يوم الأربعين ـ ٥

يوم الأربعين ـ ٥

ثم أمر ابن زياد (لعنه الله) فنُصبت الرؤوس كلها على الخشب بالكوفة، وهي أول رؤوس أُصلبت في الإسلام بعد رأس مسلم ابن عقيل. وكتب ابن زياد (لعنه الله) إلى يزيد (لعنه الله) يخبره بقتل الحسين وأهل بيته، فلما وصله كتاب ابن زياد أمره بحمل الرأس الشريف ورؤوس أهل بيته معه، وحَمْل ثقله ونسائه وعياله.

 فأرسل ابن زياد رأس الحسين× مع رؤوس أهل بيته وأصحابه مع زجر بن قيس، وأنفذ معه أبا بردة ابن عوف، وطارق ابن ظبيان، وجماعة من أهل الكوفة إلى يزيد (لعنه الله)، ثم أمر ابن زياد بنساء الحسين وصبيته فجهزوا، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، وفي رواية في يديه ورقبته، ثم سرح بسهم في أثر الرؤوس مع محقر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وحملوهم على الأقتاب وساروا بهم يسارى كما يسار بسبايا الكفار. فوا حر قلباه، ووا اسفاه، ووا عجباً لحلم الله، أتسبى بنات رسول الله، وبنات آكلة الأكباد وعواهر مرجانة تصان في الخدور؟! إنه لخطب يذيب صم الصخور ولله در من قال:

بنات آكلة الآكباد في كلل
وبالعزيز على الهادي النبي بأن
ورب ذات حجاب من كرائمه
تدعو وتعلم ما في القوم مستمع
لله في رحم للمصطفى قطعت
أمثل شمر لحاه الله يحملنا
ويولغ السيف في نحر ابن فاطمة

والفاطميات تصلى في الجواهير
يرى العزيزات في ذل وتحقير
تخاطب القوم في وعظ وتذكير
لكنها نفثة من صدور مصدور
من بعده وذمام غير مخفور
شعث النواصي على الأقتاب والكور
لله ما صنعت أيدي المقادير

قال: وساروا بحرم الرسول سيراً حثيثاً حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس، فلما وصلوا وادي النخيلة نزلوا بها ليلاً وبانوا فسمعوا نساء الجن يندبن الحسين× وينشدن الأشعار ويبكين ويقلن:

نساء الجن أسعدن نساء الهاشميات
يولون ويندبن بدور الفاطميات

بنات المصطفى أحمد يبكين شجيات
ويلبسن ثياب السود من عظم المصيبات

ويندبن حسيناً عظمت تلك الرزيات

وفي البحار عن كتاب المناقب: لما جاؤوا برأس الحسين× ونزلوا منزلاً يقال له قنسرين، اطّلع عليهم راهب من صومعته، فنظر إلى الراس فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه إلى عنان السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهم وسألهم أن يدفعوا له الرأس ليكون عنده إلى  وقت رحيلهم. فقالوا: نعم. وأخذ الرأس الشريف وأدخله صومعته، فسمع صوتاً ولم يرَ شخصاً وهو يقول: «طوبى لك ولمن عرف حرمتك». فرفع الراهب صوته وقال: يا رب بحق عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلم معي، فتكلّم الرأس وقال: «يا راهب، أي شيء تريد؟» قال: من أنت؟ قال: «أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، وأنا المقتول بكربلاء، وأنا المظلوم بكربلاء، أنا العطشان الغريب». فوضع الراهب وجهه على وجهه وقال: والله لا أرفع وجهي حتى تقول أنا شفيعك يوم القيامة. فتكلّم الرأس الشريف وقال: «ارجع إلى دين جدي محمد|». فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فقبل له الشفاعة.

 فلما أصبحوا، أخذوا منه الدراهم والرأس الشريف، فلما بلغوا الوادي نظروا إلى الدراهم فإذا هي قد صارت حجارة.

وروي عن أبي سعيد الشامي قال: كنت يوماً مع الكفرة اللئام الذين حملوا الرأس والسبايا إلى الشام، فلما وصلوا إلى دير النصارى بلغهم أن نصر الخزاعي قد جمع عسكراً ويريد أن يهجم عليهم نصف الليل ويقتل الأبطال ويجدل الشجعان ويأخذ الرؤوس والسبايا. فقال رؤساء العسكر من عظم اضطرابهم: نلجأ الليلة إلى الدير ونجعله كهفاً لنا؛ لأن الدير كان محكماً لا يقدر أن يتسلّط عليه العدو. فوقف شمر (لعنه الله) مع أصحابه على باب الدير وقال: يا أصحاب الدير! فخرج إليه القسيس، فلما رأى العكسر قال لهم: ما شأنكم وما تريدون؟ فقال شمر: نحن من عسكر عبيد الله بن زياد، ونحن سائرون إلى الشام. فقال القسيس: لأي غرض؟ قال: كان شخص في العراق قد تباغى وخرج على يزيد بن معاوية فبعث إليهم عسكراً عظيماً فقتلوهم وهذه رؤوسهم، وهذه النسوة سبيهم. قال: فلما نظر القسيس إلى رأس الحسين وإذا بالنور ساطعاً منه إلى عنان السماء، فوقع في قلبه هيبته، وقال القسيس: ديرنا لا يسعكم ولكن ادخلوا الرؤوس والسبايا إلى الدير واحيطوا أنتم بالدير من خارج، فإذا دهمكم عدو قاتلوه ولا تكونوا مضطربين على الرؤوس والسبايا. فاستحسنوا كلام القسيس وقالوا: هذا هو الرأي. فجلعوا رأس الحسين في صندوق وقفلوه وأدخلوه إلى الدير هو والنساء وزين العابدين، وجعلوهم في مكان يليق بهم. قال: ثم إن صاحب الدير أراد أن يرى الرأس الشريف وجعل ينظر حول البيت الذي فيه الصندوق، وكان له رازونة، فنظر منها فرأى في البيت نوراً مشرقاً، ورأى سقف البيت قد انشقّ، ونزل من السماء تخت عظيم، وإذا بامرأة عظيمة الشأن أحسن من الحور العين جالسة على ذلك التخت، وإذا بشخص يصيح: أطرقوا ولا تنظروا، وإذا قد خرجت من البيت نساء، وإذا هنّ حوى وصفية وأم اسماعيل وأم موسى ومريم وآسية. قال: فأخرجن الرأس من الصندوق وكل من تلك النساء واحدة بعد واحدة تقبل الرأس الشريف، فلما وقعت النوبة على مولاتي فاطمة غُشي عليها وعلى صاحب الدير، وعاد لا ينظر بالعين بل يسمع الكلام، وإذا بقائلة تقول: «السلام عليك يا مظلوم الأم، السلام عليك يا شهيد الأم، لا يتداخلك هم ولا غم فإن الله سيفرّج عني وعنك يا بني. من ذا الذي فرّق بين رأسك وبدنك يا بني؟ من ذا الذي قتلك وظلمك يا بني؟ من ذا الذي سبا حريمك يا بني؟ من ذا الذي أيتم أطفالك؟» ثم إنها بكت بكاءً شديداً. فلما سمع الديراني اندهش ووقع مغشياً عليه، فلما أفاق من غشوته نزل إلى البيت وكسر الصندوق وأخرج الراس وغسّله وقبّله وحنّطه بالكافور والزعفران، ووضعه في قبلته وهو يبكي ويقول: يا رأس أجل من كل رؤوس بني آدم، ويا كريم ويا عظيم جميع من في العالم، أظنك من الذين مدحهم الله في التوراة والإنجيل، وأنت الذي أعطاك التأويل؛ لأن خواتين سادات بني آدم في الدنيا يبكين عليك ويندبنك، أما إني أريد أن أعرفك باسمك ونعتك. فنطق الرأس الشريف بقدرة الله تعالى وقال: «أنا المظلوم، أنا المغموم، أنا الذي بسيف العدوان والظلم قُتلت، أنا الذي بحرب أهل البغي ظُلمت، أنا الذي على غير جرم نهبت، أنا الذي من الماء مُنعت، أنا الذي عن الأوطان بُعدت». قال صاحب الدير: بالله عليك زدني. فقال: «إن كنت تريد حَسَبي ونَسَبي أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن العروة الوثقى، أنا شهيد كربلاء، أنا قتيل كربلاء، أنا غريب كربلاء، أنا مظلوم كربلاء، أنا عطشان كربلاء، أنا وحيد كربلاء، أنا سليب كربلاء، أنا الذي خذلوني بأرض كربلاء». قال: فلما سمع صاحب الدير من رأس الحسين ذلك جمع أصحابه وحكى لهم الحكاية، وكانوا سبعين رجلاً، فضجوا بالبكاء والعويل ورموا العمائم عن رؤوسهم، وشقّوا أزياقهم، وجاؤوا إلى زين العابدين وقد قطعوا الزنار، وكسروا الناقوس، واجتنبوا فعل اليهود والنصارى، وأسلموا على يديه وقالوا: يا بن رسول الله| مرنا أن نخرج إلى هؤلاء الكفار ونقاتلهم ونجلي صدى قلوبنا، ونأخذ بثأر سيدنا ومولانا الحسين بن علي. فقال لهم الإمام: «لا تفعلوا، فإنهم عن قريب ينتقم الله منهم ويأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدرٍ».

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top