شرح دعاء الصباح 56

img

ثمّ إنّ تلك أيضاً، في الأوامر التشريعية فقط؛ إذ في الأوامر التكوينيّة الّتي بواسطة العقول والنفوس الفلكية والطبائع المسخّرات لا سبيل إلّا إلى الطاعة. وقال السيد المحقق الداماد + في دفع الشبهة: «كون الإرادة الحقّة الإلهيّة غير متعلّقة بالشرّ بالذات، لا يصادم كون إرادة الخير عين العلم الذي هو بعينه مرتبة ذاته الحقّة الأحدية. فإرادة الخير وزانها بالإضافة إلى صفة العلم وزان السّمع والبصر من صفات الذات، وهما عين الذّات الحقّة الواجبة التي هي بعينها العلم التامّ([1]) المحيط بكلّ شيء، ثّم السّمع سمعٌ لكلّ مسموع لا لكلّ شيء، والبصر بصرٌ بالقياس إلى كلّ مبصر لا بالنسبة إلى كلّ شيء، فكذلك الإرادة الحقّة. فذاته سبحانه علمٌ بكل شيء ممكن، وإرادةٌ لكلّ خير ممكن، وسمعٌ بالنسبة إلى كلّ شيء مسموع، وبصرٌ بالقياس إلى كلّ شيء مبصر، وقدرةٌ بالقياس إلى كلّ شيء مقدور عليه.

والشرور الواقعة في نظام الوجود سواء عليها أكانت في هذه النشأة الأُولى أم في تلك النشأة الآخرة ليست هي مرادةً بالذّات، بل ومقضيّتة بالذّات، إنّما هي داخلة في القضاء بالعرض من حيث إنّها لوازم الخيرات العظيمة الواجبة الصدور عن الحكيم الحق والخير المطلق»([2]) انتهى.

إن قلت: فما تصنع بالأحاديث المرويّة عن الأئمّة الطّاهرين (سلام الله عليهم أجمعين) الدّالّة على أنّ المشيّة والإرادة من صفات الفعل، وأنّهما حادثتان بحدوث الفعل حسب ما نقله محمد بن يعقوب الكليني (رضي الله عنه) في (الكافي)([3]) والصدوق ابن بابوية القمي (رضي الله عنه) في كتاب (التوحيد)([4]) و(عيون أخبار الرّضا×)([5]).

قلت: للحقّ سبحانه إرادةٌ حقّة حقيقية، وإرادةٌ حقّة ظليّة، وإرادةٌ مصدريّة عنوانيّة:

أمّا الأُولى، فهي ابتهاج([6]) ذاته بذاته سبحانه؛ إذ لم يكن اسم ولا رسم، وهي عين ذاته. وكذا في مقام ظهوره بأسمائه الحسنى المستتبعة للأعيان الثابتة المسمّى بالمرتبة الواحديّة، والأسماء الحسنى والصفات العليا ولوازمها غير المتأخّرة في الوجود، كلُّها مفاهيم موجودة بوجود الذّات بلا تعدّد في الوجود أصلاً، وذلك الظهور على الأعيان الثابتة بثبوت الملزوم يسمّى باصطلاح بعض العرفاء بالفيض الأقدس، وهذا أيضاً مشيّة صفتية عين الذّات.

والثّانية ـ أعني الإرادة الحقّة الظليّة ـ هي في مقام فيضه المقدّس، والوجود الإضافي الذي في كلٍّ بحسبه، وهي إرادة فعلية لكلّ ماهيّة ماهيّة من العقول والنّفوس والطبائع والبسائط والمركبات، وهي المشية الفعلية المشار إليها بقوله×: «إنّ الله خلق الأشياء بالمشيّة، و[خلق] المشيّة بنفسها»([7]). وما حكم عليه أنّه من صفات الفعل، وأنّه حادثٌ بحدوث الفعل، إنّما هو هذه، ولكن من حيث إضافتها إلى الممكنات لا من حيث هي وجه الله الباقي؛ فإنّها من هذه الحيثية ليست شيئاً على حيالها، بل هي كالحال عند المعتزلي، أو كالمعنى الحرفي ليست موضوعاً لحكم من الحدوث أو القدم.

أمّا الثّالثة، فمعلوم([8]) أنّها مفهوم زائد عنواني. وأيضاً قد قرع سمعك حديث الإرادة الإجماليّة والتفصيليّة، فتذكّر.

وأجاب السيّد المحقق الداماد (أعلى الله مقامه) بأنّ «الإرادة قد تطلق ويراد بها: الأمر المصدري، أعني الإحداث والإيجاد. وقد يراد بها: الحاصل بالمصدر، أعني الفعل الحادث المتجدّد. وكما أنّ لعلمه تعالى بالأشياء مراتب، وأخيرةُ مراتبه وجودُ الموجودات الخارجية، وصدورُها عنه منكشفةً غير محتجبة، فهي بذواتها وهويّاتها المرتبطة إليه علومٌ له بوجه، ومعلوماتٌ له باعتبار، ومعلوميّتُها له عين ذواتها، لا عالميّته تعالى إيّاها عين ذواتها، وإنّما هي عين ذاته المقدسة ـ فالعلم بمعنى العالميّة عين ذاته وهو قديم، وبمعنى المعلوميّة عين هذه الممكنات وهو حادث ـ فكذلك لإرادته سبحانه مراتب، وأخيرة المراتب هي بعينها ذوات الموجودات المتقررة بالفعل وإنّما هي عين الإرادة بمعنى مراديّتها له تعالى لا بمعنى مريديّته إيّاها وما به فعليّة الإرادة([9]) والرضا ومبدأ التخصيص، عين ذاته الحقة. وهذا أقوى في الاختيار ممّا أن يكون انبعاث الرضا بالفعل عن أمر زائد على عين ذات الفاعل»([10]). انتهى حاصل ما أفاده.

يتبع…

الهوامش:

([1]) إنّما كان سمعه وبصره عين العلم التّام وليس بأمر زائد على ذاته وعلمه؛ لأنّ علمه حضوريّ بكلّ شيء. ومن جملة الحاضرات بوجودها وأعيانها المبصرات والمسموعات. وبالجملة، المدركات الشّاملة للخمسة، وللمتخيّلات، والموهومات؛ فالكلّ مدركة له بأعيانها وأشخاصها كالمعقولات والمجرّدات؛ فهو تعالى يعلم الكلّي والجزئيّ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (سبأ: 3). منه.

([2]) القبسات: 325 ـ 326.

([3]) الكافي 1:  109.

([4]) التوحيد: 146.

([5]) عيون أخبار الرضا 1: 109.

([6]) وذلك لأن ذاته حقيقة الوجود بلا ماهيّة. والوجود قد بيّنا لك وأوضحناه بوجود النّفس الناطقة أنّه عين الإرادة والرّضا، والعشق والابتهاج. ولمّا كان وجوده أتمَّ الوجودات وأجملها، كان الابتهاج فيه أتمّ الابتهاجات وأكملها، وبعده مرتبة الوجود المنبسط المسمّى في الأحاديث أيضاً «بالمشيّة» كما يأتي بعد أسطر. منه.

([7]) مختصر بصائر الدرجات: 141، وباختلاف فيه في الكافي 1: 110/4، التوحيد: 148/19، 388/8، بحار الأنوار 4: 145/20، 146/20، 54: 56.

([8]) وأيضاً معلوم أنّها أيضاً صفته؛ لأنّه مبدأ انتزاعها، كما أنّ إضافاته وسلوبَهُ صفاتُه الإضافية والسلبيّة. والإنسان إضافاته الانتزاعيّة وسلوبه كأبوّته ومالكيّته وسلب العلم والكتابة عنه صفاته، بل الكليّة والنوعيّة وغيرهما من المعقولات الثانية من صفاته. منه.

([9]) يعني أنّ الداعي له على الفعل هو ذاته الحقّة، لا أمر آخر وإلاّ لزم الاستكمال، وهو عليه محال. مع أنّه أيضاً داخل في الفعل؛ لأنّ فعله المطلق لا يتبعّض، فانّه الوجود المطلق المنبسط. وعبّر عنه بمبدأ التخصيص؛ لأنّ الإرادة صفةٌ مخصّصةٌ لأجل الدّاعي. والقدرة فينا حالة إمكانية استوائيّة بالنّسبة إلى وقوع الفعل ولا وقوعه، وبالإرادة يتخصّص أحدهما. وإنّما كان أقوى في الأختيار لأن كل فاعل بالداعي، مسخر لذلك الداعي. والمختار الصّرفُ هو الفاعل لذاته من غير داعٍ يقهره، وهو الواجب الوجود الذي هو العلّة الغائية للكلّ، كما أنّه العلّة الفاعليّة للكلّ. منه.

([10]) القبسات: 326، وانظر ايضاً: الأسفار 6: 352.

الكاتب الملا هادي السبزواري

الملا هادي السبزواري

مواضيع متعلقة

اترك رداً