وحدة الجماعة ضرورة إسلامية ـ 12

img

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الشيعة ودعوى تحريف القرآن الكريم

إننا نلمس عند بعض أبناء المذاهب رأيا حول جمع القرآن مفاده أن كل شخص كان يأتي ليدعي أنه يحفظ آية أو آيتين أو شيئاً من القرآن الكريم فإنه يأتي بشاهدين معه ليثبتوا صحة قوله وادعائه فتثبت هذه الآية في القرآن الكريم على أنها منه ([1]). وهذا باب خطر وباطل، ويمكن إثبات بطلانه عبر المناقشتين التاليتين:

الاُولى: أنه يعني خدش صحة صدور القرآن الكريم

ذلك أننا لو فتحنا هذا الباب، لما أمكن غلقه حينئذٍ؛ إذ إن هذا يأخذ بأيدينا إلى موقف يبتني على خدش صحة صدور القرآن الكريم وصحة ما فيه من آيات أو سور إذا ما قلنا بأن الوسيلة التي أثبت بها القرآن هي بهذه الشاكلة التي تعني أن من الممكن أن يعمد المزوّرون والمندسّون والحانقون والحاقدون على الإسلام والقرآن الكريم أن يأتوا ليدّعوا بأن هذه الجمل والعبارات من القرآن الكريم، ولا يعدمون شاهداً أو شاهدين أو حتى أكثر من ذلك على تأييد قولهم ومدّعاهم.

إن هذا رأي خطر لا يمكن الركون إليه، ولا القول به، ولابدّ من الوقوف عنده وبوجهه؛ لتفنيده.

الثانية: أن القرآن الكريم قد جمع على عهد نبيّنا الأكرم|

ثم إننا معشر الإمامية نذهب إلى رأي واضح في المقام هو أن القرآن الكريم قد جمع كاملاً على عهد النبي الأكرم|، وكان رسول الله| يقول: «إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة واحدة ، وإنه عارضني به العام مرتين»([2])، أي أن هذا الحديث يثبت لنا بما لا يقبل الشك أن القرآن الكريم كان مجموعاً وكاملاً على عهد رسول الله|، بل إننا نذهب إلى ما هو أكثر من ذلك حيث نروي أن تلميذ نبيّنا الأكرم| الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× لم يخرج من بيته بعد وفاة الرسول الأكرم| حتى انتهى من تدوين القرآن جميعه، الذي جمعه رسولنا وحبيبنا الأعظم محمد بن عبد الله|، والذي تلقاه× منه|.

كما أننا نقول: إن القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين× هو هذا القرآن الذي بين الدفتين، والذي يتداوله المسلمون اليوم لا زيادة فيه ولا نقصان، أما من يقول بوقوع الزيادة فيه أو النقصان منه، فإننا نبرأ إلى الله تعالى، وإلى رسوله الكريم| منه.

هذا هو رأينا، وهو رأي قائم على رأي أساطين علمائنا المستند إلى أعلام مذهبنا^([3])، ومن لا يقتنع أو لا يصدق بهذا، فدونه الجدار فليضرب به رأسه. أما أن يأتي من يدعي بأننا معشر الشيعة نقول بتحريف القرآن الكريم، ونذهب إلى وقوع الزيادة والنقصان فيه، فإنه إنما يقول شططاً؛ لأن هذا الرأي لا مصداقية له، ولا نصيب له من الصحّة، ولا كفل، بل إن ما نذهب إليه هو ما أشرنا إليه من كون القرآن الذي نؤمن به كتاباً للمسلمين، ودستوراً لدين ربّ العالمين هو هذا الذي بين الدفتين، والذي يقرؤه المسلمون اليوم في بيوتهم ومساجدهم ومجالسهم.

أما من يقول بتحريف القرآن الكريم فهو غيرنا الذين يذهبون إلى أن بعضه قد أكله الداجن ([4])، أو أن حروفه مزيد على المليون حرف، في حين أنها لا تبلغ إلّا ثلث هذا العدد([5])، أو أن السورة الكذائية كانت أكبر من سورة البقرة([6])، أو ما إلى ذلك من دعاوى التحريف التي أعرضنا عنها اختصاراً، ولعدم الرغبة في التوسع في هذا الموضوع.

المحاولة الثانية: تحريف آية المتاجرة بالنفس مع اللهِ

والمحاولة الثانية التي حاولها معاوية فكبته الله  سبحانه هي أنه أعطى سمرة بن جندب أربعمئة ألف درهم ليروي أن ما نزل في الإمام أمير المؤمنين علي× نزل في غيره، وأن ما نزل في غيره× نزل فيه، تقول الرواية: إن معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾([7]) نزلت في علي بن أبي طالب×، وأن هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾([8])نزلت في عبد الرحمن ابن ملجم؛ إذ باع نفسه لله جلّ شأنه عندما ضرب الإمام علي بن أبي طالب×، فلم يقبل، فبذل له مئتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمئة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمئة ألف فقبل، وروى ذلك( [9]).

ثانياً: الوليد بن عبد الملك وازدراء القرآن الكريم

إذن فالأمويون كانت لهم مواقف شائنة ومخزية وشانئة للقرآن الكريم ومنه، تجسّدت عبر الكثير من المواقف التي منها ما ذكرنا، ومنها موقف الوليد عبد بن الملك الذي يروي المؤرخون أنه مزّق المصحف الشريف؛ إذ تفأّل به يوماً، فخرج له قوله عز وجل: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد﴾([10]) فمزّق المصحف وأنشأ يقول:

أتوعد كل جبار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيدُ

إذا ما جئت ربك يوم حـشر *** فقل يا رب مزقني الوليد

فلم يلبث إلّا أياماً حتى قتل شرّ قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده ([11]).

ومن هذا فإننا نستنتج بأن الأمويين لم يكن لهم موقف واحد فيه احترام للقرآن الكريم، أو لما جاء فيه من مضامين ومفاهيم ([12]).

_____________________________

([1]) روى القوم أن عمر بن الخطّاب رقى المنبر فقال: من كان تلقى من رسول الله| شيئاً من القرآن، فليأتِ به. وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان. فتح الباري 9: 12، تحفة الأحوذي 8: 408، كنز العمال 2: 574 – 575 / 4759.

([2]) الأمالي (الصدوق): 692 / 948، روضة الواعظين: 150، شرح الأخبار 3: 24 / 958، الإرشاد 1: 181، مناقب آل أبي طالب 1: 201، 3: 136، عمدة عيون صحاح الأخبار: 386 – 387  / 765، مسند أحمد 6: 282، صحيح البخاري: 183، 6: 101، 7: 141 ـ 142، صحيح مسلم 7: 143، سنن ابن ماجة 1: 518 / 1621.

([3]) الشافي 1: 186، 4: 285، الانتصار: 26، تصحيح الاعتقادات: 59 / 33، المسائل السرويّة: 78 / المسألة: 9، أوائل المقالات: 187 / 59، 400 / 188، الفصول المهمّة (الحرّ العاملي) 1: 590، نفس الرحمن: 11.

([4]) سنن الدارقطني 4:  105 / 4330، معرفة السنن والآثار 6: 91 / 4729، تخريج الأحاديث والآثار 3: 94 / 1000، مدارك التنزيل وحقائق التأويل 3 : 294.

([5]) الإتقان في علوم القرآن 1 : 190 / 971.

([6]) في مجمع الزوائد 7: 28، والمستدرك على الصحيحين 2: 331، والدر المنثور 3: 208 أن حذيفة قال: تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب، وما يقرؤون منها مما كنّا نقرأ إلّا ربعها. وفي السنن الكبرى (البيهقي) 8: 211، مدارك التنزيل وحقائق التأويل 3: 294 ما نصّه: قال أبي بن كعب لزر: كأين تعد، أو كأين تقرأ، أو كم تعدون سورة الأحزاب؟ قال ثلاثاً وسبعين. قال: فو الذي يحلف به أبي، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم.

([7]) البقرة: 204 ـ 205.

([8]) البقرة : 207.

([9]) انظر: شرح نهج البلاغة 4: 73، الصراط المستقيم 1 : 152، ومثله في النصائح الكافية : 253.

([10]) إبراهيم: 15.

([11]) مروج الذهب 3: 240، الجامع لأحكام القرآن 9: 350. والوليد هذا هو القائل:

تلعّب بالخلافة هاشمي *** بلا وحي أتاه ولا كتابِ

فقل لله يمنعني طعامي *** وقل لله يمنعني شرابي

مروج الذهب 3: 240 .

([12]) نقل ثعلب عن ابن الأعرابي قوله: لما سُلّم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف، فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك. وقيل: إنه لما وضعه من حجره، قال: هذا آخر العهد منك. البداية والنهاية 9: 76 – 77، حياة الحيوان الكبرى 1: 98، نهاية الأرب في فنون الأدب 21: 98، وجعل هذا الموقف من القرآن الكريم سبباً في بخره.

الكاتب الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة