يوم الأربعين ـ ٦

يوم الأربعين ـ ٦

ومن ذلك ما روي عن ابن لهيعة قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا أنا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك تفعل. فقلت له: اتقِ الله ولا تقل هذا ونحوه، فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الأقطار أو ورق الأشجار واستغفرت الله تعالى غفرها الله لك، فإنه غفور رحيم. قال: فقال لي: أخبرك بقصتي … اعلم إنّا كنّا خمسين نفر ممن سار برأس الحسين إلى الشام، وكنا إذا مشينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت، فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا فلم أشرب معهم، فلما جنّ الليل سمعت رعداً ورأيت برقاً وأبواب السماء قد فتحت، ونزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ونبينا محمد|، ومعهم جبرئيل وخلق من الملائكة، فدنا جرئيل من التابوت وأخرج الرأس وضمّه إليه وقبّله، وكذلك فعل الأنبياء، فقال جبرئيل: «يا محمد، إن الله تعالى أمرني أن أطيعك في أمتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض وجعلت عاليها سافلها كما فعلت بقوم لوط». فقال النبي|: «لا يا جبرئيل فإن لي معهم موقفاً يوم القيامة بين يدي الله تعالى». ثم صلوا عليه، ثم أتى قوم من الملائكة وقالوا: إن الله تبارك وتعالى أمرنا بقتل الخمسين. فقال النبي محمد|: «شأنكم بهم». فجعلوا يضربونهم بالحراب، فقصدني واحد منهم بحربة ليضربني فقلت: الأمان الأمان يا رسول الله. فقال: «اذهب فلا غفر الله لك». فلما أصبحت رأيت أصحابي جاثمين رماداً.

 وروي عن القطب الراوندي بإسناده إلى سلمان بن مهران قال: بينما أنا في الطواف إذ رأيت رجلاً يدعو ويقول: اللهم اغفر لي وأنا اعلم أنك لم تفعل. فارتعدتْ لذلك فرائصي، فدنوت منه وقلت: يا هذا إنك في حرم الله وحرم رسوله في شهر عظيم، فلِمَ تيأس من مغفرة الله تعالى؟ فقال: يا هذا ذنبي عظيم. قلت: أعظم من جبر تهامة؟ قال: أعظم. قلت: يوازن الجبال الرواسي؟ فقال: نعم، فإن شئت أخبرتك. قلت: أخبرني. قال: اخرج بنا عن الحرم. فخرجت معه، فقال: أنا أحد العسكر الميشوم، عسكر عمر بن سعد (لعنه الله) حين قتل الحسين، وكنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين إلى يزيد (لعنه الله) من الكوفة، فلما حملناه إلى الشام نزلنا على دير النصارى، وكان الرأس معنا مركوزاً على رمح طويل ومعه الحراس، فوضع لنا طعام لنأكل، فإذا بكف على حائط الدير تكتب:

أترجوا أمة قتلت حسيناً

شفاعة جده يوم الحساب

قال فجزعنا جزعاً شديداً‌ وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذها، فغابت ثم عاد أصحابي ليأكلوا الطعام، وإذا بالكف قد عادت تكتب:

فلا والله ليس لهم شفاعة

وهم يوم القيامة في العذاب

فقام بعض أصحابنا إليها ليأخذوها، فغابت، فعادوا إلى الطعام، فعادت تكتب:

وقد قتلوا الحسين بحكم جور

وخالف حكمهم حكم الكتاب

فامتنعت من الطعام وما هنا لي أكلٌ ولا شربٌ. ثم أشرف علينا راهب من الدير فرأى نوراً ساطعاً ‌من فوق الرأس الشريف، فنظر فرأى عسكراً، فقال للحراس: من أنتم ومن أين جئتم؟ قالوا: من العراق، حاربنا الحسين. قال: ابن فاطمة بنت نبيكم وابن عم نبيكم؟ قالوا: نعم. قال: تباً‌ لكم، والله لو كان لعيسى بن مريم ابن لحملناه على أعناقنا، ولكن لي إليكم حاجة. قالوا له: وما هي؟ قال: قولوا لرئيسكم عندي عشرة آلاف درهم ورثتها من آبائي يأخذها ويعطيني الرأس يكون عندي إلى وقت الرحيل، فجاؤوا إلى ابن سعد وأخبروه. فقال: خذوا منه الدراهم وادفعوا إليه الرأس إلى وقت الرحيل. فجاؤوا إلى الراهب فقالوا له: هاتنا المال حتى نعطيك الرأس. فأدلى لهم جرابين في كل جراب خمسة آلاف درهم. فدعا ابن سعد بالناقد ووالوازن ووزنوها ودفعها إلى خازن له وأمر أن يعطي الرأس، فأخذ الراهب الرأس فغسّله وحنّطه وحشّاه بمسك وكافور، ثم جعله في حرير ووضعه في حجره، ولم يزل ينوح ويبكي حتى نادوه وطلبوا منه الرأس. فقال: يا ابن رسول الله لا أملك إلا نفسي، فإذا كان يوم القيامة فاشهد لي عند جدك رسول الله أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أسلمت على يدك وأنا مولاك. ثم قال: إني أحتاج أن أكلّم رئيسكم بكلمة وأعطيه الرأس، فدعا عمر بن سعد (لعنه الله) وقال: سألتك بالله ألا تعود إلى ما كنت تفعل بهذا الرأس، ولا تخرجه من هذا الصندوق، فأعطاه الرأس، وسار ابن سعد (لعنه الله)، فلما دنا من دمشق قال لأصحابه: انزلوا، وطلب من خازنه الجرابين، فأحضرها بين يديه، فنظر إلى خاتمه ثم أمر أن يفتح، فإذا بالدنانير قد تحوّلت حزفاً، فنظر في سكّتها فاإذا على جانبها مكتوب:

(ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون).

وعلى الجانب الآخر مكتوب:

(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

قال ابن سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، خسرت الدنيا والآخرة. ثم قال لغلمانه: اطرحوها في النهر. فطُرحت في النهر، ورحل إلى دمشق.

قال السيد ابن طاووس: فلما قاربوا دمشق، دنت أم كلثوم من الشمر (لعنه الله) وكان في جملتهم، فقالت له: لي إليك حاجة. فقال الملعون: ما حاجتك؟ قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في طريق قليل النضارة، وأن يخرجوا هذه الرؤوس من بين تلك المحامل ويتنحوا بها عنّا، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحالة. فأمر (لعنه الله) في جواب سؤالها أن تُجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل، وسلك بهم بين النظارة على تلك الحالة حتى أتى بهم إلى دمشق.

‌وروي عن الزهري: أنه لما جاءت الروس كان يزيد (لعنه الله) في منظرة جيرون فأنشد يقول:

لما بدت تلك الحمول وأشرفت
نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح

تلك الرؤوس على ربى جيرون
إني قضيت من النبي ديوني

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top