سورة العلق / 2

سورة العلق / 2

قال تعالی: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾

قال بعض المفسرين الأعلام: إنّ من الملفت للنظر أنّ الآية الكريمة ركزت على ذكر الربوبية أولاً ثمّ ذكرت الخالقية ثانياً، ومثلها آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([1])، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾([2]). إلى غير ذلك من الآيات المباركة التي تدل على أنّ الخالقية هي أقوى الأدلة على الربوبية، ولذلك دخلت الشبهة على بعض أتباع المسيح(ع) فنسبوه إلى الألوهية؛ لأنّه(ع) يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثمّ ينفخ فيه فيكون طيراً. والإبراء والإحياء والخلق من صفاة الألوهية.

وصدقوا في قولهم: إنّ هذه الأشياء من صفاة الألوهية، ولكنّ عيسى(ع) لم يفعلها بقدرته حتى يكون إلهاً وإنّما فعلها بإذن الله، فهو عبدٌ لله، قال جلّ وعلا: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ([3])، بل أنه يعترف على نفسه بالعبودية لله جلّ وعلا قولاً وعملاً.

وقد جاء في بعض مناظرات الإمام الرضا(ع) لجاثليق النصارى في مجلس المأمون: أنّه بعد أن احتج الجاثليق لألوهية المسيح(ع) بما تقدّم من الإبراء والإحياء والخلق، قال له الرضا(ع): «إنّا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمدٍ| وبشَّر به، وما ننقم على عيساكم شيئاً إلّا قلَّة صيامه وصلاته»، فقال الجاثليق: أفسدت علمك وضعّفت أمرك وما كنت أظنّ إلّا أنّك أعلم أهل الإسلام، فقال الرضا(ع): «وكيف ذلك؟» فقال الجاثليق: من قولك: إنّ عيسى(ع) قليل الصلاة قليل الصيام وما أفطر عيسى(ع) يوماً قط وما نام بليل قط وما زال صائماً نهاره قائماً ليله، فقال الرضا(ع): «فلمن كان يصوم ويصلي؟» ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.

ولما كانت الخالقية هي أقوى دليل على الربوبية فقد ركز عليها الأنبياء في احتجاجاتهم وتخاطبهم مع أممهم، فقال نوح(ع): ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾([4]). وقال الخليل ابراهيم× في احتجاجه علي نمرود ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ([5]). وإنّما احتج بالموت والحياة لأنّهما خلق من خلق الله، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾([6])، وقال تعالى محتجاً بالموت والحياة على عباده: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾([7]). إذاً فالموت والحياة مخلوقان، ولهذا احتجّ بها جلّ وعلا.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top