كشكول الوائلي _ 157

4 جولای 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 157

نعم اللّه على خلقه

أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانا وَشَـفَتَيْنِ * وَهَدَيْـنَاهُ النَّجْـدَيْنِ(1).

مباحث النصّ الشريف

المبحث الأول: وجوب شكر المنعم

في هذه الآيات الكريمة يذكّر اللّه‏ تعالى عباده بالنعم التي أنعم بها عليهم، وهذا يسمى بتقرير النعم(2). وهنا نتوقف عند هذا التقرير الوارد هنا، فنحن مثلاً عندما نريد أن نذكّر الآخرين بإحساننا فإنّ الهدف غالبا شخصي؛ فإمّا أننا نريد أن نقول: إننا تفضّلنا، وإما أن نريد مقابل ذلك مكافأة. لكن هذين المعنيين لايمكن أن يتصوّرا على اللّه‏ تعالى؛ لأن كل منحه تعالى عطاء ونعمة، وكله جود وكرم، فلا يريد أن يمنّ على عباده، ولايريد جزاء مقابل ذلك؛ إذ أنه لا قيمة للإنسان أمام اللّه‏ تعالى حتى يكون عنده شيء يقدّمه له، بل إن ما عنده من اللّه‏ لا من غيره.

وكذلك فإن اللّه‏ تعالى لايريد أي هدف من الأهداف ذات الطابع الشخصي، نعم يريد أن يدفع الإنسان نحو طريق التكامل، والتكامل هو أن يقابل تلك النعمة، فإذا لم يقابلها فهذا يعني أن عنده نقصا، في حين أن اللّه‏ تعالى يريد لعبده الكمال الممكن.. الكمال الذي هو شكر نعمة اللّه‏ عز وجل. فاللّه‏ تعالى يريد الإنسان مخلوقا سويّا، ومن ضمن مستلزمات المخلوق السوي أن يقابل النعمة بالشكر.

غير أن الواقع أنه يوجد من الناس من لا يقابل النعمة بالشكر، بل يسيء إلى المنعم إليه، حتى قيل: « اتّقِ شرّ من أحسنت إليه »(3). فعوض الخير الذي تمنحه وقال العجلوني: «اتق شرّ من أحسنت إليه، وفي لفظ: من تحسن إليه. قال في (الأصل): لا أعرفه، ويشبه أن يكون من كلام بعض السلف، قال: وليس على إطلاقه بل هو محمول على اللئام دون الكرام؛ ويشهد له ما في (المجالسة) للدينوري عن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا لطف». كشف الخفاء 1: 43 ـ 44 / 86.

إيّاه يقابلك بالشرّ والجحود والكفران. ومثل هذا المخلوق غير سوي؛ لأن شكر المنعم واجب عقلاً؛ فالعقل يستقلّ بوجوب شكر المنعم.

وهنا نسجّل ملاحظة تشكّل ظاهرة ثابتة وسمة عامّة، وهي أنه ليس هناك من أنعم على هذه الاُمّة بقدر ما أنعم عليها رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله، فقد حمل الإسلام الذي نقلها من الضلال إلى الإيمان والسعادة والنور، وغيّرها نحو الأحسن، لكن المسلمين قابلوا رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله بغير ما يستحقّ، ولم يشكروه كما ينبغي، فنجد أن أبناء الأجانب يحظون بحبّ المسلمين ورعايتهم، لكن أبناء رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله لايحظون بحبّهم ورعايتهم، وليس لهم في هذا نصيب أبدا. وهذا كفر للنعمة، وعدم الشكر لها، فرسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله علّمنا بعد جهل، ووحّدنا بعد تجزئة، وأغنانا بعد فقر، سئل شخص: لماذا لاتصلّي على آل محمد إذا ذكروا عندك؟ قال: أخشى أن اُتّهم بالرفض.

وقد ذكر في بعض الأحاديث(4) أن الصلاة على محمّد صلى الله عليه وآله دون « آله » هي صلاة بتراء، فلماذا نتعمّد أن نجعل صلاتنا بتراء، مع أن النبي أمر بذلك؟ فأي عقوق أعظم من هذا العقوق؟ أليس المرء يحفظ في ولده؟ وفي باب « الوفاء » أنه إذا كان لرجل صديق توفي عن أولاد فإن من الوفاء المأمور به هذا الصديق أنه إذا أراد أن يدخل السرور على قلب صديقه فعليه أن يرعى أولاده.

المبحث الثاني: نعمة البصر

نعود للآية حيث تقول: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، فأول نعمة تذكّرنا بها هذه الآية الشريفة هي نعمة البصر؛ لأن الإنسان إذا سلب منه البصر فقد الإحساس بما حوله. ومن لطف اللّه‏ تعالى أنه يعوّض هذا الإنسان مقابله.

___________________

(1) البلد: 8 ـ 10.

(2) فائدة نحويّة: قد توسّع العرب فأخرجوا الاستفهام عن حقيقته لمعانٍ، أو أشربوه تلك المعاني، وقد عدّها ابن هشام الأنصاري ثمانية معانٍ، أمّا السيوطي فأوصلها إلى اثنين وثلاثين معنى، منها الإقرار، وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده، ويجب أن يليها الشيء الذي تقرّره به. وهي للتقرير بالفعل، كقولك: أضربت زيدا؟ وللتقرير بالفاعل، كقولك: أأنت ضربت زيدا؟ وللتقرير بالمفعول، كقولك: أزيدا ضربت؟

 مغني اللبيب 1: 17 ـ 19، الإتقان في علوم القرآن 2: 212 ـ 217.

(3) قال الفتني: «في المقاصد: اتق شرّ من أحسنت إليه، ولا أعرفه، ويشبه أن يكون كلام بعض السلف، وهو محمول على اللئام». تذكرة الموضوعات: 68 ـ 69.

(4) كشف الغمّة ( الشعراني ) 1: 219.