شرح دعاء الصباح 54

img

﴿إلهي هذِهِ أزِمَّةُ نَفسي عَقَلتُها بِعِقالِ مَشِيَّتِكَ﴾

«أزمّة» جمع «زمام» وهو مقود الدابّة. وعقل البعير: شدّ ذراعه بكتفه. والعقالُ ما به يشدّ. وهذه من باب الاستعارات. والمقصود: الرّضا والتسليم عند مشيّة الله النّافذة، والتسخّر بحول الله وقوّته. والمشية والإرادةُ والرّضا والمحبّة والعشق والميل والابتهاج ونحوها، واحدة:

ولِلنّاسِ فيما يَعشِقُونَ مَذاهبٌ

وبين المشيّة والإرادة فرق باعتبارين:

أحَدُهما: أنّ المشيّة بالنّسبة إلى شيئيّة الشيء أي ماهيّته، والإرادة بالنسبة إلى وجوده.

وثانيهما: أنّ المشيّة كلية بخلاف الإرادة، فميلك الكلّي إلى الحج مشيتك، وميلك إلى منازله المخصوصة وخطواتك المعيّنة المنطوي فيه إرادتك الجزئيّة إياها فرداً فرداً في أوقاتها المخصوصة. والإرادة أعمّ من الميل الكلي، وهذه الميول الجزئيّة المرهونة بأوقاتها.

وبهذين الاعتبارين يذكر أحدهما في مقابل الآخر كما ورد أنّه تعالى: «علم وشاء وأراد».

ثمّ إنّ المشيّة والإرادة عند بعض المتكلِّمين: اعتقاد المنفعة، وعند بعض آخر: ميل تبعه. والحق أنّ المشيّة فينا، أو الإرادة، أو ما شئت فسمِّها من النظائر الشوقُ المتأكّد الذي هو عقيب داعٍ هو العلم بملائم في الفعل، وباصطلاح: هو القصد المتعقّبُ للعزمِ المتعقبِ للجزمِ المتعقّبِ للميلِ المتعقبِ للعلم التصوري بالفعل وللعلم التصديقي بالدّاعي. وفيه تعالى هي عين الدّاعي([1])، وهو عين علمه الفعلي بنظام الخير في الفعل، وهو عين ذاته المتعالية.

 

بيان ذلك

 إنّ شاكلتنا فيما قصدنا فِعلَه، أنّا نتصوّره أوّلاً، ثمّ نصدّق بفائدته تصديقاً ظنيّاً أو تخيليّاً أو يقينيّاً أنّ فيه صلاحاً ومنفعةً أو محمدةً ومنقبةً، وبالجملة، خيراً من الخيرات بالقياس إلى جوهر ذاتنا، أو إلى قوة من قوانا، فينبعث من ذلك شوق إليه ونجزم أن نفعله ونخلص من التردد. فإذا اهتزّت القوّة الشوقيّة، وتأكَّد الشّوق، وصار عَزماً وإجماعاً، ثمّ ألّا يفسخ العزيمة، وصار قصداً، حُرِّكتْ القوّةُ المنبثّة في العضلات، وهنالك يتحرك الأعصاب والأعضاء [الأولية]([2])، فذلك الشوق المتأكّد البالغ إلى العزم. والقصد «إرادةٌ»، وما في القوّة المنبثّة «قدرة»، وذلك التصديق بالفائدة هو «الدّاعي»، وذلك التصور والجزم بالفعل هو «العلم». فهذه مبادئ الفعل فينا أرباب الحاجات، وأمّا في الصّمد الغني الذي علمه فعليٌّ، وقدرته نافذةٌ، فكما ذكرنا من أنّ الداعي والإرادة والقدرة عين علمه العنائي، وهو عين ذاته الغني.

وكما أنّه يترتب فينا شوق القوة الباعثة على نفس تصوّر الفعل، واعتقاد أنّه نافع لنا من غير أن يتخلّل بين علمنا وشوقنا شوقٌ آخر وإرادةٌ اُخرى، بل العلم فعليّ بالنسبة إلى الشّوق، كذلك يترتب الإفاضة على نفس علمه بنظام الخير في العالم من دون تخلّل شوق وهمّة زائدَيْن. ثمّ إنّ إرادة الفعل منطويةٌ في إرادته ذاته، وإرادتهُ ذاته عينُ ذاته، كما ذكرنا؛ فإنّ الإرادة هي العشق والمحبة. ومن المقرّرات في محلّه أنْ لا التفات بالذّات للعالي إلى السّافل، فإرادته لآثاره لأجْل أنّه تعالى أجلّ مبتهج بذاته؛ لكونه أجملَ من كلّ جميل، وأبهى من كلّ بَهيّ، وعلمه بذلك الجمال والبهاء أتمّ العلوم؛ لكونه حضورياً بالغير، فكيف بذاته لا حصوليّاً، وفعليّاً لا انفعالياً، وتفصيلياً لا إجماليّاً؟

والذّات العالمة فوق كلّ ذي علم؛ لأنّه قوّة إلهية بسيطة جامعة لكلّ القوى والمدارك، وفوق العقل الكلّي، فضلاً عن القوّة العاقلة بالفعل، فضلاً عن المدارك الجزئية. وأمرُ أتميّة الابتهاج والعشق يدور على هذه الثّلاثة، وإذا ابتهج بذاته ابتهج بآثاره؛ لأنّ من أحبَّ شيئاً أحبَّ آثارَه، وإذْ ليس موجودٌ ينافيه وينافره؛ لأنّ الكل معاليله، وناشئة من قلمه الأعلى، والمعلول يلائم علّته، فلا موجود إلّا وهو متعلِّقُ مشيّته([3]).

يتبع…

الهوامش:

([1]) إذ لا يجوز فيه التّغاير الوجوديّ بين هذه إلاّ التغاير المفهوميّ. وانّما اعتبر الخيريّة؛ لأنّ الداعي على الفعل في أيّ مورد كان لابدّ أن يكون العلم بالعلّة الغائية التي هي ثمرة الفعل، فيكون في الفعل محبوبيّة ومراديّة، فيتحقّق الإرادة والرضاء بالفعل. وفيه تعالى ثمرة شجرة الوجود الفعلي الكلّي، والعلّة الغائية له ذاتُه الأقدس الأكمل، وهو بذاته عين العلم الحضوريّ بخيريّة الفعل من جهة أنّ فعله الذي هو الوجود المنبسط خير؛ لأنّ كل وجود خير، فكيف الوجود المنبسط الشّامل؟ ومن جهة ثمرته التي هي أبهى الثّمرات وأسناها، وأجملها واجلّها. والأفعال أفضليتها تدور على أفضليّة ثمرتها. منه.

([2]) في النسخة الحجرية: «الأووية»، والظاهر ما أثبتناه.

([3]) وكيف يدخل شيء في مُلكه بدون مشيّته وإرادته؟ وقد ورد: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن».

كيف، والوجود مطلقاً مشيّته؟ منه.

الكاتب الملا هادي السبزواري

الملا هادي السبزواري

مواضيع متعلقة

اترك رداً