجها في حياتها الزوجية، وليس بالضرورة أن تكون سيئة أو مخدوشة، ومجرّد عدم التناغم والانسجام في بيت الزوجية لا يخرجها عن كونها امرأة ذات أدب أو عفّة، وهذا ما يجعل الزواج منها ثانية أمرا ممكنا لا عيب فيه. بل ربما يكون الزوج نفسه سيّئ الأخلاق والسيرة، أو أنه لا ينفق عليها؛ مما يلجئ الزوجة إلى طلب الطلاق منه.

ورسول اللّه صلى الله عليه وآله كان بوسعه أن يتزوّج من أي فتاة من أشراف العرب يشاء، ويخطب إلى أي بيت من بيوتاتهم، لكن جلّ نسائه صلى الله عليه وآله كنّ إما أرامل أو مطلّقات، ولذا فهو صلى الله عليه وآله لجأ إلى مثل هذا اللون من الزواج لأ نّه صلى الله عليه وآله يريد أن يضرب هذه القاعدة الجاهلية، ويكسر هذا العرف الجاهلي الذي كان من ضمن موروثات جاهلية تنخر في جسد المجتمع، وأن يقضي عليها. إنّه صلى الله عليه وآله إنما جاء ليرفع مستوى الأخلاق عند الناس، وليس من الخلق أن تترك المرأة تتعذب لمجرد وجود مثل هذا الوهم الجاهلي الذي يعشعش في أذهان الناس، وهذا الوهم هو أ نّها مطلقة، مع أنها ربما طلقت لسبب معقول ووجيه كما ذكرنا. ومن كانت قد طلقت لمثل هذا السبب هل من الخلق الإسلامي أن تبقى رهينة البيت وسجينة ضمن نطاق العادات والتقاليد الجاهلية، والتمثّلات الجمعيّة؟

فالإمام السجاد عليه السلام أجابهم بأن هدف الرسول صلى الله عليه وآله هو كسر هذا العرف المقيت الذي ليس له أي موجب أبدا؛ ولذا فإنه أقدم على الزواج من زينب ابنة جحش.

الثالث: حول مسألة الجمع بين الصلاتين

وهي من المسائل المعاصرة أيضا؛ إذ أنّ زمانها يمتد مع امتداد وجودها ووجوبها. دخل عليه رجل يوما فسأله: لماذا تأمر الصبيان بأن يجمعوا بين صلاتي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؟ فقال عليه السلام : «ما داموا على وضوء قبل أن يشتغلوا ». ويقول عليه السلام: «هو خير من أن يناموا عنها»(2).

فهذه رخصة، واللّه تعالى يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه، والرسول صلى الله عليه وآله كان يجمع بين الصلاتين من غير عذر وفي غير السفر والمطر. ومن أحب أن يرى ذلك فليرجع إلى (المنتخب) لابن تيمية، و(المبسوط)(3) للسرخسي وكتب اُخرى(4) في هذا المجال(5) مؤلّفة خصّيصا لهذا الغرض (الجمع بين الصلاتين). فالإمام عليه السلام حينما أصّل الجمع؛ فلأ نّه عليه السلام كان يرى أن يخفّف عن المسلمين ويهوّن الأمر عليهم(6) ويقربهم إلى الطاعة أكثر، فالإنسان قد يصيبه الفتور أيام المطر أو الحرّ أو غير ذلك عن التوجّه إلى المسجد خمس مرّات في اليوم. إضافة إلى ذلك أن هذا الجمع كما قلنا ليس ببدعة وإنّما هو رخصة من الله الذي أباح لنا ذلك. وقد صرّح القرآن الكريم بذلك حينما قال: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِن قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (7).

فالقرآن الكريم في هذه الآية ينصّ على ثلاثة أوقات، وكذلك السنة النبويّة المطهّرة، وقد جمع النبي صلى الله عليه وآله كذلك، وهذه سنّة عملية. ومع كل هذا نجد الآن من ينبز بقوله: لماذا يجمع هؤلاء؟ وأحيانا يتعدّى الأمرُ النبز إلى الألفاظ الجارحة. وهذا التصرّف لايعدّ مزاجا فقهيا أو نمطا علميّا، بل هو نمط بعيد عنهما ومزاج مجافٍ لهما تماما؛ لأ نّه يحمل روح التحامل والمكابرة أمام الدليل. يقول السرخسي في (المبسوط): إنّ أحمد بن حنبل نفسه كان يجمع، وكذلك حال جماعة من الفقهاء على مرّ العصور، وغاية ما في الأمر أن التفريق أفضل. ونحن ليس عندنا جمع حقيقي وإنما هو جمع صوري، بمعنى أنّ هناك فترة فاصلة بين الصلاتين تتخلّلهما، تفرّق بين فرض وآخر، وهذه الفترة يقع فيها الدعاء والتسبيح والذكر، ثم بعد ذلك يقوم المصلّي إلى فرضه الثاني.

فكان الإمام عليه السلام بجلوسه في مسجد جدّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يتصدّى لغرس العلم في نفوس الناس.

يتبع…

________________

(1) الحجرات: 13.

(2) الكافي 3: 409 / 2، قرب الأسناد: 23 / 77، المصنّف (ابن أبي شيبة) 1: 303 / 14، أحكام القرآن 3: 430.

(3) المبسوط 1: 149 – 150.

(4) المغني 2: 120 ـ 121.

(5) قد مرّ كل ذلك في ج5 ص 199 / المبحث الثالث من موسوعة محاضرات الوائلي.

(6) قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله: «جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء». الانتصار 9: 407، ذخيرة المعاد 1: 97 ( حجري ).

(7) الإسراء: 78.



ثلاثة أشخاص مختلف في حضورهم كربلاء

ثلاثة أشخاص مختلف في حضورهم كربلاء

هناكَ ثلاثةُ أشخاصٍ اختلف المؤرِّخون بشأنهم مِن حيث مشاركتهم في كربلاء في نُصرة سيد الشُّهداء، فبعضُ المؤرِّخين يرى أنهم حضروا كربلاء وبعض المؤرِّخين يرى أنهم لم يحضروا وكذلك اختلفوا في شهادتهم من عدمها وهم:

١) عُمَرُ بنُ الإمام الحسن×.

٢) مسلم بن رباح.

٣) علي بن عثمان المغربي.

١) عُمَر بن الإمام الحسن المجتبى: وقد ذكر المؤرِّخون عدَّة أمورٍ حول شخصيته:

بعضهم ذكر أنَّ اسمه عمرو، وبعضهم عدَّه مِن أولاد الإمام الحسين×، ولكنَّ المشهور أنَّه من أولاد الإمام الحسن المجتبى×.

وبالنسبة إلى حضوره في كربلاء ومشاركته في المعركة فهناك قولان وهما ما يلي:

القول الأول: أنَّه حضر واقعة كربلاء وكان صغيرًا واستشهد يوم عاشوراء وهذا القول ذكره الخوارزمي في مقتله.

القول الثاني: أنَّه مشكوكٌ في استشهاده، وهذا القول ذكره ابن شهراشوب في مناقبه.

ولكنَّ المؤرخين اتفقوا على أنَّه أُخِذَ أسيرًا مع السبايا، فقد جاء في مقاتل الطالبيين: «أخذوا أهل بيت الحسين أسرى، وكان فيهم عمر وزيد والحسن من أولاد الحسن».

وروى الطبري في تاريخه قائلا: «عندما كانت السبايا في الشام نادى يزيدُ بن معاوية عمرَ بن الحسن وكان ولدًا صغيرًا فقال له: أتقاتل ابني خالدًا؟ فقال: لا ولكن أعطني سكِّينًا وأعطه سكِّينًا فقال يزيدُ: هذا ديدنهم ودأبهم كما أنَّ الحيَّة لا تلدُ إلا حيية».

٢) مسلم بن رباح: نقل المؤرخون كابن عساكر في تاريخه والذَّهبي في سِيَرِهِ وأبو الفرج الأصفهاني في مقاتله فقالوا: «أنَّ مسلمَ بن رباح مِمَّن حضر كربلاء مع الإمام الحسين بن علي× وكانت وظيفته أنَّه يُعين الإمام السجاد× في مرضه».

وبعضهم شكَّك في حضوره إلى كربلاء.

٣) علي بن عثمان المغربي: قال الشيخ الصدوق رحمه الله في الإكمال: «إنَّ عليَّ بن عثمان المغربي من موالي علي بن أبي طالب×».

واختلفوا من حيث انَّه استشهد أم لم يُستشهد، وبعضهم شكَّك في حضوره إلى كربلاء.

مصدر ما ذكرناه أعلاه كما يلي:

(١)(كتاب الثقات لابن حبان ج٢ ص٣١١)

(٢)(كتاب المناقب لابن شهراشوب ج٣ ص٢٥٩)

(٣)(كتاب تاريخ اليعقوبي ج٢ ص٢٢٨)

(٤)(كتاب مقتل الخوارزمي ج٢ص٤٨)

(٥)(كتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب المازندراني ج٣ ص٢٥٩)

(٦)(مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص١١٩)

(٧)(تاريخ ابن عساكر الحاشية ص٢٢٩)

(٨)(سِيَر أعلام النُّبلاء للذهبي ج٣ ص٣٠٣)

حسين آل إسماعيل



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

السيّد جعفر الماجد

المتولّد (24/6/1333)

ويقول في رثاء أمير المؤمنين عليه السلام:

كفاك فخراً عظيماً يا أبا الشهدا *** أن جدت بالنفس من دون النبي فدا

بذلتها في سبيل اللّه خالصة *** لم تخشَ موتاً ولم ترضَ الهوان رِدا

فكم بها جدت في هيجاء معركة *** ظلّ الشجاع بها حيران منكمدا

كم قمت بالسيف كشافاً لكربتها *** مشمّراً وبحول اللّه معتضدا

لولاك ما عرف المعبود عابده *** لولا حسامك فالمعبود ما عبدا

لولاك ما رفعت للدين رايته *** لولا حسامك فالإسلام ما وجدا

لولاك نال اُولو الأحقاد قصدهُمُ *** لولا حسامك نال البغي ما قصدا

لولاك أمسى عرا الإسلام منفصما *** لولا حسامك أمسى الحق مضطهدا

إذن فأركان هذا الدين مابنيت *** إلاّ بكفك يا من خلتها رشدا

كم آية لك أبهرت العقول بها *** أجلى من الشمس لا إخفا لها أبدا

كم حاولت سترها الأقوام واجتهدوا *** فعاد كل حسيراً لن يصيب هدى

ومعجزاتك ما بين الورى ظهرت *** لن يستطيع لها كتابها عددا

لكن أقول وقلبي ملؤه عجب *** كيف استطاع المرادي فيك ما قصدا

كيف استطاع بأن يعلو بصارمه *** منك الجبين فتقضي يا أبا الشهدا

يتبع…



كشكول الوائلي _ 193

كشكول الوائلي _ 193

نشاطات الإمام السجاد عليه السلام قبل واقعة الطف

واستمرّ الحال هذا إلى أن لحق الإمام الحسن عليه السلام بالرفيق الأعلى، وكانت الأحداث بين رحيله عليه السلام وواقعة الطف متتالية حافلة بالكثير من الممارسات والأعمال غير المشروعة على الرغم من أ نّها كانت عشر سنين فقط. لقد كانت فترة مشحونة، غير أني أودّ أن اُشير إلى نقطة هامّة هي أن كل من كتب وألّف حول الإمام السّجاد عليه السلام لم يسلّط الأضواء كافية على الفترة التي عاشها قبل واقعة الطف، والتي تبلغ اثنين وعشرين عاما. وهنا اُمور عدّة حول نشاطاته عليه السلام، أرغب في أن اُشير إليها في هذ المجال؛ حيث إنّه عليه السلام بعد بلوغه الثانية عشرة من عمره اُنيطت به مهامّ عدّة في أداء رسالته، وهذه المهام تتوزّع بين عدّة أعمال:

الأوّل: النشاط العلمي

فبعد أن ترعرع الإمام عليه السلام عقد له مجلسا في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وآله، فكان يجلس هناك للفتوى. ويلاحظ أنّ هذا الأمر لم يقتصر على فترة ما قبل الطف، بل إن هذا النشاط استمرّ مع الإمام عليه السلام حتى انتقاله إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر. فالذي نريد إثباته هنا أنّ بدايته كانت في تلك السنّ المبكّرة، وهذا الدور الذي اُنيط به عليه السلام لم يتوقف عند هذه الفترة، بل استمرّ معه حتى بعد أن ازدحمت الأحداث عليه سيّما إبّان فترة إمامته، فلم ينقطع عن مجلسه في مسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ولا عن نقاشاته العلمية ومحاجّاته وإفتاءاته.

نماذج من محاجّاته عليه السلام

وسأنقل هنا بعض احتجاجاته على من اعترض عليه في أمور كثيرة، ومنها:

الأوّل: حول قول أمير المؤمنين عليه السلام : «إخواننا بغوا علينا»

دخل رجل على زين العابدين عليه السلام فقال: هل تستطيع أن تخبرني كيف قتل أبوك المؤمنين الذين هم إخوانه في الله؟ فبكى علي بن الحسين ثم مسح عينيه وقال: «ويلك، كيف قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟». قال: لما سألوه عن أهل الجمل: هل نقول عنهم إنهم كفرة؟ فقال: «معاذ الله إنهم قوم يصلّون». فقيل: فماذا نقول؟ قال: «إخواننا قد بغوا علينا، فقاتلناهم على بغيهم». فهو نفسه يعترف بأنهم إخوانه، فكيف قاتلهم؟

وهنا يجد الإمام عليه السلام نفسه أمام واقع منحرف يجب تصحيحه، وأمام مغرّر به ينبغي أن يصحّح له فكره هذا؛ لأن البعض يتعامل مع الاُمور بشكل حرفي، فيأخذ جانبا واحدا من جوانب المسألة فقط دون أن يستوعبها كاملة، فقال عليه السلام له: «ويلك أما تقرأ القرآن؟». قال: بلى. قال: «فقد قال اللّه: وَإلَى مَدْيَنَ أخَاهُمْ شُعَيْبا، وإلى ثمود أخاهم صالحاً، فكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم؟». أي أنه عليه السلام يريد أن يقول له: إن أهل مدين كفرة وشعيبا نبيٌّ، وكذلك ثمود، فكيف عبّر عنهم بأنهم إخوة مع ما هم عليه من ضلال؟ فقال له الرجل: لا بل في عشيرتهم؟ فقال عليه السلام : «فهوءلاء إخوانهم في عشيرتهم، وليسوا إخوانهم في دينهم».

واُلفت نظرك إلى أن القرآن الكريم يعبّر دائما عن الأنبياء عليهم السلام بأنهم إخوان قومهم. فقال له ذلك الرجل: فرّجت عني فرجّ اللّه عنك (1).

الثاني: حول زواج النبي صلى الله عليه وآله من زينب ابنة جحش

وكمثال آخر على نشاطاته العلميّة سأله أحد المسلمين قائلاً: لماذا أقدم جدّك رسول اللّه صلى الله عليه وآله على الزواج من زينب بنت جحش؟ هل كان يعشقها، وكان يخفي ذلك في نفسه؟ فأجابه الإمام عليه السلام : «إن الذي أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيداً سيطلّقها. فلمّا جاء زيد وقال له: اُريد أن اُطلّق زينب. قال له صلى الله عليه وآله: أمسك عليك زوجك. فقال سبحانه: لم قلت: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا: حاجة بحيث ملّها ولم يبقَ له فيها حاجة وطلّقها، وانقضت عدّتها زَوَّجْنَاكَهَا»(2).

فهو عليه السلام يقول له: إن هذه ابنة عمّته وهو يعرفها، ولو أراد أن يتزوّجها لفعل، ولكن الرسول أراد أن يكسر بها عرفا جاهليّا وهو مسألة التبنّي، إذ كان العرب إذا تبنّى أحدهم أحدا فإنه يورّثه، وهذا المتبنّى لو تزوّج فإن متبنّيه لا يتزوّج من زوجته فيما لو توفّي.

إنّ زينب ابنة عمة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وكانت تعيش معه في البيت، ولو أنّ هناك أمراً خلاف ما أراده القرآن كان قد حصل لما زوّجها رسول اللّه من متبنّاه زيد. وهذا المعنى هو الذي حاول المستشرقون أن يصوروا عبره قصة غرام بين رسول اللّه صلى الله عليه وآله وزينب ابنة جحش، وهؤلاء طبعا لهم هدف واضح وسيّئ هو الطعن بالرسالة والنبوّة وبشخص النبيّ صلى الله عليه وآله نفسه، وإخضاعه إلى مستوى الناس العاديّين. في حين أنّ حقيقة الأمر غير ذلك، فالعرب كانوا لا يرون الزواج من زوجة الربيب أو المتبنّى ويأنفون منه؛ فكانوا إذا أعتق أحدهم عبدا فإن الولاء عندهم يبقى للمعتِق؛ ولذا فهم يأنفون من زواج المعتِق من مطلقة المعتَق أو أرملته، ويعدّونه عارا.

يتبع…

_______________

(1) تفسير العياشي 2: 20 / 53.

(2) التفسير الصافي 4: 191.



صباح الخيرات

صباح الخيرات

لا تترك الشكر فتُحرَم الزيادة

‏﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

‏ولا تترك ذكر الله فتُحرمَ ذِكر الله لكَ

‏﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

‏ولا تترك الدعاء فتُحرم الاستجابة

‏﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

‏ولا تترك الاستغفار فتُحرم النجاة

‏﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

{72} السيّد جعفر الماجد[1]

المتولّد (24/6/1333)

هو السيّد جعفر السيّد أحمد السيّد ماجد السيّد حسين السيّد هاشم بن علوي، المتولّد يوم الثلاثاء بالتاريخ المذكور من أبوين كريمين قاما بتربيته خير قيام، عاقدين عليه أكبر الآمال؛ إذ لم يكن لهما غيره سوى بنت أكبر منه بكثير. شب مترجمنا محباً للعلم وذويه؛ لذا فقد تحصل منه على ما عُدّ به من طلبة العلم، حيث تلمذ على جماعة من أهل الفضل كوالدنا المغفور له، والشيخ علي السويكت وأمثالهما. ومما يؤسِف أن ظروفه المادية لم تساعده على مواصلة الدراسة، فامتهن التجارة مدة، ثم التحق بالوظائف الحكومية ابتداء من عام (1364)، ولا يزال بها حتّى الآن. وكان يقول الشعر باللغتين الفصحى والدارجة، وله فيهما آثار جميلة. ومن أدبه الفصيح في أهل البيت عليهم السلام قوله:

في مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

هنيئاً لأرضك يا مكة *** فقد حل نجمك برج السعَدْ

علوت فخاراً ونلت السرور *** فلا مثلك اليوم يدعى أحدْ

ولا مثل أحمد وافى الوجود *** ولا مثل مكة كانت بلدْ

لها قصب السبق من ربنا *** بها البيت صيره مقتصدْ

تحثّ الحجيج له ظعنها *** ويأتيه من كل فج مددْ

وأنت نشأت ببحبوحها *** صبياً وربيت فيها ولدْ

وهاجرت منها إلى طيبة *** غداة أبانت قريش الحسدْ

بعثت نبياً لهذا الورى *** فكل الورى نال فيك الرشدْ

فقمت بعزمك تدعو الأنام *** إلى الدين حتّى استقام الإودْ

أضاء بطلعتك النيّران *** وزهرة والمشتري والأسدْ

تجلببت درعاً من الصبر لا *** يرام وضيقت منه الزردْ

وجاهدت في اللّه لا جازعاً *** ولا خائفاً سيدي من أحدْ

فدتك نفوس تودّ البقا *** لأن بقاءك فيه الأودْ

عذرت حسودك مذ عاينت *** صفاتك عيناي يا معتمدْ

فإن يحسدوك فلا بدعة *** ذوو الفضل حسادهم لا تعدْ

نُصرت بخير الورى المرتضى *** أبي حسن فضله لا يعدْ

أبا حسن يا مثير العجاج *** إذا شمِل الفرقتين العددْ

أعنت النبي وساعدته *** وعن وجهه كم فككت العقدْ

إلى أن أقمت لدين الإله *** بماضيك أركانه والعمدْ

فكم لك من معجزات عظام *** ملأت الفجاج بها لا تعدْ

أ لست الهزبر بيوم الجلادِ *** أما أنت قاتل عمرو بن ودْ

وزلزلت من خيبر حصنها *** وجدّلت مرحبها في الوهدْ

يتبع…

_________________

[1] توفي رحمه الله في 22 / 9 / 1411 ه.



كشكول الوائلي _ 192

كشكول الوائلي _ 192

المبحث السادس: زهده عليه السلام في الدنيا

لقد كان كل رصيده من الدنيا التي كانت تتكدّس بين يديه حين وفاته عليه السلام سبعمئة درهم أراد أن يشتري بها خادما لأهله؛ لتعينهم على اُمور الطحن وأعمال البيت، فعاجلته الشهادة(1).

فلم تصرعه البيضاء والصفراء، وكان ينظر إليها نظرةَ من يعافها ويزدريها، وكل ما كان يشغله فم جائع يحسّه قريبا منه وإن كان يسير على البعد منه، فهو يحسّه يخاطبه بقوله: إنك مسؤول عن جوعي. لقد سمعناه يصغي لأنّات المظلومين في شرق الأرض وغربها، ويقول: «اللهم اشهد على علي بن أبي طالب فقد أدّى إلى عبادك حقوقهم». وكان يتمثّل دائما بقوله:

 هذا جناي وخياره فيه *** إذ كل جانٍ يده إلى فيه(2)

فكان عليه السلام يذود عنه الذهب والفضة، ويتحاشاهما:

 ما سرّه أن يرى الدنيا له ذهبا *** وفي البلاد قلوب شفّها السغبُ(3)

وكان عليه السلام يقول: «يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم»(4) وكان عليه السلام يأكل العجوة والخل ويلبس لباس المساكين، فكان رصيده من الدنيا أن سجدت هي على أبوابه وأعتابه:

إن بيتا أضلاعُه من جريد النـ *** ـخل والسقفُ والفراشُ حصيرُ

سجد النجم فوق رملته السمـ *** ـراءِ واستشرفت مداه العصورُ

المبحث السابع: جزاؤه عليه السلام في الدنيا

فحسبك أبا تراب أنك أخذت قلوبا من الناس فسكنتها، وحللت بمشاعرهم،وما يقدم الذهب والفضة وما يؤخران؛ سواء كانا لك أم لغيرك؟

لقد كان رصيده من العواطف لا حدود له، فقد امتلك قلوب المؤمنين كما ذكرنا، وهذا ما يشهد له قول النبي صلى الله عليه وآله: «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(5)، وقوله صلى الله عليه وآله له كذلك: «إن الله عزّ وجلّ رسّخ حبي في قلوب المؤمنين وكذلك رسّخ حبّك يا علي في قلوب المؤمنين، ورسّخ بغضي وبغضك في قلوب المنافقين؛ فلا يحبّك إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضك إلاّ منافق كافر»(6).

فيامن سكنت إليك قلوب المؤمنين، إنّ القلوب لتتقرّح عليك أسىً وهي تحسّ بأنك في مثل هذه الليلة قد اشتدّت بك العلّة، وسرى السم في بدنك، وعلت الصفرة وجهك الشريف، وهدأ الصوت الهادر، وخلا المحراب من فارسه المصلّي ليله ونهاره، وإن العيون لتدمع لعينيك وقد غارتا، تلكما العينان اللتان كانتا تبكيان من خشية اللّه تعالى وتقرّحتا وسهرتا في سبيله حتى ذبلتا. يقول سويد بن غفلة: دخلت ومعي نفر من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ومنهم الأصبغ إلى داره بعد إصابته، فسمعنا البكاء والنحيب من داخل الدار، فما استطعنا أن نسكت، وعلا نحيبنا، فخرج الإمام الحسن عليه السلام إلينا وقال: «إن أمير المؤمنين يقول لكم: انصرفوا وارجعوا».

يقول الأصبغ: فرجع الناس إلاّ أنا لم تطاوعني قدماي، فرجع الإمام الحسن عليه السلام وقال: «ألم أقل لكم: ارجعوا؟». فقلت: سيدي، واللّه لا تطاوعني قدماي. قال: «ادخل». فدخلت، ولمّا وقع بصري على أمير المؤمنين عليه السلام رأيت رأسه وقد عُصب بعصابة صفراء، واللّه ما أدري أوجهه أشدّ اصفرارا أم العصابة، فبكيت عند ذلك فالتفت إليَّ أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «يا أصبغ لا تبكِ، إنها واللّه الجنّة». قلت: سيدي، أنا أعلم أنها الجنّة ولكني أبكي لفراقك. ثم دخل عمرو بن الحمق الخزاعي فقال له: إن هذه الضربة مخدشة، وليست أعظم من ضربة عمرو بن ودّ العامري. فقال أمير المؤمنين عليه السلام : «إني مفارقكم وراحل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله». عند ذلك سمعت النساء، وعلت أصواتهن بالبكاء واشتدّ ضجيجهن(7).

يتبع…

____________________

(1) الإمامة والسياسة 1: 162، الفتوح (ابن أعثم) 4: 146، الاستيعاب (هامش الإصابة) 3: 48، تاريخ الإسلام 2: 207. وقد أمر عليه السلام بردّه إلى بيت المال بعد وفاته كما في الفتوح 4: 146.

(2) الأمالي (الصدوق): 257 / 440، الفائق في غريب الحديث 3: 175.

(3) البيت للشيخ عبد المهدي مطر. من مواليد النجف الأشرف سنة (1900) م، وكان عضوا عاملاً في جمعية منتدى النشر في النجف منذ إنشائها. تولّى تدريس النحو في كلّيّة الفقه. أعيان الشيعة 1: 558، مستدركات أعيان الشيعة 1: 112 – 113.

(4) نهج البلاغة / الحكمة: 241.

(5) مسند أحمد 1: 95، 128، الجامع الصحيح (سنن الترمذي) 5: 306، كنز العمّال 11: 598 / 32878.

(6) الخصال: 577.

(7) الأنوار العلوية: 382.



ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم وولادة الإمام الصادق عليه السلام

ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم وولادة الإمام الصادق عليه السلام

نبارك لكم وللأمة الإسلامية ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم وولادة الإمام الصادق عليه السلام

وبهذه المناسبة نذكر سطور من كلماتهما النورانية:

قال رسول الله|:

إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم.

بحار الأنوار 71: 373.

من أدی إلی اُمتي حدیثاً یقام به سنةٌ أو یثلم به بدعةٌ فله الجنة.

میزان الحکمة، ح 3340‍.

أعلم النّاس من جمع علّم النّاس إلی علمه.

نهج الفصاحة: 69  / 360.

ليس من حب الدنيا طلب ما يصلحك.

كنز العمّال: ح5339.

من قتل دون ماله فهو شهيدٌ.

دعائم الإسلام 1: 398.

وقال الإمام جعفر الصادق×:

من أنصف النّاس من نفسه رضي به حكماً لغيره.

الكافي 2: 146.

إذا كان الزّمان زمان جورٍ و أهله أهل غدرٍ فالطّمأنينة إلى كلّ أحدٍ عجزٌ.

تحف العقول: 357.

إذا أضيف البلاء إلى البلاء كان من البلاء عافيةٌ.

تحف العقول: 357.

إذا أردت أن تعلم صحّة ما عند أخيك فأغضبه فإن ثبت لك على المودّة فهو أخوك وإلّا فلا.

تحف العقول: 357.



شعراء القطيف (المرهون)

شعراء القطيف (المرهون)

الشيخ عبد الحميد الخطي

المتولّد (5/9/1332) ه

وله تحت عنوان:

أو المواكب الحسينية

لمن المواكب كالضحى تتهادى *** نشرت على الوادي السني أعلاما

يحدو بها الروح الأمين فتنثني *** تستنشق الآمال والأحلاما

وترفّ ألوية الجلالة فوقها *** أرأيت جنح النسر حين تسامى

وزها بها الوادي الجديب ونورت *** تلك السفوح شقائقاً وخزامى

خفت تودعه القلوب خوافقاً *** إذ ودعت فيه الرجا البسّاما

زمراً سراة الحيّ تهرع نحوه *** وتحثّ بين ضلوعها الآلاما

فالحجر يرجف والمقام مروع *** والوحي شاطر في الأسى الإلهاما

والكعبة العصماء حائلة البها *** وكسا الحطيم كآبة وظلاما

وسرى يلف أباطحاً بأباطح *** يطوي النجود وينشر الآكاما

وتحوطه من نش‏ء هاشم نخبة *** كلاّ تراه الأروع المقداما

من كلّ وضاح لاُسرة أصيد *** تعطيك غرّته الهلال تماما

فيداه يوم الروع تنطف بالدما *** ولدى القرى تستمطر الإنعاما

من مهبط الوحي استقلّ ركابه *** وعلى مفارق كربلاء أقاما

فإذا النسور ذرا الخيام وكورها *** وفناؤهم للجود صار مقاما

وإذا دجا ليل فنار قراهُمُ *** شعّاعة كشفوا بها الإظلاما

يستقبلون ضيوفهم بطلاقة *** الغامرون ضيوفهم إكراما

ضربوا على هام السماك خيامهم *** حلّوا من الشرف الرفيع سناما

لم يلبثوا حتّى أطلّ عليهُمُ *** لجب يواري السهل والأعلاما

أدمى أديم الأرض وقع جياده *** وأمال شمّ الراسيات رماما

واستشعر الوادي المروع برجفة *** والماء جفّ وكان قبل رماما

والجرد تصهل والسيوف بوارق *** ومن الأسنّة أطلعوا الأجراما

يادمعة الحوراء حين تطلعت *** ترنو الفضاء فشاهدته ركاما

فرأت عنان الجيد واهية القوى *** ورأت حسيناً يصلح الصمصاما

هتفت أتصلح للمنون حساما *** وا ضيعتاه أرامل ويتامى

ارجع اُخيَ بنا لموطن جدنا *** فأجاب لو ترك الحمام لناما

وعلى الحسام قد اتّكا ما بينهم *** يستنصت الآحاد والأحزاما

إيه بني كوفان أي دم لكم *** عندي أم استحللت قبل حراما

يا أيها الأجلاف حسبكمُ انزعوا *** ثوب المذلّة كفروا الآثاما

هلا أفقتم من كرى طغيانكم *** فيكم شياطين الضلال ترامى

سحقاً وبعداً للذين عقولهم *** صغرت وعن نور الرشاد تعامى

بالأمس مثل المزن تترى كتبكم *** لم نرضَ غيرك راعياً وإماما

أسرع فإن الأرض خالية الربى *** وإليك أعددنا الخميس لهاما

أين المواثيق التي سلفت لكم *** أبني النفاق نقضتُم الأقساما

أم هل سواي ابن لبنت نبيكم *** تاللّه لن تجدوا سواي عصاما

هب أنكم لم تقدروا شرف الهدى *** فارعوا عوائد فيكم وذماما

تبّاً لكم أفتأملون بأنني *** اُلقي إلى الطاغي الأثيم زماما

قد شرعت سنن الإبا آباؤنا *** أ أنا اُقاد إليكمُ استسلاما

سأثيرها شعواء يبقى صيتها *** ويطبّق الأجيال والأعواما

أستعذب الموت الزؤام إلى العلا *** شرفي أبى أن أحمل الإرغاما

إما الحياة كما أروم أو الفنا *** من يقضِ حيث العز عاش دواما

لا خير في عيش يذل به الفتى *** فاربأ بنفسك أن تعيش مضاما

بدمي سأرفع للرشاد كيانه *** وبه أدك من الضلال دعاما

فتصامموا عن وعظه واستبدلوا *** رجع الجواب أسنة وسهاما

ومضى يثير إلى الوغى أبناءها *** من كان عندهُمُ الكفاح غراما

فتواثبوا من دونهم أسد الشرى *** بستمطرون من السيوف حماما

دكوا الهضاب على السهول وضيقوا *** سعة الفضاء وحطموا الأقراما

عامت بتيار النجيع خيولهم *** مثل السفائن تمخر القمقاما

جذعوا عرانين الطغاة بموقف *** للحشر يبقى باسمهم يتسامى

هم حللوا سكب النفوس على الظبا *** وعلى سواها شرعوه حراما

وقضوا كراماً تحت ظل لوائها *** فلذلك احتلّوا الخلود مقاما

فليفخر التاريخ في ذكراهُمُ *** هم شرفوا التاريخ والأقلاما

للّه فرد في قواه كتائب *** وبكفّه صحب الحسام حساما

إن يقحم الهيجاء ترتجف السما *** والكون يوشك يستحيل ضراما

يسقي الرمال الصاديات دم الطلا *** والسمر يطعمها الكلى والهاما

وترى تهافتها على شفراته *** مثل الفراش على الذبالة حاما

للّه موقفه الرهيب بكربلا *** تجثو القرون لذكره إعظاما

وبجبهة التاريخ شعّ سناؤه *** وتحلّت الأيّام منه وساما

للّه يوم الطفّ كم عِبرٌ به *** مطوية قد أعيت الأفهاما

شهداؤه قد عبّدوا سنن الفدا *** فوضعت خلف خطاهم الأقداما

هم مشعل النزّاع في طلب العلا *** ويضلّ من ليسوا إليه إماما

هل منهُمُ ذو نخوة عربية *** قعساء تصرع في الثرى الضرغاما

شادوا قبابهُمُ تلول رمالهم *** واستبدلوا عوض الرياش رغاما

قصد الصفائح والقنا إكليلهم *** وعليهُمُ ضربوا الإباء خياما

يترشّفون من الدماء كؤوسهم *** هل بلّ للصادي العبيط اُواما

عجباً وإن الدهر سفر عجائب *** إن الذنابى يعتلين قداما

سر العلي تقاذف البيدا به *** ويزيد سام المسلمين لجاما



كشكول الوائلي _ 191

كشكول الوائلي _ 191

محاولات طمس فضائله عليه السلام

لكنه عليه السلام لم يسلم من أقلام السوء المأجورة وهي تحاول أن تغطّي ذلك النور المنبثق من القرآن الكريم بحقّه، وكل ذلك تحت رعاية ونظر الاُمويّين والعباسيّين الذين حاولوا طمس هذا الواقع وتحريفه عبر شراء ذوي الأقلام الرخيصة والحناجر المبتذلة من وعّاظ السلاطين. لكن كل ذلك لم يفلح، ولم تنتج هذه المحاولات، ولم تستطع أن تهزّ ذرّة واحدة من كيانه عليه السلام، يقول أحد الاُدباء:

سلوا النفس قد طافت عليها عوالم *** أهل وجدت للجوهر الفرد ثانيا

وهل متناهي اللفظ يتبعه الثنا *** ليحمل معنى منك لا متناهيا

ولكنها الألفاظ مهما تناسقت *** إذا لم تزفّ المدح عادت هجائيا

إلى أن يقول:

وما مدحتي توليك فخرا وإنّما *** أردّ بإطرائي عليك الطواريا

إذا الملأ الأعلى تحدّد بالثنا *** عليك فما شأني وشأن ثنائيا

فإذا كان القرآن الكريم يغرّد بذكر عليّ عليه السلام ليلَ نهارَ، فما شأن مدحة مادح من أهل الأرض؟ إنّ هذا السيّد العظيم قد احتلّ مساحة واسعة من مدح القرآن الكريم، فلا يمكن أن يمدحه أحد آخر بمدح فوق مدحه، ولا يكون مدحه حينئذٍ شيئا حيال مدح القرآن الكريم. ومما يروى في هذا المجال أن معاوية كتب كتابا لعمرو بن العاص في واقعة صفّين يستدعيه، وقال له فيه: أما بعد فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك… وقد حبست نفسي عليك، فأقبل اُذاكرك اُمورا لا تعدم صلاح مغبّتها.

فلمّا جاءه قال له: ما تجعل لي إن شايعتك على حربه، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر؟ قال: حكمك. فقال: مصر طعمة. فتلكأ عليه معاوية وقال له: يا أبا عبد الله، إني أكره لك أن تتحدّث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. فقال عمرو: دعني عنك.

ثم لمّا أخذ معاوية منه مصر وأعطاها لعبد العزيز بن مروان والد عمر بن عبد العزيز، كتب إليه قصيدته الجلجليّة المشهورة:

معاويةُ الفضلَ لا تنسَ لي *** وعن موطن الحقّ لا تعدلِ

نسيتَ محاورةَ الأشعري *** ونحنُ على دومةِ الجندلِ

ولولاي كنت كمثل النساء *** تخاف الخروج من المنزلِ

تبعناك من جهلنا يابن هند *** على البطلِ الأعظمِ الأفضلِ

وحيث تركناك أعلى النفوس *** نزلنا إلى أسفلِ الأرجلِ

وإن كان بينكما نسبةٌ *** فأين الحُسامُ من المنجلِ

وأين الثريا وأين الثرى *** وأين معاوية من علي

إلى أن يقول:

وأعطيت مصر لعبد العزيز *** وأعطيتني زِنة الخردلِ(1)

وموضع الشاهد هنا أن ما اُوتي هذا الرجل العظيم من مناقب ومفاخر وفضائل مما طوّقه به القرآن الكريم والسنة النبوية المشرّفة، ومما يصدح به واقعه المشرّف على ألسنة أعدائه يلوي الأعناق إليه وإن تغافل عنه المتغافلون، وسيبقى ألقا ونورا ومشكاة تضيء وجه الدنيا وصفحة العالم؛ سواء رمقته العيون أم لم ترمقه.

يتبع…

_______________

(1) شرح نهج البلاغة 2: 61 – 66. قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو القاسم البلخي: قول عمرو له: «دعني عنك»، كناية عن الإلحاد، بل تصريح به، أي دع هذا الكلام لا أصل له؛ فإن اعتقاد الآخرة أنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات. وقال: وما زال عمرو بن العاص ملحدا، ما تردّد قط في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار».



Real Time Web Analytics