سورة القدر / عظمة الخالق٢

سورة القدر / عظمة الخالق٢

وإذا کان کل ما ينسب إليه فهو عظيم فهو جلّ وعلا أولى بالعظمة، وقد وصف نفسه جلّ وعلا بالعظمة في آيات كثيرة منها آية الكرسي: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، وآية: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، وغيرهما من الآيات الكثيرة. وقد أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمته بأن يجعلوا هذه الآية في ركوعهم؛ وذلك؛ لأنّه أراد أن يعلّم الناس أن الركوع عبارة عن الانحناء لعظمته جلّ وعلا، فأراد أن تكون الآية في الحالة المناسبة لها، كما أمرهم أن يجعلوا: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} في سجودهم لأنّه أراد أن يعلّم الناس أنّ السجود هو غاية ونهاية الانخفاض لعلوه المعنوي جلّ وعلا، فأراد أن تكون هذه الكلمة في الحالة المناسبة لها أيضاً. وذلك من الحكمة التي كان يعلمها المسلمين، كما قال عنه ربّه جلّ وعلا: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}؛ لأنّ من الحكمة وضع الشيء في مواضعه. وقد قال بعض فقهائنا بوجوب هاتين الکلمتين في محلهما الذي قرّره رسول الله(صلى الله عليه وآله) لهما، فلو وضع إحداهما في محل الأخرى عامداً فإنّه لا يصح ذلک منه.

قال علماء اللغة: والعظمة في صفة الأجسام: الكبر والطول والعرض والعمق، فإذا قال تعالى في شأن بلقيس ــ حکاية عمّا قاله الهدهد عنها ــ : {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} فيعني: ولها عرش كبير. وبما أنّه جلّ وعلا ليس بجسم، فعظمته هي تجاوز قدر ذاته عن حدود الإحاطة به، فلا يعلم أحد كيف هو إلّا هو. قال بعضهم:

فيك يا أعجوبة الكو

   ***

ن غدا الفكر كليلا

أنت حيّرت ذوي اللّـ

   ***

ب وبلبلت العقولا

كلما أقدم فكري

    ***

فيك شبراً فرَّ ميلا

فإذا قلنا: إنّ الله جلّ وعلا أعظم من أن يوصف، يعني أنه أكبر من أن يوصف، ولذلك فإنّ كلمة الله أكبر هي كلمة الإجلال والتعظيم له جلّ وعلا.

قال القرطبي المتوفى 567 هجرية في تفسيره: «يقال: إنّ أبلغ كلمة للعرب في معنى الإجلال والتعظيم له جلّ وعلا هي كلمة «الله أكبر»، والکبر والکبرياء وأمثالهما من الصفات ــ کالجبار والمتجبر ــ مدحٌ لله جلّ وعلا وذم لغيره؛ وذلک لأنّ الکبر يحصل في الإنسان بسبب تصوره في نفسه أنّه أکمل وأعلى رتبةً من غيره. وهذا تصور غير صحيح بالنسبة إلى الإنسان، فليس من حقه أن يتکبر أو يتجبر، ولو فعل ذلک يکون مذموماً، أمّا بالنسبة إلى الله جلّ وعلا فلعلمه بکمال ذاته المقدسة، وشرفه وعلوه على مخلوقاته، فإنّ ذلک يکون حقاً له دون غيره؛ ولذلک جاء في الحديث القدسي: «الکبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أحرقته بناري ولا أبالي».

قال بعض الشعراء:

تواضع تکن کالنجم لاح من السما

       ***

على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تکُ کالدخان يعلو قتامه

       ***

على طبقات الجو وهو وضيع

ولذلك فهي إحدى الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلمات وهي: «سبحان الله» للتنزيه، و«الحمد لله» للشكر، و«لا إله إلّا الله» للتوحيد، و«الله أكبر» للتعظيم، وهنَّ من الباقيات الصالحات.

في كتاب مجمع البيان عنه(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «إذا عجزتم عن الليل أن تكابدوه، وعن العدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر؛ فإنهنّ من الباقيات الصالحات».

قال أهل العلم والمعرفة: وعلينا أن نستشعر عظمة الله جلّ وعلا في المسارعة إلى طلب رحمته بالتوبة إليه من ذنوبنا؛ فإنه ليس من تعظيم العظيم أن نبارزه بالمعاصي والذنوب. وقد جاء عنهم(عليهم السلام): «لا تنظر إلى معصيتک وانظر إلى من عصيت».

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في دعاء الصباح: إلهي من ذا يعرف قدرك فلا يخافك؟ ومن ذا يعلم ما أنت فلا يهابك؟.

كما يجب أن نعظمه باعتقاد أن عفوه ومغفرته أعظم من ذنوبنا وإن جلت وعظمت. وقد جاء في الدعاء: «إلهي إن كان ذنبي عندك عظيماً فعفوك أعظم من ذنبي، وإن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهل أن تبلغني وتسعني؛ لأنّها وسعت كل شيء».

وجاء في الحديث القدسي: أنا الذي لا يتعاظمني ذنب أن أغفره».

ويساعدنا على هذا الاعتقاد قوله جلّ وعلا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}.

یتبع …

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top