كشكول الوائلي _ 150

24 می 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 150

عالم الأنساب

ثم قالت الآية الكريمة: فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ. إن عندنا عالمين، هنا: عالم الدنيا وعالم الآخرة، والأنساب تلعب دورا هامّا وكبيرا في حياة الإنسان الدنيوية وعالمه الأرضي؛ حيث إنه يحتاج لمعرفة الأنساب حتّى يعرف الخواصّ البشرية؛ فالذي يريد أن يتزوّج من أحد أو يزوّجه فلا بد له وعليه أن يعرف الكثير عن أصهاره الجدد، وهذا لا يكون إلاّ بمعرفة علم الأنساب. وهذا ما عليه أوروپّا الآن؛ حيث إنه توجد فيها مكاتب مختصّة بالزواج تقوم بدراسة الأعراق مثلاً؛ فهذا من العرق الفلاني وهذا أصله هندي أو أوروپّي… فيدرسون خواصّ وخصائص هذا الأمر عند التزويج.. يدرسون خواصّ وخصائص‏ المرأة وخواصّ وخصائص الرجل، ونسبة النجاح الممكنة والكائنة في زيجاتهم.

ونحن عندنا في تاريخنا النسّابون الذين يعرفون الأعراق، يقول نبيّنا الأكرم صلى الله عليه وآله: «تخيّروا لنطفكم فإن العرق دسّاس»(1). وقال صلى الله عليه وآله لرجل أراد أن يرشده للزواج من امرأة: «اظفر بذات الدين تربت يداك»(2). أي اختر التي عندها دين وعفّة؛ لأنها تتوفّر على جانبي الاستقامة ومراعاة زوجها. فالأموال إلى نفاد، والجمال إلى اُفول وذهاب، وحتّى لو أنها ماتت جميلة فإنها ستصبح بعد فترة وجيزة تحت التراب شيئا لا يطاق النظر إليه، يقول الشريف الرضي:

ومسنَّدين على الجُنوب كأنهم *** شِرب تخاذل بالطلا أَعضاؤهُ

وجه كوجه البرق غاب وميضه *** صدرٌ كصدر العضب قل نضاؤهُ

حكم البلا فيه فلو نظرت له *** أعداؤه لرثت له أعداؤهُ(3)

فحتى أعداؤه لو رأته لرثت لحاله؛ حيث يأكل الدود عينيه، والرمل خدّيه، ويتحول الجسد إلى ذرّات. فالجمال سريع الزوال، وكذلك المال، أمّا الحسب والنسب فإذا كان الاعتناء بهما لهدف أخلاقي معقول فلا بأس، أما إذا كانا طلبهما لأجل الكبرياء والعزّة فلا؛ لأنه حينئذٍ يصبح هدفا حقيرا.

لقد تخلّت بعض الفتيات في مجتمعاتنا الآن عن قيمهن الدينيّة والاجتماعيّة الأصيلة، فرحن يتجمّلن ويخرجن شبه عاريات، وهذا ينمّ عن عقليّة ضحلة لا تقيم وزنا واعتبارا للأخلاق والقيم. إن مجتمعاتنا كانت عالية الخلق، لكننا أضعنا هذا، ومع ذلك تظل فرصة الرجوع إلى منابع تربيتنا قائمة وموجودة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعا وَلاَ تَفَرَّقُوا(4)؛ فكتاب اللّه‏ هو الذي يهذّبنا ويهدينا، وها هو تعالى يقول لنا: إن الأنساب إنما تراعى في الدنيا حيث يكون الهدف من مراعاتها معرفةَ ماهيّة الأنساب أوّلاً، ومعرفة النفقات وكيفيّة صلة الأرحام ثانيا. فعندنا مثلاً خلاف بين فقهاء المسلمين فيمن تجب نفقته؛ فالأحناف يقولون: إن من يحرم الزواج منه تجب نفقته إذا كان صاحب النفقة غنيا ومحلّها معسرا، مثل ابنة الاُخت وابنة الأخ والجدّ وإن علا والابن وإن نزل. فالقرابة التي تنشر الحرمة عند الأحناف هي الموجب للنفقة بشرط كون المنفق موسرا والمنفق عليه معسرا كما ذكرنا.

في حين أن بعض المذاهب الاُخرى يرون أنها واجبة فقط في العمودين، وعند البعض الآخر أن واجب النفقة هو الأبوان المباشران والأبناء المباشرون، وعند بعض آخر أنه الوسط بين من يحرم الزواج منه وغيره. أمّا عند الإمامية، فهم الآباء وإن علوا، والأبناء وإن نزلوا، إضافة إلى أفراد آخرين ينصوّن عليهم في باب النفقات من كتبهم الفقهيّة. إذن لا بدّ من التعرّف على الأنساب.

وكذلك نعرف عن طريق الأنساب الرحم الذي ذكره الله تعالى في قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ(5)، وهل إنهم الذين يتّصلون بالمرء عن طريق الأبوين، أو عن طريق أكثر من هذا؟ وأيضا نعرف من الأنساب حرمة الزواج من المحارم (الاُمّهات والبنات والخالات والعمّات وبنات الأخ وبنات الاُخت)، فهؤلاء يحرم على الإنسان أن يتزوّج منهن.

وفي مسألة البنت مجال للمناقشة عند بعض الفقهاء؛ فالقانون مثلاً يعطي لبعض حالات البنات مشروعية، فهو حينما يعتبر هذه المتولّدة بنتا فهل يقصد بها تلك التي جاءت من عقد شرعي، أو أنها تشمل حتى تلك التي جاءت عن طريق معاشرة غير شرعية؟ وبعبارة اُخرى: إن البنت المتولّدة من معاشرة غير شرعية (الزنا) بين رجل وامرأة؛ هل تعتبر ابنة هذا الرجل، أم لا؟(6) كل ذلك يعرف بالنسب، فهو ضروري حتّى يُبتعد عن المحارم.

وهناك ضرورة لمعرفة الأنساب تقتضيها الحالة الاجتماعية، يقول الإمام أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن عليهما السلام: «أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي بهم تطير، وأصلك الذي إليه تصير»(7). فالعشيرة التي ينتمي لها المرء وإليها ينتهي إنما تُعرف عن طريق النسب. فالإنسان يحتاج لعشيرته؛ فهم من يقف معه في فرحه وألمه؛ وفي الحالات الاجتماعية التي تعتوِر عليه. وهذ الأمر يأخذ عند قبائل العرب بعدا أكبر؛ فإنها عامل أساسي في جميع متطلّبات حياة العربي. وهذا الحكم يستند طبعا إلى الوضع القبلي؛ فهناك إلى الآن من لا زال ولاؤه لقبيلته، وإن كان عنده لون ولاء للقانون، فولاؤه لقبيلته يكون قبل ولائه له، ويظلّ قائما بشكل أكبر لها.

لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** بالنائبات على ماقال برهانا

فإذا صاح: يا آل فلان. اجتمعوا إليه من كل فجّ. وقد ذكرت سابقا أن القسم الفكري من الحضارة ليس من السهل تغييره، أما القسم المادّي فيمكن تغييره بسهولة؛ فمن السهل استخدام الغاز وقودا بدلاً من الحطب، في حين أن العادة التي تورث من الآباء والأجداد يتعذّر تركها، ويبرّر ذلك بأن الآباء والأجداد لم يكونوا على باطل أبدا. فالميراث الاجتماعي ليس من السهل تغييره؛ لأنه متأصّل في النفوس.

فالأنساب تلعب دورا كبيرا في كلّ هذه المجالات؛ لأن أبناء النسب الواحد يجمعهم دم واحد، وعرف واحد، وانتماء واحد. وحال الدنيا أنها لا يمكن أن يستغني فيها الإنسان عن الأنساب، أمّا في الآخرة فهذا الأمر لا حاجة له؛ لأن الأنساب تسقط هناك، تقول الرواية: «إذا بعث اللّه‏ الخلائق يلتفت إليهم ويقول لهم: اليوم أضع أنسابكم وأرفع نسبي»(8). ومعنى «أضع أنسابكم»: أنه إذا كان جدّكم رئيس قبيلة أو من قبيلة متميّزة، فإنه لا قيمة له اليوم، فهذه الألقاب كلّها تُلغى، ومعنى «نسبي»: التقوى، فنسبه تعالى هم الذين يتّقونه ويطيعونه. فأنسابكم تتلاشى إلاّ النسب عند اللّه‏:

 كفاك أنك من عِقْدٍ فرائده  عاشوا كراما وماتوا سادة نجبا
 أبوهُمُ الدين والتقوى قبيلتهم  ما أنتجو عجما يوما ولا عُرُبا(9)

فالانتماء إلى اللّه‏ تعالى هو انتماء التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(10). فعنصر الكفاءة هنا قائم على أساس عادل هو التقوى؛ فالمؤمن أخو المؤمن.

فإذا عرفنا أن النسب الحقيقي هو نسب التقوى لزم أن نعرف بقناعة تامّة أن كثيرا من أسباب العجرفة والكبرياء والعنصرية يجب أن تتلاشى. وممّا يناسب المقام ذكره ما نقله المؤرّخون من أن المقداد رضي الله عنه خطب اُخت عبد الرحمن بن عوف، فانزعج عبد الرحمن من هذا، ولمّا سئل عن السبب أجاب بأنه لا يصح أن يخطب إليه المقداد اُخته؛ لأنه بهذا يتجرّأ عليه، وليس نسب المقداد كنسبه. فتألّم المقداد وجاء إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وهو متأثّر من كلامه: قال له النبي صلى الله عليه وآله: «مابالك؟». فأخبره بالأمر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: «أنا اُزوّجك». فزوجه من ضباعة بنت عمّته، وقال له: «أعطاك اللّه‏ خيرا منها»(11).

وخطب سلمان المحمدي رضي الله عنه بنت عمر بن الخطاب فتأثّر ابنه عبد اللّه‏ بن عمر، فقال له المغيرة: أنا أحتال لك في هذا الأمر. فقال عبد اللّه‏: وكيف؟ قال: سترى. ثم جاء المغيرة إلى سلمان رضي الله عنه وقال له: هنيئا لك. فقال سلمان رضي الله عنه: على ماذا؟ قال المغيرة: هنيئا لك بما حدث. قال: ما الذي حدث؟ قال: لقد تواضع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقبل أن يزوّجك ابنته. فقال سلمان: وأنا أعرضت عن أمر هذا الزواج مادام عمر قد تواضع فيه. أي يريد أن يقول له: أنا لا اُريد الزواج الذي تكرمونني به وترفعونني لأجله(12).

فهذا اللون من التفكير قائم على الفكر المتطرّف؛ فالإنسان بشكل عامّ تتحكّم به مواريثه الاجتماعية، يقول الحديث الشريف: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي»(13).

والسبب هو الزواج والمصاهرة، أمّا النسب فما ينتهي إليه الإنسان. وقد استشهد الخليفة الثاني بهذه الرواية عندما جاء يخطب اُم كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . وكان الموقف حسّاسا جدّا. إن على المرء أن يقرأ في وقت فراغه، ومثل هذا الموضوع الحسّاس قد تناولته عدّة بحوث منها ما كتب في مجلة (تراثنا) الصادرة عن مؤسّسة أهل البيت عليهم السلام في أعدادها التاسع والعشرين والثلاثين والحادي والثلاثين؛ فقد تناولت هذه الأعداد الثلاثة قضيّة زواج عمر ابن الخطاب من اُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام )، وهل إنه صحيح أم لا، وهل فيه نقاش أم لا.

وفي هذا المقام أردت فقط أن اُلفت النظر إلى رواية: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي».

وانطلاقا من المحافظة على الأنساب في الدنيا كلّف الإمام علي عليه السلام أخاه عقيل بن أبي طالب ـ وكان نسابة ـ بأن يختار له زوجة بما عنده من قابلية وقدرة في علم الأنساب، وقال له: «انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب؛ لأتزوّجها فتلد لي غلاما فارسا، يكون ناصرا وعضدا لولدي الحسين بطفّ كربلاء». وهو عليه السلام بهذا إنما يمشي مع العرف الاجتماعي، فقال له عقيل بعد تأمّل: عليك بفاطمة بنت حزام الكلابيّة؛ فليس في العرب من هو أفرس وأفتى من أهلها(14).

وأهلها هم الذين افتخر بهم لبيد الشاعر في مجلس النعمان بقوله:

نحن بنو اُمّ البنينَ الأربعهْ *** ونحن خيرُ عامرِ بنِ صعصعهْ

الضاربون الهامَ وسطَ الخيضعهْ *** والمطعمون الجفنةَ المدعدعهْ(15)

ولم يجرؤ أحد أن يردّ عليه.

وقد تزوّج الإمام علي عليه السلام هذه المرأة، فوجدها على درجة كبيرة من الأخلاق والتهذيب، وقد ولدت له أولادا أربعة هم: العباس وجعفر وعثمان وعون، وقد استشهدوا جميعهم في الطفّ مع الإمام الحسين عليه السلام . وكانت فاطمة (رضي اللّه تعالى عنها) في غاية الرعاية للحسنين عليهما السلام، وكان موقفها يوم الطفّ يبرهن على هذا المعنى. والذي استأثر بمكانة كبيرة عندها من بين أولادها هوالعباس عليه السلام ، وكان عمره ( 34 ) سنة يوم الطفّ، وكان متزوّجا من لبابة بنت عبد اللّه‏ بن العباس، فولدت له عبيد اللّه‏ والفضل الذي كانت اُم البنين (رضي الله تعالى عنها) تخرجه معها إلى البقيع لتندب أبناءها تلك الندبة التي تفطر القلب وتفجّر الدموع:

لا تدعونّي ويكَ اُمّ البنينْ *** تذكّريني بليوثِ العرينْ

كانت بنون ليَ اُدعى بهم *** واليوم أصبحت ولا من بنينْ

أربعة مثل نسور الربى *** قد عالجوا الموت بقطع الوتينْ

يا ليت شعري أكما أخبروا *** بأن عباسا قطيع اليمنْ(16)

فتجلس عند قبور أولادها وتندبهم، وكان من جملة من يستمع إلى ندبها مروان بن الحكم، فكان يبكي على بكائها. ثم بعد ذلك تقوم لتدور حول محاريب أولادها، فتراها وهي خالية.

يتبع…

_______________________

(1) دعائم الإسلام 2: 199، سنن ابن ماجة 1: 633 / 1968.

(2) الكافي 5: 332 / 1، مسند أحمد 2: 428.

(3) ديوان الشريف الرضي 1: 22.

(4) آل عمران: 102.

(5) النساء: 1.

(6) قد مرّ أن الشافعي لا يعطيها صفة البنت، فيجيز الزواج منها. انظر في هذه المسألة: المجموع شرح المهذب 16: 219، 222، المبسوط (السرخسي) 4: 206، المغني (ابن قدامة) 7: 485، الشرح الكبير (ابن قدامة) 7: 483، وقد نسبه في كتابيه هذين إلى مالك أيضا، مواهب الجليل 5: 109، الجامع لأحكام القرآن 13: 60.

(7) نهج البلاغة / الوصية: 31.

(8) الفتوحات المكيّة 2: 587، 3: 531، 4: 69، 237، 415، شرح فصوص الحكم ( القيصري ): 738.

(9) ديوان المحاضر 1: 84.

(10) الحجرات: 13.

(11) انظر: الطبقات الكبرى 3: 162، الإصابة 6: 160 / 8201.

(12) أحكام القرآن: 161، الجامع لأحكام القرآن 16: 347، وليس فيهما ذكر للمغيرة، بل فيهما أن عمر نفسه ردّه ثم عاد، فأبى سلمان.

(13) الخصال: 559، السنن الكبرى ( البيهقي ) 7: 64.

(14) عمدة الطالب: 357، بطل العلقمي 1: 97، وليس فيه: « يكون ناصرا… ».

(15) ديوان لبيد بن ربيعة ( ضمن ديوان الفروسيّة ): 168.

(16) شرح الأخبار 3: 187، مقتل الإمام الحسين عليه السلام (أبو مخنف): 181.