المنارات الظاهرة في الاستخارات المأثورة عن العترة الطاهرة ـ 02

img

تأليف: أبو الحسن سليمان بن عبد الله البحراني

تتمة

من جملة آداب المستخير تقديم الغسل قبل الاستخارة ـ أيّ استخارة كانت ـ لما رواه الشيخ في (التهذيب) عن سماعة عن أبي عبدالله× أنّه قال في جملة حديث طويل: «وغسل الاستخارة مستحبّ»([1]) وهو كما ترى مطلق، فيدلّ على استحباب الغسل، لمطلق الاستخارة بأي صورة كانت.

وعبّر أكثر الأصحاب بغسل صلاة الاستخارة([2])، فربما أوهم كلامهم عدم استحباب الغسل مع الصور الخالية عن الصلاة، وظنّ أنّ الباعث لهم على هذا التعبير الموهم استحباب الصلاة لمطلق الاستخارة كما رواه ثقة الإسلام في (الكافي) عن الصادق× قال: «صلّ ركعتين واستخر الله»([3])، الخبر.

وقد نقلناه فيما سبق.

فأضافوا الغسل إلى الصلاة إيذاناً بتصادقهما في الاستحباب دائماً وتلازمهما غالباً، فتأمّل.

وقد أفرط متأخّروهم في تقييد إطلاق النصّ تحكّماً محضاً، واستراحة إلى سلامة []([4])، فقالوا: لا يستحب الغسل المذكور لأيّ صلاة أوقعها المكلف للاستخارة، بل صلوات مخصوصة ورد النصّ باستحباب الغسل قبلها. ذكر ذلك المحقّق الشيخ عليّ في شرح (القواعد) ([5])، والشهيد الثاني في شرح (الشرائع)([6]) والسيد السند السيد محمد في (المدارك)([7])، قدّس الله أرواحهم.

وفيه نظر ظاهر؛ لأنّ النصّ كما ورد باستحباب الغسل خصوصاً قبل صلاة مخصوصة من صلاة الاستخارة، فقد ورد أيضاً باستحبابه لمطلق الاستخارة كما أسلفناه. والخروج عن إطلاق النص السابق ـ بل عمومه ـ نظراً إلى أنّ المعرَّف باللام عند عدم قرينة العهد يفيد الاستغراق، نظراً إلى الحكمة بما لا يوجب تخصيصاً ولا تقييداً مشكل. كيف، ونحن في عويل([8]) من تقييد الأكثر بالصلاة كما تقدم، فليتدبر.

وصرّح الشهيد ـ عطر الله مرقده ـ في (النفلية)([9]) باستحباب الغسل في كيفية الرقاع، وهو مبنيّ على ما ذكرناه، أو على إطلاق استحباب الغسل لصلاة الاستخارة في عبارة أكثر الأصحاب، وإلاّ فالخبر الوارد بالكيفية المذكورة خالٍ عنه.

وشيخنا الشهيد الثاني ـ عطر الله مرقده ـ لمّا لم يطلع على إطلاق النصّ الّذي أسلفناه ناقش الشهيد+ في شرح (النفلية)([10]) بأن الغسل هنا لم يذكره سواه، وهو عجيب، فتدبر.

هذا وقد فهم من رواية عمرو بن حريث عن الصادق× ـ المرويّة في (الكافي) ـ وقد أسلفناها في صدر الرسالة وأشرنا إليها عن قرب ـ استحبابُ الصلاة لمطلق الاستخارة حيث قال×: «صلِّ ركعتين واستخر الله، فوالله ما استخار الله مسلم إلاّ خار له البتّة»، فليتأمل.

ومن الآداب ألّا يستشير أحداً من الناس حتى يستخير؛ لرواية هارون بن خارجة، وقد أسلفناها في صدر المقدّمة وسنعيدها بتمامها في الفصل الثاني.

الفصل الثاني: في كيفياتها

خيرة ذات الرقاع

وأشهرها ذات الرقاع رواها الشيخان: ثقة الإسلام في (الكافي)([11]) وشيخ الطائفة في (التهذيب)([12]) عن هارون بن خارجة عن أبي عبدالله× قال: «إذا أردت أمراً فخذ ستّ رقاع، فاكتب في ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم، خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان ابن فلانة، افعله. وفي ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم، خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان ابن فلانة، لا تفعل. ثم ضعها تحت مصلّاك ثم صلِّ ركعتين([13])، فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرة: أستخير الله برحمته خيرة في عافية. ثم استوِ جالساً وقل: اللهم خر لي واختر لي([14]) في جميع اُموري في يسر منك وعافية. ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوّشها وأخرج واحدة؛ فإنْ خرج ثلاث متواليات (افعل)، فافعل [ذلك]([15]) الأمر الذي تريده، وإنْ خرج ثلاث متواليات (لا تفعل)، فلا تفعله، وإن خرجت واحدة (افعل) والاُخرى (لا تفعل)، فأخرج من الرقاع إلى خمس، فانظر أكثرها، فاعمل به ودع السادسة لا تحتاج إليها».

وفي طريقها في الكتابين ضعف إلّا إنّها منجبرة بالشهرة رواية وعملاً، مجرّبة كثيرة البركات قد جرّبتها غير مرة فوجدت من بركاتها ما لا يوصف. ولقد أمعن السيد السعيد جمال العترة، ذو الكرامات رضي الدين بن طاوس& في كتابه (فتح الأبواب) في نعت هذه الاستخارة وذكر من آثارها عجائب، وأنها من أبواب العلم بالغيب وقال: (إذا توالى الأمر في الرقاع فهو خير محض، وإنْ توالى النهي فهو شرّ محض، وإنْ تفرّقت كان الشر والخير موزّعاً بحسب تفرّقها على أزمنة ذلك الأمر بحسب ترتيبها)([16]).

ونحن قد جربناها فوجدناها كما قال.

وأنكر ابن إدريس& هذه الكيفية، كما أنكر القرعة والبنادق، فقال في سرائره([17]): (وأما الرقاع والبنادق والقرعة فمن أضعف أخبار الآحاد وشواذ الأخبار، لأنّ رواتها فطحية مثل زرعة ورفاعة وغيرهما، فلا يلتفت إلى ما اختصّا بروايته ولا يعرّج عليه، ولم يذكره المحصّلون من أصحابنا في كتب الفقه، بل في كتب العبادات).

ثم طول في معنى الاستخارة وأدى بحثه إلى أنها طلب الخيرة من الله تعالى بالدعاء. وهذا منه& في غاية الغرابة ونهاية السقوط؛ لأنّ الشيخ المفيد& ذكره في (المقنعة)([18]) وهي كتاب فقه وفتوى، وذكره ثقة الإسلام في (الكافي) وشيخ الطائفة في (التهذيب) وهما أصل الفقه، وأي محصل أعظم من هؤلاء الائمة الثلاثة الّذين هم أساطين الفقه والأخبار؟ وهل استفيد الفقه إلاّ منهم؟.

وأيضاً فأيّ فارق بين ذكره في كتب الفقه وكتب العبادات؟ فإنّ كتب العبادات هي المختصّة بهذا الشأن، وطلب الخيرة بالدعاء لا ينافي ما قلناه: فإنها مشتملة على ذلك. ومن أعظم الخطأ الّذي وقع [به]([19]) نسبته الرواية إلى زرعة ورفاعة([20])؛ لأنّ ذات الرقاع رواها هارون بن خارجة عن الصادق×، وذات البنادق رواها ثقة الإسلام في (الكافي) عن علي بن محمد([21]) رفعة عنهم^، وليس في طريقهما زرعة ولا رفاعة.

وأعظم خطأ نسْبته زرعة ورفاعة إلى الفطحية([22])، فإنْ زرعة ثقة واقفيّ كما ذكره النجاشي([23]).

ونصّ الشيخ أيضاً في (الفهرست)([24])، و[في] رجال الكاظم× من كتاب (الرجال)([25])، على أنه واقفيّ.

وأما رفاعة فإنه ثقة صحيح المذهب، نصّ على ذلك النجاشي& وقال: (كان ثقة في حديثه، مسكوناً إلى روايته، لا يُعترض عليه بشيء من الغمز، حسن الطريقة)([26]).

وذكر نحوه العلّامة& في (الخلاصة)([27])، ونصّ على توثيقه الشيخ أيضاً في (الفهرست)([28]).

وأما أحسن ما قال العلّامة في هذا المقام في (المختلف)([29]) بعد الردّ عليه: (وهذا كله يدلّ على قلّة معرفته بالروايات والرجال، وكيف يجوز ممن حاله هذا أنْ يقدم على ردّ الروايات والفتاوي ويستبعد ما نص عليه الأئمة^؟).

ثم قال ـ عطر الله مرقده ـ: (وهلاّ استبعد القرعة وهي مشروعة إجماعاً في حق الأحكام الشرعيّة والقضايا بين الناس وشرعها دائم في حقّ جميع المكلّفين! وأمر الاستخارة سهل يستخرج منه الإنسان معرفة ما فيه الخيرة في بعض أفعاله المباحة المشتبه عليه منافعها ومضارّها الدنيويّة)([30])، انتهى.

وهو في غاية الجودة.

والمحقق في (المعتبر) وافق ابن إدريس على هذه المقالة الرديّة فقال ـ بعد ذكره بعض صور الاستخارة ـ ما نصه: (أمّا الرقاع وما يتضمن (افعل) و(لا تفعل)، ففي خبر الشذوذ؛ فلا عبرة بها)([31])، انتهى.

وفيه نظر يعلم مما أسلفناه، وقد سبق منا في الفصل الأوّل التنبيه على استحباب الغسل فيها وفي غيرها، وأسلفنا أيضاً أنّ الشهيد في (النفلية)([32]) نصّ على استحبابه.

يتبع…

______________________

([1]) التهذيب 1: 104 / 270.

([2]) المبسوط (الطوسي) 1: 40، السرائر (ابن إدريس الحلي) 1: 125، شرائع الإسلام (المحقق الحلّي) 1: 37.

([3]) الكافي 3: 470 /1، وسائل الشيعة 8: 74 ـ 75، أبواب صلاة الاستخارة، ب5، ح2.

([4]) بياض في المخطوط بمقدار كلمة واحدة.

([5]) جامع المقاصد 1: 76.

([6]) مسالك الأفهام 1: 107.

([7]) مدارك الأحكام 1: 171.

([8]) كذا في المخطوط.

([9]) الفوائد المليّة لشرح الرسالة النفليّة: 326 (المتن).

([10]) الفوائد المليّة لشرح الرسالة النفليّة: 326.

([11]) الكافي 3: 470 ـ 471 /3.

([12]) التهذيب 3: 181 / 412.

([13]) قوله: «ثم صلِّ ركعتين» ليست في (التهذيب).

([14]) قوله: «واختر لي» ليست في (التهذيب).

([15]) من (التهذيب).

([16]) نقله عنه في الذكرى 4: 267.

([17]) السرائر 1: 313 ـ 314.

([18]) المقنعة: 219.

([19]) في المخطوط: (له).

([20]) انظر السرائر 1: 313.

([21]) الكافي 3: 473 / 8.

([22]) انظر السرائر 1: 313.

([23]) رجال النجاشيّ: 176 / 466.

([24]) الفهرست: 43 / 296.

([25]) رجال الطوسيّ: 350.

([26]) رجال النجاشيّ: 166 / 438.

([27]) خلاصة الأقوال: 146 / 408.

([28]) الفهرست: 139 / 293.

([29]) المختلف 2: 356 ـ 357.

([30]) المختلف 2: 357.

([31]) المعتبر 2: 376.

([32]) الفوائد المليّة لشرح الرسالة النفليّة: 326.

الكاتب أبو الحسن سليمان بن عبد الله البحراني

أبو الحسن سليمان بن عبد الله البحراني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة