كشكول الوائلي _ 123

20 ژانویه 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 123

ومن الموارد التي تقطع فيها اليد حال خروجها للحرابة. والحرابة هي أن يقطع صاحبها الطريق، على الناس، فيسلب وينهب ويعتدي ويسفك الدم. قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (1).

ومن الشواهد على الحرابة ما يرويه البخاري(2) وغيره (3)، أن جماعة من عُرينة دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا له: نحن جئنا وافدين عليك، فأصابنا في المدينة اجتواء ( نوع من الأمراض ). فأمر لهم النبي صلى الله عليه وآله بلقاح (مجموعة من النياق ذات اللبن)، مع راعٍ، وقال لهم: «كلوا منها وتداووا» ـ لأن الناس ذلك الزمان كانوا يتداوون ببعض إفرازات الإبل ـ ثم أعيدوها إلينا؛ لأنها من بيت المال وليست لنا».

فأخذوا النياق، وفعلوا ما قال لهم، إلى أن برئوا. فعمدوا إلى الراعي وقتلوه، ونهبوا النياق، فأمر النبي صلى الله عليه وآله بإتباعهم، فأُتي بهم قبيل الغروب. فقال النبي صلى الله عليه وآله: « قطّعوا أيديهم وأرجلهم ».

فهؤلاء طُبّق عليهم حكم الحرابة؛ لأنهم نهبوا وسرقوا وقتلوا فقطعت أيديهم وأرجلهم. فهذه اليد لم تشكر النعمة، بل وقفت تحارب المسلمين؛ ذلك أن النياق للمصلحة العامة، وهي من أموال المسلمين. والراعي رجل بريء جاء لخدمتهم. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله كرّمهم، لكنهم كفروا بالتكريم؛ ولذا استحقّت هذه اليد أن تقطع؛ لأنها انحرفت، فلم يصبح لها قيمة محترمة.

هذه موارد انحراف اليد. أما الموارد التي إذا قطعت فيها اليد أصبحت عنوان مجد، فهي اليد التي تقطع في سبيل العقيدة، ومنها ما ذكرته الآية الكريمة.

أوّل من قطع اليد

يقول المفسرون: أول من قطّع وصلّب فرعون، وذلك عندما آمن السحرة لموسى عليه السلام ، فقد هيأ فرعون السحرة لموسى عليه السلام وتصور أنه ساحر مثلهم. فلما رأى السحرة ما عند موسى أيقنوا أن ذلك ليس سحرا، وإنما هو معجزة، وقد رأوا العصا تلقف ما يأفكون، ورأوا موسى عليه السلام ليس من سنخ السحرة، بل رأوا أنه يحمل عطاء السماء، وما أراد اللّه‏ له أن يحمله؛ ولذا سجدوا له وآمنوا به. فالتفت فرعون إليهم قائلاً: آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ (4)، ثم قال: لاَءُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَءُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (5)، فقالوا له: اصنع ما شئت(6)، فحتى لو لم تقطعها أنت فإنها تقطع يوما من الأيام شئنا أم أبينا، وستتحول إلى ذرات في القبر. إن قطعها الآن يمثل عنوان شرف، لأنه في سبيل الدفاع عن العقيدة، وهذا مورد من الموارد التي نفتخر بها. وهذا عين ما يعنيه أبو الطيب المتنبي رحمه الله في إحدى روائعه حيث يقول:

ولوَ ان الحياة تبقى لحيّ *** لعددنا أضلّنا الشجعانا

وإذا لم يكن من الموتِ بدٌّ *** فمن العارِ أن تموتَ جبانا(7)

أي لو أننا نعرف أن الحياة تبقى وتدوم، لاعتبرنا الشجاع ضالاًّ؛ لأنه يضيّع حياته. لكنها ستضيع منه ضيعها هو أم لم يضيعها. فالنتيجة إلى الموت حتما.

نعم، قالوا لفرعون: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ. هذه هي النتيجة الطبيعية الحتمية للإنسان. احتضر أعرابي فدخلت عليه بناتُه وهو في النزع، فبكين، فقال لهن: لم البكاء؟ قلن: عليك. قال: إن مت، فإلى أين أصير؟ قلن: إلى اللّه‏. قال: وهل يُحزن على ذاهب إلى اللّه‏؟ ينبغي الفرح لذلك لا الحزن؛ لأنني ذاهب إلى رب الرحمة والعطاء والكرم. إنني ذاهب إلى من غمرت رحمته السماوات والأرض.

فهؤلاء السحرة مطمئنون بالذهاب إلى ربهم؛ لأنهم واثقون به، وهذه اليد التي ستقطع لا تقطع في عار، وإنما تقطع لحظة الدفاع عن العقيدة، فهي في جوّ مشرف. وفعلاً أمر فرعون بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم.

يتبع…

_________________

(1) المائدة: 33.

(2) صحيح البخاري 7: 13، وفيه أنه صلى الله عليه وآله إضافة إلى ذلك أمر بسمر أعينهم.

(3) السنن الكبرى ( النسائي ) 7: 94، السنن الكبرى ( البيهقي )8: 62، تفسير ابن زمنين: 25، وفيها أنه صلى الله عليه وآله أمر بسمر أعينهم كذلك.

(4) الأعراف: 123.

(5) الأعراف: 124.

(6) « إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ » الأعراف: 125 ـ 126.

(7) ديوان المتنبّي 2: 474.