وحدة الجماعة ضرورة إسلامية ـ 10

img

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الكلمات العشر

لكننا مع ذلك نجد أن بعض المفسرين يذكرون في خصوص هذه الكلمات التي ابتلى الله تبارك وتعالى بها النبي إبراهيم× أنها التكاليف العشرة التي يذكرون أنها خمسة في الرأس، وهي: المضمضة والاستنشاق والسواك وقصّ الشارب وفرق الرأس، وخمسة في البدن، وهي قصّ الظفر وإزالة الشعر من مواضعه والختان والاستجمار والغسل من الجنابة. والغريب أن هذا  المعنى ترويه المذاهب الإسلامية كافّة خصوصاً أن هذا  التفسير يوجد عند العباقرة من المحدّثين والمفسّرين([1]).

الرأي الصحيح في التفسير

لكن التفسير الصحيح لهذه الكلمات هو أنها الكلمات التي تلقّاها آدم× من ربه فتاب عليه بها، وهي أنه× قال: «يا رب، أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت علي». يقول الإمام×: «فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم». فقال المفضّل: يابن رسول الله، فما يعني عزّ وجلّ بقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟ قال×: «يعني فأتمهن إلى القائم× اثني عشر إماماً؛ تسعة من ولد الحسين». فقال المفضل: يابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾([2]).  قال×: « يعني بذلك الإمامة »([3]).

الحجاج وإطالة اللحى

وهذا التوجه عند هؤلاء المفسرين يذكرني بنكتة طريفة حصلت للحجاج إبان ولايته على العراق، فقد اُتي بسفط قد أصيب في بعض خزائن كسرى، مقفل، فأمر بالقفل فكسر، فإذا فيه سفط آخر مقفل، فقال الحجاج: من يشتري مني هذا السفط بما فيه؟ فتزايد فيه أصحابه، حتى بلغ خمسة آلاف دينار، فأخذه الحجاج ونظر فيه فقال: ما عسى أن يكون فيه إلّا حماقة من الحماقات. ثم أنفذ البيع وعزم على المشتري أن يفتحه ويريه ما فيه، ففتحه بين يديه، فإذا فيه رقعة مكتوب فيها: من أراد أن تطول لحيته فليمشطها من أسفل ([4]) .

وهذه الحادثة على بساطتها تترجم لنا واقع الكثير الكثير من أبناء المجتمع الإسلامي الذين وإن وضعتهم في عشرة أسفاط لكنهم حينما يوضعون على محك الاختبار فإنهم تجدهم من هذا النوع من العبارات غير الحكمية ليست ذات الجدوى، والذي أشارت إليه هذه الحادثة دون أن يزدادوا ويزيدوا في العلم أو المعرفة خردلة واحدة.

إذن فالقول بأن الكلمات هي ما أشار إليه هؤلاء إنما هي محاولة مريضة وموجّهة ولا يمكن أن تعتبر بريئة أبداً، وهذا يعني ضرب مفاهيم القرآن الكريم، والقضاء على مضامينه التي يريدها الله جل شأنه، وهي ما أشرنا إليه آنفاً أي المعاني الصحيحة المتعلّقة بهذه الآية الكريمة. وهذا لا يعني إلّا أمراً واحداً هو محاولة تحطيم القرآن الكريم، وتهشيم معانيه التي وضعها الله تبارك وتعالى فيه بتحريفها عن مداليلها التي يريدها الله جل شأنه، متناسيين أن الله سبحانه وتعالى يأبى ﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾([5])، وأن القرآن إنما هو عطاء الله تبارك وتعالى للإنسانية، وهو مائدته السماوية التي يمتارون منها كل لحظة وكل حين ما أرادوا امتياره، ويمتاحون منها ما يشتهون امتياحه.

فالقرآن الكريم هو ذخر وذخيرة من الله تبارك وتعالى للبشرية، وهو كتاب خاتم الأديان وخاتم المرسلين، وإذا كان كذلك فإنه لابد أن يكون على مستوى عالٍ وضخم من المفاهيم والقيم، لا أن يكون على هذا المستوى المتدنّي من التأويل والتحريف الذي يذهب إليه هؤلاء. إن القرآن الكريم أكبر من كل هذا، فهو أكبر من كل شيء في عطائه، وفي ثماره اليانعة، وفي روافده الفكرية والعلمية والاعتقادية، وهو كذلك أكبر في تعاليمه كلّها، وتخصيصاته العقيدية جميعها.

يتبع…

_________________________

([1]) انظر: مجمع البيان 1: 374 ـ 375، جامع البيان 1: 730 / 1577 ـ 1579، تفسير القرآن العظيم 1: 170، المستدرك على الصحيحين 2: 266، الجامع لأحكام القرآن 2: 98، باختلاف فيها في ذكر هذه السنن العشرة.

([2]) الزخرف: 28.

([3]) كمال الدين وتمام النعمة: 358 / 57، الخصال: 305، ينابيع المودّة 1: 290.

([4]) العقد الفريد 2: 55.

([5]) التوبة: 32.

الكاتب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

الشيخ الدكتور أحمد الوائلي

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة