سورة القدر/ ليلة القدر وأهل البيت(ع)

سورة القدر/ ليلة القدر وأهل البيت(ع)

 قال تعالی: بسم الله الرحمن الرحيم {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}.

لقد تقدم أنّ کلمة {وَمَا أَدْرَاكَ} جاءت هنا للتعظيم والتشريف والتکريم، فهي ليلة عظيمة کريمة شريفة، وزادها شرفاً إلى شرفها، وکرامة إلى کرامتها نزول القرآن فيها، لأنّه نزل للهداية والشفاء والرحمة، وقد أخبر القرآن عن نفسه بنفسه أنه نزل لذلک فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. ومعنى {هُدًى لِلنَّاسِ} يعني أنه أنزل لهداية الناس الذين يلتمسون الهداية منه. أما من يکابر القرآن ويعانده فإنّه لا ينتفع به. ومثلاً من ذلک أنّ القرآن يقول بصراحة في آية المباهلة وغيرها أن الحسنين ابنا رسول الله|، فلماذا يجرد السيف على من يقول ذلک حتى ممن يحفظ القرآن ويعلمه کالحجّاج؟ فقد کان يحفظ القرآن ويعلمه قبل أن يکون أميراً، وإذا هو يريد أن يضحي بيحيى بن يعمر العدواني (رضي الله عنه)؛ لأنّه يقول إن الحسنين ابنا رسول الله| باختيارهم ومن تلقاء أنفسهم؛ لأنّ العدالة الإلهية لا تجيز الجبر، وإن کان ذلک في مقدوره جلّ وعلا، ولذلک قال تعالی: {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاً}، ثم قالت الآية: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}: البينات: جمع بينة وهي الدلالة الواضحة الکافية لإتمام الحجة عقلاً، قال تعالی: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}.

والمعنی: ليهلک من هلک بالکفر عن بينة من غير شبهة، ويحيا من حيَّ بالإيمان عن بينة من غير شبهة، فإنّ القرآن فرقان يفرق بين الحق والباطل ومن أجل ما فيه من الهداية والفرقان أمر الله جلّ وعلا بقراءته، فقال: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}. وأمر باستماعه والإصغاء إليه، فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

ومن أجل أن تبقی الهداية موجودة به إلی الأبد حفظه الله من التحريف والتبديل والتغيير، ومن ادعی فيه شيئاً من ذلک فهو معاند، أو مغالط، أو مشتبه. وکلهم علی غير هدی؛ لأنّ الله جلّ وعلا يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

وقد أجمع المفسرون علی أن المراد بالذکر في هذه الآية هو القرآن الکريم، وأن الضمير في کلمة {لَهُ} يعود عليه لا علی غيره، فهو محفوظ من الله جلّ وعلا من کل ما يمس بکرامته، أو ينقص من شأنه کالتحريف، ويقول تعالی: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. والتحريف باطل ولا يمکن أن يصل إليه بحال.

وعلی فرض حصول من يدعي التحريف من المسلمين، فإنّه يعني التحريف في المعاني لا في المباني، يعني أنه يعني التحريف في التفسير والتأويل، وأسباب النزول والتدليل لا في نفس الألفاظ والکلمات، والمقاطع والآيات.

ومما ساعد بعضهم علی هذا الاعتقاد ما روي عن معاوية أنّه وقف على ابن عباس وهو في حلقته العلمية، فقال له: يابن عباس، إنّا قد کتبنا إلی الناس ننهاهم عن ذکر مناقب علي× وأهل بيته^، فکف لسانک يابن عباس. فقال: أتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، فقال: أفتنهانا عن تفسيره وتأويله؟ قال: نعم. فقال: فنقرأه ولا نسأل عمّا عنی الله به؟ قال: نعم. فقال: فأيهما أوجب علينا قراءته أم العمل به؟ قال: بل العمل به. فقال: فکيف نعمل به ونحن لا نعلم ما عنی الله به؟ قال: نسأل عن ذلک من يتأوله علی غير ما تتأوله أنت ولا أهل بيتک. فقال: إنما أنزل القرآن علی أهل بيتي، أفأسأل عنه آل أبي سفيان أو آل أبي معيطٍ؟ فقال: يابن عباس اکفني نفسک، وکفّ عني لسانک، وإن کنت لابدّ فاعلاً فليکن ذلک سراً.

ومن هذه القصة وأمثالها ــ لو کان في التاريخ أمثالُها ــ نعلم أنه قد وجد في المسلمين من يتأول القرآن علی غير ما عنی الله به طالما أن خال المؤمنين وخليفة المسلمين أراد منهم ذلک، وإذا کان ابن عباس أبی أن يستجيب له فإنّه لابدّ أن في الناس من يستجيب له؛ لأنّ أکثر الناس علی دين ملوکهم. ومما حصل من ذلک قولهم: إنّ آية التطهير تعني زوجات الرسول| فقط، ولا علاقة لها بعلي وفاطمة وابنيهما، مع أنهم يروون حديث الکساء الذي روته أم سلمة (رضي الله عنها)، ويروون أنّ رسول الله| لما نزلت عليه آية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} کان| يجيء إلی باب بيت فاطمة÷ وقت صلاة الغداة نحو ثمانية أشهر ويقول: «الصلاة يرحمکم الله». ثمّ يقرأ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ}.

ومن ذلک قولهم: إنّ آية المودة تعني کل قرابات الناس، فمعناها: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}: في قرباکم، مع أنهم يعلمون أنّ مودة الناس لقراباتهم وإن کانت أمراً حسناً، ولکنها لا علاقة لها بأجر رسالته، وإنما أجر رسالته في مودة قرابته. وقال الشافعي (المتوفى بتاريخ 30 / 7 / 204 هجرية): حيث يقول

يا أهل بيت رسول الله حبُّکُمُ

فرض من الله في القرآن أنزلَهُ

يکفيکُمُ من عظيم الشأن أنکمُ

من لم يصلِّ عليکم لا صلاة لَهُ

وقد أشار& في البيت الأول إلی آية المودة المذکورة، وفي البيت الثاني إلی ما روي في سنن الدارقطني (المتوفى بتاريخ 8/11/385 هجرية) عن ابن مسعود عن رسول الله| أنه قال: «من صلی صلاة لم يصلِّ فيها علي وعلی أهل بيتي لم تقبل منه».

ويقولون: إنّ آية {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} تعني القرآن فقط، ولا علاقة لها بأهل البيت من قريب ولا من بعيد؛ مع أنهم يروون حديث الثقلين، ويعلمون أنه| قرن الکتاب بالعترة، وجعل الهداية وعدم الضلال في التمسک بهما معاً لا بأحدهما دون الآخر. قال الإمام الشافعي :

ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغيِّ والجهلِ

رکبت علی اسم الله في سفن النجا

ووهم آل بيت المصطفی سيّد  الرسلِ

وأمسکت حبل الله وهو ولاؤهم

کما قد اُمرنا بالتمسّک بالحبلِ

وقد أشار& في البيتين الأولين إلی حديث «أهل بيتي کسفينة نوح من رکبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوی». وأشار في البيت الثالث إلی آية الاعتصام المذکورة.

ويقولون: إنّ آية {أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} تعني عامة الولاة، حتی يزيد بن معاوية وأمثاله، وبذلک يکون الناس قد أطاعوا الله جلّ وعلا في طاعتهم ليزيد بن معاوية في قتل الحسين بن رسول الله| وسيد شباب أهل الجنة. فأيّ تحريف أعظم من هذا التحريف؟! ثمّ أي أثر يبقی للقرآن الکريم في هداية العقول، وشفاء القلوب بعد أن يحصل لآياته مثل هذا التأويل؟! ولهذا ورد في الحديث الشريف: «کم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه»؛ وذلک لأنّه يقرأ القرآن ولا يتدبره، ولا يدري ماذا يعني، ومن ذا يريد.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top