حدث في مثل هذا اليوم (٢٨ صفر)

حدث في مثل هذا اليوم (٢٨ صفر)

في هذا اليوم من الشهر المذكور من سنة 11 هجرية توفي عظيم الدنيا والأخرة سيد المرسلين وخاتم النبيين أبو القاسم محمد بن عبد الله(ص) ، فأظلمت الأرض لغيبته، وانتثرت النجوم لمصيبته، فـ﴿إنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. روى الدميري في كتاب (حياة الحيوان) عن أبي ذؤيب الهذلي الشاعر أنه قال: بلغنا أن رسول الله(ص) عليل، فاستشعرت حزناً وبتّ بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فبت أقاسي طولها، حتى إذا كان وقت السحر أغفيت فسمعت هاتفاً يقول:

خطب أجل أناخ بالإسلام
قبض النبي محمد فعيوننا

 

 

بين النخيل ومعقد الآطامِ
تذري الدموع عليه بالإسجامِ

 

قال أبو ذؤيب: فوثبت من منامي فزعاً، فنظرت إلى السماء فلم أرَ من النجوم إلا سعد الذابح، فأولته ذبحاً يقع في العرب، وعلمت أن النبي(ص) قد قبض أو هو ميت من علّته فركبت ناقتي وسرت حتى قدمت المدينة، إذا بها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا بالإحرام، فقلت: ما الخبر؟ قالوا: قبض رسول الله(ص). فجئت إلى المسجد فوجدته خالياً، فأتيت بيت رسول الله(ص) فرأيت بابه مرتجّاً فقلت: أين رسول الله؟ فقيل هو مسجي. وقد خلا به أهله. قلت: فأين الناس؟ قيل: في سقيفة بني ساعدة.

قال: فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسّان بن ثابت وكعب بن مالك وغيرهم.

وبعد كلام طويل بين المهاجرين الأنصار بايع الناس أبا بكر, خليفة لرسول الله(ص) ورسول الله(ص) حينئذ بعد لم يقبر، وأهل بيته مشغولون بمواراته([1]).


([1]) حياة الحيوان الكبرى 1: 426، وانظر الاستيعاب 4: 1648ـ 1649/2942.



إعجاز آية

إعجاز آية

(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)؛ فهل تعلمون لم استُخدمت كلمة “يَحطِمَنَّكُم”؟؟

قبل أعوام قليلة اجتمع مجموعة من علماء الكفّار في سبيل البحث عن خطأ في كتاب الله تعالى حتى تثبت حجتهم بأن الدين الإسلامي دين لا صحة فيه، وبدأوا يقلبون المصحف الشريف، ويدرسون آياته؛ حتى وصلوا إلى الآية الكريمة التي ذكرتها في بداية حديثي، أو بالأحرى عند لفظ “يَحطِمَنَّكُم” وهنا اعترتهم الغبطة والسرور فها قد وجدوا ـ في نظرهم ـ ما يسيء للإسلام؛ فقالوا بأن الكلمة” يَحطِمَنَّكم” من التحطيم والتهشيم والتكسير، فكيف يكون لنملة أن تتحطم؟؟

فهي ليست من زجاج أو من أي مادة أخرى قابلة للتحطم ! إذن فالكلمة لم تأت في موضعها؛ هكذا قالوا:

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا”

وبدأوا ينشرون اكتشافهم الذي اعتبروه عظيماً، ولم يجدوا ولو رداً واحداً على لسان رجل مسلم!!!

وبعد أعوام مضت من اكتشافهم؛ ظهر عالم أسترالي أجرى بحوثاً طويلة على تلك المخلوقة الضعيفة ليجد ما لا يتوقعه إنسان على وجه الأرض!!!

لقد وجد أن النملة تحتوي على نسبة كبيرة ـ أجهل قيمتها ـ من مادة الزجاج، ولذلك ورد اللفظ المناسب في مكانه المناسب.

وعلى إثر هذا أعلن العالم الأسترالي إسلامه…

فسبحان الله العزيز الحكيم… “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”.



الهواتف المحمولة و مضراتها

الهواتف المحمولة و مضراتها

الهاتف الجوال يزيد خطر الإصابة بأورام العصب السمعي، وحذّر باحثون مختصون بالأورام السرطانية من أن استخدام الهواتف الجوالة لأكثر من 10 سنوات، يضاعف خطر إصابة الإنسان بأورام العصب السمعي، وأوضح الخبراء في المعهد السويدي للطب البيئي، أن خطر الإصابة بالورم العصبي السمعي الحميد كان أعلى بحوالي أربع مرات على جهة الأذن التي يستخدم عليها الهاتف الجوال، في حين كان ضمن حدوده الطبيعية في الجهة الأخرى، ووجد الباحثون بعد متابعة 750 شخصاً سويدياً استخدموا الهواتف النقالة لمدة 10 سنوات على الأقل، أن إشعاعات هذا الهاتف كانت السبب في زيادة الإصابة بأورام العصب السمعي، مشيرين إلى أن استخدام الأنواع الرقمية الحديثة من هذه الهواتف على المدى الطويل لم تتضح بعد.

وينهى الأطباء في المجلة الدولية لعلوم الوباء، إلى أن ورم العصب السمعي ليس من النوع الخطر المهدد للحياة، لكنه قد يصبح كذلك في حال أنه أصبح بحجم كبير وازداد ضغطه على الدماغ، وكانت الكثير من الدراسات قد صعدت الجدل حول خطورة مثل هذه الهواتف على الدماغ والأعضاء الحيوية الأخرى.



كيف تعرف رقم بداية الصفحة لكل جزء من القرآن

كيف تعرف رقم بداية الصفحة لكل جزء من القرآن

هناك طريقة سهلة لمعرفة رقم الصفحة التي يبدأ فيها كل جزء من أجزاء القرآن، ولمعرفة الجزء التاسع مثلاً؟…

نقوم بعملية بسيطة، الجزء التاسع، أي رقم تسعة..

9 ناقص واحد = ثمانية.

ثمانية ضرب اثنين = 16.

ثم نضيف الرقم اثنين إلى يمين الرقم 16 فيصبح 162.

وهو رقم الصفحة التي يبدأ بها الجزء التاسع.

مثال آخر:

الجزء الواحد والعشرون:

21 ناقص 1 = 20.

20 ضرب 2 = 40.

ثم نضيف اثنان يمين الرقم 40 يصبح 402.

الجزء الواحد والعشرون، يبدأ في الصفحة رقم 402.



موجبات حسن العاقبة

موجبات حسن العاقبة

قال الإمام الصادق(ع) :« إن أردت أن يُختم بخيرٍ عملُك حتى تُقبض وأنت في أفضل الأعمال فعظّم لله حَقَّهُ وأن تَبْذُلَ نعماءهُ في معاصيه، وأن تغتَرَّ بحملهِ عنكَ وأكرِمْ كُلَّ من وَجدتهُ يُذكَرُ مِنّا أو ينتحلُ مودتنا ».

قال الإمام الكاظم(ع): « إنَّ خواتيم أعمالكم قضاء حوائج إخوانكم والإحسانُ إليهم ما قدرتُم، وإلا لم يُقبل مِنكُم عَمَلٌ. حنُّوا على إخوانكم، وارحموهُم تَلحقوا بنا».

قال الإمام علي(ع): « إن أردتَ أن يُؤمِنكَ الله سُوءَ العاقبة فاعلم أنَّ ما تأتيه من خيرٍ فبفضلِ الله وتوفيقه، وما تأتيه من سُوءٍ فبإمهالِ الله، وإنظارهِ إياك وحِلمهِ وعفوِه عنك».

قال الإمام الصادق(ع) : « من كان عاقلاً خُتِمَ لهُ بالجنة إن شاء الله».

ميزان الحكمة، ج3، ص 966.



يوم الأربعين ـ ٨

يوم الأربعين ـ ٨

وفي رواية سهل قال: خرجت جارية من قصر يزيد فرأته ينكث ثنايا الإمام، فقالت: قطع الله يديك ورجليك أتنكث ثنايا طالما قبلها رسول الله؟ إني كنت بين اليقظة والنوم إذ نظرت إلى باب من السماء وقد فُتح وإذا أنا بسلَّم من نورٍ قد نزل من السماء إلى الأرض وإذا بغلامين أمردين عليهما ثياب خضر وهما ينزلان على ذلك السلَّم وقد بسط لهما بساط من زبرجد الجنة، وقد أخذ نور ذلك البساط من المشرق إلى المغرب، وإذا برجل رفيق القامة مدور الهامة قد أقبل يسعى حتى جلس على ذلك البساط فنادى: يا أبي آدم اهبط، فهبط رجل من السماء دري اللون، ثم نادى: يا أبي سام اهبط، فهبط، ثم نادى: يا أبي إبراهيم اهبط، فهبط، ثم نادى: يا أخي موسى اهبط فهبط، ثم نادى: يا أخي عيسى اهبط فهبط، ثم رأيت امرأة واقفة وقد نشرت شعرها وهي تنادي يا أمي حواء اهبطي، يا أمي خديجة اهبطي، يا أمي هاجر اهبطي، يا أختي سارة اهبطي، يا أختي مريم اهبطي، وإذا بهاتف من الجو يقول: هذه فاطمة بنت محمد المصطفى، وزوجة علي المرتضى، وأم سيد الشهداء المقبور بكربلاء، ثم إنها نادت: يا أبتاه أما ترى إلى ما صنعت أمَّتك بولدي الحسين؟ فبكى رسول الله| وقال: يا أبي آدم ألا ترى ما فعلت الطغاة بولدي الحسين؟ فبكى آدم وبكى كل من كان حاضراً حتى بكت الملائكة لبكائهم، ثم رأيت رجالاً كثيرة حول الرأس الشريف. فأمر يزيد بضرب عنقها، وأمر أن يُصلب الرأس على باب داره، وأمر بأهل بيت الحسين فأُدخلوا إلى داره، فلما دخلنَ النسوة إلى دار يزيد لم يبق أحد من آل معاوية وآل أبي سفيان إلا استقبلهن بالبكاء والصراخ، وخرجت هند بنت عبد الله بن كريز حتى شقّت الستر وهي حاسرة فوثبت إلى يزيد وقالت: يا يزيد أرأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري وهو وديعة رسول الله؟ فوثب إليها يزيد وغطاها وقال: نعم فاعولي يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش عجل عليه ابن مرجانة فقتله (قتله الله) وبقي رأس الحسين مصلوباً‌ ثلاثة أيام، وسمع صوت الرأس الشريف بدمشق يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ويقرأ ﴿أم حَسِبْتَ أنَّ أصحاب الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَاً﴾.

فأمر يزيد (لعنه الله) بنساء الحسين مع علي بن الحسين فحبسوا في دار لا تكنهم عن حر ولا برد حتى تقشرت وجوههم. وكان (لعنه الله) في مدة إقامتهم في ذلك السجن قد عرضهم مراراً عديدة في مجلسه، فأحضرهم ذات يوم وكان يلبس النعل من الذهب، وأقبل على علي بن الحسين وقال: يا غلام أنت الذي أبوك أراد خلافتي وملكي، فالحمد لله الذي سفك دمه. فقال علي بن الحسين: «من كان أحق بالخلافة أنت أم هو، وهو ابن بنت نبيكم، ولكن جرت الأشياء بتقدير الله عزوجل، أما سمعت قوله عزوجل في كتابه العزيز: ﴿مَا أصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ في الأرض ولا في أنفُسِكُمْ إلا فِي كِتابٍ مِنْ قبل أن نبرأها﴾».

فغضب يزيد (لعنه الله) وقال: خذوه واضربوا عنقه، فبكى علي ابن الحسين ونظر إلى السماء وأنشد يقول:

أناجيك يا جداه يا خير مرسل
أقاد ذليلا في دمشق مكبلا
لقد حكموا فينا اللئام وشتتوا

حبيبك مقتول ونسلك ضايع
ومالي من بين الخلايق شافع
لنا شملنا من بعد ما كان جامع

قال: فتعلقت به عماته فقالت أم كلثوم: «يا يزيد، ما كفاك ما فعلت بنا وقد أرويت الأرض من دمائنا أهل البيت وقد بقي هذا العليل، تريد أن تقطع نسل رسول الله؟ فأبكت كل من كان حاضراً»‌. فقال له بعض جلسائه: سألتك بالله يا يزيد إلا عفوت عنه فإنه صغير السن ولا يجب عليه القتل. فأمر بتخليته، ثم إن علي بن الحسين أقبل على يزيد وقال: «سألتك بالله إن أردت قتلي فابعث مع هذه النسوة من يردهنّ إلى حرم جدهن رسول الله». قال: فضج الناس بالبكاء والنحيب، فخشى يزيد الفتنة وقال: يا غلام طب نفساً‌ وقر عيناً، ‌فوالله ما يوصلهن سواك.

 وفي البحار عن المدائني: لما انتسب السجاد إلى النبي قال يزيد لجلوازه: ادخله في هذا البستان واقتله وادفنه فيه، فدخل به البستان وجعل يحفر والسجاد يصلي، فلما همَّ بقتله ضربته يدُ من الهوى فخر لوجهه وشهق ودهش، فرآه خالد بن يزيد وليس لوجهه بقية، فانقلب إلى أبيه وقصّ الخبر عليه، فأمر يزيد بدفن الجلواز في الحفيرة التي حفرها، وأمر بإطلاق زيد العابدين، ووسّع في حبس زين العابدين.

وفي الكتاب المذكور عن هند زوجة يزيد قالت: أخذت مضجعي فرأيت باباً‌ من السماء قد فتح، والملائكة ينزلون كتائب كتائب على رأس الحسين وهم يقولون: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله. فبينما أنا كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء وفيها رجال كثيرون وفيهم رجل دري اللون قمري الوجه، فأقبل حتى انكب على ثنايا الحسين يقبلها وهو يقول: «يا ولدي قتلوك، أتراهم ما عرفوك، ومن شرب الماء منعوك، يا ولدي أنا جدك رسول الله، وهذا أبوك علي المرتضى، وهذا أخوك الحسن، وهذا عمك جعفر، وهذا الحمزة والعباس» ثم جعل يعدّد أهل بيته واحداً ‌بعد واحد. قالت هند: فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة فإذا بنور قد انتشر على رأس الحسين، فجعلت اطلب يزيداً وإذا به قد دخل في بيت مظلم وقد أدار وجهه إلى الحائط وهو يقول: مالي وقتل الحسين؟ ووقعت عليه الهموم والغموم. فقصصت عليه المنام، فلما أصبح استدعى بحرم الحسين وقال لهن: أيما أحب إليكن المقام عنيد أو الرجوع إلى المدينة؟ فقلن: نحب أولاً أن ننوح على الحسين. قال: اللعن افعلوا ما بدا لكم، ثم أخليت لهن الحجر والبيوت في دمشق الشام فلم تبق هاشمية ولا قرشية إلا ولبست السواد، وندبوا الحسين× سبعة أيام.



يوم الأربعين ـ ٧

يوم الأربعين ـ ٧

وروي عن سهل بن سعيد قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام وإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار وقد علقوا الستور والحجب من الديباج والحرير، وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: أترى لأهل الشام عيد لا نعرفه نحن؟! فرأيت قوماً يتحدّثون فقلت: يا قوم ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: نراك غريباً. فقلت: نعم، أنا سهل بن سعيد قد رأيت رسول الله وسمعت حديثه. فقالوا: يا سهل، ما أعجبك للسماء لا تمطر دماً، وللأرض لا تنخسف بأهلها؟ فقلت: ولِمَ ذلك؟! فقالوا: هذا رأس الحسين وعترة محمد وأهله يهدى من أرض العراق. قلت: وا عجباه، يهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟ ثم قلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب الساعات، فبينما أنا كذلك حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً، فإذا بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله|، فإذا من ورائه نساء على جمال بغير غطاء ولا وطاء، فدنوت من أولهم فقلت: يا جارية من أنت؟ فقالت: «أنا سكينة بنت الحسين». فقلت لها: ألك حاجة؟ فإني سهل بن سعيد ممن رأى رسول الله وسمع حديثه. قالت: «يا سهل، قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظرون إلى حرم رسول الله». قال سهل: فدنوت من حامل الرأس وقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار؟ قال: وما هي؟ فقلت: تُقدّم الرأس أمام الحرم. ففعل.

وفي نقل آخر كما في المنتخب قال: خرجت من شهر زور أريد بيت المقدس، فصادف خروجي أيام قتل الحسين×، فدخلت الشام فرأيت الأبواب مفتحة، والدكاكين مغلقة، والخيل مسرجة، والأعلام منشورة، والناس أفواجاً أفواجاً قد امتلأت منهم الطرق والسكك والأسواق وهم في أحسن زينة يفرحون ويضحكون. فقلت لبعضهم: أظن حدث لكم عيد لا نعرفه. قالوا: لا. قلت: فما بال الناس كافة فرحين مسرورين؟ قالوا: أنت غريب، أم لا عهد لك بالبلد؟ قلت: نعم، فماذا؟ قالوا: فتح لأمير المؤمنين يزيد فتح عظيم. قلت: وما هذا الفتح؟ قالوا: خرج عليه في أرض العراق خارجي، والمنة لله ولرسوله. قلت: ومن هذا الخارجي؟ قالوا: الحسين بن علي بن أبي طالب. قلت: الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟! قالوا: نعم. قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا الفرح والزينة لقتل الحسين بن بنت نبيكم؟ وما كفاكم قتله حتى سميتموه خارجياً؟‌ فقالوا: يا هذا، امسك عن هذا الكلام واحفظ نفسك، فإنه ما من أحد يذكر الحسين بخير إلا قُتل. فسكت عنهم باكياً حزيناً.‌ قال: فرأيت باباً عظيماً‌ قد دخلت فيه الأعلام والطبول. فقالوا: الرأس يدخل من هذا الباب، فوقفت هناك، فكلما تقدموا بالرأس الشريف كان أشد لفرحهم، وارتفعت أصواتهم، وإذا برأس الحسين والنور يسطع من فيه إلى عنان السماء كنور رسول الله، فلطمت على وجهي، وقطّعت أطماري، وعلا بكائي ونحيبي وقلت: وا حزناه على الأبدان السليبة النازحة عن الأوطان، المدفونة بلا غسل ولا أكفان، وا حزناه على الخدّ التريب والشيب الخضيب، يا رسول الله ليت عينك ترى رأس الحسين في دمشق يطاف به في الأسواق، وبناتك مشهرات على النياق مشققات الجيوب والأزياق ينظر إليهم شرار الفساق. أين علي بن أبي طالب يراكم على هذه الحالة؟! ثم بكيت وبكى لبكائي من سمع منهم صوتي وأكثرهم لا يفطنون بي؛ لكثرتهم وشدة فرحهم، واشتغالهم بفرحهم وسرورهم، وارتفاع أصواتهم، وإذا بنسوة على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر، وقائلة منهن تقول: «وا محمداه، وا علياه، وا حسناه، وا حسيناه، لو رأيتم ما حلّ بنا من الأعداء؟ يا رسول الله، بناتك أسارى كأنهن أسارى بعض اليهود والنصارى، وهي تنوح بصوت يقرح القلوب على الرضيع الصغير، والشيخ الكبير، والمذبوح من القفا ومهتوك الخبا، العريان بلا رداء. وا حزناه لما نالنا أهل البيت فعند الله نحتسب مصيبتنا».

قال: فتعلقت بقائمة المحمل وناديت بأعلى صوتي: السلام عليكم يا أهل بيت محمد ورحمة الله وبركاته، وقد عرفت أنها أم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×. فقالت: «من أنت أيها الرجل الذي لم يسلم علينا أحد غيرك منذ قُتل أخي وسيدي الحسين؟» فقلت لها: يا سيدتي، أنا رجل من شهر زور، واسمي سهل، قد رأيت رسول الله وسمعت حديثه، وأنا من محبيكم. قالت: «يا سهل، ألا ترى ما صُنع بنا؟ أما والله لو عشنا في زمان لم ير فيه محمد ما صُنع بأهله بعض هذا. قُتل والله أخي وسيدي الحسين، سُبينا كما تسبى العبيد والإماء، وحُملنا على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر ولا غطاء كما ترى». فقلت: يا سيدتي، يعزّ والله على جدك وأبيك وأمك وأخيك. فقالت: «يا سهل، اشفع لنا عند صاحب المحمل أن يتقدّم بالرؤوس ليشغل النظارة بها عنّا، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا». فقلت: حباً وكرامة، ثم تقدّمت إليه وسألته بالله وبالغت معه فانتهرني ولم يفعل. قال سهل: وكان معي رفيق نصراني يريد بيت المقدس، فكشف الله عن بصره، فسمع رأس الحسين وهو يقرأ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللهُ غافلاً عَمّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾. فأدركته السعادة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، ثم انتضى سيفه وحمل على القوم، وجعل يضرب فيهم، فقتل منهم جماعة وهو يبكي، فتكاثروا عليه فقتلوه. فقالت أم كلثوم: «ما هذه الصيحة؟» فحكيت لها الحكاية، فقالت: «وا عجباه، النصارى يحتشمون لدين الإسلام وأمة محمد، والذين هم يزعمون أنهم على دين محمد يقتلون أولاده ويسبون حريمه، ولكن العاقبة للمتقين».

وروي عن بعض فضلاء التابعين وهو خالد بن معدان: لما شاهد رأس الحسين× بالشام منع نفسه شهراً عن جميع أصحابه، فلما وجدوه بعد أن فقدوه سألوه عن سبب ذاك، فقال: ألا ترون إلى ما نزل ثم أنشأ يقول:

جاؤوا برأسك يا ابن بنت محمد
وكأنما بك يا ابن محمد
قتلوك عطشاناً ولما يرقبوا
ويكبرون بأن قتلت وإنما

مترملاً‌ بدمائه ترميلا
قتلوا جهاراً‌ عامدين رسولا
في قتلك التكبير والتهليلا
قتلوا بك التكبير والتهليلا

قال الراوي: ثم اُدخل ثقل الحسين × ونسائه ومن تخلّف من أهل بيته على يزيد (لعنه الله) وهم مقرنون بالحبال وزين العابدين مغلول اليدين، فلما أوقفوهم بين يدي يزيد وهم على تلك الحالة قال له علي بن الحسين×: «أنشدك يا يزيد ما ظنك برسول الله لو يرانا ونحن على هذه الحالة؟ فلم يبق في القوم أحد إلا بكى». فأمر يزيد بالحبال فقُطِّعت، ثم وُضع رأس الحسين بين يديه في طشت، وأُجلس النساء خلفه لئلا ينظرنه. ولما وُضع رأس الحسين ورؤوس أهل بيته بين يدي يزيد (لعنه الله) جعل ينشد ويقول متشمتاً:

صبرنا وكان الصبر منا سجية
أبى قومنا أن ينصـفونا فأنصفت
نفلق هاماً‌ من رجال أعزة

بأسيافنا يفرين هاماً ومعصما
قواضب في إيماننا تقطر الدما
علينا وقد كانوا أعق وأظلما

ودعى بقضيب خيزران وجعل ينكث به ثنايا الحسين ويقول: يوم بيوم بدر، وكان عنده أبو بردة الأسلمي فقال: وَيْحَك يا يزيد أتنكث بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة، أشهد لقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن وهو يقول: «أنتما سيدا شباب أهل الجنة، قتل الله قاتليكما، وأعد له جهنم وساءت مصيراً». فغضب يزيد وأمر بإخراجه، فأُخرج سحباً.‌

ولما رأت فاطمة وسكينة إلى رأس أبيهما بين يدي يزيد يضربه بالخيزران صِحْنَ، فصاحت نساء يزيد وولولن بنات معاوية، فقالت فاطمة بنت الحسين×: «أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟‍« فبكى الناس، وبكى أهل داره، وعلت الأصوات.

وأما زينب ابنة علي× فإنها لما رأته أهوت إلى جييها فشقته، ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب: «يا حسيناه، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكة ومنى، يا ابن فاطمة الزهراء، يا ابن بنت المصطفى» فأبكت والله كل من كان حاضراً،‌ ويزيد ساكت.



اللهم اغفر لزوار الحسين (عليه السلام)

اللهم اغفر لزوار الحسين (عليه السلام)

السلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك

السلام عليك وعلى الملائكة المستغفرين لزوارك

هذه الكلمة تعني التحية لزوار الحسين (عليه السلام). الملائكة لابد أنهم قدّروا هذا الجهد وهذه التحية لزوار الحسين (عليه السلام) فاستغفروا لهم ذنوبهم عند الله سبحانه، ولا يمكن للملائكة أن يجاملوا في أمر دنيوي، ولا يكون أن يجاملوا أحداً على معصية الله، وما استغفروا لزوار الحسين (عليه السلام) إلا لأنهم وجدوا الجدارة والأحقية لهؤلاء الزوار باستحقاق المغفرة.

فما أعلى وأعظم استغفار المؤمن لأخيه المؤمن خاصة بعد الصلاة، أن يسلم على من في يمينه وشماله ويقول: غفر الله لك.

وما أعظم من هذا إلا استغفار الملائكة للمؤمنين … استغفار الملائكة لهذه الثلة التي جاءت مهرولة لضريح أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

ما أعظم هذا الاستغفار عندما يكون من الملائكة، وما أسرع الإجابة من الله سبحانه؛ لأن المستغفر:

أولاً: هم ملائكة الرحمن … الطهارة والتقاء والصفاء والتجرد والتقديس لله سبحانه وتعالى … هذه الأنوار التي لم تشبها شائبة، والتي لا تشغل إلى بذكر الله وتسبيحه جل وعلا، فما أعظم أن يطلبوا الرحمة والمغرفة لزوار أبي عبد الله (عليه السلام).

ثانياً: استغفار الملائكة لزواره في المكان الذي يجاب فيه الدعاء ويرتفع، فلا تنسوا أن هذا المكان العظيم الذي هو محط لرحمة الله سبحانه وتعالى وامتثاله حينما يتوجّه وجدان أبي عبد الله(عليه السلام) نحو الله فينادي ربه بذلك الصوت: (اللهم إن كان هذا يرضيك، فخذ مني حتى ترضى). هذه الروح المقدسة، وهذه الدماء الزكية، هذا الجسد المقطّع على رمضاء كربلاء … صراخ أطفال الحسين … آهات نساء أبي عبد الله الحسين … كل هذا قدموه فصار هذا المكان الذي وقفت أو جلست مولاتنا زينب (عليها لاسلام) وهي تنادي أبا عبد الله (عليه السلام)، وهي تنادي الخالق تعالى واضحة يديها تحت جسد أبي عبد الله الحسين قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان). وأي قربان هذا؟! أي عطاء هذا؟! أي كبش فداء؟! إنه الحسين ابن رسول الله، حجة الله على خلقه. إنه ريحانة الرسول (ص).

إنه جسد أبي عبد الله (عليه السلام) الذي هو شمامة الرسول (ص)، أنه جسد رسول الله (ص) … (حسين منّي وأنا من حسين).

يا لقداسة الموقف ويا لقداسة العطاء. هذا المكان الذي هو مركز كل القداسة، هو مكان يستجاب فيه الدعاء. فيا لتضحية أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء ورمز الفداء وسفينة النجاة، الثقل الأعظم في كل الوجود. وهذا الوجود العظيم المتواصل يستحق فيه التقدير من الملائكة (المستغفرين لزوارك).

وإذا كان ذلك لزوار الحسين، فكيف لا تنفعل قلوبنا وتنفعل مشاعرنا نحو ذلك الضريح المقدس؟! فلربما صافحنا يداً، يعتذر أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) ألا تكون عنده أنامل يمدها لشيعته، يصافح بها كفوف المؤمنين، ولكننا نمد إليك مشاعرنا ونرسل إليك عواطفنا، نكلّمك بكل وجداننا. نعدك بأن نكون على الدرب سائرين، ونعاهدك بكل الولاء، بكل ما نملك أن نقدم لك كل ما يمكن أن يُقدّم …. لابدّ أن نسجّل هذه الكلمة لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، لابد أن نسجّل موقفاً فنقول:

إذا شئت النجاة فزر حسيناً *** غداً تلقى الإله قرير عين

وإن النار ليس تمس جسماً *** عليه غبار زوار الحسين

السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين … (أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وجاهدت في سبيل الله حق جهاده حتى أتاك اليقين، فلعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به).

(حبيب لا يجيب حبيبه) ناداك جابر ….

(حسين) ونحن نناديك سيدي: وا حسيناه وا حسيناه وا حسيناه… ونعلم أنك تسمع الكلام وترد السلام. وإذا كنت لم تنسَ شيعتك فو الله لن ننساك.

ذكرتنا فقلت لسكينة: (أبلغي شيعتي عني السلام) وها نحن نقول: وعليك السلام يا أبا عبد الله، يا رمز التضحية والفداء.

الشيخ مصطفى آل مرهون



يوم الأربعين ـ ٦

يوم الأربعين ـ ٦

ومن ذلك ما روي عن ابن لهيعة قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا أنا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك تفعل. فقلت له: اتقِ الله ولا تقل هذا ونحوه، فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الأقطار أو ورق الأشجار واستغفرت الله تعالى غفرها الله لك، فإنه غفور رحيم. قال: فقال لي: أخبرك بقصتي … اعلم إنّا كنّا خمسين نفر ممن سار برأس الحسين إلى الشام، وكنا إذا مشينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت، فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا فلم أشرب معهم، فلما جنّ الليل سمعت رعداً ورأيت برقاً وأبواب السماء قد فتحت، ونزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ونبينا محمد|، ومعهم جبرئيل وخلق من الملائكة، فدنا جرئيل من التابوت وأخرج الرأس وضمّه إليه وقبّله، وكذلك فعل الأنبياء، فقال جبرئيل: «يا محمد، إن الله تعالى أمرني أن أطيعك في أمتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط». فقال النبي|: «لا يا جبرئيل فإن لي معهم موقفاً يوم القيامة بين يدي الله تعالى». ثم صلوا عليه، ثم أتى قوم من الملائكة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى أمرنا بقتل الخمسين. فقال النبي محمد|: «شأنكم بهم». فجعلوا يضربونهم بالحراب، فقصدني واحد منهم بحربة ليضربني فقلت: الأمان الأمان يا رسول الله. فقال: «اذهب فلا غفر الله لك». فلما أصبحت رأيت أصحابي جاثمين رماداً.

 وروي عن القطب الراوندي بإسناده إلى سلمان بن مهران قال: بينما أنا في الطواف إذ رأيت رجلاً يدعو ويقول: اللهم اغفر لي وأنا اعلم أنك لم تفعل. فارتعدتْ لذلك فرائصي، فدنوت منه وقلت: يا هذا إنك في حرم الله وحرم رسوله في شهر عظيم، فلِمَ تيأس من مغفرة الله تعالى؟ فقال: يا هذا ذنبي عظيم. قلت: أعظم من جبر تهامة؟ قال: أعظم. قلت: يوازن الجبال الرواسي؟ فقال: نعم، فإن شئت أخبرتك. قلت: أخبرني. قال: اخرج بنا عن الحرم. فخرجت معه، فقال: أنا أحد العسكر الميشوم، عسكر عمر بن سعد (لعنه الله) حين قتل الحسين، وكنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين إلى يزيد (لعنه الله) من الكوفة، فلما حملناه إلى الشام نزلنا على دير النصارى، وكان الرأس معنا مركوزاً على رمح طويل ومعه الحراس، فوضع لنا طعام لنأكل، فإذا بكف على حائط الدير تكتب:

أترجوا أمة قتلت حسيناً

شفاعة جده يوم الحساب

قال فجزعنا جزعاً شديداً‌ وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذها، فغابت ثم عاد أصحابي ليأكلوا الطعام، وإذا بالكف قد عادت تكتب:

فلا والله ليس لهم شفاعة

وهم يوم القيامة في العذاب

فقام بعض أصحابنا إليها ليأخذوها، فغابت، فعادوا إلى الطعام، فعادت تكتب:

وقد قتلوا الحسين بحكم جور

وخالف حكمهم حكم الكتاب

فامتنعت من الطعام وما هنا لي أكلٌ ولا شربٌ. ثم أشرف علينا راهب من الدير فرأى نوراً ساطعاً ‌من فوق الرأس الشريف، فنظر فرأى عسكراً، فقال للحراس: من أنتم ومن أين جئتم؟ قالوا: من العراق، حاربنا الحسين. قال: ابن فاطمة بنت نبيكم وابن عم نبيكم؟ قالوا: نعم. قال: تباً‌ لكم، والله لو كان لعيسى بن مريم ابن لحملناه على أعناقنا، ولكن لي إليكم حاجة. قالوا له: وما هي؟ قال: قولوا لرئيسكم عندي عشرة آلاف درهم ورثتها من آبائي يأخذها ويعطيني الرأس يكون عندي إلى وقت الرحيل، فجاؤوا إلى ابن سعد وأخبروه. فقال: خذوا منه الدراهم وادفعوا إليه الرأس إلى وقت الرحيل. فجاؤوا إلى الراهب فقالوا له: هاتنا المال حتى نعطيك الرأس. فأدلى لهم جرابين في كل جراب خمسة آلاف درهم. فدعا ابن سعد بالناقد ووالوازن ووزنوها ودفعها إلى خازن له وأمر أن يعطي الرأس، فأخذ الراهب الرأس فغسّله وحنّطه وحشّاه بمسك وكافور، ثم جعله في حرير ووضعه في حجره، ولم يزل ينوح ويبكي حتى نادوه وطلبوا منه الرأس. فقال: يا ابن رسول الله لا أملك إلا نفسي، فإذا كان يوم القيامة فاشهد لي عند جدك رسول الله أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أسلمت على يدك وأنا مولاك. ثم قال: إني أحتاج أن أكلّم رئيسكم بكلمة وأعطيه الرأس، فدعا عمر بن سعد (لعنه الله) وقال: سألتك بالله ألا تعود إلى ما كنت تفعل بهذا الرأس، ولا تخرجه من هذا الصندوق، فأعطاه الرأس، وسار ابن سعد (لعنه الله)، فلما دنا من دمشق قال لأصحابه: انزلوا، وطلب من خازنه الجرابين، فأحضرها بين يديه، فنظر إلى خاتمه ثم أمر أن يفتح، فإذا بالدنانير قد تحوّلت حزفاً، فنظر في سكّتها فاإذا على جانبها مكتوب:

(ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون).

وعلى الجانب الآخر مكتوب:

(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

قال ابن سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، خسرت الدنيا والآخرة. ثم قال لغلمانه: اطرحوها في النهر. فطُرحت في النهر، ورحل إلى دمشق.

قال السيد ابن طاووس: فلما قاربوا دمشق، دنت أم كلثوم من الشمر (لعنه الله) وكان في جملتهم، فقالت له: لي إليك حاجة. فقال الملعون: ما حاجتك؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في طريق قليل النضارة، وأن يخرجوا هذه الرؤوس من بين تلك المحامل ويتنحوا بها عنّا، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحالة. فأمر (لعنه الله) في جواب سؤالها أن تُجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل، وسلك بهم بين النظارة على تلك الحالة حتى أتى بهم إلى دمشق.

‌وروي عن الزهري: أنه لما جاءت الروس كان يزيد (لعنه الله) في منظرة جيرون فأنشد يقول:

لما بدت تلك الحمول وأشرفت
نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح

تلك الرؤوس على ربى جيرون
إني قضيت من النبي ديوني



يوم الأربعين ـ ٥

يوم الأربعين ـ ٥

ثم أمر ابن زياد (لعنه الله) فنُصبت الرؤوس كلها على الخشب بالكوفة، وهي أول رؤوس أُصلبت في الإسلام بعد رأس مسلم ابن عقيل. وكتب ابن زياد (لعنه الله) إلى يزيد (لعنه الله) يخبره بقتل الحسين وأهل بيته، فلما وصله كتاب ابن زياد أمره بحمل الرأس الشريف ورؤوس أهل بيته معه، وحَمْل ثقله ونسائه وعياله.

 فأرسل ابن زياد رأس الحسين× مع رؤوس أهل بيته وأصحابه مع زجر بن قيس، وأنفذ معه أبا بردة ابن عوف، وطارق ابن ظبيان، وجماعة من أهل الكوفة إلى يزيد (لعنه الله)، ثم أمر ابن زياد بنساء الحسين وصبيته فجهزوا، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، وفي رواية في يديه ورقبته، ثم سرح بسهم في أثر الرؤوس مع محقر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وحملوهم على الأقتاب وساروا بهم يسارى كما يسار بسبايا الكفار. فوا حر قلباه، ووا اسفاه، ووا عجباً لحلم الله، أتسبى بنات رسول الله، وبنات آكلة الأكباد وعواهر مرجانة تصان في الخدور؟! إنه لخطب يذيب صم الصخور ولله در من قال:

بنات آكلة الآكباد في كلل
وبالعزيز على الهادي النبي بأن
ورب ذات حجاب من كرائمه
تدعو وتعلم ما في القوم مستمع
لله في رحم للمصطفى قطعت
أمثل شمر لحاه الله يحملنا
ويولغ السيف في نحر ابن فاطمة

والفاطميات تصلى في الجواهير
يرى العزيزات في ذل وتحقير
تخاطب القوم في وعظ وتذكير
لكنها نفثة من صدور مصدور
من بعده وذمام غير مخفور
شعث النواصي على الأقتاب والكور
لله ما صنعت أيدي المقادير

قال: وساروا بحرم الرسول سيراً حثيثاً حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس، فلما وصلوا وادي النخيلة نزلوا بها ليلاً وبانوا فسمعوا نساء الجن يندبن الحسين× وينشدن الأشعار ويبكين ويقلن:

نساء الجن أسعدن نساء الهاشميات
يولون ويندبن بدور الفاطميات

بنات المصطفى أحمد يبكين شجيات
ويلبسن ثياب السود من عظم المصيبات

ويندبن حسيناً عظمت تلك الرزيات

وفي البحار عن كتاب المناقب: لما جاؤوا برأس الحسين× ونزلوا منزلاً يقال له قنسرين، اطّلع عليهم راهب من صومعته، فنظر إلى الراس فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه إلى عنان السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهم وسألهم أن يدفعوا له الرأس ليكون عنده إلى  وقت رحيلهم. فقالوا: نعم. وأخذ الرأس الشريف وأدخله صومعته، فسمع صوتاً ولم يرَ شخصاً وهو يقول: «طوبى لك ولمن عرف حرمتك». فرفع الراهب صوته وقال: يا رب بحق عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلم معي، فتكلّم الرأس وقال: «يا راهب، أي شيء تريد؟» قال: من أنت؟ قال: «أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، وأنا المقتول بكربلاء، وأنا المظلوم بكربلاء، أنا العطشان الغريب». فوضع الراهب وجهه على وجهه وقال: والله لا أرفع وجهي حتى تقول أنا شفيعك يوم القيامة. فتكلّم الرأس الشريف وقال: «ارجع إلى دين جدي محمد|». فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فقبل له الشفاعة.

 فلما أصبحوا، أخذوا منه الدراهم والرأس الشريف، فلما بلغوا الوادي نظروا إلى الدراهم فإذا هي قد صارت حجارة.

وروي عن أبي سعيد الشامي قال: كنت يوماً مع الكفرة اللئام الذين حملوا الرأس والسبايا إلى الشام، فلما وصلوا إلى دير النصارى بلغهم أن نصر الخزاعي قد جمع عسكراً ويريد أن يهجم عليهم نصف الليل ويقتل الأبطال ويجدل الشجعان ويأخذ الرؤوس والسبايا. فقال رؤساء العسكر من عظم اضطرابهم: نلجأ الليلة إلى الدير ونجعله كهفاً لنا؛ لأن الدير كان محكماً لا يقدر أن يتسلّط عليه العدو. فوقف شمر (لعنه الله) مع أصحابه على باب الدير وقال: يا أصحاب الدير! فخرج إليه القسيس، فلما رأى العكسر قال لهم: ما شأنكم وما تريدون؟ فقال شمر: نحن من عسكر عبيد الله بن زياد، ونحن سائرون إلى الشام. فقال القسيس: لأي غرض؟ قال: كان شخص في العراق قد تباغى وخرج على يزيد بن معاوية فبعث إليهم عسكراً عظيماً فقتلوهم وهذه رؤوسهم، وهذه النسوة سبيهم. قال: فلما نظر القسيس إلى رأس الحسين وإذا بالنور ساطعاً منه إلى عنان السماء، فوقع في قلبه هيبته، وقال القسيس: ديرنا لا يسعكم ولكن ادخلوا الرؤوس والسبايا إلى الدير واحيطوا أنتم بالدير من خارج، فإذا دهمكم عدو قاتلوه ولا تكونوا مضطربين على الرؤوس والسبايا. فاستحسنوا كلام القسيس وقالوا: هذا هو الرأي. فجلعوا رأس الحسين في صندوق وقفلوه وأدخلوه إلى الدير هو والنساء وزين العابدين، وجعلوهم في مكان يليق بهم. قال: ثم إن صاحب الدير أراد أن يرى الرأس الشريف وجعل ينظر حول البيت الذي فيه الصندوق، وكان له رازونة، فنظر منها فرأى في البيت نوراً مشرقاً، ورأى سقف البيت قد انشقّ، ونزل من السماء تخت عظيم، وإذا بامرأة عظيمة الشأن أحسن من الحور العين جالسة على ذلك التخت، وإذا بشخص يصيح: أطرقوا ولا تنظروا، وإذا قد خرجت من البيت نساء، وإذا هنّ حوى وصفية وأم اسماعيل وأم موسى ومريم وآسية. قال: فأخرجن الرأس من الصندوق وكل من تلك النساء واحدة بعد واحدة تقبل الرأس الشريف، فلما وقعت النوبة على مولاتي فاطمة غُشي عليها وعلى صاحب الدير، وعاد لا ينظر بالعين بل يسمع الكلام، وإذا بقائلة تقول: «السلام عليك يا مظلوم الأم، السلام عليك يا شهيد الأم، لا يتداخلك هم ولا غم فإن الله سيفرّج عني وعنك يا بني. من ذا الذي فرّق بين رأسك وبدنك يا بني؟ من ذا الذي قتلك وظلمك يا بني؟ من ذا الذي سبا حريمك يا بني؟ من ذا الذي أيتم أطفالك؟» ثم إنها بكت بكاءً شديداً. فلما سمع الديراني اندهش ووقع مغشياً عليه، فلما أفاق من غشوته نزل إلى البيت وكسر الصندوق وأخرج الراس وغسّله وقبّله وحنّطه بالكافور والزعفران، ووضعه في قبلته وهو يبكي ويقول: يا رأس أجل من كل رؤوس بني آدم، ويا كريم ويا عظيم جميع من في العالم، أظنك من الذين مدحهم الله في التوراة والإنجيل، وأنت الذي أعطاك التأويل؛ لأن خواتين سادات بني آدم في الدنيا يبكين عليك ويندبنك، أما إني أريد أن أعرفك باسمك ونعتك. فنطق الرأس الشريف بقدرة الله تعالى وقال: «أنا المظلوم، أنا المغموم، أنا الذي بسيف العدوان والظلم قُتلت، أنا الذي بحرب أهل البغي ظُلمت، أنا الذي على غير جرم نهبت، أنا الذي من الماء مُنعت، أنا الذي عن الأوطان بُعدت». قال صاحب الدير: بالله عليك زدني. فقال: «إن كنت تريد حَسَبي ونَسَبي أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن العروة الوثقى، أنا شهيد كربلاء، أنا قتيل كربلاء، أنا غريب كربلاء، أنا مظلوم كربلاء، أنا عطشان كربلاء، أنا وحيد كربلاء، أنا سليب كربلاء، أنا الذي خذلوني بأرض كربلاء». قال: فلما سمع صاحب الدير من رأس الحسين ذلك جمع أصحابه وحكى لهم الحكاية، وكانوا سبعين رجلاً، فضجوا بالبكاء والعويل ورموا العمائم عن رؤوسهم، وشقّوا أزياقهم، وجاؤوا إلى زين العابدين وقد قطعوا الزنار، وكسروا الناقوس، واجتنبوا فعل اليهود والنصارى، وأسلموا على يديه وقالوا: يا بن رسول الله| مرنا أن نخرج إلى هؤلاء الكفار ونقاتلهم ونجلي صدى قلوبنا، ونأخذ بثأر سيدنا ومولانا الحسين بن علي. فقال لهم الإمام: «لا تفعلوا، فإنهم عن قريب ينتقم الله منهم ويأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدرٍ».



Real Time Web Analytics