سورة العلق / 10

سورة العلق / 10

قال تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾

كلا، هنا للتحقيق أو للزجر ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ هذا الطاغي، وهو أبوجهل، عن تكذيبك يا محمد وإيذائك ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾. وكلمة لنسفعاً فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الخفيفة، وقد أبدلت النون ألفاً وهو شيء جائز عند النحويين، ولا سيما في حالة الوقف. وللسفع عدة معان؛ منها: الجر من الناصية بشدة فيكون المعنى لئن لم ينته لنجرنّه من ناصيته إلى النار بشدة.

قالوا: ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾([1])؛ لأنّ علاقة النواصي بالأقدام أن تحت الناصية التي نمسح عليها في وضوئنا ونندفع إلى وضع أيدينا عليها عند النوم على أخطائنا وعند التفكر في أمورنا تحتها منطقة في الدماغ تسمّى منطقة الإرادة، ينبعث منها كل ما يريده الإنسان من خير وشر، فإذا انبعثت منها إرادة الشر مشت الأقدام لتحقيق ما أراد صاحب الناصية من الشر، فيحصل بينهما الاشتراك في الجريمة، ولذلك تشد ناصية المجرم الكاذبة الخاطئة التي أرادت الشر بقدميه اللتين سعتا به إلى تحقيق تلك الإرادة ويسحب إلى النار، نستجير بالله من النار.

قالوا: وإنّ اكتشاف منطقة الإرادة من الدماغ مما يصدق عليه قول ابن عباس&: إنّ في القرآن معانٍ يبينها الزمن. فقد قالوا: إنّه لو قدر للطب أن يستأصل هذه المنطقة من دماغ الإنسان بسلام لعاش ذلك الإنسان بدون إرادة، فيكون أشبه شيء بالإنسان الآلي، فإذا  قيل: اجلس جلس وإذا قيل له: قم قام إلى غير ذلك من الأشياء؛ لأنّه يعيش بدون إرادة، وقد نسب الله إليها تلك الإرادة الخبيثة التي تنبعث منها بقوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾.

ومن اللطيف أنّ هذه الآيات المباركة نزلت في أبي جهل بسبب تعديه على رسول الله(ص) وعلى غيره من المسلمين، فلمّا قتل يوم بدر سحب ابن مسعود (رضي الله عنه) رأسه من ناصيته إلى رسول الله(ص)، فصدقت عليه هذه الآية الكريمة في الدنيا قبل الآخرة.

روي الفخر الرازي وغيره: أنّه لما نزلت سورة الرحمن قال النبي لأصحابه: «من يقرؤها منكم على قريش؟» فقال ابن مسعود: أنا، فأجلسه النبي خوفاً عليه، ثمّ كرّر النبي قوله ثلاث مرات، فلمّا لم يقم غير ابن مسعود أذن له، فتوجه إلى قريش وكانوا مجتمعين عند الكعبة فافتتح قراءة السورة المباركة، فقام إليه أبو جهل فلطمه وشقّ أذنه وأدماه، فانصرف وعيناه تدمعان. فلما رآه النبي رقّ له وأطرق برأسه مغموماً، وإذا بجبرئيل قد نزل ضاحكاً مستبشراً، فقال له النبي: «ابن مسعود يبكي وأنت تضحك!»، فقال له: ستعلم ذلك فيما بعد.

فلما انتصر المسلمون يوم بدر أخذ ابن مسعود ينظر في القتلی فرأى أبا جهل يتشحط بدمه فجلس على صدره، فقال له أبو جهل: يا بن رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقاً صعباً أما إنّه ليس شيء أعظم عليّ من قتلك إياي دع رجلاً من المطلبيين يتولى قتلي، فقال له ابن مسعود: إنّي قاتلك، قال: فإذا كلا ولا بدّ فاقط رأسي من أصل العنق ليراه محمد مهيباً في عينه، وبلغه عنّي أنّه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي ولا أحد أبغض إلي منه بعد مماتي. قالوا: فقال ابن مسعود: إنّي سأقطع رأسك من تحت الحنك وفعل ذلك، ثمّ كره أن يحمله فأخذ يجره من ناصيته على الأرض حتى جاء به إلى النبي وكان جبرئيل عنده فضحك، وذكر النبي بذلك اليوم السابق لأبي جهل مع ابن مسعود (رضي الله عنه) قالوا: وقد تحقق بسحب ابن مسعود لرأس أبي جهل من ناصيته على الأرض أنّ قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي ذلك في الدنيا قبل الآخرة. ولمّا بلّغ ابن مسعود رسول الله مقالة أبي جهل، قال: «فرعوني أشد من فرعون موسى(ع)؛ فإنّ فرعون موسى(ع) حين أدركه الغرق قال: آمنت أنّه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، وفرعون هذه الأمة ازداد عتواً ونفوراً». ثمّ أمر برد رأسه إلى جسده.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top