وحدة الجماعة ضرورة إسلامية ـ 11

img

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

موقف الأمويين من القرآن الكريم

ولو أننا رجعنا إلى تاريخ الأمويين، لوجدناه حافلاً بمواقفهم المشينة التي يندى لها الجبين من القرآن الكريم؛ حيث إنهم منذ أن كانوا وحتى أذن الله تبارك وتعالى بزوال ملكهم ودولتهم وعرقهم فإنهم قد وقفوا مواقف سلبية جمّة من القرآن الكريم حاولوا من خلالها تحريفه وتشويهه، وتزويره والنيل منه. وكدليل على هذا نذكر:

أولاً: محاولات معاوية في تحريف القرآن الكريم

ومثل هذا التغيير لمضامين القرآن الكريم لا نعدم له مثيلاً في أكثر من مورد، فهنالك موارد عدة يستطيع المتتبّع لتاريخ المسلمين أن يكتشفها بنفسه دون صعوبة، ودونما بذل جهد، ومن هذا ما حاول معاوية بن أبي سفيان فعله بتحريف القرآن الكريم في أكثر من محاولة منها:

المحاولة الاُولى: تحريف آية كنز الذهب والفضة

تتجلّى محاولة معاوية هنا في سعيه الواضح إلى تغيير مفاهيم القرآن الكريم ذات صبغة العموم، وجعلها ذات صبغة خاصة كما حصل في مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([1]) حيث حاول معاوية ابن أبي سفيان وجنوده الظلاميون الذين سخرهم لتحريف القرآن والسنة النبوية المطهرة ([2]) أن يحذفوا الواو من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ حتى تصبح خاصة بأكلة أموال الناس بالباطل وتصبح هذه الجملة تفسيرية لها فتكون مختصة بالأحبار والرهبان الذين نزعوا إلى هذه الجنبة المادية، مبتعدين عن تعاليم السيد المسيح× القائمة على الابتعاد عن الدنيا ومتاعها.

وهم إذ يفعلون هذا فإنما يدفعون هذه التهمة عن معاوية بن أبي سفيان فلا يصبح مشمولاً بهذه الآية الكريمة مع أنه يكتنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، فإذا ما حصل هذا الأمر كانوا قد أبرزوا معاوية على أنه غير مشمول بالأثر المترتب على هذه الآية الكريمة وهو دخولهم نار جهنم، وكيّهم بها بعد أن يحمى عليها بها. وبعبارة اُخرى نقول: حينما يحذف حرف الواو من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، فإن هذه الجملة تتحوّل إلى جملة وصفية لما قبلها ـ وهم الأحبار والرهبان ـ لا استئنافية، وتصبح مختصّة بهؤلاء دون غيرهم.

وعليه فإن معاوية هنا؛ سواء اكتنز الذهب والفضة، أو لم يكتنزه، فإنه غير مشمول بحكم الآية الكريمة ولا مدخولها؛ لانعدام هذه الدلالة حينئذٍ مع حذف الواو منها.

هذا مع أننا نعلم علم اليقين، ونعرف حقّ المعرفة أن الآية الكرية لا تختصّ بالأحبار والرهبان فقط، ولا تختصّ بإنسان دون آخر ([3])، بل إنها آية عامة تشمل جميع من يتّصف بهذه الصفة؛ سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً. فكلّ من يكتنز الذهب والفضة ولا ينفقهما في سبيل الله فإنه سوف يبشر بعذاب أليم حتى وإن كانت أمواله التي اكتسبها من كدّه؛ إذ إنه لم يخرج الحقوق الشرعية المترتبة عليه فيها والمأمور بإخراجها منها، فما بالك بمن يكتنز الذهب والفضة وهي ليست أمواله أصلاً، بل إنها أموال مسروقة من تعب الناس وجهدهم وعرق جبينهم؟

وهكذا فإننا نجد هذه المحاولة اليائسة البائسة من معاوية وجنده الظلاميين في صرف هذه الآية ومعناها ومضمونها من عامة من يتّصف بهذه الصفة إلى أحبار اليهود ورهبان النصارى، وهي محاولة تبقى لئيمة خبيثة؛ كونها تعني العبث بالقرآن الكريم، وتحريف مفاهيمه ومضامينه، ومعارضة ما أمر الله تبارك وتعالى به أن يكون، إذ إنه جل شأنه من خلال هذه الآية يريد أن يأمر بني الإنسان أن يخرجوا الحقوق المترتبة في الأموال التي يمتلكونها؛ فقد جعل الله سبحانه وتعالى في أموال الأغنياء حظّاً ونصيباً للفقراء([4]). وهؤلاء بهذه المحاولة سوف يرفعون هذا الحكم عنهم، ما يعني أنهم حينئذٍ لا تجب عليهم أي ضريبة مالية فيما اكتنزوه من ذهب وفضة.

يتبع…

__________________________

([1]) التوبة: 34.

([2]) كما سيأتي من إغراء معاوية سمرة بن جندب بأربعمئة ألف درهم ليروي أن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، نزل في عبد الرحمن بن ملجم؛ إذ باع نفسه لله جلّ شأنه عندما ضرب الإمام علي بن أبي طالب×.

([3]) سيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار قاعدة أن «المورد لا يخصّص الوارد»، وأنه لو أن كل آية نزلت في شخص واختصّت به ثم مات، لمات القرآن الكريم، فعن الإمام الباقر× أنه قال: «إن القرآن حيّ لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام فماتوا مات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين، إن القرآن حيّ لم يمت، وإنه يجري ما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، و يجري على آخرنا كما يجري على أولنا». تفسير العياشي 2: 203 – 204 / 6، بحار الأنوار 35: 403 / 21.

([4]) قال عزَّ من قائل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ المعارج: 24 ـ 25. وجاء في الحديث الشريف عن رسولنا الأكرم| أنه قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «وأعلمهم ان الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد في فقرائهم». عوالي اللآلي 3: 114، صحيح البخاري 2: 136، 5: 109. وقال الإمام الصادق× «إن الله عزّ وجلّ جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم». الكافي 3: 497 / 4. وقال×: «إن الله فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم». الكافي 3: 496 – 497 / 1.

الكاتب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة