سورة العلق / 4

سورة العلق / 4

ولعلّ سائلاً يسأل فيقول: لمن هذه الآية الكريمة تقول: أنّه جلّ وعلا خلق الإنسان من علق وهناك آية أخرى تقول: إنّه جلّ وعلا خلق الإنسان من نطفة، وآية أخرى تقول: إنّه خلق الإنسان من ماء دافق، وآية اُخرى تقول: إنه خلق الإنسان من ماء مهين، وآية اُخرى تقول: إنّه خلق الإنسان من مني يمني؟ فما هو وجه الجمع بين هذه الآيات؟

الجواب: أنّ هذه الآيات لا تتحدث عن عدّة أشياء حتى تحتاج إلى جمع، وإنّما هي تتحدث عن شيءٍ واحد، فالنطفة هي الماء الدافق وهي الماء المهين وهي المني الذي يمنى، والعلقة شيء منها يتكون من مادتها ويسبح في مائها إلى أن تنزل إلى رحم الأم فتتصل بالبويضة ويتكون منها الجنين، ولو اتصلت بالبويضة علقتان أو أكثر كان الحمل توأماً بعدد تلك الحويمنات.

وقد اختلفوا في ذكورة الحمل وأنوثته هل هو من تأثير صلب الأب أو من تأثير رحم الأم؟ والمشهور بين أهل العلم والمعرفة أنّ هذا التكوين يحصل من تأثير صلب الرجل؛ لأنّ الله جلّ وعلا شبه الأم بالحرث، فقال جلّ وعلا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. أي نساءكم بمنزلة الأرض التي تزرعون فيها والأرض تنبث البذرة ولكنها لا تغير نوعها.

وقد أخبر القرآن الكريم الذي هو المصدر الأول لعقيدة الإنسان المسلم أنّ هذا التأثير الذي تحصل منه ذكورة الذكر وأنوثة الأنثی في صلب الأب إنّما هو من الله جلّ وعلا، قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾([1]). وقد أصبحت هذه العقيدة أمراً مسلماً بين المسلمين تفهمها رجالهم ونساؤهم. ومن الأدلة على ذلك قصة أبي حمزة الضبي الذي سخط على زوجته لأنّها لا تلد إلّا البنات بزعمه، فلمّا هجرها وأقام في بيت جارتها ولعلها ضرتها جعلت تقول في ذلك:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

 

 

يجلس في البيت الذي يلينا

 

يغضب أن لا نلد البنينا

 

 

وإنّما نأخذ ما أعطينا

 

فنحن كالأرض لباذرينا

 

 

نعطيهم ما زرعوه فينا

 

إلّا أنّ الناس وعلى الرغم من رسوخ هذه المعلومة في نفوسهم كانوا ولا يزالون يكرهون أن يلدوا البنات؛ حتی إنّ بعضهم يحسد تلك الظاهرة التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾([2]).

وفي تفسير العياشي عن الحسن بن سعيد اللخمي قال: ولدت لرجل من أصحابنا جارية فدخل على الإمام الصادق(ع) فرآه متسخطاً لذلك، فقال له(ع): «أرأيت لو أنّ الله أوحى إليك أنّي أختار لك أو تختار لنفسك ما كنت تقول؟» قال: كنت أقول: يا ربّ بل تختار لي، قال: «فإنّ الله قد اختار لك». ثمّ قال: «إنّ الغلام الذي قتله العالم حين كان مع موسى(ع) في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾([3])» قال: «فأبدلهما جارية أولدت سبعين نبياً».

يعني من أولادها وأحفادها وأسباطها، (فالخير فيما اختاره الله). ويكفينا أنّ ذرية الرسول| كلها من ابنته فاطمة ولا ذرية له من غيرها.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top