كشكول الوائلي _ 188

14 نوامبر 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: X

كشكول الوائلي _ 188

العطاء الثاني: رصيده من الوقائع والحروب

وخاض (سلام اللّه عليه) ثلاثا وثمانين غزوة وسرية كان لواء المؤمنين فيها بيده، وكان فيها البطل الأوّل المدافع والمنافح عن الإسلام وعن رسول الإسلام صلى الله عليه وآله، وكان الجسد الذي يتلّقى الطعنات درءا للخطر عن أن يصيب جسد المسلمين، وكان السيف الذي غرّد به جبرئيل بين السماء والأرض: «لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي»(1).

إنّه السيف الذي لم يسلّ قط للبغي أو للتجبّر والظلم، بل إنّه سلّ ضدّ هذا.. كان سيفا ينال الشجاع ويترفّع عن قتل الجبان، سيفا أبى أن يوضع على عنق عمر بن العاص الذي لم يستقبله ببطولة الرجال الشجعان، بل استقبله بانخذال الجبناء.. سيفا ترفّع عن قتل بسر بن أرطاة وعمرو بن العاص(2)، بل إنّه ترفّع حتى عن قاتله. إنّه سيف سُلّ تركيزا لكلمة «لا إله إلاّ اللّه» وللدفاع عن دماء المسلمين وأعراضهم، فأبلى في اللّه أحسن البلاء.

وها هو عليه السلام يعطينا صورة واضحة عن هذه المسيرة الطويلة المفعمة بالعطاء والجراح، والمليئة بالآلام في خدمة الإسلام؛ فيلج الحرب تلو الحرب. يقول عليه السلام: «وهل أحد منهم أشدّ لها مراسا وأقدم فيها مقاما منّي؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين»(3).

أي أنّه عليه السلام أمضى من عمره ثلاثا وأربعين سنة لم يخرج فيها من لهوات الحرب. وقد أعطته هذه الفترة رصيدا ضخما من الجراح، فقد حُمل في واقعة اُحد مثلاً وفي جسده أربع وستون طعنة رمح وضربة سيف كما يروي المؤرّخون. وكانوا قد وضعوه على حصير أحضرته الزهراء عليها السلام وهو قطعة واحدة من الدم، فراحت عليها السلام تمسح الدماء عنه وتضمّد جروحه، فنبذ إليها السيف وهو يقول:

 «أفاطم هاك السيف غير ذميمِ *** فلست برعديد ولا بمليمِ

 لعمري لقد جاهدت في نصر أحمدٍ *** وطاعة ربّ بالعباد رحيمِ» (4)

وجاءه رسول اللّه صلى الله عليه وآله يعوده ويواسي جراحه، فأخذ يمرّ بآنامله الشريفة وكفّه الكريمة فتتهاوى الجراح فتبرؤ. وكان عليه السلام طالما يقول: «إن أكرم الموت القتل. والذي نفس علي بن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون عليَّ من ميتة على فراش»(5).

إنّ كل جرح من هذه الجراح هو وسام من أوسمة البطولة؛ لأنّه كان يبتغي بها وجه اللّه تعالى وليس الانتقام لنفسه(6)، فلذا كان كل واحد منها يغرّد بفضله وبطولته، فهو عليه السلام عندما ينزل إلى ساحة المعركة تتحاشاه الرجال والأبطال، فيخط صفحة من صفحات المجد والخلود، وهو يحمل ذلك السيف الفارق بين الحقّ والباطل، أولسنا نسمع رسول اللّه صلى الله عليه وآله يخاطبه بقوله: «ويلٌ لمن سلّ سيفَه عليك،

وسللت سيفَك عليه»(7)؟ فهو سيف لم يسلّ إلاّ لينصر الحقّ ويخذل الباطل ويدحضه، وليقف بوجه البغي.

يتبع…

________________

(1) تاريخ الطبري 2: 197، السيرة النبويّة ( ابن كثير ) 3: 94، 4: 707، كنز العمّال 5: 723 / 14243.

(2) حيث استقبلاه بعورتيهما، وقد نظم بعض الشعراء ذلك شعرا، فقال أبو فراس الحمداني:

ولا خير في دفع الردى بمذلّة *** كما ردّه يوما بسوءته عمرو

 ديوان أبي فراس: 157. وقال آخر:

أفي كلِّ يومٍ فارسٌ تندبونَه *** له عورة وسطَ العجاجةِ باديهْ

يكفُّ بها عنه علي سلاحَهُ *** ويضحكُ منها بالخَلاء مُعاويهْ

بدت أمسِ من عمرٍو فقنّع رأسه *** وعورة بسر مثلها حذو حاذيهْ

فقولا لعمرٍو وابن أرطاة أبصرا *** سبيليكما لا تلقيا الليث ثانيهْ

الفصول المهمّة: 90، النصائح الكافية: 93.

(3) نهج البلاغة / الخطبة: 27.

(4) الإرشاد 1: 90، الأمالي (الطوسي): 143، شرح نهج البلاغة 15: 35، المستدرك على الصحيحين 3: 24، مكارم الأخلاق (ابن أبي الدنيا): 67، وغيرها كثير.

(5) نهج البلاغة / الكلام: 123.

(6) وأكبر دليل على أنّه لا يروم الانتقام لنفسه موقفه مع عمرو بن ودّ العامري. انظر تاريخ الطبري 2: 194.

(7) المزار ( الشهيد الأول ): 83، بحار الأنوار 97: 366، وفيهما: «فعلى أبي العادية لعنة الله ولعنة ملائكته ورسله أجمعين، وعلى من سلّ سيفه عليك وسللت عليه سيفك يا أمير المؤمنين من المشركين والمنافقين إلى يوم الدين».