كشكول الوائلي _ 160

18 جولای 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 160

جراحات السنان وجراحات اللسان

وغالبا ما يكون للكلمة أثر مروّع؛ فقد يجرح شخص بالسلاح فيختفي أثره، لكن الكلمة الخبيثة يبقى أثرها(1)؛ لأن الجرح الذي له علاقة بالجسد ينسى بمجرّد برئه، أمّا الكلمة فلها علاقة بالروح. ولذلك فإن مسؤولية الكلمة كبيرة سيّما تلك التي تزرع في الكتب، حيث إن صاحبها يضعها ويذهب ويبقى الكتاب يفعل فعله في العقول. والنتيجة أن كلّ من يقرؤه سيحمل الحقد على من افتُري عليه فيه، وينفعل انفعالاً لا حدود له.

وتوجد في تاريخنا كلمات عجيبة من حيث افتراؤها وأثرها، وليس هناك أي محاولة جدّيّة لتصفيته من هذه الكلمات وإخراجها من قاموسه. بل إنه توجد هناك مفاعلات في تاريخنا تتفجّر، وهي مفاعلات صادرة من اُناس لهم علم واسع، مثلاً تجد مفسّرا يقول: « إن الشيعة يبيحون الأكل إلى طلوع الشمس في شهر رمضان ». فهل الكذب علينا حلال؟ وعلى اي مصدر اعتمد هذا؟ ولماذا افترى على طائفة كبيرة من المسلمين؟ وهي فرية إذا قرأها مسلم من فرقة اُخرى فسيقول: إن هؤلاء كفرة؛ لأنهم يخالفون القرآن الكريم الذي ينهى الإنسان عن الأكل بعد طلوع الفجر. فالإمساك يجب أن يكون قبل الفجر. وهكذا نرى أن هؤلاء سيحكمون علينا بالكفر عند قراءة ذلك في أمثال هذه الكتب.

وهناك كلمات عديدة من هذا القبيل بالعشرات، فتجد فرقة تعتدي على فرقة اُخرى، فمثلاً الخطيب البغدادي يقول: زقّ خمر أفضل عند اللّه‏ من أبي حنيفة. وهذا كلام شخص لا يشعر بالمسؤولية ولا يحترم الناس، فأبو حنيفة له مذهب ومقام، وإذا خالفني في العملية الاستنباطيّة فلن يضير ذلك. إن المفروض أن نتحلّى بجنبة أدب الكلام.

ونظام الإسلام يتميّز بمسؤوليّة الكلمة، ومجتمعه يجب أن تتوفّر فيه هذه الحالة، فالقرآن يقول: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(2).

كتمان الحقّ

ثم قالت الآية: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ، أي أن هؤلاء قد اطّلعوا على وصف النبي صلى الله عليه وآله في التوراة ووصفه في الإنجيل، لكنهم لا يبشّرون به؛ لأنهم إذا بشّروا به فقدوا مراكزهم الدينية ووظائفهم، ثم إنهم بعدُ لا تهمهم الحقيقة. سألوا مروان: هل تعتقدون أن الإمام عليا قد اشترك في الأحداث ضدّ الخليفة الثالث عثمان؟ قال: معاذ اللّه‏، وإن الإمام عليا أبرأ الناس من هذا، بل إنه بعث أولاده للدفاع عنه. فقيل له: فلماذا تشيعون بين الناس بأنه قد شرك في دم الخليفة الثالث؟ قال: لأن أمرنا لا يستقيم اّلاّ بهذا(3).

فهذا الرجل صادق مع نفسه، ونحن نرى في تاريخنا الكثير ممّن إذا مرّ بذكر الإمام علي صلى الله عليه وآله أعرض عنه، وإذا مرّ برواية له أعرض عنها، مع أنه تراث إسلامي كبير؛ فإنّ أهل البيت عليهم السلام للناس كافّه، وإن آل محمد عليهم السلام عطاء للاُمّة الإسلامية كلّها. ومعلوم أن ترك ذلك وعدم ذكره لأجل المكانة والمال، مع أن المفروض بهذا أنه يكتم علما، وسيحاسبه اللّه‏ عليه(4). فنحن نأخذ الحكم الشرعي من أي مذهب إسلامي إذا استكمل الشرائط.

والأغرب من هذا أن الرشيد يبعث إلى جماعة من القضاة والمفتين ويقول لهم:

إذا مررتم برأي لعلي بن أبي طالب فلا تأخذوا به. فهؤلاء وقفوا موقفا معاديا لعلي بن أبي طالب صلى الله عليه وآله بكل ما في كلمة عداء من معنى.

بل إن الرشيد قال لهم: إذا مررتم بآية في القرآن تنّوه به فأعرضوا بوجوهكم عنها. وغير خفي أن هناك روايات عديدة لأعداء أهل البيت عليهم السلام تشهّر بالإمام علي عليه السلام ، لكن هذا لا يضيره، يقول الشاعر:

عِداي لهم فضل عليَّ ومِنّة *** فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا

هُمُ فتّشوا عن زلتي فاجتنبتها *** وهم نافسوني فارتقيت المعاليا(5)

ثم قالت الآية الكريمة: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ، وهنا مكمن المشكلة، حيث إنه صلى الله عليه وآله أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ولم يسكت؛ لأنه وضع يده على مكامن النقص في حضارتهم، فوقفوا بوجهه، فقد فنّد مزاعمهم، وأبطل الكثير من معتقداتهم.

يتبع…

______________________

(1) قال الشاعر:

جراحات السنان لها التئام *** ولا يلتام ما جرح اللسانُ

 عمدة القاري 1: 132، تحفة الأحوذي 7: 173.

(2) ق: 18.

(3) الصواعق المحرقة 1: 163.

(4) قال تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ » البقرة: 159، وقال عزّ من قائل: « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنَا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » البقرة: 174.

(5) البيتان لأبي حيان الأندلسي. الكنى والألقاب 1: 61.