صلة الرحم تعمر الديار وتزيد الأعمار

img

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صلة الرحم تعمر الديار وتزيد الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار»

دعا الإسلام إلى الألفة والمحبة بين جميع الناس، وأوصاهم أن يتعارفوا ويتآلفوا وأكد على ذلك، وشدّد عليه في حق القرابة المعبّر عنها بالرحم. هذه الرحم أوصى الله بصلتها ونهى عن قطيعتها، وحذر الأرحام من التدابر والتقاطع، ولذلك فمن راجع المصادر الشرعية قرآناً وسنة يقطع بأن من أغراض المشرع المقدس الألفة، والاتحاد، والتواد والتحاب بين المؤمنين ككل في المجتمع الإسلامي في أي تكفل وتجمع وأي دائرة اجتماعية، وبشكل أخص التواد بين الأرحام. ومن أبرز الأمور التي تجلب المحبة والتواصل بكل أشكاله ابتداءً بقوله: السلام عليك، وهو أضعف درجة إلى الصلة بالمال والنفس، لذلك نجد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار يولون الأهمية العظمى لمسألة التواصل بين الأرحام. فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أوصي الشاهد من أمتي، والغائب منهم، ومن كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يوصل الرحم، وإن كان منه على مسيرة سنة فإن ذلك من الدين).

من شدة اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر يوجه وصية إلى من لم يولد بعد إلى من هم في أصلاب الرجال وأرحام النساء وإلى متى؟! إلى يوم القيامة نقف عند هذه الكلمة العظيمة «وإن كان منه على مسيرة سنة» تأملي أختي المؤمنة الموالية مسيرة سنة؟! فما أشق السفر وما أعظم هذه المسافة الكبيرة التي قدرت سنة كاملة، وخاصة في ذلك الزمان حيث لا وسائل حديثة للنقل كما الآن السيارة، الطائرة والقطار حيث لا وسائل، كل ذلك لا لأجل مال على أمل أن يصيبه المرء، ولا لشيء آخر، بل فقط لغاية صلة الرحم، وهذا الصنع الذي يقوم به يثاب عليه وليس مجرد عمل حسن فحسب، بل هو من الدين ففي الرواية (…فإن ذلك من الدين).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (من رزق من أربع خصال واحدة أدخل الجنة: بر الوالدين، أو صلة الرحم، أو حسن الخلق). وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من مشى إلى ذي قربة بنفسه وماله ليصل رحمه، أعطاه الله عز وجل أجر مائة شهيد، وله بكل خطوة أربعون ألف حسنة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك وكأنما عبد الله مائة سنة صابراً محتسباً).

تأملي أختي الموالية كم من الأجر العظيم لربما الإنسان يمشي بضع خطوات فيصل بها رحمه فينال أجر مائة شهيد، وليس للشهيد من الأجر إلا الجنة وله من الدرجات ما ذكر في الرواية. كل هذه الأمور تترتب لمن يصل رحمه، على العكس من الإنسان الذي يقطع رحمه. وقد يترتب عليه عقوبة جسيمة وعذاب من الله شديد.

وبعض آثار قطيعة الرحم:

1. إن أهم أثر لقطيعة الرحم أنها تدخل النار، وتغضب العزيز الجبار، فإن الله أوعد بعذاب أليم لمن قطع رحمه. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أخبرني جبرائيل أن رائحة الجنة توجد من مسيرة ألف عام ما يجدها عاق ولا قاطع رحم).

2. عن الإمام الباقر عليه السلام: (إذا قطعت الأرحام، جعلت الأموال في أيدي الأشرار).

3. وأيضاً تعجل الفناء ففي خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يقول: (أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء، فقام إليه عبد الله بن الكواء اليشكري فقال: يا أمير المؤمنين أو يكون ذنوب تعجل الفناء؟ فقال: نعم ويلك قطيعة الرحم).

4. سبب لحلول النقم. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (حلول النقم في قطيعة الرحم، إن قاطع الرحم لا تنزل عليه الرحمة، بل وحتى القوم الذين هم معه).

جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم).

5. إن قطعية الرحم تمنع الملائكة من النزول عليه بل على قوم فيهم.

لو تأملنا على كل هذا الكم من الروايات الطاهرة لأدركنا أن القطيعة من أكبر الذنوب الكبيرة والجرائم العظيمة.

هذه بعض الآثار السلبية التي يصيبها قاطع الرحم. وهناك آثار إيجابية كثيرة وعظيمة جدير بكل إنسان عاقل أن يتدبرها ويكتبها ويبحث عنها، ويومُها لنفسه فإنها في متناول يده وتحت سلطانه، ولا يستطيع أن يأتي بالمعاذير، فإنها غير مقبولة على الإطلاق.

وهذه الآثار الإيجابية هي:

1. أن في صلة الرحم طاعة الله، وامتثالاً لأمره وهذا المعنى هو غاية مطمع أنظار المؤمنين، فإنهم باستمرار يبحثون عن رضاه ويكون ذلك من أهم عوامل إدخال السرور عليهم والراحة لنفوسهم.

2. صلة الرحم تزيد في العمر. عن أمير المؤمنين عليه السلام مخاطباً أحد أصحابه واسمه نوف: (يا نوف صل رحمك، يزيد الله في عمرك). وعن الإمام الصادق عليه السلام: (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله ثلاثون سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيرها الله ثلاث سنين. ثم تلا: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾).

3. صلة الرحم تهوِّن سكرات الموت، وشدائده وتقي من ميتة السوء. ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «من أحب أن يخفف الله عز وجل عنه سكرات الموت فليكن لقرابته وصلا، وبوالديه باراً، فإذا كان كذلك هوّن الله عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقر أبداً». لأن التواصل والتحابب يجعل من الناس وسائل تبحث عن راحة أحبابها وأصدقائها، وتسعى في سبيل رفع العوز عنهم وتنفي الفقر.

أفضل صلة الرحم

وأفضل صلة الرحم وأعظمها إذا كان الرحم قاطعاً فإن صلتها حينئذ تكون خالصة لوجه الله تعالى صافية من جميع شوائب الرياء والتعصب للأهل والأقارب، فإن في حالة الرضا والوفاق تتدخل المصالح، والمنافع، والقرابة ولكن إذا كان رحمك قاطعاً لتضمه إلى جانبك في حب ورضا.

الأرحام الذين يجب صلتهم

إن كل قريب هو رحم تلزم صلته سواء كان التزويج فيما بينهم محرماً أم لا، حتى وإن كان القريب درجته القرب بعيدة فمثلاً ابن ابن عم إذا اتفق مثلاً فهو رحم تلزم صلته.

حد القطع

إن بعض الروايات تنص على أنه حتى ولو قطعك بعض أرحامك فلا رخصة لك في قطعهم، بل إما تصبر على الأذى وإما تبادر إلى وصلهم، وهنا رواية في الكافي الشريف عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: (إن لي ابن عم أصلهُ فيقطعني، وأصلهُ فيقطعني، حتى لقد هممت لقطيعته إياي أن أقطعه)، قال: (إنك إذا وصلته وقطعك وصلكما الله جميعاً، وإن قطعته وقطعك قطعكما الله).

وهنا سؤال يطرح نفسه وهو: أنه إذا وصلت رحمي وقطعتني وأردت وصلها من جديد فهذا يستوجب ذلتي وذهاب مروءتي وهذا غير محمود ولا مرضي حتى عند الشرع، وكذلك لو كان قريبي هو الذي أخطأ معي فكيف أذهب أنا إلى زيارته مثلاً، أليس عليه أن يأتي هو ويعتذر إلا فلتقع القطيعة؟

وهذا جوابه أنك ستعرض نفسك إلى أن يقطعك الله تعالى كما في نص الرواية السابقة «وإن قطعته قطعكما الله» وهذه الذلة التي تشعر بها هي عزة في الحقيقة لأنها تذليل النفس في طاعة الله تعالى، وفيما يريده عز وجل فيقول الإمام الصادق عليه السلام كما في الكافي: «إني أحب أن يعلم الله أني قد أذللت رقبتي في رحمي، وأني لأبادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني).

ففي الحقيقة علينا أن نكون مقتدين بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، فإذا كان الإمام الصادق عليه السلام يحب أن يرى الله أنه قد أذل رقبته في رحمه، فمن نكون نحن لكي نجعل أنفسنا أعز وأجل من نفس إمامنا عليه السلام، فلنخلع هذه النخوة الكاملة والعزة الخيالية ولنطبق «ليس التواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من الذي إذا انقطعت رحمه وصلها». ولا يوجد تحديد شرعي للصلة بل نرجع في تحديد حد القطع إلى العرف، وطبعاً عند العرف تختلف المسألة والحكم بين القريب والبعيد في القرابة، وبين البعيد والقريب في المكان، وكذلك ترجع إلى العادات والظروف الاجتماعية لها تأثير في تحديد ذلك، ففي بعض البلاد قد يكون التزاور أقل منه في البعض الآخر وكل له حكمه.

كيف نصل أرحامنا:

أولى مرتبة للصلة هي السلام وهو قد يكون بالنفس بأن تذهب إليه، وتقول له: السلام عليكم، وقد يكون بإرسال السلام إليه مع شخص آخر، وطبعاً الأول أفضل. وقد تكون الصلة من خلال الاتصال الهاتفي مثلاً، وتكون الصلة بالدعاء له في ظهر الغيب، والثناء عليه في محضره، وتحصل الصلة بدفع الضرر عن الرحم وجلب المنفعة له، وقد تكون بالمال أوغير المال بأن يدفع له مبلغاً من المال، وقد تكون واجبة كما في نفقة الوالدين الأغنياء على الأبناء الفقراء وبالعكس. فانظري أختي المؤمنة الموالية أيدكِ الله تعالى إلى هذا الخلق العظيم وهو صلة الرحم التي هي من أعظم العبادات الواصلة إلى أكمل الدرجات وهي الجنة فاغتنمي هذه الفرصة. لا تنسي نحن في دار قنطرة توصلنا إلى دار القرار دار عمل، فاعملي كل ما يوصلكِ إلى درجات الكمال إلى الله، إلى الرسول، إلى أئمة الهدى، ومن ثم الجنة.

الكاتب أمنة عطية

أمنة عطية

مواضيع متعلقة

اترك رداً