كشكول الوائلي _ 159

13 جولای 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 159

المبحث الثالث: نعمة اللسان ومسؤوليّة الكلمة

ثم قالت الآية الكريمة التي بعدها: وَلِسَانا وَشَفَتَيْنِ، واللسان أيضا من النعم؛ فهو المعبّر عن الإرادة التي لا يمكن إبرازها إلاّ عبر الكلام، والإنسان لا يستطيع أن يفصح عمّا في داخله إلاّ باللسان، فهو وسيلة البيان التي تميّز الإنسان.

وللكلام جهتان متعارضتان، وهنا يُطرح هذا السؤال: أيها أفضل الكلام أم السكوت؟ وهذا طبعا لانستطيع أن نجزم به بمعزل من الحال التي يكون عليها الإنسان، لكننا نعرف أحيانا أن السكوت أفضل من الكلام، كأن يسكت إنسان عن الغيبة، فلو دار الأمر بين كلام مؤدّاه الغيبة، وبين سكوت مؤدّاه التعفّف عن أعراض الناس فإنّ السكوت هنا يصبح واجبا إلاّ إذا كان فيه ردع لفاعل الغيبة ونصرة للمأخوذة غيبته. وهكذا نجد أن السكوت هنا له قيمة، ويجعل لصاحبه كرامة. إذن السكوت هنا أفضل من الكلام.

وكذلك السكوت عن الفضول ـ أي تدخّل الشخص فيما لايعنيه ولايعود عليه بخير ـ فهو هنا أفضل(1)، أو أن شخصا يقحم نفسه في قضية علميّة ليست من اختصاصه، فالسكوت هنا أفضل له؛ لأنه يؤدي به إلى الانهيار أمام جلسائه، ويكشف عن فراغ مكنوناته.

تروى في هذا الصدد رواية مشكوك في صحّتها، تقول: « كان النبي موسى بن عمران عليه السلام يرى رجلاً من بني إسرائيل يطول سجوده ويطول سكوته، وكان ظاهره يدلّ على أنه ذو وقار وهيبة، وكان مظهره الخارجي يوحي بذلك، فكان عليه السلام لا يكاد يذهب إلى موضع إلاّ وهو معه. وبينا كان عليه السلام يوما في بعض حوائجه إذ مرّ على أرض معشبة تزهو وتهتزّ، فتأوّه الرجل فقال له النبي موسى عليه السلام : على ماذا تأوّهت؟ قال: تمنّيت أن يكون لربّي حمار أرعاه هاهنا. فأكبّ النبي موسى عليه السلام طويلاً ببصره إلى الأرض اغتماما بما سمع منه، فانحطّ عليه الوحي، فقال له: ما الذي أكبرت من مقالة عبدي؟ أنا اُوءاخذ عبادي على قدر ما أعطيتهم من العقل »(2).

فهذا هو مقدار إدراكه. على أية حال فإن هذا لو ظلّ ساكتا لبقي محافظا على احترامه. والغرض من ذلك أن السكوت في حالات معيّنة يكون أفضل من الكلام.

لكن في مقابل هذا يكون الكلام أحيانا ـ في حالات معيّنة ـ أفضل من السكوت، فيما لو كان هذا السكوت سكوتا عن كلمة حقّ، حيث إنه يستطيع أن ينطق بكلمة الحقّ لكن لايتكلّمها، لأنها تصطدم بمصالحة، فالسكوت هنا يصبح جريمة والكلام واجبا. وهنا يأتي دور الأثر: « الساكت عن الحقّ شيطان أخرس »(3). فإذا كان المرء يقوى على قول كلمة الحقّ، دون أن يمسّه ضرر من ورائها، ويستطيع أن يقوّم بها انحرافا فالواجب يقتضي ألاّ يسكت.

والواقع أن كلمة الحقّ أفضل الجهاد حسب ما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر»(4). فالكلمة مسؤولية نبيلة، وهي هنا تترتّب على الإنسان، والسكوت عنها يعتبر رذيلة وذلّة.

إذن السكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رذيلة، لأن الكلمة أحيانا قد تترك أكبر الأثر، كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام مارّا بطريقه في المدينة على بيت (بشر الحافي)، وبشر كان رجلاً غير ملتزم، منشغلاً باللذائذ والفجور، فسمع ضرب الأعواد وأدوات الطرب، فقد كان يعيش حينها ليلة صاخبة من ليالي اللهو واللعب، فلفت نظر الإمام عليه السلام هذه الأصوات والضوضاء والغناء، وهنا خرجت جارية لبشر من الدار، وبيدها فضلات الطعام والشراب ممّا خلّفه هؤلاء السكارى، فسألها الإمام عليه السلام : « لمن هذه الدار؟ ». قالت: لسيدي. قال: « سيدك حرّ أم عبد؟ ». قالت: بل حرّ. قال: « صدقت لو كان عبدا للّه لاستحى من اللّه ».

فرجعت إلى البيت مضطربة، فسألها بشر: ماوراءك؟ قالت: مرّ عليّ رجل تكاد تميله الريح إذا مرت عليه، وسألني… ثم روت له القصّة كاملة.

فأخذت هذه الكلمة منه مأخذها، وأثّرت فيه تأثيرا بالغا، ووقعت في قلب له استعداد لأن يتغيّر، فأخذ أواني الخمر وكسرها، وأخرج رفقته من البيت، وطهّره من دنس الخمر، حتى ضرب به المثل في الزهد والالتزام والتديّن(5).

فهذه الكلمة أخذت أثرها من نفسه؛ لأنها خرجت من إنسان متّعظ.

وبهذا نجد أنه أحيانا يكون الكلام أفضل من السكوت، وفي أحيان اُخرى يكون السكوت أفضل من الكلام. سئل السجّاد عليه السلام : أيهما أفضل؛ الكلام، أم السكوت؟ فقال عليه السلام: « لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات، فالكلام أفضل من السكوت ». قيل: وكيف ذاك يابن رسول الله؟ قال عليه السلام: « لأن اللّه عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، وإنما يبعثهم بالكلام، ولا استُحقّت الجنّة بالسكوت، ولا استُوجبت ولاية اللّه بالسكوت، ولا توقّيت النار بالسكوت، ولا تُجنب سخط اللّه بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام. وما كنت لأعدل القمر بالشمس؛ إنك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت »(6).

فهذه الكلمة حدّدت الفرق بينهما تحديدا رائعا، فالكلام له آفات ومشاكل والسكوت كذلك، لكن إذا جرّدناهما من المشاكل والآفات، فإنّ الكلام يصبح أفضل لأن اللّه‏ لم يبعث الأنبياء ساكتين، والكلام وسيلة الدعاء إلى اللّه‏، وولاية اللّه‏ تعالى لا تنال إلاّ بالكلام. فالإنسان لا يصلي حتى يتكلّم، ولا يقرأ القرآن ويقول كلمة طيّبة إلاّ بالكلام، والكلام تصف به السكوت، فعندما يسأل سائل: ما هو السكوت؟ يجاب بأنه إطباق الشفتين وعدم التكلّم، لكن هل يستطيع أحد أن يصف الكلام بالسكوت؟

فالنطق ثمرة هامّة عند الإنسان، وهو من دون نطق يصبح عاطلاً؛ لأن الكتب كلام، والدراسة والتعلّم والقرآن والدعاء كلّها مصادر لا تتأتّى بغير الكلام. لكن يراد من الكلام والسكوت أن يكونا وفق مقاييس وضوابط معيّنة؛ فالكلمة فيها شعور بالمسؤولية، وعلى الإنسان أن يفكّر قبل أن يتكلّم، يقول الإمام علي عليه السلام : «إذا تمّ العقل نقص الكلام»(7). فعلى الإنسان أن يدرس الكلمة وتأثيرها وفائدتها، فإن كان كذلك، قلّ كلامه. فاللّه‏ يضع على الإنسان رقيبا، يقول نبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله: « يقول اللّه‏ تبارك وتعالى لابن آدم: يابن آدم إذا نازعتك عينك إلى بعض ما حرّمت عليك، فقد أعنتك عليها بطبقين، فأطبق ـ أي أدر وجهك عن الحرام ـ ولا تكلّم. وإذا نازعك لسانك إلى بعض ما حرّمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ـ أي فاسكت ـ ولا تكلّم. وإذا نازعك فرجك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعتنك عليه بطبقين فأطبق »(8).

فالإنسان يستطيع أن يصبر على الكلام، المحرّم والنظر المحرّم، والفعل المحرّم، والإنسان ملاك المسؤولية، فاللّه‏ لم يكلّف الحيوان؛ لذلك يجب مراعاة أن تكون الكلمة موزونة وفيها شعور بالمسؤولية.

يتبع…

____________________

(1) مرّ أمير المؤمنين عليه السلام برجل يتكلّم بفضول الكلام، فوقف عليه، ثم قال: « إنك تملي على حافظيك كتابا إلى ربّك، فتكلّم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك ». الأمالي ( الصدوق ): 85 / 53.

(2) المحاسن 1: 193 / 10، شرح نهج البلاغة 18: 187.

(3) الأذكار النوويّة: 335.

(4) عوالي اللئالي 1: 432، مسند أحمد 19، 61، 4 315، سنن ابن ماجة 2: 1329.

(5) الكنى والألقاب 2: 168.

(6) الاحتجاج 2: 45 ـ 46، وسائل الشيعة 12: 188 ـ 189.

(7) نهج البلاغة / الحكمة: 71.

(8) الكافي 8: 219 / 270.