سورة القدر / عظمة الخالق

سورة القدر / عظمة الخالق

قال تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} 

لا شك أن كلمة «إنا» تدل على الجماعة، ولكنها ليست محصورة في ذلك، بل يجاء بها للتعظيم أيضاً، فلا مجال لمن أراد القول بتعدد الآلهة أن يستدل بها على ذلك؛ فإنّه جلّ وعلا جاء بها للتعظيم لا للتعدد. وحملها على الجماعة في مقام الألوهية محال؛ لأنّ الأدلّة العقلية لا تدل إلّا على واحد، فلا يصح وجود إله غيره؛ لأنه لو وجد إله غيره فلا يخلو؛ إما أن يكون كل واحدٍ منهما محتاجاً إلى الآخر، فيسقط مقامهم جميعاً عن مقام الألوهية؛ لأنّ المحتاج إلى غيره لا يكون إلهاً وإما أن يكون كل واحد منهما مستغنياً عن الآخر، فيسقط مقامهما عن مقام الألوهية أيضاً؛ لأنّ المستغنى عنه لا يكون إلهاًً. ولذا قالت الصديقة الطاهرة÷ في خطبتها المشهورة: «وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريک له، کلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفکر معقولها»، يعني أن العقل لا يحکم إلّا بوجود إله واحد.

إذن فالإله إله واحد لا شريك له ولا عديل، وكلمة {إنَّا} في هذه الآية وفي غيرها إنّما هي للتعظيم، وهو أهل الكبرياء والعظمة.

ولعله جلّ وعلا أراد أيضاً في هذه الآية وأمثالها، كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}: نسبة نزول القرآن الكريم إلى مقامه العظيم تعظيماً للقرآن الذي وصفه جلّ وعلا بالعظمة، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}؛ لأنّ کل ما ينسب إلى العظيم فهو عظيم.

ومن هذا الباب العرش فإنّه تعالى وصفه بالعظمة فقال: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}، کل ذلک من باب أن کل ما ينسب إلى العظيم فهو عظيم، ولذلک عظم کبش الفداء لإسماعيل(عليه السلام) فقال تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} ومن أمعن النظر في هذه الأشياء يجدها عظيمة معنوياً، فعظمة القرآن؛ لأنّه شفاء وهدى ورحمة ونور، وعظمة العرش لأنّه مرکز عبادة وتعظيم لله، فهو في السماء أشبه شيء بالکعبة في الأرض، قال تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

وعظمة کبش إسماعيل لأنّه جلّ وعلا خلقه من غير أب وأم کما خلق آدم، وفدى به نبيه إسماعيل(عليه السلام) الذي أسلم نفسه للذبح طاعة لربه في صغره، ثم أخرج الله منه الذرية الصالحة التي منها سيد الأولين والآخرين محمد(صلى الله عليه وآله) في کبره. وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أنا ابن الذبيحين»، يعني إسماعيل ووالده عبدالله.

یتبع … 

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top