باب التوبة مفتوح حتى النفس الأخير

باب التوبة مفتوح حتى النفس الأخير

إن باب التوبة مفتوح أمام الإنسان حتى النفس الأخير من حياته وجاء في أصول الكافي حديث عن رسول الله| أنّه قال: «من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته، ثم قال: إن السنة لكثيرة، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته، ثم قال: إن الشهر لكثير. من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته، ثم قال: إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته، ثم قال: إن يوماً لكثير، من مات قبل أن يعاين قبل الله توبته».

احتمل العلامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه أن يكون المراد من هذا الحديث بيان مراتب التوبة من حيث القبول والكمال، لأن التوبة الكاملة تجلو القلب من كدورة الذنوب والمعاصي. ويجب بعد التوبة وبعد زوال الرين عن القلب المبادرة إلى إصلاح النفس. فبعد غسل القلب بالمساحيق والمنظفات يلجأ حينها إلى التضرع والحسنات ليزيده بياضاً ونقاء، وهذا غالباً لا يتحقق في اقل من سنة، وإلا لا يكون في أقل من الشهر، وإلّا فلا يكون دون الأسبوع.

الإنسان كالغزال الذي لم يرمه الصياد بعد، ولاأمل له في اصطياده، ولكنه ما إن يصوب إليه سهمه ويجرحه حتى يزداد أمله في إمساكه، ويبقى يتابعه حتى يمسكه. والإنسان ما دام لم يذنب، فلا أمل للشيطان في إغوائه، ولكنه إذا ارتكب ذنباً واحداً ولم يتب، يعظم أمل الشيطان ويبقى يسايره حتى يغويه ويوقعه في المعصية، ويشحن قلبه يأساً من رحمة الله ويجرئه على المعصية، إلّا إن الإنسان مهما ارتكب من الذنوب والمعاصي لا ينبي له اليأس من رحمة الله حتى لحظة الموت.

لكن هذا لا يعني أنّه يعصي ثم يقول: لازال أمامي متسع من الوقت. لأننا لا نعلم متى نموت. في عمر الشباب أم عند الشيخوخة، صغاراً أم كباراً، وفي أية ساعة نموت وعلى أية حالة.

إذن تجب علينا المبادرة إلى التوبة قبل حلول الموت.



رائد المنبر الحسيني

رائد المنبر الحسيني

عنوان قصيدة مهداة لسماحة الوالد الشيخ عبد الحميد بن الشيخ منصور ال مرهون (أبو حسين) بمناسبة خروجه من المستشفى بعد العملية التي أجريت له مؤخراً … شافاه الله وعافاه.

نحييك للخط الجميلة عائدا *** وللمنبر السامي الحسيني رائدا

ونرفع آيات التهاني إليك في *** بلاد أحبت فيك ابناً ووالدا

شخصت بعيني يا سقى الله أعيناً *** رأت فيك للعلم المعلم رافدا

وحولك يا عبد الحميد رجالنا *** شيوخاً وشباناً تناجيك عابدا

تؤمهم في مسجد إثر مسجدٍ *** أحبوك صوّاماً أحبوك ساجدا

وها هم يمدون الأيادي بدعوة *** تردك من بعد التغيب شاهدا

فعش بين أهل قدّروك كناصحٍ *** وصحبٍ رأوا في شخصك اليوم قائدا

ولملم شتات الطيبين أباً لهم *** بعطفك والتحنان ألهمت ماجدا

وسسنا بلطفٍ منك تلق قلوبنا *** أبانا على كل السطور قصائدا

فأنت جعلت السبط في العين دمعة *** بشجوك إذ تنعى الأبي المجاهدا

ورويتنا من قربة ماء حبه *** بكف أبي فضل زلالاً وباردا

نروم صغاراً ذلك الشيخ نبتغي *** فتبسط مما قد حييت الموائدا

أشدت لذكر الآل خير مجالسٍ *** وعن حقهم كم كنت يا فذ ذائدا

تواضعت للناس الضعاف ملكتهم *** فنالوا من القرب اللذيذ الفوائدا

وها أنت تعلو بالثمانين همّة *** بمحرابك السامي مطيعاً معاندا

وفي الحج أفواج رأت فيك مرشداً *** لطيف المعاني باسم الثغر راشدا

شفاك الذي سواك من كل علة *** ولا غاب صوت يملأن المساجدا

أم الحمام ـ ١٥ شوال ١٤٣٤ هـ



مجالس من التفسير / سورة القدر/ ليلة القدر؛ وقتها وموقعها

مجالس من التفسير / سورة القدر/ ليلة القدر؛ وقتها وموقعها

قال تعالی: بسم الله الرحمن الرحيم {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.

لقد تقدم أنّ کلمة {وَمَا أَدْرَاكَ} جاءت هنا للتعظيم والتشريف والتکريم لهذه الليلة المبارکة، وقد علمنا من قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ} أنّ ليلة القدر من شهر رمضان، وبقي علينا أن نعرف أي ليلة هي من هذا الشهر المبارک. وقد قال بعضهم: إنّها ليلة سبع وعشرين، وإنّ القرآن ذکر ذلک بالحروف والکلمات. واعتمدوا علی ما ذکره القرطبي (المتوفى بتاريخ 671 هجرية) في تفسيره، وقبله صاحب کتاب (أحکام القرآن) وهو ابن العربي المعافري الأندلسي المالکي (المتوفی سنة 638 هـ )، أو لعله ابن العربي الأول (المتوفى: 543 هـ ) صاحب کتاب: (قانون التأويل في تفسير القرآن)، فإنّه قال: إنّ الله جلّ وعلا قسّم کلمات سورة القدر علی ليالي شهر رمضان المبارک فجعلها ثلاثين کلمة لثلاثين ليلة، وجعل الکلمة السابعة والعشرين کلمة (هي) إشارة إلی أنها هي ليلة القدر.

ومرة ثانية: إنّ الله جلّ وعلا لم يذکر ليلة القدر باسمها إلّا في هذه السورة، وقد ذکرها فيها ثلاث مرات:

1 ــ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.

2 ــ {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.

3 ــ {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.

وکل مرة من هذه المرات الثلاث تسعة أحرف فتکون نتيجة 9×3 = 27 إشارة إلی أنها ليلة سبع وعشرين، وجاء في کتاب الدر المنثور عن ابن عمر عن رسول الله| أنه قال: «التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين».

وقال بعضهم: إنّها ليلة سبع عشرة من شهر رمضان المبارک اعتماداً علی قوله تعالی: {إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}.

لأنّ معنی ذلک أنّ الله جلّ وعلا أنزل القرآن في ليلة ذلک اليوم الذي سمّاه يوم الفرقان، وهو يوم يبدو علی المشهور أنه اليوم السابع عشر من شهر رمضان.

ولکنّ القزويني المتوفى سنة 683 قال في کتابه (عجائب المخلوقات) في کلامه عن شهر رمضان قال: وفي السابع والعشرين منه صارت واقعة بدر ونزول الملائکة لنصرة النبي|.

وهذا القول يتفق مع ما تقدم من قول القرطبي وصاحبيه في تفسيرهم من أنّ ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين.

وقال بعضهم: إنها ليلة إحدی وعشرين، معتمدين في قولهم هذا علی قول الإمام الحسن بن علي ع في تأبين والده حيث، قال: «لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون، ولا يدرکه الآخرون، لقد کان يجاهد مع رسول الله| فيقيه بنفسه. ولقد کان يوجهه برايته، فيکتنفه جبرئيل عن يمينه، وميکائيل عن شماله، فلا يرجع حتی يفتح الله عليه. ولقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسی بن عمران، ورفع فيها عيسی بن مريم، وأنزل فيها القرآن. مات ولم يخلف صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمئة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادماً لأهله». وخنقته العبرة، فبکی وبکی الناس معه.

فإذا کانت وفاة أبيه ع ليلة إحدی وعشرين ــ کما هو المشهور ــ وقد أخبر عنها في کلامه ع أنها ليلة نزول القرآن، تکون هي ليلة القدر؛ لأنّ القرآن أنزل في ليلة القدر.

ولکن يوجد من يقول: إنّ الإمام ع ضرب ليلة إحدی وعشرين وقبض في ليلة ثلاث وعشرين، وإذا صحت هذه الرواية فإنّ کلام الإمام الحسن ع صار عن ليلة ثلاث وعشرين، فهي ليلة القدر المبارکة. وهذا القول يتفق مع رواية عبد الله بن أنيس الجهني (رضي الله عنه)، وهي أنه جاء إلی رسول الله| فقال له: يا رسول الله، إنّ لي إبلاً وغنماً وغلمة، فأحب أن تأمرني بليلة أدخل فيها فأشهد الصلاة معک. قالوا: وکان ذلک في شهر رمضان المبارک، فدعاه النبي| وسارّه في أذنه، فکان الجهني بعد ذلک إذا کانت ليلة ثلاث وعشرين، دخل المدينة بأهله وولده وغلمانه، وحضروا الصلاة مع رسول الله|، فإذا أصبح خرج بمَن معه.

قالوا: فعرف بعض المسلمين من ذلک أنّ ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة القدر، کما عرفوا من إسرار الرسول| أنه لا يحب أن يصرّح بليلة القدر.

ومما يدل علی ذلک ما روي عن أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) أنّه قال للنبي|: أقسمت عليک يا رسول الله إلّا أخبرتني عن ليلة القدر، أي ليلة هي؟ قال: فغضب رسول الله| غضباً ما رأيته غضب على مثله، ثمّ قال: «إنّ الله جلّ وعلا لو شاء لأطلعکم عليها، التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألني عن شيء بعدها».

وهذا من مصاديق قولهم: إنّ الله جلّ وعلا أخفی علی عباده أشياء في أشياء لخير أراده بهم، منها: أنّه جلّ وعلا أخفی ليلة القدر في ليالٍ من شهر رمضان؛ وذلک ليحيوا بعض الليالي من الشهر من أجلها، وأخفی الصلاة الوسطی في الصلوات الخمس؛ لتقوی محافظتهم علی الصلوات الخمس من أجلها، وأخفی اسمه الأعظم في أسمائه الحسنی؛ ليدعوه بأسمائه کلها، وأخفی ساعة الإجابة في ساعات ليلة الجمعة ويومها؛ ليدعوه في جميع ساعاتها، وأخفی أولياءه في عباده لئلّا يستهين أحد من المؤمنين ببعض إخوانه المؤمنين، قال تعالی: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وأخفی نهاية الأجل وأسبابه ومکانه {مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؛ وذلک ليکون الإنسان منتظراً للموت في جميع أحواله، فلا يقدم علی المعصية؛ مخافة أن يموت عليها، ولا يتأخر عن الطاعة؛ مخافة أن يموت عنها.

وبسبب هذا الإخفاء حصل الاختلاف في ليلة القدر المبارکة منذ الصدر الأول؛ فقد روي في کتب کثيرة ــ ومنها الدر المنثور، ومسند أحمد وغيرهما ــ أن الخليفة عمر (رضي الله عنه) جمع علماء الصحابة في أيام خلافته، وفيهم ابن عباس (رضي الله عنه)، وقال لهم: أرأيتم قول رسول الله| في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر وتراً؟» أي ليلة ترونها؟ فتکلموا عنها واختلفوا فيها، وکان ابن عباس ساکتاً، فقال له عمر: مالک لا تتکلم؟ فقال ابن عباس: إنک أمرتني ألا أتکلم حتی يتکلموا. فقال: ما أرسلت إليک إلّا لتتکلم، فقال (رضي الله عنه): إنّ الله وتر ويحب الوتر وقد جعل الدنيا تدور علی سبعة أيام، وإنّ السماوات سبع، والأرضين سبع، والسجود علی سبع، والطواف سبع، والسعي سبع، والجمار سبع، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع، فقال الخليفة: وکيف خلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع؟ لقد فهمت من هذا شيئاً لم أفهمه. فقال ابن عباس (رضي الله عنه): قول الله تعالی: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ *  ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، ثم ذکر رزق الإنسان قال تعالی: {َفلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه ِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}، ثمّ قال: فما أری ليلة القدر إلّا لسبع يمضين أو لسبع يبقين من العشر الأواخر من شهر رمضان، فقال الخليفة لمن معه: أعجزتم أن تکونوا مثل هذا الغلام الذي بعدُ لم تجتمع شؤون رأسه؟ والله إنّي لا أری القول إلّا کما قلت يابن عباس.

وإذا کان ابن عباس هکذا من العلم فما ظنک بأستاذه الذي کان يقول عنه: العلم عشرة أجزاء، أعطي علي ع منها تسعة لم يشارکه أحد فيها، وبقي جزء واحد منها لسائر النّاس وعلي ع أعلم به منهم؟! ولما سئل: ما بلغ علمک من علم علي ع؟ قال: نقطة في بحر لجي.

وفيه أنّ سبب ذهاب بصر ابن عباس البکاء على علي ع، وقد خوفه بعض من يحبه من ذهاب بصره بکثرة البکاء، فقال: أنا لا أبکي لشخص فقدته وإنّما أبکي العلم بذهاب علي ع.

وهنا يرد علينا هذا السؤال، وهو أنه  إذا کان علي ع في هذه الدرجة من العلم، فکيف احتاج إلی أخيه عقيل (رضي الله عنه) في أن يبغي له امرأة ولدتها الفحولة؟

الجواب: أنه ع لم يقل ذلک لأخيه إلّا لأنه أراد أن يکرّم العالم، ويعلّم الجاهل.



قصص القران : غزوة أحد

قصص القران : غزوة أحد

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

عن أبي عبد الله ع أنه قال: كان سبب غزوة أحد أن قريشاً لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر لأنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون قال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا نسائكم يبكين على قتلاكم فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد فلما غزوا رسول الله(ص) يوم أحد أذنوا لنسائهم في البكاء والنوح وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس وألفي راجل وأخرجوا معهم النساء فلما بلغ رسول الله(ص) ذلك جمع أصحابه وحثهم على الجهاد فقال عبد الله ابن أبي سلول يا رسول الله لا نخرج من المدينة حتى تقاتل في أزقتها فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة على أفواه السكك والسطوح فما أرادها قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا وما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا فقام سعد بن معاد وغيره من الأوس فقالوا يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيداً ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله، فقبل رسول الله رأيه وخرج مع نفر من أصحابه يتبوأون موضع القتال كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية وقعد عنه عبد الله بن أبي سلول وجماعة من الخوارج اتبعوا رأيه ووافت قريش إلى أحد وكان رسول الله(ص) عبأ أصحابه وكانوا سبعمائة رجل ووضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان فقال لعبد الله بن جبير وأصحابه أن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم، ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مأني فارس كميناً وقال إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا ورائهم وعبأ رسول الله(ص) أصحابه ودفع الراية إلى أمير المؤمنين ع وحمل الأنصار على قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ووضع أصحاب رسول الله في سوادهم وانحط خالد بن الوليد في مأني فارس على عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجع ونظر أصحاب ابن جبير أصحاب رسول الله ينتهبون سواد القوم فقالوا له قد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة فقال لهم عبد الله اتقوا الله فإن رسول الله تقدم إلينا أن لا نبرح فلم يقبلوا منه وأقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم وبقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلاً وكانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبيدي من بني عبد الدار فقتله علي ع وأخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي وسقطت الراية فأخذها مسافع بن أبي طلحة فقتله علي حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار حتى صار لواهم إلى عبد أسود لهم يقال له صواب فانتهى إليه علي فقطع يده اليمنى فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره ثم التفت إلى أبي سفيان فقال: هل اعتذرت في بني عبد الدار فضربه على رأسه فقتله وسقط اللواء فأخذتها عمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير وقد فر أصحابه وبقي في نفر قليل فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها وانهزم أصحاب رسول الله(ص)هزيمة عظيمة وأقبلوا يصعدون في الجبال في كل وجه فلما رأى رسول الله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال أنا رسول الله أنا رسول الله إلى أين تفرون عن الله تعالى وعن رسوله وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلاً ومكحلة وقالت إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا وكان حمزة بن عبد المطلب (رض) يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد وكانت هند قد أعطت وحشياً عهداً لئن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطينك كذا وكذا وكان وحشي عبد الجبير بن مطعم حبشياً فقال وحشي، أما محمد فلا أقدر عليه وأما علي فرأيته حذراً كثير الالفتات فلا مطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً فمر بي فوطىء على جرف نهر فسقط وأخذت حربتي فهززتها ورميته بها فوقعت في خاصرته وخرجت من ثبته فسقط فأتيته وشققت بطنه وأخذت كبده وأتيت بها إلى هند وقلت هذه كبد حمزة فأخذتها في فمها فلاكتها فجعلها الله في فمها مثلاً الداغصة وهي عظم رأس الركبة فلفظتها ورمت بها قال رسول الله(ص) فبعث الله ملكاً فحمله ورده إلى موضعه قال: فجاءت إليه وقطعت مذاكيره وقطعت أذنيه وقطعت يده ورجله، ولم يبق مع رسول الله إلا أبو دجانة سماك بن خرشة وعلي ع وكلما حملت طائفة على رسول الله استقبلهم علي فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه فدفع إليه رسول الله(ص) سيفه ذا الفقار وانحاز رسول الله إلى ناحية (أحد) فوقف وكان القتال من وجه واحد فلم يزل علي يقاتل حتى أصابه في رأسه ووجهه ويديه وبطنه ورجليه سبعون جراحة فقال جبرئيل أن هذه هي المواساة يا محمد، فقال(ص) إنه مني وأنا منه فقال جبرئيل وأنا منكما، قال أبو عبد الله ع نظر رسول الله إلى جبرئيل بين السماء والأرض على كرسي من ذهب وهو يقول: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي» وكانت هذه الغزوة في النصف من شهر شوال سنة ثلاثة من الهجرة ومن نتائجها المؤلمة قتل حمزة وكسر رباعية رسول الله وشج وجهه وكان المشركون مثَّلوا بقتلى المسلمون الذين لا يقلون عن سبعين وأعظمهم مثله سيد الشهداء حمزة كما عرفت، ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

ومما أنزل الله تعالى في هذه الغزوة قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.

قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية أنه لما أرجف بأن النبي(ص) قد قتل يوم أحد وأشيع ذلك قال الناس لو كان نبياً لما قتل وقال آخرون نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به وارتد بعضهم وانهزم بعضهم وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب وكان رسول الله(ص) نهاهم عن الإخلال به وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلاً وقال: لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم، وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن الدفوف وينشدن الأشعار فقالت هند:

نحن بنات طارق                نمشي على النمارق

إن تقبلوا نعانق                   أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش وعبيد أهل مكة فقاتلهم قتالاً شديداً وحميت الحروب فقال رسول الله(ص) من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء وجعل يفتخر تبختراً ويقول:

أنا الذي عاهدني خليلي                     أن لا أقيم الدهر في الكيول

أضرب بسيف الله والرسول

فقال رسول الله(ص)إنما لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع ثم حمل النبي وأصحابه على المشركين فهزموهم وقتل علي بن أبي طالب ع أصحاب اللواء كما تقدم بيانه وأنزل الله نصرته على المسلمين، قال الزبير رأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن ما دونهن شيء فلما رأيت الرمات إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي(ص) وأصحابه ينتبهون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب واختلفوا فقال بعضهم لا تتركوا أمر رسول الله(ص) وقال بعضهم ما بقي من الأمر شيء ثم انطلق عامتهم ولحقوا بالعسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي من خلفهم فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله(ص) بحجر وكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه وأقبل يريد قتله فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله يوم بدر ويوم أحد عن رسول الله(ص) حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قمئه فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله(ص) وقال إني قتلت محمداً وصاح صائح ألا إن محمداً قد قتل ويقال إن ذلك الصائح كان إبليس (لعنه الله) فانكفى الناس وجعل رسول الله(ص) يدعو الناس ويقول إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سيلة قوسه وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ فردها رسول الله(ص)مكانها فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله أدركه أبي خلف الجمحي وهو يقول لا نجوتُ إن نجوت فقال القوم يا رسول الله ألا يعطف عليه أحد منا فقال دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقي رسول الله(ص) ويقول عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذره أقتلك عليها فقال رسول الله بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما كان يوم أحد ودنا منه تناول رسول الله الحربة من الحرث بن الصمة فاستقبله وطعنه في عنقه فخدشه فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول قتلني محمد فاحتمله أصحابه وقالوا ليس عليك بأس قال بلى لو كانت هذه بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي أقتلك فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات وفشا في الناس أن رسول الله قد قتل فولوا مدبرين بعد اختلاف كلمتهم سوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع فقد كان المظهر الأتم للدفاع عن رسول الله وعن الدين حتى كانت كلمة الله هي العليا وكلمة الدين وكلمة الذين كفروا السفلى وقد مر ما يزيدك وثوقاً واطمئناناً.



لأبي حسين قلت هذي مدحة … ودعاؤنا نحو الإله يبوح

لأبي حسين قلت هذي مدحة … ودعاؤنا نحو الإله يبوح

رسالة وصلتني؛ سمعت عن والدنا الغالي سماحة الشيخ عبد الحميد آل مرهون حفظه الله وأبقاه أنه يرقد في المستشفى لإجراء عملية جراحية، وبحمد الله المنعم تكللت بالنجاح، فكتبت بهذه المناسبة هذه الأبيات:

شيخ المنابر في الفراش طريح *** سيماؤه التسليم والتسبيح

مع ما به من سقم إلا أنه *** يلقاك والبسمات منه تلوح

فمتى يقوم من السقام ويرتقي *** شأو المنابر واحسين يصيح

فهو الخطيب الألمعي وهن له *** عبق بكل المكرمات يفح

وهو المعلم والمربي جيلنا *** ما خانني التلويح والتصريح

حظيت به أم الحمام ونالها *** منه الهنا والسعد والتقريح

علم ومفخرة بأرض قطيفنا *** لا غرو أن يأتي إليه مديح

إن عدت الخطباء فهو عميدها *** أو كان في الميزان فهو رجيح

لأبي حسين قلت هذي مدحة *** دعاؤنا نحو الإله يبوح

فاحفظه يا ربي وسلمه لنا *** يا من يجيب إذا دعاه لحوح



لقمان الحكيم : مـهـنـتـه

لقمان الحكيم : مـهـنـتـه

إن من التدبير الحسن لذوي المروة والإنصاف لأنفسهم صون وجوههم عن التكفف والتعفف عما في أيدي الناس بعمل يفيدهم ويغنيهم عن ذلك، فإنه مع ما اتصف به جهاد محمود موجب للعز والرفعة، وخلافه مع عدم تأتي المقصود في كثير من الأحيان موجب للذل والسقوط والمهانة، ففي الخبر:«لو علم الناس ما في السؤال لما سأل أحد أحداً».

وفيه: «لو أن أحدكم أخذ حبلاً فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها ويكف بها وجهه خير له من أن يسأل».

وفيه: «من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم، ومن سأل وله ما يقنيه جاء يوم القيامة وجهه عظم يتقمقع ليس عليه لحم».

وفيه: «من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيام لقي الله يوم يلقاه وليس على وجهه لحم».

مضافاً إلى ذلك ما كل من سأل أعطي، وعلى فرضه فمن ذا الذي يرضى لنفسه أن يكون عالة على من ليس له أهلية ذلك؟ اللهم إلا ساقط النفس، واهي الرأي، ضعيف الهمة، لا يعرف لنفسه قيمة ولا يقيم لها وزناً.

وما يمنع الإنسان من الاشتغال بسائر الأعمال بعد أن زاولها خيار البشر، فهذا رسول الله(ص) زاول التجارة غير مرة أجيراً تارة ومستقلاً أخرى، وذاك أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان فلاحاً أو زارعاً، حتى أعتق من عمل يده ألف مملوك، ومن اقتدى به واستضاء بنور عمله كثير من أولي الفضيلة والمكانة السامية.

وهذا من نحن بصدده؛ (لقمان الحكيم) كان نجاراً أو خياطاً بعد أن امتهن رعاية الأغنام سنيناً، وهو الذي يقول لولده كما حكى الله تعالى عنه:[وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ]، فكلفه من الأعمال بما يقوم بلوازمه ناهياً له عن الزيادة بقوله: «ولا تدخل في الدنيا دخولاً يضر بآخرتك»، فإنهما ضرتان لا يجتمعان مع ما في الميل إلى الدنيا من الذل لاستلزامه الخضوع إلى المخلوق ولو آناً مّا، ولا خير في مخلوق يخضع لمخلوق من أجل الحطام البائد.

لا تخضعنّ لمخلوق على طمع

فإن ذلك نقص منك في الدين

واستـرزق الله مما في خزائنه

فإن رزقك بين الكاف والنون

واستغن بالله عن دنيا الملوك كما

استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

ولا ريب في أن الله تبارك وتعالى قادر على أن يرزق عباده جميعاً بدون أي عمل يتكلفون به، إذ هو القادر على كل شيء، غير أنه لو كان كذلك لما رأيت مما ترى شيئاً من هذا العالم القائم والنظام المتكون، وغلب على الناس البغي والفساد والبطالة واللعب واللهو، وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة. ولعل من ذلك شيء موجود في العالم عبرة لأولي الأبصار وذكرى للذاكرين فاقتضت حكمته تبارك وتعالى أن لا يكون شيء إلا بسبب، ومنه الرزق، فإنه قلّ أن يكون بلا سبب، فجعل سببه السعي والحركة، وهو تبارك وتعالى مسبب الأسباب بلا سبب، فقال تعالى:[فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ].

وفي الحديث القدسي: «حرك يدك وعليَّ إجراء الرزق».

ويقول تعالى لمريم ابنة عمران(ع):[وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا]، وقال الشاعر في ذلك:

ألم ترَ أن الله قال لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

جنته ولكن كل شيءٍ لـه سبب



إهداء لسماحة الشيخ عبدالحميد المرهون

إهداء لسماحة الشيخ  عبدالحميد المرهون

حمامك بات ينتظر
على المحراب ينتثر
يحن اليك في وله
يناغى عطره الزهر
له عند الصباح دعا
فناجى دمعه  السحر
وفي سجداتك الذكرى
و منهم  سجدة شكر
على عينيك كم نظروا
و فكرك كم وكم بصروا
وهاهم  ينظرون متى
يظلل طيرها الشجر

لسانك نهج من خبروا
دروس الوحي يا عطر
وبحرك منبر درر
وعذب فراتك السير
تقرب سهل ما امتنعت
عن الافهام  تبتكر
فكم من معضل لجئت
له ام الحمام سروا
فﻻ عجب اذا سهرت
فكم  اضنا  بك السهر
وها  حبا  تبادله
ليشكر  ارضه الثمر



كلمات في الأم

كلمات في الأم

الأم دفء في الصقيع ونسمة في الهجير

لا لم تغب الأساطير بعد… لا لم تصبح التضحية جزءاً من زمان طيب ذهب… لا لم يعد ذلك المعدن اللامع وحده هو الذهب… فأنت إحدى رموز التضحية أنت أسطورة زمن استنشق عبير الحنان وتذوق طعم الود، وترعرع فوق رياض الأمل… أنت وحدك في هذه الدنيا تصاب حروفي بالجفاف عندما تحاول أن ترسم صورة لك، أنت وحدك في هذا الزمان من تتجمد أناملي وأعجز عن خط أروع معنى الرحمة التي تسكنك وتلك النظرات الصابرة المنبثقة من فؤاد أعطي وما زال يعطي وسيظل يعطي وسيظل هو الظل الذي أرتاح فيه والواحة التي لا تمل عيني من تأمل ألوانها الزاهية…

يا من أجد فيك الدفء عندما يشتد الصقيع، وأجد النسمات المنعشة في ظلالك عندما يشتد الهجير، أريد أن أحمل الحرف أكثر من معناه لقامتك الشامخة…

أبحث عن أغلى المعاني علها تعبر عن بعض ما لدي من مخزون حنانك وعطفك… سيدتي في كل عصر وحين.. يا قطرات الدم التي تجري في عروقي ارسمي في ثنايا جسدي اسم أمي .. ولفاح أمي .. وعطاء أمي.. وتضحية أمي .. نعم

أعطيت الكثير وعانيت أكثر مهما حاولت أو حاول فلن يستطيع أن يصور لهفتك في ليلة شتاء باردة..

لا تسألي عن تلك الليلة ما هي ومتى،

لا أعرف التاريخ يا أمي ولكن كانت ليالي الشتاء باردة كثيرة.. وكنت أحس بأناملك وهي تضع اللحاف على جسدي.. كنت صغيرة جداً وكبرت ورغم تغير الآخرين عبر السنين تظل أناملك الحانية ودموعك الغالية بوصلتي عندما تجف آبار المودة وتتوه أحداقي في عالم الزيف، أجد نبرات صوتك بطهرها الأصيل تنادي عبر دائرة اتصال خاصة، كانت لبنتها الأولى قطرات من صدرك أهدت إليَّ الحياة… فترى ماذا أستطيع أن أقدم لك..

لعلي ألوم نفسي لكون كل يوم بل كل ساعة أشعر فيها بحنانك هي عيد…

فلك يا أمي حب بقدر قطرات دمي.. لك يا أمي كل مشاعلي ومشاعري… لك يا أمي وحدك تبحه مراكبي.. اسمك وحده يا أمي يرجف أناملي.

ابنتك



ذكرى هدم البقيع ـ صورة نادرة من البقيع بالألوان ـ

ذكرى هدم البقيع ـ صورة نادرة من البقيع بالألوان ـ



مجالس من التفسير / سورة القدر/ ليلة القدر وأهل البيت(ع)

مجالس من التفسير / سورة القدر/ ليلة القدر وأهل البيت(ع)

 قال تعالی: بسم الله الرحمن الرحيم {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.

لقد تقدم أنّ کلمة {وَمَا أَدْرَاكَ} جاءت هنا للتعظيم والتشريف والتکريم، فهي ليلة عظيمة کريمة شريفة، وزادها شرفاً إلى شرفها، وکرامة إلى کرامتها نزول القرآن فيها، لأنّه نزل للهداية والشفاء والرحمة، وقد أخبر القرآن عن نفسه بنفسه أنه نزل لذلک فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. ومعنى {هُدًى لِلنَّاسِ} يعني أنه أنزل لهداية الناس الذين يلتمسون الهداية منه. أما من يکابر القرآن ويعانده فإنّه لا ينتفع به. ومثلاً من ذلک أنّ القرآن يقول بصراحة في آية المباهلة وغيرها أن الحسنين ابنا رسول الله|، فلماذا يجرد السيف على من يقول ذلک حتى ممن يحفظ القرآن ويعلمه کالحجّاج؟ فقد کان يحفظ القرآن ويعلمه قبل أن يکون أميراً، وإذا هو يريد أن يضحي بيحيى بن يعمر العدواني (رضي الله عنه)؛ لأنّه يقول إن الحسنين ابنا رسول الله| باختيارهم ومن تلقاء أنفسهم؛ لأنّ العدالة الإلهية لا تجيز الجبر، وإن کان ذلک في مقدوره جلّ وعلا، ولذلک قال تعالی: {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاً}، ثم قالت الآية: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}: البينات: جمع بينة وهي الدلالة الواضحة الکافية لإتمام الحجة عقلاً، قال تعالی: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.

والمعنی: ليهلک من هلک بالکفر عن بينة من غير شبهة، ويحيا من حيَّ بالإيمان عن بينة من غير شبهة، فإنّ القرآن فرقان يفرق بين الحق والباطل ومن أجل ما فيه من الهداية والفرقان أمر الله جلّ وعلا بقراءته، فقال: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}. وأمر باستماعه والإصغاء إليه، فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

ومن أجل أن تبقی الهداية موجودة به إلی الأبد حفظه الله من التحريف والتبديل والتغيير، ومن ادعی فيه شيئاً من ذلک فهو معاند، أو مغالط، أو مشتبه. وکلهم علی غير هدی؛ لأنّ الله جلّ وعلا يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

وقد أجمع المفسرون علی أن المراد بالذکر في هذه الآية هو القرآن الکريم، وأن الضمير في کلمة {لَهُ} يعود عليه لا علی غيره، فهو محفوظ من الله جلّ وعلا من کل ما يمس بکرامته، أو ينقص من شأنه کالتحريف، ويقول تعالی: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. والتحريف باطل ولا يمکن أن يصل إليه بحال.

وعلی فرض حصول من يدعي التحريف من المسلمين، فإنّه يعني التحريف في المعاني لا في المباني، يعني أنه يعني التحريف في التفسير والتأويل، وأسباب النزول والتدليل لا في نفس الألفاظ والکلمات، والمقاطع والآيات.

ومما ساعد بعضهم علی هذا الاعتقاد ما روي عن معاوية أنّه وقف على ابن عباس وهو في حلقته العلمية، فقال له: يابن عباس، إنّا قد کتبنا إلی الناس ننهاهم عن ذکر مناقب علي× وأهل بيته^، فکف لسانک يابن عباس. فقال: أتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، فقال: أفتنهانا عن تفسيره وتأويله؟ قال: نعم. فقال: فنقرأه ولا نسأل عمّا عنی الله به؟ قال: نعم. فقال: فأيهما أوجب علينا قراءته أم العمل به؟ قال: بل العمل به. فقال: فکيف نعمل به ونحن لا نعلم ما عنی الله به؟ قال: نسأل عن ذلک من يتأوله علی غير ما تتأوله أنت ولا أهل بيتک. فقال: إنما أنزل القرآن علی أهل بيتي، أفأسأل عنه آل أبي سفيان أو آل أبي معيطٍ؟ فقال: يابن عباس اکفني نفسک، وکفّ عني لسانک، وإن کنت لابدّ فاعلاً فليکن ذلک سراً.

ومن هذه القصة وأمثالها ــ لو کان في التاريخ أمثالُها ــ نعلم أنه قد وجد في المسلمين من يتأول القرآن علی غير ما عنی الله به طالما أن خال المؤمنين وخليفة المسلمين أراد منهم ذلک، وإذا کان ابن عباس أبی أن يستجيب له فإنّه لابدّ أن في الناس من يستجيب له؛ لأنّ أکثر الناس علی دين ملوکهم. ومما حصل من ذلک قولهم: إنّ آية التطهير تعني زوجات الرسول| فقط، ولا علاقة لها بعلي وفاطمة وابنيهما، مع أنهم يروون حديث الکساء الذي روته أم سلمة (رضي الله عنها)، ويروون أنّ رسول الله| لما نزلت عليه آية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} کان| يجيء إلی باب بيت فاطمة÷ وقت صلاة الغداة نحو ثمانية أشهر ويقول: «الصلاة يرحمکم الله». ثمّ يقرأ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ}.

ومن ذلک قولهم: إنّ آية المودة تعني کل قرابات الناس، فمعناها: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}: في قرباکم، مع أنهم يعلمون أنّ مودة الناس لقراباتهم وإن کانت أمراً حسناً، ولکنها لا علاقة لها بأجر رسالته، وإنما أجر رسالته في مودة قرابته. وقال الشافعي (المتوفى بتاريخ 30 / 7 / 204 هجرية): حيث يقول

يا أهل بيت رسول الله حبُّکُمُ

فرض من الله في القرآن أنزلَهُ

يکفيکُمُ من عظيم الشأن أنکمُ

من لم يصلِّ عليکم لا صلاة لَهُ

وقد أشار& في البيت الأول إلی آية المودة المذکورة، وفي البيت الثاني إلی ما روي في سنن الدارقطني (المتوفى بتاريخ 8/11/385 هجرية) عن ابن مسعود عن رسول الله| أنه قال: «من صلی صلاة لم يصلِّ فيها علي وعلی أهل بيتي لم تقبل منه».

ويقولون: إنّ آية {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} تعني القرآن فقط، ولا علاقة لها بأهل البيت من قريب ولا من بعيد؛ مع أنهم يروون حديث الثقلين، ويعلمون أنه| قرن الکتاب بالعترة، وجعل الهداية وعدم الضلال في التمسک بهما معاً لا بأحدهما دون الآخر. قال الإمام الشافعي :

ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغيِّ والجهلِ

رکبت علی اسم الله في سفن النجا

ووهم آل بيت المصطفی سيّد  الرسلِ

وأمسکت حبل الله وهو ولاؤهم

کما قد اُمرنا بالتمسّک بالحبلِ

وقد أشار& في البيتين الأولين إلی حديث «أهل بيتي کسفينة نوح من رکبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوی». وأشار في البيت الثالث إلی آية الاعتصام المذکورة.

ويقولون: إنّ آية {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} تعني عامة الولاة، حتی يزيد بن معاوية وأمثاله، وبذلک يکون الناس قد أطاعوا الله جلّ وعلا في طاعتهم ليزيد بن معاوية في قتل الحسين بن رسول الله| وسيد شباب أهل الجنة. فأيّ تحريف أعظم من هذا التحريف؟! ثمّ أي أثر يبقی للقرآن الکريم في هداية العقول، وشفاء القلوب بعد أن يحصل لآياته مثل هذا التأويل؟! ولهذا ورد في الحديث الشريف: «کم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه»؛ وذلک لأنّه يقرأ القرآن ولا يتدبره، ولا يدري ماذا يعني، ومن ذا يريد.



Real Time Web Analytics