كشكول الوائلي _ 119

4 ژانویه 2018
التصنيف: مقالات ثقافية
عدد التعليقات: ٠

كشكول الوائلي _ 119

لو لا علي عليه السلام لم يكن لفاطمة عليها السلام كف‏ء

ومن باب أن (الشيء بالشيء يذكر) أجد أن من المناسب هنا ذكر حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: « لولا علي لم يكن لفاطمة كف‏ء»(1).

وهي رواية تستحق التوقف عندها، إذ ربما يقول قائل: إن كانت الكفاءة من جهة الإسلام فالمسلم كف‏ء المسلم كما هو المعروف، فما هي هذه الكفاءة إذن؟

وهل يراد بها جانب آخر؟ نعم، يراد بالكفاءة هنا جانب آخر غير الإسلام، فالزهراء عليها السلام قد اعتبرت سيدة نساء العالمين على لسان رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وبقوله: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها»(2)، وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام الذي خاطبه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بقوله: «أنت مني وأنا منك»(3)، وقوله صلى الله عليه وآله ـ كما ترويه عائشة ـ حيث كان صلى الله عليه وآله قد مر بأمير المؤمنين والزهراء والحسنين عليهم السلام فقال لهم: «أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم»(4).

فإذا كانت الزهراء عليها السلام جزءاً من الرسول صلى الله عليه وآله، وكان علي عليه السلام نفسَه الشريفة بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(5)، ومن رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله كما مرّ، فلا بد إذن أن يأخذ التكافؤ معنى آخر مبتنياً على كون أن النبي صلى الله عليه وآله سيّد الموجودات، وهذان العظيمان كلاهما ينتميان إلى هذه الحقيقة نفسها، ومن كانا كذلك فلا بدّ من أن تؤخذ في أمر الكفاءة حيالهما جوانب اُخرى غير تلك المعروفة لعامّة الناس.

هذا فضلاً عن النواحي الاُخرى التي عرفا (صلوات اللّه‏ وسلامه على رسوله وعليهما وآلهما) بها ممّا تفيض به الصحف، وتستوفى به الموازين؛ فهما عليهما السلام راهبا الليل، فالزهراء عليها السلام كانت تظلّ في مخدعها قائمة وقاعدة، وراكعة وساجدة طيلة الليل حتى الصباح، وعلي بن أبي طالب عليه السلام هو السيف والساعد المجاهدان في سبيل اللّه‏ تعالى، والذابّان دون رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله، فهو عليه السلام المجاهد في ساحتي الحرب والمجتمع، وهي عليها السلام المجاهدة في ساحة المجتمع، فهي التي حملت أخلاق أبيها صلى الله عليه وآله وأشبهته في كل شيء. يروي شرحبيل عن اُمّ سلمة ( رضوان اللّه‏ تعالى عليها ) كما نقله صاحب (كشف الغمّة)(6) وغيره(7) من أنه لما كان صبيحة عرس الزهراء عليها السلام جاء النبي صلى الله عليه وآله بعسّ فيه لبن، فقال لفاطمة: « اشربي فداك أبوك ». وقال لعلي: « اشرب فداك ابن عمّك ».

ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وآله هو أشرف الموجودات وأعلاها، وهذا من خلقه الكريم ونبله العظيم وتواضعه الكبير، لكنه في المقابل يريد أن يعطي هاتين النسمتين الإلهيّتين ما تستحقّانه من تكريم. ومثل هذا ما ترويه اُم المؤمنين اُمّ سلمة حيث قال لها: « يا اُم سلمة، هلمّي فاطمة ». فأتت بها، فلما وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها حتى رآها علي عليه السلام ، ثم أخذ يدها فوضعها في يد علي عليه السلام وقال: « بارك الله لك في ابنة رسول اللّه. يا علي، نعم الزوجة فاطمة، ويا فاطمة، نعم البعل علي. انطلقا إلى منزلكما ولا تحدثا أمرا حتى آتيكما ».

ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل وأجلس فاطمة عليها السلام من جانبه وعليّا عليه السلام من جانبه، ثم قال: « يا فاطمة، ائتيني بماء ». فقامت إلى قعب في البيت، فملأته ماء، ثم أتته به، فأخذ منه جرعة فتمضمض بها، ثم مجّها في القعب، ثم صبّ منها على رأسها، ثم قال: « أقبلي ». فلما أقبلت نضح منه بين صدرها ونحرها، ثم قال: « ادبري ». فلما أدبرت نضح منه بين كتفيها، وفعل مثل ذلك بأمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال: « اللهم هذه ابنتي وأحبّ الخلق إلي، اللهم وهذا أخي وأحبّ الخلق إليّ، اللهم لك وليّا وبك حفيّا، وبارك في أهله، وبارك في ذرّيتهما، واجعل عليهما منك حافظا، وإني اُعيذهما بك وذرّيتهما من الشيطان الرجيم. اللهم إنك باركت على آل عمران، فبارك على آل محمّد »، ثم خرج (8).

فيا رسول اللّه‏ (صلى اللّه‏ عليك وعلى آلك وسلم)، ليتك ترى هذه النسمة الطاهرة يوم جلست على قبرك الشريف يعتصرها الألم ويضمّخها الشجا والأسى، وهي تستعبر باكية وتتمثّل بأبيات هند بنت أثاثة قائلة:

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها *** واختلّ قومك فاشهدهم فقد شغبوا

قد كنت بدرا ونورا يستضاء به ***  عليك تنزل من ذي العزّة الكتبُ

وكان جبريل بالآيات يحضرنا *** فغاب عنا وكل الغيب محتجبُ

فقد رزئت أبا سهلاً خليقته *** محض الضريبة والأعراق والنسبُ (9)

ولنا أن نتساءل: ماالذي تشتكيه فاطمة الزهراء عليها السلام؟ لقد وقفت أمام القبر لتريه جوانب من جسدها الطاهرممّا فعله بها حقد القوم. يقول الباقر عليه السلام: «ما روءيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قبضت» (10).

تقول أسماء: قالت لي الزهراء عليها السلام ليلة حضرتها الوفاة وقد اشتدّت عليها العلّة: «يا أسماء، أنا ذاهبة إلى حجرتي أضطجع، وبعد ساعة ناديني، فإن أجبتك وإلاّ فاعلمي أني لحقت بأبي رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله. يا أسماء، إذا جاء الحسنان فضعي لهما الطعام، وإن سألا عني فقولي: إن اُمّكما نائمة بالحجرة. وتعالي إلى هنا فاسكبي لي الماء».

يتبع…

______________________

(1) كشف الغمّة 2: 100، بحار الأنوار 43: 141 / 37، 43: 145 / 49.

(2) الشفا (القاضي عياض) 2: 230، أمالي أبي نعيم: 45، ينابيع المودّة 2: 478 / 340.

(3) مسند أحمد 1: 108، 4: 164 ـ 165، 5: 356، الجامع الصحيح ( سنن الترمذي ) 5: 296 ـ 297، المستدرك على الصحيحين 3: 133. وبقوله صلى الله عليه وآله كما روت عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « ادعوا لي سيّد العرب ». فقلت: يا رسول اللّه، ألست سيّد العرب؟ فقال: « أنا سيّد ولد آدم، وعلي سيّد العرب». المستدرك على الصحيحين 3: 124، مطالب السوءول في مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله ( محمد بن طلحة الشافعي ): 26.

(4) المعجم الأوسط 3: 179، المعجم الصغير 2: 3، اُسد الغابة 3: 11، سير أعلام النبلاء 2: 122 ـ 123، 3: 257 ـ 258 5: 99.

(5) آل عمران: 61.

(6) كشف الغمّة 1: 378، 2: 101.

(7) مناقب آل أبي طالب 3: 132.

(8) الأمالي ( الطوسي ): 43 ـ 42، مناقب آل أبي طالب 3: 131.

(9) شرح الأخبار 3: 39، الطبقات الكبرى 2: 332، شرح نهج البلاغة 16: 251.

(10) السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ( محمد بيومي ): 132.